2018-12-17

سلافوي جيجيك: لنوقع عقدًا قبل ممارسة الجنس


ترجمة كاملة لمقال "توقيع عقد قبل ممارسة الجنس؟ يمكن للصوابية السياسية أن تدمر المشاعر"، للفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك.
عن روسيا اليوم – 25 ديسمبر 2017

ترجمة: أمير زكي

نُشرت الترجمة بموقع المنصة، 19 فبراير 2018

***



في الغرب، على الأقل، صار كل الناس واعين بشكل هائل بمدى القهر والاستغلال في العلاقات الجنسية.

ولكن علينا أيضًا أن نضع في أذهاننا الحقيقة (التي لا تقل أهمية) التي تقول إن ملايين الناس في الحياة اليومية يتغازلون ويمارسون لعبة الإغواء، بهدف واضح، وهو إيجاد شريك لممارسة الحب معه. ما وصلت إليه الثقافة الغربية الحديثة أنه من المتوقع من الجنسين أن يمارسا دورًا نشطًا في هذه اللعبة.

عندما ترتدي النساء ملابس مثيرة لجذب التحديق الذكوري، أو عندما يجعلن أنفسهن موضوعًا لإغوائهم، هن لا يفعلن ذلك كموضوعات سلبية، إنما هن فاعلات نشطات في عملية "تموضعهن"، يتلاعبن بالرجال، ويمارسن ألعابًا غامضة، منها الاحتفاظ بالحق الكامل في التوقف عن اللعب في أي لحظة، حتى إن بدا ذلك للتحديقة الذكورية متناقضًا مع "الإشارات" السابقة.

الحرية التي تتمتع بها النساء تزعج جميع أنواع الأصوليين، بداية من المسلمين الذين حظروا على المرأة مؤخرًا لمس ثمار الموز، وغيرها من الفواكه التي تشبه القضيب، واللعب بها، إلى الشوفينيين الذكور العاديين [في عالمنا الغربي]، الذين ينفجرون عنفًا ضد المرأة التي "تستثيرهم" أولًا ثم ترفض تقربهم.

التحرر الجنسي النسوي ليس مجرد انسحاب تطهري من "موضعتهن"، ولكنه الحق في اللعب بشكل نشط بالتموضع الذاتي، تقدم نفسها وتنسحب وفقًا لإرادتها. ولكن هل ما زال من الممكن أن نصرح بتلك الحقائق البسيطة، أم سيجبرنا ضغط الصوابية السياسية على أن نُلحق كل هذه الألعاب بإعلان قانوني/رسمي ما (للقبول، إلخ).

تفكير جديد

ظهرت فكرة حديثة، صائبة سياسيًا، يُطلق عليه "حقيبة القبول الواعي" وهي تباع حاليًا في الولايات المتحدة: حقيبة صغيرة بداخلها واق ذكري وقلم وحلوى منعشة للفم، وعَقْد بسيط يوضح أن المشاركين الاثنين يقبلان بكامل حريتهما ممارسة فعل جنسي. الاقتراح هو أن الطرفين المستعدين لممارسة الجنس إما أن يلتقطا صورة معًا وفي أيديهما العقد، أو يؤرخانه ويوقعانه معًا.

إلا أنه على الرغم من أن "حقيبة القبول" تواجه مشكلة واقعية للغاية، فهي تقوم بذلك بطريقة لا تعتبر سخيفة فحسب؛ ولكنها غير مثمرة – ما سبب ذلك؟

الفكرة الضمنية هي كيف يمكن إعلان الفعل الجنسي، إذا تخلص من كل أثر للقهر، قبل الفعل نفسه، كقرار واع حر للمشاركين الاثنين – وإذا شرحنا ذلك بالمصطلحات اللاكانية، ينبغي أن يسجل الآخر الكبير الفعل، ويضيفه إلى النظام الرمزي.

هذه الطريقة، "حقيبة القبول" هي مجرد تعبير متطرف عن موقف ينمو في أنحاء الولايات المتحدة – على سبيل المثال، مَرَّرَت ولاية كاليفورنيا قانونًا يطلب من كل الكليات التي تتلقى تمويلًا حكوميًا أن تتبنى سياسات تجبر الطلبة على الحصول على قبول مؤكد – وتحدده بأنه "موافقة مؤكدة وواعية وطوعية للخوض في نشاط جنسي" يعتبر "سليمًا"، ولم يُقَدِّم حينما يكون الشخص ثملًا، وذلك قبل الخوض في نشاط جنسي، وإلا سيعرض نفسه لمخاطرة المعاقبة بتهمة الاعتداء الجنسي.

الصورة الأكبر

"الموافقة المؤكدة الواعية الطوعية" مِن قِبَل من؟ أول شيء نفعله هنا هو أن نستعين بالثالوث الفرويدي: الأنا، الأنا العليا، الهو (بنسخة مبسطة: وعيي الذاتي، فاعلية المسؤولية الأخلاقية التي تفرض عليَّ الأعراف، مشاعري العميقة شبه المنكرة).

ماذا لو كان هناك صراع بين الثلاثة؟ إذا قالت أناي لا، تحت ضغط الأنا العليا، ولكن الهو قاومت وتمسكت بالرغبة المستنكرة؟ أو (في حالة أكثر إثارة للاهتمام) حدث العكس: قلت نعم للدعوة الجنسية، خاضعًا لشعور الهو، ولكن في وسط ممارسة الفعل، أثارت أناي العليا مشاعر ذنب غير محتملة؟

بالتالي سنصل إلى حالة عبثية، هل ينبغي توقيع عقد بين الأنا والأنا العليا والهو لدى كل طرف، ولا يكون الأمر مقبولًا إلا إذا قال الثلاثة نعم؟ بالإضافة إلى ذلك، ماذا يحدث لو استخدم الشريك الذكر بدوره حقه في التعاقد وتوقف وألغى الاتفاق في أي لحظة أثناء النشاط الجنسي؟ تخيلوا، بعد الحصول على قبول المرأة، عندما يكون الحبيبين المحتملين عاريين على الفراش، تُعَطِّل تفصيلة جسدية صغيرة (لنقل صوت التجشؤ الثقيل غير المحبب) السحر الحميمي وتجعل الرجل ينسحب؟ ألا يعتبر ذلك إذلالًا كبيرًا للمرأة؟

الأيدولوجيا التي تدعم هذا الترويج لـ "الاحترام الجنسي" تستحق نظرة أقرب. الصياغة الأساسية هي: "نعم تعني نعم!" ينبغي أن تكون نعم صريحة، وليس فقط غياب اللا. عدم التصريح بـ "لا" لا تعني تلقائيًا "نعم": لأنه إذا لم تقاوم المرأة المغواة بقوة، يترك هذا مساحة لأشكال مختلفة من القهر.

قاتل المزاج

ولكن هنا تتعدد المشكلات: ماذا لو كانت المرأة ترغب في ذلك كثيرًا ولكنها محرجة جدًا من التعبير عن ذلك صراحة؟ ماذا لو، للمفارقة، كان الشريكان يمارسان لعبة القهر كجزء من اللعبة الحميمية؟ و"نعم" لأي نمط من أنماط من النشاط الجنسي هي التي تعتبر "نعم" صريحة؟ هل ينبغي الآن أن يكون العقد أكثر تفصيلًا، وبالتالي تُحدد نقاط القبول الرئيسية: نعم للجنس المهبلي ولكن لا للجنس الشرجي، نعم للعق القضيب ولكن لا لبلع المني، نعم للضرب الخفيف على المؤخرة ولكن لا للضربات العنيفة، إلخ.

يمكن للمرء أن يتخيل تفاوضًا بيروقراطيًا طويلًا، يمكنه أن يقتل الرغبة في الفعل. هذه ليست مشكلات ثانوية، إنما تتعلق بأساس اللعب الحميمي الذي لا يمكن للمرء فيه أن ينسحب إلى موقف محايد، ويعلن استعداده (أو عدم استعداده) لفعله: كل فعل من هؤلاء هو جزء من اللعب وهو إما سينزع الحميمية عن الموقف أو يزيده حميمية.

القاعدة الجنسية التي تقول "نعم تعني نعم" هي حالة نموذجية للمفهوم النرجسي للذاتية المهيمنة اليوم. ذات تعتبر شيئًا ضعيفًا، شيئًا لا بد أن تحميه مجموعة معقدة من القواعد، يتم تحذيرها مسبقًا من كل التعديات التي يمكن أن تزعجه/تزعجها.

لنتذكر كيف مُنع فيلم "إي تي" في السويد والنرويج والدنمارك: بسبب تصويره غير المتعاطف مع الأكبر سنًا، ذلك الذي اعتُبر خطرًا على العلاقة بين الأطفال وآبائهم. (كانت هناك تفصيلة ثاقبة تؤكد الاتهام: في الدقائق العشر الأولى من الفيلم، صُور جميع الكبار من تحت أحزمتهم، كالكبار الذين يهددون توم وجيري في الكارتون).

من منظور اليوم، يمكن أن نرى هذا الحظر كإشارة مبكرة على هوس الصوابية السياسية الذي يسعى لحماية الأفراد من أي تجربة يمكنها أن تؤذيهم بأي شكل. ويمكن للقائمة أن تمضي بلا نهاية – لنسترجع الاقتراح الذي يدعو لحذف مشاهد التدخين من أفلام هوليود الكلاسيكية.

نعم، الجنس يخضع لوطأة ألعاب السلطة، والفواحش العنيفة.. إلخ، ولكن الشيء الذي يصعب الاعتراف به، هو أن هذه الأشياء متأصلة فيه. بعض المراقبين الثاقبين لاحظوا بالفعل كيف أن الشكل الوحيد من العلاقة الجنسية التي يخضع تمامًا لمعيار الصوابية السياسية سيكون هو العقد الذي يضعه شركاء سادومازوخيين.

بالتالي، صعود الصوابية السياسية وصعود العنف هما وجهان لعملة واحدة: طالما أن الافتراض الأساسي للصوابية السياسية هو تقليص الجنسانية إلى قبول تعاقدي مشترك. وكان اللغوي الفرنسي جان كلود ملنر، على حق في الإشارة إلى كيف وصلت الحركة المناهضة للتحرش بشكل لا يمكن تجنبه إلى ذروتها في العقود التي تحتوي على أشكال متطرفة من الجنس السادومازوخي (التعامل مع الشخص ككلب يحيطه طوق، والتجارة الجنسية، والتعذيب، وحتى القتل المقبول).

في تلك الأشكال المتعلقة بالعبودية بالتراضي، تنفي حرية التعاقد السوقية نفسها: تصبح تجارة العبيد هي التأكيد المطلق على الحرية. أنها أشبه بموتيف جاك لاكان "كانط مع ساد" (اللذية الوحشية للماركيز دو ساد باعتبارها حقيقة أخلاق كانط الصارمة) الذي يصير واقعًا بطريقة غير متوقعة. ولكن قبل أن نعتبر هذا الموتيف مجرد مفارقة مثيرة، علينا أن نتأمل كيف تعمل هذه المفارقة في واقعنا الاجتماعي نفسه.

-----


2018-12-13

فلسفتي – وودي آلان


فلسفتي
وودي آلان

ترجمة كاملة لقصة "فلسفتي" للمخرج السينمائي والكاتب الأمريكي وودي آلان.
نُشرت القصة لأول مرة في مجلة "النيويوركر" عام 1969.

ترجمة: محمد سيد عبد الرحيم

يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه.

***


John Minihan/Evening Standard/Getty Images


تَطَوُّر فلسفتي جاء من جراء ما يلي: دعتني زوجتي لتجربة أول سوفليه[1] تقوم بطهيه، وبالمصادفة أوقعت ملعقة مملوءة بالسوفليه على قدمي، فكسرت بذلك عدة عظام صغيرة. استُدعى الأطباء على الفور، فقاموا بعمل أشعة سينية، وبعد فحصها أمروني أن أمكث بالفراش لشهر كامل. وخلال فترة النقاهة تلك، اتجهت إلى قراءة أعمال بعض أهم مفكري المجتمع الغربي – كومة من الكتب كنت قد طرحتها جانبًا حتى يجيء ظرف مثل هذا الظرف. واستخفافًا بالترتيب التاريخي، بدأت بكيركيجور وسارتر، ثم انتقلت سريعًا إلى سبينوزا ثم هيوم ثم كافكا ثم كامو. لم أشعر بالملل مثلما كنت أظن، بالعكس لقد وجدت نفسي مشدوهًا بالهمة التي تعمل بها هذه العقول العظيمة لمهاجمة الأخلاق والفن والحياة والموت. أذكر تفاعلي مع ملاحظة معينة جد مضيئة لكيركيجور قال فيها: "مثل هذه العلاقة التي تتصل بذاتها عبر ذاتها (وهذا ما نسميه بذات) إما أنها قامت على ذاتها أو قامت على ذات أخرى". فجلال الفكرة جعلها تملأ عيناي بالدموع. رأيت أن لديه طريقة رائعة في التعبير عن أفكاره! (فأنا رجل عاجز أشد العجز عن كتابة جملتين كاملتين لهما معنى بموضوع مثل "يوم في حديقة الحيوان"). بعيدًا عن أن الفقرة بأكملها غير مفهومة لي، إلا أن ذلك لا يهم، ما دام كيركيجور سعيدًا بها. فجأة، أيقنت أن الميتافيزيقا هي العمل الذي خلقت لأجله، التقطت قلمًا وبدأت في الحال تدوين أول تأملاتي. تقدم العمل بسرعة، وبيومين فقط –مع الوضع في الاعتبار أوقات القيلولة و الأوقات التي أصوب فيها مسدس البلي على عيني الدب– أكملت عملي الفلسفي الذي أتمنى ألا يكتشفه أحد إلا بعد وفاتي، أو عندما نصل إلى عام 3000 (أيهما أقرب)، والذي، بكل تواضع، أرى أنه سيضعني في مكان محترم بين المفكرين الذين يتوجون التاريخ. وفيما يلي جزء صغير من الهيكل الأساسي للكنز الفكري الذي تركته للأجيال القادمة، أو الذي تركته حتى تأتي المرأة التي تنظف البيت.

أ‌-      نقد الفزع الخالص

الحيثية الأولى التي كان يجب عليَّ التفكير بها عند صياغة فلسفتي هي: ما الذي يمكن معرفته؟ وهذا يعني، ما الذي يمكن أن نتأكد من أننا نعرفه، أو نتأكد من أننا نعرف أننا نعرفه، إذا كان حقًّا يمكن معرفة أي شيء. أم أننا ببساطة قد نسينا ما عرفناه وخجلنا من أن نعترف بذلك؟ لقد أشار ديكارت إلى هذه المسألة عندما قال "عقلي لا يمكن أن يعرف جسدي، رغم أنه يعرف قدماي تمام المعرفة". أنا لا أقصد إطلاقا "بالمعرفة" المعرفة التي تصلنا عبر الإدراك الحسي، أو التي يمكن فهمها عبر الذهن، ولكني أقصد المعرفة التي تقال لتُعرف أو لإظهار امتلاكك المعرفة أو القدرة على المعرفة، أو على الأقل أستطيع تعريف المعرفة بأنها شيء يمكن ذكره لصديقك.

هل يمكن "معرفة" الكون؟ يا إلهي، أنه لمن الصعوبة بمكان أن لا تتوه في الحي الصيني فما بالك بالكون. ولكن المسألة هي: هل يوجد أي شيء خارجنا؟ ولماذا؟ وهل عليهم أن يكونوا مزعجين لهذا الحد؟ أخيرًا، لا يوجد شك أن الخصوصية الوحيدة لـ "الحقيقة" أنها تفتقد الجوهر. وهذا لا يعني أنه ليس لها جوهر، لكن فقط يعني أنها تفتقد الجوهر. (الحقيقة التي أتحدث عنها هنا هي كالحقيقة التي وصفها هوبز، لكنها أصغر قليلًا). وبالتالي من الأفضل التعبير عن الكوجيتو الديكارتي "أنا أفكر، إذن أنا موجود"، بقولنا "مرحبًا، ها هي إدنا تمضي حاملة الساكسفون!" لذا، فإذا أردنا أن نعرف شيئًا أو فكرة ما فعلينا أن نشك بها، وحينها يمكن ملاحظة الصفات التي تحملها في حالتها الآنية، وهي بالفعل "في ذات الشيء"، أو "بذات الشيء"، أو بشيء أو لا شيء. ومن البديهي أننا مع وصولنا إلى هذه النقطة فعلينا أن نغادر نظرية المعرفة لبرهة.

ب‌-   جدل علم الأخرويات كوسيلة للتغلب على الحزام الناري[2]

نعتقد أن الكون يتكون من مادة، وسوف نطلق على هذه المادة اسم "الذرات"، أو نطلق عليها "مونادات". أطلق عليها ديمقريطس اسم الذرات. وأطلق عليها ليبنتز اسم المونادات. ولحسن الحظ أن كلًا منهما لم يقابل الآخر وإلا لقام بينهما جدال ممل جدًا. تتحرك تلك "الجسيمات" عن طريق محرك مباشر أو غير مباشر، أو ربما قد حدث شيئًا ما في مكان ما لا نعرفه. الفكرة أنه من السابق لأوانه أن نفعل أي شيء يتعلق بهذا الموضوع، سوى أن نأكل كمية كبيرة من السمك النيء. وهذا بالتأكيد لا يفسر سبب خلود النفس. وبالتأكيد لا يخبرنا عن أي شيء متعلق بالحياة الأخرى، أو عن شعور عمي سندر أنه مراقب من الألبان. العلاقة السببية بين المبدأ الأول (كمثال: الله، أو الرياح القوية) وأي تصور غائي للوجود، هي وفقًا لبسكال "سخيفة جدا لدرجة أنها لم تصل إلى أن تكون مضحكة". يطلق شوبنهاور عليها "الإرادة"، لكن طبيبه يشخصها بحمى القش. وفي آخر حياته، أصبحت تنغص عليه حياته، أو ربما بسبب شكه المتزايد أنه ليس موتسارت.

ج- معرفة الكون بلا تكلفة تذكر

إذن، ما هو "الجميل"؟ هل هو التوافق مع الحق، أو التوافق مع شيء ما "كالحق"؟ من المحتمل أنه التوافق مع "الأرض" وهذا ما يسبب لنا المشكلة. مرة أخرى هل الحقيقة هي الجمال – أم "الضروري"؟ إذن، فما هو خير أو يحمل صفات "الخير" ينتج عن "الحقيقة". وإذا لم يحدث ذلك، فتستطيع أن تراهن أن هذا الشيء ليس جميلًا، رغم أنه ما زال يحمل صفة الوقاية من الماء. بدأت أشعر أني كنت مُحق منذ البداية وأن كل شيء عليه أن يتوافق مع الأرض. ممم. حسنًا.

حكايتان رمزيتان

اقترب رجل من قصر. كان مدخله الوحيد محميًا من قبل بعض الحراس الشرسين والذين لديهم أوامر محددة بأن لا يُدخلوا أحدًا سوى شخص يدعى يوليوس. حاول الرجل أن يرشو الحراس بإعطائهم مئونة سنة من قطع دجاج حسب اختيارهم. لم يزدروا عرضه ولكنهم لم يقبلوه، فقط التقطوا أنفه ولووها حتى بدت كمسمار مولي.[3] فقال لهم الرجل إن عليه الدخول إلى القصر لأنه قد أحضر معه ملابس الإمبراطور الداخلية. وعندما رفض الحراس مرة أخرى، بدأ الرجل يرقص رقصة الشارلستون. بدا أنهم قد استمتعوا برقصته إلا أنهم كانوا نكدي المزاج بسبب معاملة الحكومة الفيدرالية للنافاجويين.[4] وعندما انقطع نَفَسه، انهار الرجل أرضًا. مات قبل أن يرى الإمبراطور ولقد كان مدينا لعائلة ستاينواي[5] بستين دولارًا ثمن بيانو قد استأجره منهم في أغسطس الفائت.

*

أحمل رسالة للجنرال. أخذت أجري وأجري، لكن يبدو أن مقر الجنرال كان يبتعد أكثر فأكثر. أخيرًا، انقض عليَّ نمر أسود ضخم والتهم عقلي وقلبي. وقد أنهت هذه الحادثة ليلتي نهاية سيئة. ومهما حاولت، لم أستطع أن ألحق بالجنرال والذي أراه على مرمى البصر مرتديًا بنطلونًا قصيرًا وهامسًا لأعدائه بكلمتين فقط وهما "جوزة طيب".

حِكَم

من المستحيل أن يدرك المرء موته بموضوعية، ورغم ذلك فلدى المرء موقف محدد عن الموت.

*

الكون هو مجرد فكرة زائلة في عقل الله – بالتأكيد فكرة سيئة للغاية، خاصة إذا كنت قد دفعت مُقَدَمًا لشراء منزل جديد.

*

من الممكن أن يكون العدم الأبدي شيء رائع، فقط إذ ما ارتديت ملابس ملائمة.

*

إذا كان ديونسيوس[6] حيًا بيننا الآن! فتُري أين كان سيتناول طعامه؟

*

سأخبرك أن الله ليس موجودًا، وأضيف على ذلك أن عليك أن تستدعي سباكًا نهاية كل أسبوع.





[1] صنف من أصناف الكيك.
[2] مرض فيروسي مؤلم يتميز بظهور طفح جلدي على طول العصب المصاب.
[3] نوع مسامير.
[4] الذين ينتمون إلى قبيلة النافوجو وهي قبيلة من الهنود الحمر.
[5] ستاينواي وأولاده هي واحدة من أشهر الشركات التي تصنع البيانو.
[6] إله إغريقي.

2018-12-10

سلافوي جيجيك: علينا أن نتخلى عن قضية الدولة القومية


علينا أن نتخلى عن قضية الدولة القومية
سلافوي جيجيك

عن نيوستيتسمان، 3 ديسمبر 2018


ترجمة: أمير زكي
ديسمبر 2018

الترجمة خاصة بـ Boring Books
يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه.

***

الصورة من نيويورك ريفيو أوف بوكس


تشير الأخبار الأخيرة التي تأتينا من الحدود الأوكرانية الروسية إلى أننا نعيش بالفعل على شفا حرب. بالتالي، ما الذي علينا، نحن الناس العاديين، أن نفعله حين ينفجر الجنون العالمي؟

ربما ينبغي أن يكون رد فعلنا الفوري أن نواجه تلك الأخبار الكئيبة بمجموعة من الأخبار الأكثر كارثية. أوضحت التقارير العلمية الأخيرة أن نظامنا الغذائي العالمي معتل: وفقًا لـ 130 أكاديمية وطنية علمية  في أنحاء العالم، فمليارات الناس إما لا يحصلون على التغذية الكافية أو مصابين بالسمنة، وأن إنتاجنا الغذائي يتجه بالكوكب نحو كارثة مناخية. ولكي نحصل جميعًا على غذاء صحي متوافق مع البيئة فنحن بحاجة إلى تغيير راديكالي في النظام.

ولكن ليس النظام الغذائي العالمي وحده هو المعطوب. كما عرفنا من التقارير البيئية الغزيرة الأخيرة، فالتشخيص العلمي لمأزقنا بسيط وواضح: إذا لم نُقَلِّص انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 45 في المائة في خلال الإثني عشر عامًا التالية، ستغرق المدن الساحلية وسيتناقص الطعام، إلخ. ومجددًا إذا أردنا فعل ذلك نحن بحاجة إلى تغيير اجتماعي راديكالي سريع، سيؤثر بعمق على كل مجالات الحياة. إذن كيف نحقق ذلك؟

بخلاف التخلص السريع من الوقود المشبع بالكربون، هناك طريقة أكثر تأثيرًا مطروحة للبحث، وهي إدارة الإشعاع الشمسي، أي التوزيع الهائل والمستمر للهباء في الغلاف الجوي ليعكس ضوء الشمس ويمتصه وهكذا يتم تبريد الكوكب. ولكن إدارة الإشعاع الشمسي مسألة خطيرة للغاية، كما شرحت كيت آرونوف في مقال حديث في مجلة "إن ذيس تايمز". إذ يمكن أن يُقَلِّص من المحاصيل الزراعية، ويمكن أن يُغَيِّر من طبيعة الدورة المائية بشكل لا يُمَكِّننا من استعادتها، ناهيك عن ذكر العديد من "المجهولات الأخرى" - لا نستطيع حتى أن نتخيل كيف يعمل التوازن الهش على أرضنا، وبأي طرق غير متوقعة يمكن أن تدمرها تلك الهندسة البيئية. بالإضافة إلى ذلك من السهل إن نخمن لِم تحتفي العديد من الشركات بإدارة الإشعاع الشمسي، لأنه بخلاف التغيير الاجتماعي المؤلم، تتيح الفكرة منظورًا لحل تكنولوجي محدد لمشكلتنا الأكبر. نحن في مأزق بالفعل، إذا لم نفعل شيئًا ستحل علينا اللعنة، وأي شيء نفعله يتضمن مخاطر مميتة... من سيتخذ القرارات هنا؟ من حتى المؤهل لاتخاذها؟

الظواهر التي تماثل الاحتباس الحراري تجعلنا، مع كلية نشاطنا النظري والعملي، واعين أننا عند مستوى أساسي محدد مجرد كائنات حية أخرى على كوكب الأرض، يعتمد عيشنا على معايير طبيعية محددة نتعامل معها تلقائيًا وكأنها حق لنا. الدرس الذي يُعَلِّمه لنا الاحتباس الحراري هو أن حرية البشر تكون ممكنة فحسب على خلفية معايير طبيعية مستقرة للحياة على الأرض (الحرارة، تكوين الهواء، الماء الكافي، الطاقة المتاحة، إلخ). يمكن للبشر "أن يفعلوا ما يحلو لهم" وذلك فحسب إن ظلوا هامشيين بما يكفي لدرجة ألا يزعجوا معايير الحياة على الأرض بالفعل.

حدود حريتنا التي تصبح ملموسة بالاحتباس الاحراري هي الناتج المتناقض للنمو الأُسِّي لحريتنا وسيادتنا: نحن الآن في غاية القوة حتى أننا نستطيع نزع الاستقرار عن أكثر المعايير الجيولوجية أساسية في الحياة على الأرض. هكذا تصبح "الطبيعة" حرفيًا مجالًا اجتماعيًا-تاريخيًا، ولكن ليس بالمعنى الماركسي المتسامي (محتوى "الطبيعة"، أو ما نعتبره "الطبيعة" هو محدد دومًا بشكل مضاعف عن طريق الظروف التاريخية التي تهيكل أفق فهمنا للطبيعة)، إنما تصبح مجالًا اجتماعيًا-تاريخيًا بمعنى أكثر راديكالية وحَرْفية، ليست الطبيعة فحسب خلفية مستقرة للنشاط الإنساني، ولكن عناصرها شديدة الأساسية تتأثر بفعل هذا النشاط. الطريقة التي سنطور بها اقتصادنا في العقود القادمة لن تؤثر فقط على مستقبلنا، بل على مستقبل الحياة بأكملها على الأرض. بدأت المئات من الحيوانات الآن في الاختفاء، الجليد القطبي ينصهر. والتناقض هو أنه لا توجد عودة بسيطة لنقطة التوازن السابقة. وفقًا لكل الاحتمالات، تكيفت الحياة على الأرض بالفعل على نشاطنا لدرجة أننا إذا توقفنا جميعًا فجأة عن الإنتاج والاستهلاك سيؤدي هذا أيضًا إلى كارثة.

باختصار، منظور الهندسة البيئية يشير إلى أننا غارسين حتى رُكبنا في "الأنثروبوسين" (عصر الإنسان)، وهو عهد جديد في الحياة على كوكبنا، لم نعد نستطيع فيه كبشر الاعتماد على الأرض كمستودع جاهز لامتصاص عواقب نشاطنا المنتج. لم تعد الأرض خلفية لا يمكن اختراقها أو أفق لنشاطنا المنتج. وبدلًا من ذلك تبدو كموضوع متناه آخر يمكن بإهمالنا له أن ندمره أو نحوله حتى يكون من المستحيل العيش فيه. هنا يقع تناقض الأنثروبوسين: تصبح البشرية واعية بحدودها الذاتية ككائنات فقط حين تكون في غاية القوة التي تخوِّل لها التأثير على توازن الحياة كلها على الأرض. كانت البشرية قادرة على الحلم بالسيطرة على الطبيعة (الأرض) واستغلالها طالما كان تأثيرها على الطبيعة هامشيًا، أي بوجود خلفية طبيعية مستقرة. هكذا يتمثل التناقض في أنه كلما كانت إعادة إنتاج الطبيعة معتمدة على النشاط البشري، كلما انفلتت من سيطرتنا. لا يفوتنا فقط الجانب الخفي من الطبيعة ولكن قبل كل شيء العواقب المستغلقة لنشاطاتنا.

إذن نعم، نحن في فوضى عارمة، لا يوجد حل "ديمقراطي" بسيط هنا. فكرة أن الناس أنفسهم (وليس الحكومات والشركات فحسب) هم الذين يتخذون القرار تبدو فكرة عميقة، ولكنها تطرح سؤالًا هامًا: حتى إذا لم تُشَوِّش مصالح الشركات فهمهم للوضع، ما الذي يؤهلهم للحكم على هذه المسألة الحرجة. ولكن على الأقل ما نستطيع فعله هو أن نوضح الأولويات ونعترف بعبثية ألعاب الحروب السياسية الجغرافية، وذلك حين يكون الكوكب نفسه، الذي نحارب عليه، مهددًا.

منطق صراعات الدول القومية شديد الخطورة لأنه يعارض بشكل مباشر الحاجة الملحة لتأسيس وضع جديد متعلق ببيئتنا، الحاجة لتغيير سياسي اقتصادي راديكالي دعاه بيتر سلوتردايك بـ "ترويض الثقافة الحيوانية الجامحة". حتى الآن، تُهَذِّب كل ثقافة أعضائها وتعلمهم وتضمن لهم السلام المدني خلف مظهر سلطة الدولة، ولكن العلاقات بين الثقافات والدول المختلفة هي دومًا مهددة بظل الحرب الممكنة، فكل حالة سلام ليست سوى هدنة مؤقتة. تصبح ذروة الفعل البطولي لأخلاقيات الدولة هي الاستعداد للتضحية بحياة المرء من أجل الدولة القومية، وهذا يعني أن العلاقات البربرية الجامحة بين الدول تساهم في الأساس الأخلاقي بداخل الدولة. أليست كوريا الشمالية اليوم، بسعيها الحثيث للحصول على الأسلحة النووية والصواريخ لضرب أهداف بعيدة، هي المثال المطلق لمنطق السيادة غير المشروطة للدولة القومية؟

ولكن في اللحظة التي نقبل فيها تمامًا حقيقة أننا نعيش على متن الأرض، فالمهمة التي تفرض نفسها بإلحاح هي تحضير الحضارات نفسها، فَرْض تضامن وتعاون عالمي وسط المجتمعات الإنسانية، وهي مهمة صارت أكثر صعوبة بسبب تصاعد العنف "البطولي" الإثني والديني الطائفي، والاستعداد للتضحية بحياة المرء (وحياة العالم) بسبب قضية المرء الخاصة.

يجبرنا العقل على أن نرتكب الخيانة هنا، أن نغدر بقضيتنا، أن نرفض الاشتراك في ألاعيب الحرب الجارية. إذا كنا نهتم فعلًا بمصير الناس الذين يشكلون أمتنا، لا بد أن يكون شعارنا: أمريكا أخيرًا، والصين أخيرًا، وروسيا أخيرًا...

2018-12-06

شَرَف الترجمة


شرف الترجمة 
دوجلاس روبنسون


جزء من كتاب "أن تصبح مترجمًا" لدوجلاس روبينسون 

Becoming a Translator
An Introduction to Theory and Practice of Translation
Routledge, Second edition 2003

ترجمة أمير زكي
ديسمبر 2018

الترجمة خاصة بـ  Boring Books
يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه.
  
***
  
القديس جيروم، شفيع المترجمين وفقًا للكنيسة الكاثوليكية، من  wikimedia

من وجهة نظر المستخدم، من الجوهري أن يكون قادرًا على الثقة في الترجمة –لا في النص فحسب ولكن في المترجم أيضًا، وعامة في عملية الترجمة بأكملها. ولأن هذا هام بالنسبة للناس الذين يدفعون الأجر، فهو هام للمترجم أيضًا؛ الاعتبارات البراجماتية للحفاظ على العمل (لمن يعملون بداخل شركات) أو الاستمرار في تلقي المهام (في حالة المترجم الحر)، تؤدي إلى الرغبة في تلبية احتياجات صاحب العمل أو العميل.

ولكن لدى مترجم النصوص أو المترجم الفوري اعتبار أعلى من الحصول على المال أو الاستمرار في وظيفته، وهو الفخر المهني والنزاهة المهنية والتقدير الذاتي النابع من المهنة. نريد جميعًا أن نشعر أن العمل الذي نقوم به هام، وأننا نقوم به بإتقان، والناس الذين نقوم بالعمل لهم يقدرون عملنا. في الحقيقة،  يفضل معظم الناس أن يحظوا بالفخر المهني في عمل يدفع مقابلًا ماديًا أقل عن أن يصيروا أثرياء وهم يؤدون عملًا لا يؤمنون به. على الرغم من القيمة العالية المُنصَبَّة على الحصول على الكثير من المال (بالتأكيد سيكون هذا أمرًا لطيفًا!)، لا توجد متعة كبيرة في الحصول على أجر مرتفع بدون أن تكون فخورًا بعملك.

المناطق التي يحظى من خلالها المترجمون، بشكل نموذجي، بالفخر المهني هي الموثوقية والاستغراق في العمل والأخلاقيات.

الموثوقية

الموثوقية في الترجمة، في الجانب الأكبر منها، هي مسألة تلبية احتياجات العميل: ترجمة النصوص التي يريد العميل ترجمتها، بالطريقة التي يريد العميل ترجمتها بها، بالجدول الزمني الذي يحدده العميل. المطالب الموضوعة على عاتق المترجم، لمحاولة أن يكون موثوقًا به، من منطلق رؤية العميل، تكون مستحيلة في العديد من الأحيان، وأحيانًا ما تكون مزعجة لحياة المترجم الشخصية، وفي بعض الأحيان تكون ممجوجة أخلاقيًا، وكثيرًا ما تكون منهكة نفسيًا وذهنيًا. ولكن إذا كانت المطالب ممكنة بأي حال، ففي العديد من المواقف، وحتى في معظمها، تتجاوز رغبة المترجم في أن يحظى بالفخر المهني، في مسألة الموثوقية، كل الاعتبارات الأخرى. سوف يظل/تظل متيقظًا طوال الليل يمارس العمل بسرعة، أو يلغي الخروج إلى أمسية محببة مع صديق، أو سوف يترجم نصًا بموثوقية حتى لو وجده/وجدته كريهًا أخلاقيًا أو سياسيًا.

الفخر المهني في مسألة الموثوقية هو السبب الرئيسي الذي يجعلنا نقضي ساعات بحثًا عن مصطلح واحد. ما المقابل المادي الذي نتلقاه بعد أن نفعل ذلك؟ لا شيء تقريبًا، ولكن يبدو في غاية الأهمية أن نقوم بالمهمة بشكل صحيح: أن نجد المصطلح الصحيح تمامًا، بالتهجئة الصحيحة، بالتعبير الصحيح، بالمقام اللغوي الصحيح. لا نفعل ذلك لأن هذا ما يتوقعه العميل، وإنما أيضًا لأنك لو لم تؤد العمل بشكل صحيح، سيتقلص فخرك المهنى ورضاك عن العمل.

 الاستغراق في المهنة

هذه المسألة لا تخص العملاء كثيرًا، أو لا تخصهم على الإطلاق، ولكنها ذات أهمية كبيرة للمترجمين؟ أي جمعيات أو اتحادات ينتمون إليها؟ أي مؤتمرات للترجمة يذهبون إليها؟ أي مساقات يلتحقون بها في المجال؟ كيف نُكَوِّن الشبكات المهنية مع المترجمين الآخرين في منطقتنا، ومع نظرائنا في اللغات الأخرى؟ هذا "الاستغراق" أحيانًا ما يساعد المترجمين أن يصيروا أفضل، وهذا هام بالنسبة للعملاء، وكذلك هام لتحقيق الفخر الذي نحظى به بفعل الموثوقية. ولكن الأكثر أهمية هو أنه يجعلنا نشعر شعورًا أفضل تجاه كوننا مترجمين؛ يعزز تقديرنا الذاتي للمهنة، هذا الذي كثيرًا ما يدعمنا عاطفيًا ونحن نخوض الوظائف المملة والرتيبة وذات الأجر المحدود. القراءة عن الترجمة والحديث عنها مع المترجمين الآخرين، النقاش عن المشكلات والحلول المتعلقة بالنقل اللغوي، ومطالب العملاء وعدم تلقي الأجور، وغيرها، الالتحاق بفصول دراسية عن الترجمة، حضور مؤتمرات الترجمة، متابعة التطورات التكنولوجية في المجال، شراء البرامج والمستلزمات الجديدة وتعلمها؛ كل هذا يضفي علينا حسًا قويًا بأننا لسنا موظفين منعزلين ذوي أجر محدود، وإنما مهنيين يحيطنا مهنيون آخرون يشاركوننا الاهتمامات. الاستغراق في مهنة الترجمة يمكن حتى أن يزودنا بالأدوات الثقافية والشجاعة المهنية في مواجهة المطالب غير المقبولة، أن نُعلِّم العملاء وأصحاب العمل بدلًا من الخضوع لهم كلية وأن يغلي غضبنا بداخلنا. يساعدنا الاستغراق في المهنة أن ندرك أن العملاء الطالبين للترجمة يحتاجوننا مثلما نحتاجهم، هم لديهم المال الذي نحتاجه، ونحن لدينا المهارات التي يحتاجونها. ونحن لا نبيع إليهم تلك المهارات خاضعين مذعنين قابلين شروطهم كلية، وإنما نبيعها من موقف الثقة والقوة المهنية.

أخلاقيات الترجمة

أخلاقيات الترجمة المهنية عُرِّفت تقليديًا بتعريفات شديدة الضيق: من غير الأخلاقي أن يشوِّه المترجم معنى النص الأصلي. كما رأينا، هذا المفهوم المتعلق بأخلاقيات الترجمة شديد الضيق حتى من وجهة نظر العميل: توجد العديد من الحالات التي يُطلَب فيها من المترجم صراحة أن "يشوِّه" المعنى في النص الأصلي بطرق محددة، كما في معالجة النص ليكون جاهزًا للتلفزيون أو يكون كتاب أطفال، أو حملة إعلانية.

من منطلق وجهة نظر المترجم الداخلية، تظل أخلاقيات الترجمة مسألة أكثر تعقيدًا. على سبيل المثال، ما الذي يفعله المترجم حين يُطلب منه أن يترجم نصًا يجده/تجده مهينًا؟ أو بتعبير مختلف، كيف يكمل المترجم عمله حين تتصادم الأخلاقيات المهنية (الولاء للشخص الذي يدفع مقابل الترجمة) مع الأخلاقيات الشخصية (معتقدات المترجم الشخصية والأخلاقية)؟ ما الذي تفعله المترجمة النسوية حين يُطلب منها أن تترجم نصًا يحتوي تمييزًا على أساس الجنس؟ ما الذي يفعله المترجم الليبرالي حين يُطلب منه أن يترجم نصًا ينتمي للنازية الجديدة؟ ماذا يفعل المترجم البيئي حين يُطلب منه أن يترجم حملة إعلانية تخص شركة كيميائية غير مسؤولة بيئيًا؟

طالما سيطرت وجهة النظر الخارجية (وجهة نظر غير المترجمين)على التفكير في الترجمة ، ستظل تلك الأسئلة غير مطروحة للتساؤل –أسئلة لا تُسأل، وغير قابلة للطرح: يترجم المترجم أي نص يُطلب/تطلب منه أن يترجمه، ويفعل ذلك بالطريقة التي ترضي احتياجات العميل. لا توجد لدى المترجم وجهة نظر لها أي معنى تجاه كل أفعال الترجمة.

ولكن من وجهة النظر الداخلية، لا بد أن تُطرح تلك الأسئلة. المترجمون بشر، لديهم آراء ومواقف ومعتقدات ومشاعر. المترجمون الذين يُطلب منهم بشكل منتظم أن يترجموا نصوصًا يجدونها كريهة، ربما يكونون قادرين على كبت مقتهم لعدة أسابيع، أو شهور، أو حتى سنوات؛ ولكنهم لن يكونوا قادرين على كبت تلك المشاعر السلبية إلى الأبد. المترجمون، مثلهم مثل كل المهنيين، يريدون أن يشعروا بالفخر بما يؤدونه. إذا حدث صدام حقيقي بين أخلاقياتهم الشخصية والأخلاقيات المحددة من الخارج، سيكون من الصعب أو من المستحيل أن يشعروا بذلك الفخر، في النهاية سيكونون مجبرين على اتخاذ قرارات مؤثرة حيال الظروف والأحوال التي يريدون أن يعملوا فيها وبها.

وبشكل متزايد بدأ المترجمون استكشاف سبل جديدة يمكن بها التوفيق بين أخلاقياتهم كبشر وأعمالهم كمترجمين. على سبيل المثال تخبرنا المترجمة النسوية الكيبيكية سوزان لوتبينيير هاروود (1991) أنها لم تعد تترجم أعمالًا لرجال: هناك ضغط كبير جدًا في تبني صوت ذكوري، وترفض أن يتم تدجينها. في ترجماتها الأدبية لأعمال نسائية عملت جاهدة لمساعدتهن لخلق لغة تركز على المرأة في الثقافة المستهدفة أيضًا. في كتاب "الكاتب المخرب" لسوزان جيل ليفين (1992) تخبرنا أنه في ترجماتها للكتاب الذكور الأمريكيين اللاتينيين شديدي التمييز ضد المرأة، كثيرًا ما عملت، بعد قبول الكُتَّاب أنفسهم والتعاون معهم، على التخلص من التمييز الجنسي.

التعريف "الداخلي" الأوسع لأخلاقيات المترجم مثير للجدل إلى حد كبير. بالنسبة للعديد من المترجمين، لا يطرح المترجم على نفسه فكرة أن يفعل أي شيء يمكن أن يؤذي مصالح الشخص أو الجماعة التي تدفع مقابل الترجمة ("المُكلِّف" بالترجمة أو "المُبادِر" بها). بالنسبة للمترجمين الآخرين، فكرة أن تصبح بلا حول ولا قوة تمامًا، وألا تتخذ قرارات أخلاقية مبنية على الالتزامات الشخصية أو البنى الإيمانية أمر كريه بنفس القدر؛ يبدو الأمر أشبه بـ "أخلاقيات" الشوتزشتافل[1] الذين مثلوا أمام محاكم نورنبرج، بالزعم الذي ادعوه: "نحن فقط نطيع الأوامر". حين تتصادم أخلاقيات المترجم الشخصية في جوهرها مع مصالح المُكَلِّف، إلى أي مدى يمكن للمترجم أن يتحمل الاحتفاظ بأخلاقياته وأن يستمر في كسب عيشه؟ ومن جهة أخرى إلى أي مدى يمكن للمترجم أن يتحمل التنازل عن تلك الأخلاقيات ويظل مع ذلك يحظى بالفخر المهني في عمله أو عملها؟ 



[1]  وحدة شبه عسكرية نازية في ألمانيا في عهد هتلر، أخذت على عاتقها العمل الأمني والمخابراتي بألمانيا والمناطق التي احتلتها، وعُرفت بمذابحها العديدة.