2018-11-13

لماذا رفض بوريس باسترناك جائزة نوبل في الأدب؟


نشرت جريدة النيويورك تايمز في نهاية الشهر الماضي تقريرًا يستعيد تغطيتها لملابسات حصول الكاتب الروسي بوريس باسترناك على جائزة نوبل للأدب واعتذاره عنها، وذلك بمناسبة مرور ستين عامًا على حصوله على الجائزة.

التقرير لتينا جوردان
النيويورك تايمز، 14 أكتوبر 2018

ترجمة أمير زكي
نوفمبر 2018

الترجمة خاصة بـ Boring Books

يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه.

جميع الصور من تقرير النيويورك تايمز

***



منذ ستين عامًا، منحت الأكاديمية السويدية جائزة نوبل في الأدب للكاتب الروسي بوريس باسترناك، ولكن خلال أقل من أسبوع، وتحت ضغط الحكومة السوفييتية، رفض باسترناك الجائزة. نُشرت تفاصيل هذه القصة، التي تتجاوز في حبكتها وتغيراتها أي رواية جاسوسية عن الحرب الباردة، على الصفحات الأولى المتعاقبة بجريدة النيويورك تايمز.


بدأ قرع الطبول في 21 نوفمبر عام 1957، حين أشارت الجريدة إلى أن رواية باسترناك الملحمية "دكتور جيفاجو" موشكة على الوصول إلى المكتبات الإيطالية رغم اعتراضات الحكومة السوفييتية. كان السوفييت، الذين سمحوا لباسترناك بالتقرب من الناشرين الأجانب في تعبير قصير الأمد عن الكرم، قد ندموا على قرارهم وحاولوا إجبار الناشر الإيطالي للكتاب على إعادة النسخة من أجل "مراجعتها". اعترض الناشرون.


في حوار امتد لخمس ساعات جرى في 17 ديسمبر عام 1957، اعترف باسترناك أن الرواية أصابت السوفييت بالإحباط، وذكر للتايمز أنه "لا يشعر بالسرور تجاه العاصفة التي أحاطت بالكتاب". قال إنه كان قد قَبِل عرضًا من مستشار شيوعي شاب ليساعده في "تحسينها" قبل أن تُنشر بالخارج.


ظهرت "دكتور جيفاجو" على غلاف ملحق مراجعات الكتب بجريدة نيويورك تايمز في 7 سبتمبر عام 1958. كتب الناقد الأدبي مارك سلونيم: "من السهل أن نتنبأ أن كتاب باسترناك، أحد أبرز الكتب في زماننا، والذي يعتبر حدثًا أدبيًا من الطراز الرفيع، سيحظى بمستقبل مبهر... وكان قد حظى أيضًا بماض غير عادي".


في أكتوبر عام 1958، ذكرت التايمز أنه من المرجح أن يحصل باسترناك على جائزة نوبل في الأدب لهذا العام.


وفي اليوم التالي مباشرة، منحت الأكاديمية السويدية بالفعل الجائزة لباسترناك.


في اليوم نفسه، أجل المسؤولون السوفييت نشر مقابلة التايمز مع باسترناك، والتي أجراها مراسلها بموسكو ماكس فرانكل.


أدت مقابلة فرانكل، التي نُشرت في 25 أكتوبر 1958، إلى إغراق باسترناك في مشكلات أكبر، لأن الكاتب عبَّر عن بهجته لحصوله على نوبل. أشارت التايمز إلى أنها استقبلت مسودة مقابلة فرانكل "في شكل ينبئ عن مظاهر حذف أجراها الرقباء".



في اليوم التالي مباشرة أدانت الصحف السوفييتية باسترناك، ودَعَت كتابه بأنه "عمل حقير فنيًا وخبيث ومفعم بكراهية الاشتراكية". هاجمه مقال تحريري بالبرافدا ودعاه بـ "جلف مؤذ" و"شتام" و"لطخة تافهة على بلدنا الاشتراكي". وفي المقال نفسه، اعتُبرت الرواية "عمل تهكمي خبيث"، "وعمل رخيص رجعي منحط القيمة"، و"افتراء" سياسي.


في 28 أكتوبر عام 1958، طُرد باسترناك من اتحاد الكتاب السوفييتي.


في اليوم التالي، بعث باسترناك –راضخًا للضغط السوفييتي- ببرقية إلى الأكاديمية السويدية أعلمهم فيها أنه لن يتمكن من قبول الجائزة. كتب قائلًا: "من منطلق المعنى المضاف لهذا التكريم في المجتمع الذي أنتمي إليه، لا بد أن أمتنع عن قبول الجائزة غير المستحقة التي حصلت عليها... لا تتلقوا رفضي الطوعي بسوء نية".

لم تُحَسِّن البرقية كثيرًا من موقفه في الاتحاد السوفييتي؛ جرى حثه حتى على مغادرة البلد. أشارت التايمز إلى أن باسترناك "أخبر مراسلين غربيين اثنين أن كل الرسائل التي بعثها إلى ستوكهولم بعثها بحرية. ورفض مناقشة موقفه وطلب من المراسلين ألا يزوراه أو يتصلا به مرة أخرى".

في 31 أكتوبر عام 1958، دعا البعض في الاتحاد السوفييتي إلى نفي "باسترناك الخائن" من الاتحاد السوفييتي.


ناشد باسترناك خروتشوف علنًا في 1 نوفمبر، متوسلًا إليه أن يُبقي على مواطَنته. كتب: "مغادرة بلدي الأم يساوي الموت بالنسبة لي".


في اليوم التالي، أعلنت زوجة باسترناك، زينايدا، أنه مريض، وقالت بحسم إن زوجها لن يتمكن من الحديث إلى الصحفيين. "لا بد أن يستريح"، هكذا قالت من شرفة مزلهما خارج موسكو. "سوف أطهو له بقدر إمكاني، وسوف نعيش بهدوء شديد هنا لمدة عام أو أكثر – بدون زيارات أو مقابلات".

تحت تأثير الضغط الهائل، أصدر باسترناك اعتذارًا علنيًا في البرافدا في 6 نوفمبر عام 1958، قال فيه إنه "أخطأ" حين قبل الجائزة في البداية.


بعد يومين، نشر اتحاد الكتاب السوفييتي "أمثولة عن ثعبان زحف خارجًا من (مياه الروث) ليهدد العقاب الفخور المحلق عاليًا"، هكذا نقلت التايمز. "من الواضح أن المقصود بالثعبان أن يرمز لبوريس باسترناك، رغم عدم ذكر اسم الفائز بجائزة نوبل.

تم الاحتفاء باسم باسترناك في حفل نوبل الذي عُقد في وقت لاحق في ذلك الأسبوع. ذكرت الجريدة: "حفظت جائزة باسترناك التي تبلغ قيمتها 41,420 دولارًا، وميداليته الذهبية الثقيلة، ولفافة الجائزة الجلدية لدينا في حالة حظى في أحد الأيام بفرصة قبولها".


في 14 فبراير عام 1959، نشرت الجريدة قصيدة يائسة كتبها باسترناك مؤخرًا تبدأ بجملة: "أنا ضائع كوحش محبوس".


ولكن بعد خمسة أيام، قال لأحد الصحفيين إنه لن يتراجع عن كلمة واحدة في "دكتور جيفاجو".


توفى باسترناك في 30 مايو عام 1960. "اشتملت حياة بوريس باسترناك على الذرى والأعماق، الأمجاد والمآسي، المباهج والمراثي التي شكلت روسيا في القرن العشرين".



ألقت حشود المعجبين بتحية الوداع لباسترناك في 2 يونيو "وطأوا أغصان شجر الصنوبر المقطوع لتوه من أجل مشاهدة وجه الشاعر الذي رحل عن عمر 70 عامًا. أحاطت كفنه كميات هائلة من الأزهار، معظمها اقتطف من الريف، ومن ضمنها زهور الليلك في موسمه تفتحه، والتيوليب وزهور الكرز، والزهور البرية". بعد ذلك، حظى بتكفين شاعري "تحت ثلاث أشجار صنوبر طويلة في التل المزهر في الريف الروسي المحبب له".

2018-11-09

أغنيات حب من بريشت


عُرف الكاتب الألماني برتولت برشت بأنه أبرز كُتاب المسرح في القرن العشرين، وكذلك أحد أهم المنظرين لهذا الفن، بإسهامه في "المسرح الملحمي" ومفهومه عن "الإغراب". هكذا جرى التركيز على إنجازه المسرحي على حساب عمله الشعري. وكذلك بسبب طغيان تأثيره المسرحي، وارتباطه بالمواقف السياسية، يتراجع الاهتمام بقصائد الحب التي كتبها.

يختار لنا المترجم القدير أحمد حسان تسع قصائد من بريشت، تلقي الضوء على جانب آخر من أدب الكاتب المسرحي والشاعر الكبير.

أحمد حسان أحد أبرز المترجمين العرب، وله الفضل في تقديم العديد من الأعمال الفكرية إلى اللغة العربية، إذ قدم لنا أعمال مفكرين من أمثال فالتر بنيامين وجان فرانسوا ليوتار وسلافوي جيجيك.

أ.ز

---
أغنيات حب من بريشت
برتولت بريشت
اختيار وترجمة أحمد حسان
بالتعاون مع صفحة راية التمرد

***



شراء البرتقال

في الضباب الذي يكسو شارع ساوثهامبتون
تظهر فجأة عربةُ فاكهة، وامرأة عجوز
تحت مصباح، تشير إلى كيس ورق.
وقفت مندهشًا ومبهوتًا كمن يرى
ما كان يبحث عنه، أمام عينيه.

برتقال! برتقال كاﻷيام الخوالي!
نفختُ يديّ من البرد
وفتّشتُ جيوبي عن عملةٍ ﻷشتري.

لكن بينما أُمسكُ الدريهمات في يدي
وأنظر إلى الثمن ﻷراه مكتوبًا
بفحمٍ قذر على ورقة صحف
وجدتُني أُصفِّر بعذوبة، وعلى الفور
أصبحَت الحقيقةُ المُرَّة بالغةَ الوضوح:
إنكِ لست هنا معي في هذه البلدة.

***

أسئلة

اكتبي لي ماذا ترتدين. هل تشعرين بالدفء؟
اكتبي لي كيف تنامين. هل فراشك وثير؟
اكتبي لي كيف تبدين. ألم تتغيري؟
اكتبي لي ماذا تفتقدين. أهو ذراعي؟

خبّريني: هل يدعونك وشأنك؟
أيمكن أن تصمدي؟ ماذا ستكون خطوتهم التالية؟
ماذا تفعلين؟ أهو ما ينبغي عمله؟
فيمَ تفكرين؟ أتفكرين فيَّ؟

الأسئلة هي كل ما يمكنني منحك، وأقبل
كل ما يجيء من إجابات، فلا حيلة لي.
فلا يمكنني أن أمدَّ لكِ يدًا، لو كنتِِ مُتعبة؛
أو أطعمك، لو كنتِ جائعة. وهكذا يبدو
وكأنني لستُ في هذا العالم، غير موجود.
يبدو وكأنني قد نسيتك.

***

للقراءة صباحًا ومساءً

ذلك، الذي أُحبّه
قال لي
إنه يحتاجني.

ومن ثم
أحافظُ على نفسي
وأراقبُ موضع أقدامي.
أخشى كلَّ قطرة مطر
يمكنها أن تصرَعَني.

***

السوناتا التاسعة عشرة

ذات يوم حين لم تصلني أخبار
استدعيتُ الحرّاس، الفيلة الستة
إلى قوس النصر فوقفوا
في الحادية عشرة في طريق واجرام.

نظروا إليّ، متمايلين بخفة. فقلت:
"حين سلّمتُها لرعايتكم
أمرتكم بأن يُداس سبعُ مراتٍ ليُسحَق
كل من يضايقها".

وقفوا صامتين حتى رفع أضخمهم
خرطومه ليدوّي باحتقار
وأشار بتمهل خبيث إلى المذنب: أنا.

هجم القطيع مُرعدًا. ففررت -
فررت، وهم يتعقبونني، إلى مكتب البريد ﻷكتب خطابًا
متلفتًا خلال النافذة في وجلٍ.

***

سوناتا رقم 19

مطلبي الوحيد: أن تبقي معي.
أود أن أسمعك، ولتتذمرّي كما شئتِ
لو كنتِ صماء فأنا أحتاجُ ما قد تقولين
أو كنتِ بكماء فأنا أحتاج ما قد ترين.

لو كنتِ عمياء فأنا أريدك أمام ناظري،
فأنت الحارس الواقف بجانبي:
لم نكد نقطع نصف الطريق في مسيرتنا الطويلة
فتذّكري أن الليل ما زال يحوطنا.

قولكِ "دعني ألعقُ جراحي" ليس عذرًا اﻵن.
وقولكِ "في أي مكان" (ليس هنا) ليس دفاعًا
ستجدين الراحة، لكن لن أطلق سراحك اﻵن.

تعلمين أن من إليه احتياجٌ لا يمكنه الذهاب
وأنا أحتاجك بشدّة
إنني أتحدث عني بينما الحديث عنّا يعني أكثر.

***

 ARDENS ‫‪SED ‫‪VIRENS

رائعٌ، ما ﻻ تحوّله النارُ الجميلة
إلى رمادٍ بارد!
أختاه، أنتِ أثيرةٌ لديّ
متأججةُ دون أن تأكلكِ النار.

رأيتُ كثيرين وهم يُهِدّئون بمكرٍ
متهورين يسقطون دون تعلُّم.
أختاه، أنت من يمكن أن أُبقي بجانبي
متأججةً دون أن تأكلكِ النار.

لم تجدي أبدًا حصانًا
تمتطينه بعيدًا عن أرض المعركة
لذا راقبتُكِ تقاتلين بحذر
متأججةُ دون أن تأكلكِ النار.

***

في تفضيل تنورة طويلة واسعة

تنورتك الريفية الضافية هي ما أختارُ
حيث أؤكّد بخبثٍ على طولها:
فرفعُها عن جسدكِ إلى آخرها
كاشفةً الفخذين والمؤخرة، يمنحني رجفة.
وحين تضعين ساقيكِ فوق أريكتنا
دعيها تنزلقُ إلى أعلى، وهكذا، مخبوءًا في ظلّها
خلال المناقشات العميقة يلفها دخانُ التبغ،
يلمّح جسدُكِ بأن ليلتنا لم تنته بعد.

أكثرُ من مجرد إحساسٍ وضيع شهواني
هو ما يجعلني أرغبُ في تنورةٍ بهذا الاتساع:
فحركاتكِ تُعيد إلى الذهن كولتشيز
يوم أن خَطَت ميديا تجاه البحر.
إﻻّ أن تلك ليست اﻷسبابُ التي أدافع بها
عن هذه التنورة. فاﻷسباب الوضيعة تكفيني.

***

أغنيات حب

I
بعد أن تركتُكَ
ذلك اليوم لا يغيب عني أبدًا
وبدأتُ أرى ثانيةً
كان كل ما رأيته بهيجًا.

منذ قضينا ساعةَ الغروب تلك
أنت تعلمُ الساعة التي أعني
صارت ساقاي أكثرَ خفة
وفمي أكثر هدوءًا.

ومنذ أحسستُ بذلك، صارت الشجرةُ والخميلة
والمرجُ أشدَّ خضرة
حتى الماء حين أغتسل
ينسابُ فوقي أكثرَ برودة.

II أغنية امرأة عاشقة

حين تُبهجُني
أُفكر أحيانًا
أنني لو مُتُّ اﻵن
فسوف أكون سعيدةً
حتى نهاية حياتي.

وعندما تشيخُ
وتفكرُ فيّ
فسوف أبدو كما أنا اﻵن
ويكونُ لك حبيبة
ما زالت شابة.

III
سبع ورداتٍ في الخميلة
ستٌ للريح
وتبقى هناك واحدة، وهكذا
لن أجدَ سوى واحدة.

سأناديك سبع مرات
ابق بعيدًا ست مرات
لكن في السابعة، عدني
أن تأتي سريعًا.

IV
محبوبي أعطاني غصنًا
أوراقه بنّية.

العام كاد ينتهي
حبنا بدأ لتوّه.

***

أرسلي إليَّ ورقة شجر

أرسلي إليَّ ورقة شجر، تكون من خميلةٍ
تبعد عن منزلكِ
مسيرةَ نصف ساعةٍ على اﻷقل، حينئذ
سيكون عليكِ أن تذهبي فتصيري قوية
أشكرُك أنا على الورقة اللطيفة.