2018-10-26

الرواية أقدم بقرون مما قيل لنا

الرواية أقدم بقرون مما قيل لنا

مقال لستيفن مور* 
عن الجارديان، 23 يوليو 2010
*ستيفن مور مؤلف كتاب "الرواية: تاريخ مغاير" عن دار نشر كونتينيوم

ترجمة: حسين الحاج
أكتوبر 2018

يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه. 


***

 
صمويل ريتشاردسون، عن الجارديان

لقد ضللني المشرفون على رسالتي، هكذا كان سيقول بيرتي ووستر.(1) دفعوني أثناء سنوات الدراسة الجامعية في مطلع السبعينيات للاعتقاد أن الرواية نشأت في إنجلترا في القرن الثامن عشر الميلادي، ولم يقل أي أستاذ شيئًا مخالفًا حتى شرعت في نيل درجة الدكتوراه في الثمانينيات. ذُكرت رواية روبنسون كروزو لدانيال ديفو في بعض اﻷحيان بصفتها نموذجًا بدائيًا من فن الرواية، لكن طبقًا للمسلمات الأدبية فإن الرواية اختبرت ولادة عذرية مع صدور الرواية الرسائلية "باميلا" لصمويل ريتشاردسون في عام 1740. لكن خارج جدران اﻷكاديمية، في الفصول البديلة المسماة بمتاجر الكتب، ظللت أصادف كتبًا تشبه الرواية بالتأكيد لكنها سبقت "باميلا" بوضوح. لم تكن قصة "جن السيدة موراساكي"، الرواية المكتوبة حوالي 1010، وحدها التي صادفت، بل أيضًا قصة "السيدة أوشيكوبو"، الرواية اﻷقصر التي كُتبت قبل اﻷولى بعقود قليلة. التقطتُ أيضًا نسخة دار "إيفري مان" من قصة "بيرنت نجال"، الرواية اﻷيسلاندية من القرن الثالث عشر التي صُنفت باعتبارها "ملحمة" لكنها بدت أقرب للرواية الواقعية، وصادفت روايات صينية متعددة اﻷجزاء من عصر حكم مينج مثل رواية "اللوتس الذهبي" شديدة الواقعية التي عاصرت زمن شكسبير. وقرأت كتاب "الربة البيضاء" لروبرت جريفس وتحيرت بإشارته إلى رواية تدعى "الاعترافات" التي تعود إلى القرن الرابع، هل كانت هناك روايات في القرن الرابع؟

كما صادفت أيضًا أعمالًا روائية لم تشبه الروايات التقليدية في شيء لكنها ذكرتني بتلك الروايات غير التقليدية والتجريبية التي كنت أقرأها في ذلك الوقت. تشبه "الحمار الذهبي" لأبوليوس (المكتوبة حوالي 160 ميلادية) ما قد يكتبه جون بارث، بينما تشبه "ساتيريكون" لبترونيوس (المكتوبة قبل قرن من الرواية السابقة) رواية توماس بينشون، تشبه جارجانتوا وبانتاجرويل لفرانسوا رابليه من القرن السادس عشر أي عدد من الرواية الرابلية اﻷخرى من القرن العشرين بدءًا بـ "عوليس" لجيمس جويس وحتى رواية جلبرت سورينتينو "حساء موليجان".

ما لفت انتباهي أن هناك مشكلة في الاصطلاح. ما يقصده أغلب الناس بالرواية هو الرواية التقليدية أو "الحديثة" أو "الواقعية"، لكنني أكثر اهتمامًا بالاسم من الصفات المكتسبة. فبينما أعتبر الرواية أي عمل خيالي يأخذ صورة الكتاب -وهذا تعريف يتبناه قاموس وبستر وإي. إم فورستر في كتاب "سمات الرواية"- يريد أغلب أساتذة اﻷدب أن يقيدوا مصطلح الرواية إلى الروايات الواقعية المصوغة في سياقات اجتماعية ثقافية محددة، خصوصًا تلك التي تسبر أغوار الطبيعة البشرية. بينما يقصي هذا التعريف قلة من العناوين المشار إليها سلفًا، ينطبق على أغلب الروايات اﻷخرى، فمثلًا تعتبر "قصة الجني" رواية واقعية تكشف عمقًا نفسيًا أكثر من أي رواية أوروبية قبل القرن العشرين. لكن لسوء الحظ، أطلق المحررون اﻷوائل على كثير من تلك الروايات المبكرة صنوف مثل "قصص رومانسية"، و"الملاحم"، و"المهازل"، و"الحكايات" و"القصص الشعبية" و"اﻷساطير" و"التصاوير" ومصطلحات أخرى، سمحت لأساتذة اﻷدب أن يتجاهلوها، أو ربما عليَّ القول إن هؤلاء الأساتذة كانوا على علم بها: أظن أن أغلب الأساتذة لم يسمعوا مطلقًا بقصة "السيدة أوشيكوبو" أو "اللوتس الذهبي"، إلى درجة أن مكانتهما كروايتين لم تكونا محل تساؤل بالنسبة إليهم.

واظبت على التقاط نماذج أخرى من روايات ما قبل الحداثة، لكنني لم أقرر الكتابة عنها سوى مؤخرًا، في السنوات اﻷولى من إدارة بوش لذاكرة الشر، كانت هناك هجمات محافظة مضادة للروايات المبتكرة غير التقليدية التي أُحبها، حتى ولو حاول مبدعوها تخريب التقليد العظيم للرواية الذي بدأ مع رواية باميلا. لقد حسبوا جويس مهندس هذه الفوضى، وهاجموا مخربين آخرين مثل بارث، جاديس، بارثيلمي، دي ليلو. صعقتني تلك اﻵراء بصفتها رؤية لا يمكن ﻷحد أن يحملها سوى شخص جاهل بشكل بائس بتاريخ اﻷدب. كان جويس أول من انحرف بصعوبة عن هذا التقليد العظيم للرواية -أهلًا تريستام شاندي- وفعل أتباعه ما فعله دائمًا كل الروائيين المثيرين للاهتمام: المحافظة على "الرواية". ينطبق التعريف الضيق للرواية الذي فضله بعض النقاد على الحلقة اﻷكثر حداثة في تاريخ الرواية الطويل، الذي بدأ مع القصص السومرية والمصرية في القرن العشرين قبل الميلاد، وسوف تستمر في التحول إلى أشكال روائية ما دام هناك كُتَّاب. تصنيف الروايات الحديثة والتقليدية بأنها وحدها التي تستحق أن يطلق عليها اسم "الرواية" شيء قصير النظر ومحلي وغير متسق تاريخيًا.

بينما تخصصتُ في الرواية المعاصرة، أسرتني الروايات القديمة، وكنت حانقًا على النقاد المعاصرين إلى درجة محاولة كتابة تاريخ كامل للفن الروائي مع اعتبار خاص للروايات المبتكرة. اكتشفت أنها أكثر مما توقعت، ﻷنها مألوفة للمتخصصين الذين نادرًا ما يتواصلون مع الجمهور العام. فكرت أنه إذا استطعت أن أنشر حقيقة تلك الروايات المبكرة بين الأساتذة والقراء العاديين، فربما ينتج عن ذلك تقبل أكثر للكتاب الطليعيين مع تقدير أكبر لتنوع لا محدود ﻷكثر أنواع اﻷدب شهرة وإساءة للفهم. في الأغلب لن يحدث ذلك، لكنني فكرت في المحاولة.
---------------
(1) بيرتي ووستر هو بطل المسلسل الدرامي الكوميدي البريطاني جيفيز ووستر المعروض في النصف اﻷول من التسعينيات والذي أدى دوره الممثل البريطاني هيو لوري. 

2018-10-22

بيت الدُمى - كاثرين مانسفيلد - قصة قصيرة

بيت الدمى
كاثرين مانسفيلد

ترجمة كاملة لقصة "بيت الدُمى" للكاتبة النيوزيلاندية كاثرين مانسفيلد
نُشرت القصة عام 1922

ترجمة: أمير زكي
أكتوبر 2018

يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه.

***

الصورة من موقع Acschools.org


عندما عادت السيدة هاي العجوز العزيزة إلى المدينة بعدما أقامت مع آل بارنل، أرسلت للطفلات بيت دمى. كان كبيرًا للغاية حتى احتاج الأمر لأن يحمله الشيَّال و"بات" إلى الفناء حيث ظل هناك، موضوعًا على صندوقين خشبيين بجانب باب غرفة الخزين. لن يتعرض لضرر في هذا المكان، كنا في فصل الصيف، وربما تتلاشى رائحة الطلاء المنبعثة منه وقتما يُنقل فيه للداخل، لأن رائحة الطلاء المنبعثة من بيت الدمى (بالطبع السيدة هاي العجوز لطيفة، في غاية اللطف والكرم) – ولكن في رأي العمة بيريل رائحة الطلاء كافية لتصيب أي شخص بالإعياء. حتى قبل نزع الخيش الذي يغلف البيت. وحين تراه...

هنا وُضع بيت الدمى، بلونه الأخضر الزيتي، في حين تقطعه خطوط صفراء براقة. طُليت مدخنتاه الصغيرتان الراسختان الملتصقتان بسطحه باللونين الأحمر والأبيض، وكان الباب، الذي يومض بالدهان الأصفر، أشبه بقطعة الطوفي الصغيرة. كان بالبيت أربع نوافذ، نوافذ حقيقية، مقسمة إلى ألواح من خلال أشرطة خضراء عريضة. وفي الحقيقة كان هناك رواق صغير، بكتل كبيرة من الطلاء المتماسك يحد الحواف. 

ولكنه بيت صغير ممتاز جدًا جدًا!  مَن سينزعج من الرائحة؟ إنها جزء من البهجة، إشارة إلى أنه جديد.

"ليفتحه أحدكم سريعًا!"

كان المقبض الموجود على جانب البيت موصدًا بإحكام. رفعه "بات" بعنف مستخدمًا مطواه، فتقدمت واجهة البيت كله إلى الأمام، وها هم، يحدقون جميعًا في نفس اللحظة بغرفة المعيشة، وغرفة السفرة، والمطبخ وغرفتي النوم. هكذا ينفتح البيت! لم لا تُفتح كل البيوت بهذه الطريقة؟ لا يوجد ما هو أكثر إثارة من اختلاس النظر من جانب البيت إلى الردهة الصغيرة الوسطى التي تضم مشجبًا اللقبعات ومظلتين! ها هو ذا – أليس كذلك؟ ما تشتاق لرؤيته في البيت حين تضع يدك على مقبض بابه. ربما هذه هي الطريقة التي يفتح بها الله أبواب البيوت في الهزيع الأخير من الليل حين يدور في جولة مع أحد ملائكته.

"أوه، أوه!" بدا وكأن بنات بارنل شعرن بالصدمة. كان شيئًا في غاية الروعة، شيئًا يتجاوز استيعابهن. لم يرين أي شيء شبيهًا بذلك في حياتهن. كانت الغرف كلها مغطاة بورق الحائط، كانت هناك صور على الجدران مرسومة على الورق، بإطارات ذهبية كاملة. يغطي السجاد الأحمر الأرضية كلها باستثناء المطبخ، الكراسي الحمراء الأنيقة في غرفة المعيشة والخضراء في غرفة الطعام، الطاولات، الأسرَّة بملاءات حقيقة، سرير أطفال، موقد، دولاب أطباق يحتوي على أطباق وقِدر واحد كبير. ولكن ما أحبته كيزيا أكثر من أي شيء آخر، ما أحبته بشكل مرعب، هو المصباح. وُضع في منتصف مائدة غرفة السفرة،  كان ممتلئًا بالزيت وكأنه جاهز للإضاءة، وإن كان لا يضاء بالطبع، ولكنه يحتوي على سائل بداخله أشبه بالزيت، يتحرك إذا هززت المصباح.

كانت الدميتان اللتان تمثلان الأب والأم، المستلقيتان بجمود وكأنهما تعرضتا للإغماء في غرفة المعيشة، وكذلك طفلاهما الصغيران النائمان بالأعلى، كبارًا جدًا على بيت الدمى، كأنهم لا ينتمون لهذا المكان، ولكن المصباح كان مثاليًا. بدا وكأنه يبتسم لكيزيا قائلًا: "أعيش هنا". كان المصباح واقعيًا.



لم تستطع بنات بارنل منع أنفسهن من السير بسرعة قصوى في الصباح التالي. كن يتحرقن شوقًا لإخبار الجميع، ليصفن، بل ليتباهين ببيت الدمى قبل أن يدق جرس المدرسة.

قالت إيزابيل: "أنا التي ستخبرهن، لأنني الأخت الكبرى. أما أنتما الاثنتان فسوف تنضمان بعد ذلك. ولكني سأتكلم أولًا".

لم يكن هناك مجال للرد. كانت إيزابيل متسلطة، ولكنها دومًا على حق، وكانت لوتي وكيزيا تعرفان جيدًا جدًا السلطات التي تحظى بها الشقيقة الكبرى. مررن بزهور الحوذان الكثيف على جانب الطريق ولم يقلن شيئًا.

"وأنا التي ستقرر من تأتي لتراه أولًا، أمنا قالت إن ذلك بإمكاني".

كان الترتيب هو أنه طالما ظل بيت الدمى في الفناء، فبإمكانهن السماح لفتيات المدرسة بالمجيء لرؤيته، بنتان في كل مرة. بالطبع لن تظلا لتناول الشاي، ولن تتهاديا حتى تدخلا المنزل. ستقفان بهدوء في الفناء بينما تشير إيزابيل إلى جمال البيت، ولوتي وكيزيا تنظران مسرورتين.

ولكن رغم سرعتهن، بدأ الجرس في الرنين وقتما وصلن إلى سياج ملعب الأطفال المطلي بالقطران. لم يكن لديهن وقت سوى لخلع قبعاتهن والوقوف في الصف قبل أن يُنادَى عليهن من أجل دفتر الحضور. لا يهم. حاولت إيزابيل التمهيد للأمر بأن جعلت نفسها تبدو مهمة وغامضة جدًا، وبأن همست للفتيات القريبات منها، وهي تداري فمها بيدها: "سأقول لَكُن شيئًا في وقت الفسحة".

حان وقت الفسحة، وأحاطت الفتيات بإيزابيل. أوشكت الفتيات على التعارك حتى يضعن أذرعتهن على كتفيها، حتى يأخذنها معهن بعيدًا، حتى يُظهرن ابتسامات متوددة، لإقناعها بأنهن صديقاتها المقربات. عقدت جمعًا كبيرًا تحت أشجار الصنوبر الهائلة على جانب الملعب. لكزت البنات بعضهن وضحكن معًا، تدافعن من أجل الاقتراب. الفتاتان الوحيدتان اللتان ظلتا خارج الدائرة، كانتا الفتاتين الموجودتين دائمًا خارجها: ابنتا كيلفي الصغيرتين. تعرفان أنه من الأفضل عدم الاقتراب من بنات بارنل.

في الواقع لم تكن المدرسة التي تذهب إليها بنات بارنل مكانًا سيختاره والداهن إذا أُتيح لهما الاختيار، ولكن لم يكن هناك خيار. كانت أقرب مدرسة أخرى على بعد أميال، ونتيجة ذلك أُجبِر كل أطفال الحي على الاختلاط فيها: بنات القاضي الصغيرات، بنات الطبيب، وأطفال البقال، وأطفال بائع الحليب. ناهيك عن عدد مساو من الصبية الوقحين الأجلاف أيضًا. ولكن لا بد من وضع الخطوط الفاصلة. وفَصلَت الخطوط ابنتي كيلفي. لم يكن مسموحًا للعديد من الأطفال، ومن بينهم بنات بارنل، أن يتحدثوا إليهما حتى. كانوا يسيرون بجانب ابنتي كيلفي ورؤوسهم مرفوعة، وكأنهم يضعون مثالًا لكل قواعد السلوك. تجنَّب الجميع ابنتي كيلفي. حتى المدرس كان يحدثهما بنبرة صوت محددة، في حين يبتسم ابتسامة خاصة للأطفال الآخرين حين تتوجه ليل كيلفي لتجلس على مقعدها ممسكة بحزمة زهور بشعة ومبتذلة الألوان.

كانتا ابنتين لامرأة غسَّالة ضئيلة الجسد، نشيطة وتعمل بكد، تنتقل في نهارها من بيت إلى بيت. كان هذا سيئًا بما يكفي. ولكن أين يوجد السيد كيلفي؟ لا أحد يعرف على وجه الدقة. ولكن الجميع يقول إنه في السجن. هكذا هما: ابنتان لغسالة و"حبسجي". صحبة طيبة للغاية لأولاد الناس الآخرين! وبدتا مختلفتين. لِم تجعلهما السيدة كيلفي تتسمان بهذا القدر الملحوظ من انعدام الذوق؟ من الصعب فهم السبب. في الحقيقة كانتا ترتديان "المزق" التي تحصل عليها من الناس الذين تعمل عندهم. على سبيل المثال كانت ليل، الطفلة القوية والشاحبة والذي يملأ النمش الكبير وجهها، تأتي إلى المدرسة بفستان منسوج ومزخرف من مفرش مائدة صوفي أخضر حصلت عليه من عائلة بارنل، بأكمام قطنية حصلت عليها من ستائر آل لوجان. وكانت قبعتها الموضوعة على قمة جبينها قبعة لامرأة ناضجة، كانت تخص من قبل مديرة مكتب البريد الآنسة ليكي، كانت مرتفعة من الخلف ومزينة بريشة قرمزية كبيرة. كم بدت أشبه بصبي صغير! كان من الصعب أن تمنع نفسك من الضحك. أما شقيقتها الصغرى، إلسه، فكانت ترتدي فستانًا أبيض طويلًا، أشبه بقميص النوم، وفي قدميها حذاء صبي صغير. ومهما ارتدت إلسه يبدو شكلها غريبًا. كانت ضخمة بالنسبة لسنها، شعرها مقصوص وعيناها كبيرتان عميقتان، أشبه ببومة بيضاء صغيرة. لم يرها أحد تبتسم. قليلًا ما كانت تتحدث. كانت تمضي في الحياة ممسكة بملابس ليل، وجزء من تنورة ليل متجعد في يدها. في أي مكان تذهب ليل تتبعها إليه إلسه. في الملعب، في الطريق من المدرسة وإليها، كانت ليل تسير في المقدمة وفي الخلف تمسك إلسه بتنورتها. فقط حين تريد شيئًا أو حين تلهث، تجذب إلسه تنورة ليل، تهزها، حينها تتوقف ليل وتدور إليها. لا تخفق ابنتا كيلفي أبدًا في فهم بعضهما.

ورغم بقائهما عند الحافة، فلا يمكن منعهما من الإنصات. حين استدارت الفتيات الصغيرات للسخرية منهما، ابتسمت ليل كالعادة ابتسامتها الحمقاء الذليلة، ولكن إلسه ظلت تنظر فقط.

استمر صوت إيزابيل يتردد خلال حكيها للقصة، صوتها الفخور للغاية؛ كان للسجاد تأثير عظيم، وكذلك الأسرَّة بالملاءات الواقعية، والموقد بباب الفرن.

حين أنهت حكيها تدخلت كيزيا: "لقد نسيتِ المصباح يا إيزابيل".

قالت إيزابيل، "أوه، نعم"، هناك مصباح صغير للغاية، مصنوع كله من الزجاج الأصفر، تحيطه كرة بيضاء، موضوع على مائدة غرفة الطعام. لا يمكن أن تفرقه عن المصباح الحقيقي.

صاحت كيزيا: "المصباح أفضلهم جميعًا" كانت تعتقد أن إيزابيل لم توف المصباح الصغير حقه من الاهتمام. ولكن أي منهن لم تنتبه له. اختارت إيزابيل الفتاتين اللتين ستأتيان معهن بعد الظهيرة لرؤية البيت. اختارت إيمي كول ولينا لوجان. ولكن عندما عرفت الباقيات أن الفرصة متاحة لهن، حاولن بقدر الإمكان التودد لإيزابيل. وضعت الواحدة بعد الأخرى ذراعها حول خصر إيزابيل واصطحبتها بعيدًا. كان لدى كل منهن شيء لتقوله لها، سر ما. "إيزابيل صديقتي".

ابنتا كيلفي وحدهما اللتان سارتا بعيدًا وتجاهلهما الجميع؛ لم يكن هناك المزيد الممكن سماعه.



مرَّت الأيام، وانتشرت شهرة بيت الدمى بينما شاهدته المزيد من الطفلات. صار الموضوع والهوس الوحيد. كان السؤال الوحيد هو "هل رأيتِ بيت الدمى في منزل آل بارنل؟ أليس جميلًا!" "هل رأيتيه؟ أوه جميل!".

حتى في وقت الغداء انشغلن بالحديث عنه. جلست الفتيات الصغيرات تحت أشجار الصنوبر، وأخذن يأكلن شطائر لحم الضأن السميك وكعك جوني الكبير المغطى بالزبد. وكما هو الحال دومًا، جلست بالقرب منهن ابنتا كيلفي، تمسك إلسه بطرف رداء ليل، تستمعان أيضًا بينما تمضغان شطائر المربى الملفوفة بورق جرائد ملطخ ببقع حمراء كبيرة.

قالت كيزيا: "يا أمي. ألا يمكنني أن أدعو ابنتي كيلفي مرة واحدة؟"

"بالتأكيد لا يا كيزيا".

"ولكن لِم لا؟"

"اذهبي يا كيزيا، أنت تعرفين جيدًا لم لا".



في النهاية شاهدت كل الفتيات بيت الدمى بخلافهما. في ذلك اليوم أثير الموضوع. كان وقت الغداء. وقفت الطفلات معًا تحت أشجار الصنوبر، وفجأة بينما نظرن إلى ابنتي كيلفي تأكلان الطعام الملفوف بالجرائد، وحدهما كالعادة، تنصتان كالعادة، أردن أن يضايقنهما. بدأت إيمي كول الهمس.

"حين تكبر ليل كيلفي ستصير خادمة".

"أوه، يا له من شيء بشع"، قالت إليزابيث بارنل وتبادلت النظر مع إيمي.

التقطت إيمي النظرة بطريقة موحية وأومأت إلى إيزابيل كعادة أمها في تلك الحالات.

قالت: "هذا صحيح، هذا صحيح، هذا صحيح".

اتسعت حدقتا لينا لوجان وهمست: "هل يمكن أن أسألها؟"

قالت جيسي ماي: "لن تفعلي ذلك".

قالت لينا: "بوه، لست خائفة". وفجأة صاحت وتراقصت أمام الفتيات الأخريات. "أنظرن! أنظرن إليّ، انظرن إليّ الآن". قالت لينا. وقفزت، ونطت، وتهادت، وأخفت ضحكتها بيدها، وتوجهت إلى ابنتي كيلفي.

رفعت ليل نظرها عن الطعام. لفَّت بقيته سريعًا. توقفت إلسه عن المضغ. ما الذي سيحدث لهما الآن؟

صاحت لينا: "هل صحيح أنك ستصبحين خادمة حين تكبرين يا ليل كيلفي؟"

صمت مطبق. ولكن بدلًا من الإجابة ابتسمت ليل ابتسامتها الحمقاء الذليلة. لم يبد أنها انزعجت من السؤال على الإطلاق. يا لها من خيبة أمل تعرضت لها لينا!  بدأت الفتيات في القهقهة.

لم تستطع لينا تحمل ذلك. وضعت يديها على ردفيها؛ اندفعت للأمام، ثم قالت بازدراء: "صحيح أن أباكِ في السجن!"

كان قولها يمثل شيئًا هائلًا حتى أن الفتيات الصغيرات امتلأن كثيرًا بالبهجة والحماس. وجدت إحداهن حبلًا طويلًا، وبدأن في القفز. لم يقفزن بهذا العلو، أو يركضن بهذه السرعة، أو يمارسن تلك الأفعال الجريئة مثلما فعلن ذلك الصباح.

بعد الظهيرة اصطحب بات"" بنات بارنل بسيارته الباجي وقادهن إلى المنزل. كان هناك زوار. صعدت إيزابيل ولوتي، اللتان كانتا تحبان الزوار، إلى الأعلى لتبديل زيهما المدرسي. ولكن كيزيا تسللت إلى الخلف. لم يكن أحد موجودًا؛ بدأت تتأرجح مستعينة بالبوابات البيضاء الطويلة للفناء. وبعد وقت قصير، وهي تنظر إلى الطريق، رأت نقطتين صغيرتين، أخذتا تكبران كلما اقتربتا منها. الآن استطاعت أن ترى من بالمقدمة ومن خلفها، استطاعت أن ترى أنهما ابنتا كيلفي. توقفت كيزيا عن التأرجح. هبطت من البوابة وكأنها ستهرب، ثم ترددت. اقتربت ابنتا كيلفي، وبجانبهما يسير ظلاهما، شديدا الطول، والممتدان إلى الجانب الآخر من الطريق، وانعكس ظل رأسيهما على زهور الحوذان. قفزت كيزيا عائدة للبوابة؛ فكرت مليًا، ووثبت للأمام.

قالت لابنتي كيلفي العابرتين: مرحبًا.

اندهشا من أن هناك من يوقفهما. ابتسمت ليل ابتسامتها الحمقاء. وحدقت فيها إلسه.

قالت كيزيا: "يمكنكما أن تريا بيت الدمى إذا أردتما" ثم جرَّت طرف إحدى قدميها على الأرض. ولكن عندها احمرَّ وجه ليل وهزت رأسها سريعًا.

سألتها كيزيا: "لم لا؟"

لهثت ليل ثم قالت: "أمك قالت لأمنا إنه لا يفترض أن تتحدثي إلينا".

قالت كيزيا: "أوه، ليكن". لم تعرف كيف ترد. "لا يهم. يمكنكما أن تأتيا لتريا بيت الدمى رغم ذلك. تعالا. لا أحد ينظر".

ولكن ليل هزت رأسها هزَا أشد.

سألتها كيزيا: "ألا تريدين ذلك؟"

فجأة شُدَّت تنورة ليل، جُذبَت. استدارت. كانت إلسه تنظر إليها بعينين واسعتين متوسلتين: كانت ترتجف، أرادت الدخول. للحظة نظرت ليل إلى إلسه بتشكك شديد. ولكن إلسه شدت تنورتها مجددًا. ومثل قطتين شاردتين صغيرتين تبعتا كيزيا إلى الفناء حيث وُضع بيت الدمى.

قالت كيزيا: "ها هو ذا".

حلت فترة صمت. شهقت ليل بصوت عال، وكاد أن يصدر منها صوت شخير؛ وتجمدت إلسه كالحجر.

قالت كيزيا بلطف: "سأفتحه لكما"، وفتحت المقبض ونظرتا إلى الداخل.

"هذه غرفة المعيشة وغرفة السفرة، وهذه...".

"كيزيا!"

ياللذهول الذي حل عليهم.

"كيزيا!"

كان صوت العمة بيريل. استدرن. عند الباب الخلفي وقفت العمة بيريل، تحدق فيهن وكأنها لا تصدق ما تراه.

"كيف تجرؤين على دعوة ابنتي كيلفي الصغيرتين إلى الفناء". قالت بصوت بارد وغاضب. "تعرفين مثلما أعرف أنه من غير المسموح أن تتحدثي إليهما. اغربا أيتها الطفلتين، اغربا فورًا، ولا تعودا مجددًا". قالت العمة بيريل. وخرجت إلى الفناء تطاردهما كأنهما دجاجتين.

صاحت فيهما: "ارحلا فورًا" قالتها ببرود وتكبر.

لم يكونا بحاجة أن يقال لهما هذا مرة أخرى. بينما كان العار يلفهما، وملتصقتين ببعضهما، هرولت ليل بعيدًا كما تفعل أمها، وأصاب إلسه الدوار. بطريقة ما عبرتا الفناء، وخرجتا بصعوبة من البوابة البيضاء الضيقة.

قالت العمة بيريل لكيزيا بلهجة متسمة بالمرارة: "فتاة صغيرة خبيثة متمردة"، وصفقت باب بيت الدمى.

كانت هذه الظهيرة في غاية السوء. وصلت رسالة من ويلي برينت، رسالة مرعبة مهددة، قال فيها إنها لو لم تقابله في هذا المساء عند شجيرة بولمان، سيأتي عند الباب الأمامي ويسألها عن سبب ذلك! ولكن الآن بعدما أخافت فأرتي كيلفي وقرَّعت كيزيا تقريعًا عنيفًا شعرت بالخفة، وبالتخلص من هذا الضغط الثقيل. عادت إلى منزلها وهي تدندن.

عندما ابتعدت ابنتا كيلفي عن مرمى بصر آل بارنل، جلستا تستريحان على ماسورة الصرف الحمراء الكبيرة على جانب الطريق. ظل خدا ليل يحترقان خجلًا. نزعت قبعتها ذات الريشة ووضعتها على ركبتها. نظرتا حالمتين إلى حقل الدريس، بعد الجدول، إلى السياج الذي يضم أبقار لوجان التي تنتظر الحلب. ما الذي كانتا تفكران فيه؟

بعد برهة، التصقت إلسه بأختها. نسيت الآن السيدة الغاضبة. رفعت إصبعها وربتت على ريشة أختها، وابتسمت ابتسامتها النادرة.

قالت برقة: "لقد رأيت المصباح الصغير".

ثم استغرقتا في الصمت مجددًا.



2018-10-14

أقصى ما يمكن – مصطفى ذكري – اقتباسات

اقتباسات من كتاب "أقصى ما يمكن – يوميات 3" لمصطفى ذكري
إصدار الكتب خان – 2018




***

"وأنا أكمل عملًا، وقفت ثلاثة أعمال أخرى غير مكتملة حاجزًا أمام العمل الذي تقدمت في كتابته إلى ما قبل النهاية بقليل، هناك عار أشعر به في عدم قدرتي على إنهاء عمل، عار يغذيه الوقت، ومن النذالة أن لا أعطي فرصة للوقت، لا أقصد الكسل أو الفشل، فهما صديقان على طول الطريق، ولي معهما ود، أما الوقت فهو من يريد دائمًا الفرصة ربما ليربط بين التأجيل والقيمة أو ربما ليزرع بيني وبين الصديقين كراهية".

***

"على الحاجز الخشبي دفتر كبير مفتوح على مصراعيه، وقلم رصاص مربوط من أعلاه بدوبارة نهايتها مثبتة بمسمار خفي أسفل الحاجز الخشبي، كتبت اسمي الثلاثي، ورقم البطاقة الشخصية، وعنوان البيت، والهدف من الزيارة، الاستعارة أم القراءة؟ يقع اختياري دائمًا على القراءة، رغم أنني في نهاية اليوم آخذ كتابًا للاستعارة، الهدف من الزيارة، كأنها جملة لتعرية الزائر، وفضح نواياه، وماذا لو لم يكن هناك هدف من الزيارة، أقضي الساعات في المكتبة تحت وطأة السؤال، ليس لأنني لا أريد القراءة أو الاستعارة بل لأن القراءة أو الاستعارة تأتي عَرَضًا لهروب غير ذي معنى يستأنس بجوار، بحيث لو لزم الأمر أحتمي بهدف الزيارة".

***

"رأيت بالصدقة لقطات من فيلم تسجيلي عن الكاتب المصري الراحل ألبير قصيري، الفيلم قبل موته بثلاث سنوات، كان عمره في زمن الفيلم واحد وتسعين عامًا، اللقطات بسيطة، ألبير يعبر شارعًا للوصول إلى حديقة عامة، يجلس على كرسي، يعود إلى غرفته المتواضعة في بنسيون، المؤثر في الفيلم طغيان الزمن على جسم ألبير، فهو ضئيل ومنكمش، وكأن انكماش الجسم هي فاتورة الواحد وتسعين عامًا، وكأن الزمن لن يحفظ سمعته إلا بهذا الطغيان، في المقابل يستسلم ألبير، ويبدو وهو يخطو على أرض الشارع، وكأنه يدوس على لوح من الزجاج عُرضة للكسر، وحتى إذا كانت الأرض من زجاج، فوزن جسمه الذي لا يتعدى الخمسة وأربعين كيلوجرامًا لا قِبَل لها بكسر الزجاج، فكرت أنه عند عمر معين أحيانًا تتم المساومة المهينة بين عجوز وزمن، لك الطغيان ولي الاستسلام".

***

"كنت قد عاهدت نفسي أمام الكتابة بعربون الوقت المفتوح، ليس أقل من زمن أبدي لكتابة جملة، حجة البليد، ربط ذيل الكتابة بذيل الزمن، شد وأنا أشد، حبل مشدود بين نافذتين متقابلتين، مهرج نيتشه يخرج من نافذة، وفي يديه عارضة التوازن، يخطو على الحبل، زرادشت في الأسفل، الناس في الساحة معلَّقة عيونهم بالمهرج، ما أن يصل المهرج إلى منتصف الحبل إلا وتنفتح النافذة التي خرج منها مرة ثانية، مهرج ثان يتقدم على الحبل. الأفضل مشهديًا وسينمائيًا أن يخرج المهرج الثاني من النافذة المقابلة، لكن نقول إيه لنيتشه؟ ميزانسين ملكلك، يقول: تنفتح النافذة مرة ثانية، هو كان المهرج الأول قفلها قبل ما يمشي على الحبل؟ يقفز المهرج الثاني على المهرج الأول، يقع المهرج الأول في الساحة، لم يقل لنا نيتشه هل وصل المهرج الثاني إلى النافذة المقابلة، زرادشت في الليل، وهو يدفن المهرج الأول، يجد أمامه المهرج الثاني، كان المشهد السينمائي مطية للمعنى، نخاسة، ركوبة، مداسًا. الله يسامحك يا عم نيتشه".

***

"تحمَّر وجوه أبطال دوستويفسكي وتصفرُّ، ترتعش شفاههم، تخفق دقات قلوبهم، يجاهدون توالي الانفعالات على سحناتهم، تتضخم أرواحهم، يتسوَّلون الدراما على عتبات البيوت والغرف الضيقة والممرات والبارات والأقبية، مراهقون في العشرينيات يحملون فلسفات سيئة الصياغة، يقرأون كثيرًا بوشكين وجوجول، يراهنون على خجل القارئ أمام صدق أفعالهم في القتل والحب والصداقة".

***

"إنني أستطيع لوم نفسي إلى ما لا نهاية، بحيث يصعب على أحد غيري تسديد ضربة إضافية، ويرتكز اللوم في مجمله على بضعة أمور كنت قد حلمت بها صغيرًا، وعوَّلت في حال تحققها على سعادة تكفي لدفع طاقات الملل، وحدث أن ما حلمت به تحقق، لكن بانطفاء وخمود وبطء".

***

"حلمت بأنني تركت مهنة الكتابة، وفتحت محلًا لبيع الأدوات المكتبية. وكان المحل على مدينة ساحلية. تصعد سلالم قليلة من رمال البحر، فتجد نفسك أمام المحل الصغير على الطريق. أغلب الزبائن من الشاطئ. يتجهون إلى ركن في المحل لشراء جريدة أو مجلة. وهذا الركن هو الذي يسد رمقي. أما الأدوات المكتبية فهي إثبات شخصي على تغيير المسار، ويخرج فقط عند الضرورة".

***

"كانت الدراسة بالنسبة لي، وبمراحلها جميعًا، ألمًا لا شفاء منه، نصلًا مغروسًا في الجنب، يلف على محوره من وقت لآخر، وحتى بعد انعتاقي النهائي من الدراسة الجامعية، منذ أكثر من عشرين سنة، ما زال الألم شبه الجسدي، شبه النفسي، يعود مختلطًا في الذاكرة بما يشبه تقارير إدانة عن مشاهد تقصير دراسي لا أتذكرها تفصيلًا، لكنني لا أنكرها جملة، فيضاف على الذاكرة عبء الشعور بالذنب، وأمر ملح أتى باستعادة مشاهد التقصير الدراسي بكل تفاصيلها، وكأنها حدثت بالأمس. لم يكن تقصيري الدراسي يرجع إلى تعال ذهني على المواد الدراسية، التي لا أستطيع أيضًا الدفاع عن علو شأنها، بل يرجع إلى خوف معتم من بذل مجهود ذهني يُقابَل في النهاية بنتائج عادية، وإذا كانت تلك النتائج العادية المسالمة غير المحسوسة التي تنقلني من امتحان إلى آخر، ومن سنة إلى أخرى، ومن مرحلة دراسية إلى أخرى، تتم تحت غطاء الحد الأدنى من المجهود الذهني، فقد كان تأجيل ذلك الجهد اللازم، مخدرًا مستدامًا، وخزينًا للطاقة لا ينضب".

***

"أستاذ مادة الدراما في المعهد العالي للسينما قال لنا يومًا: إذا استطاع أحدكم اختيار أقوى نقطة درامية نستطيع منها الدخول للفيلم الملحمي (الطيب والشرس والقبيح) للكتابة عنه، له مني 100 جنيه. بعد أسبوع كانت معظم الاختيارات لا تخرج عن الأبطال الثلاثة في الفيلم. كلينت إستوود، وإيلي والاش، ولي فان كليف. كان اختياري بعيدًا. اخترت شخصية بيل كارسون، وهو شخصية ثانوية في الفيلم، لكنها شخصية تُمثل الغياب/الحضور، وتحرك الحدث الدرامي عن بعد. بيل كارسون يظهر مرة واحدة أثناء موته، وهو الحامل لسر النقود الذهبية. أخذت 100 جنيه وسط امتعاض الزملاء الذين اقترحوا احتفالًا وتبديدًا للمال في الليل. قلت لهم: مَن مثلي الأعلى في فيلم (الطيب والشرس والقبيح؟) صمتوا جميعًا. قلت ضاحكًا: توكو. لو كان توكو مكاني لما صرف ماله على مقاطيع سينما ميديوكر بحجة الزمالة".

2018-10-05

خطاب بوب ديلان في مأدبة نوبل

حصل المغني الأمريكي الشهير بوب ديلان على جائزة نوبل في الأدب لعام 2016، وكان الإعلان عن الجائزة في ذلك العام أمرًا فريدًا، إذ تعتبر المرة الأولى التي يحصل فيها مغنٍ على الجائزة. لم يحضر ديلان مأدبة نوبل الذي أقيم يوم السبت 10 ديسمبر، ولكن ديلان أرسل خطابًا ألقته سفيرة الولايات المتحدة في السويد آزيتا راجي. وهذه ترجمة الخطاب كاملًا.

بوب ديلان
خطاب مأدبة نوبل
10 ديسمبر 2016

ترجمة: أمير زكي
ديسمبر 2016

نُشرت الترجمة بموقع المنصة

يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه.

***



مساء الخير على الجميع، أقدم تحياتي الحارة إلى أعضاء الأكاديمية السويدية وإلى جميع الضيوف المميزين الآخرين الحاضرين الليلة.

أعتذر لكم لعدم تمكني من الحضور بشخصي، ولكن أرجوكم أن تعرفوا أنني معكم كلية بروحي، وأنني شَرُفت بتسلم هذه الجائزة الجليلة. الحصول على جائزة نوبل في الأدب هو أمر لم أتخيله أو أتوقعه على الإطلاق. منذ وقت مبكر، عرفت وقرأت والتهمت أعمال مَن اُعتبروا مستحقين لهذا الامتياز: كيبلينج وشو وتوماس مان وبيرل باك وآلبير كامو وهمنجواي. هؤلاء العمالقة الذين تُدرّس أعمالهم في المدارس، وتُحفظ كتبهم في المكتبات في أنحاء العالم، ويتم الحديث عندهم دومًا بلهجة توقير، كان لهم دومًا تأثير عميق عليّ. والآن فانضمامي لهذه القائمة من الأسماء هو أمر لا أستطيع التعبير عنه بالكلمات.

لا أعرف إذا كان هؤلاء الرجال والنساء فكروا في شرف الحصول على نوبل، ولكني أفترض أن أي شخص يكتب كتابًا أو قصيدة أو مسرحية في أي مكان في العالم ربما يخفي هذا الحلم السري في أعماقه، على الأرجح يكون الحلم مدفونًا بعمق حتى أنهم أنفسهم لا يعرفون إنه موجود.

إذا قال لي أحدهم في الماضي إن لديّ فرصة ضئيلة للحصول على جائزة نوبل، كنت سأعتقد أن إمكانية ذلك أشبه بإمكانية وصولي إلى القمر. في الحقيقة، في السنة التي وُلدت فيها وبعدها بعدة سنوات، لم يُعتبّر أي شخص في العالم أهلًا بما يكفي ليحصل على جائزة نوبل، بالتالي أعتبر نفسي وسط صحبة نادرة جدًا، وهذا أقل ما يمكن قوله.

لقد كنت مسافرًا في رحلة عندما تلقيت تلك الأخبار المفاجئة، وقضيت بضعة دقائق في محاولة استيعابها تمامًا. ثم بدأت أفكر في وليام شكسبير، الرمز الأدبي العظيم، وسوف أعتبر أنه كان يفكر في نفسه ككاتب مسرحي، وفكرة أنه يكتب أدبًا لم تكن تراوده. كان يكتب كلماته لتُمَثَّل على المسرح، من أجل تُنطَق لا أن تُقرَأ. أنا متأكد أنه حين كان يكتب هاملت كان يفكر في العديد من الأشياء المختلفة: "من هم الممثلون الأنسب لهذه الأدوار؟"، "كيف يمكن أن تُعرَض على المسرح؟"، "هل أود فعلًا أن أجعل الأحداث تجري في الدنمارك؟" بلا شك كانت رؤيته المبدعة وطموحاته في مقدمة ما يفكر فيه، ولكن كانت هناك أيضًا مسائل مبتذلة كان عليه أن يتعامل معها: "هل التمويل كاف؟"، "هل هناك مقاعدة جيدة كافية لرعاة المسرحية؟"، "من أين سأحصل على جمجمة لإنسان؟" أراهن أن آخر شيء كان يفكر فيه شكسبير هو "هل هذا أدب؟"

عندما بدأت كتابة الأغاني في مراهقتي، وحتى عندما حصلت على بعض الشهرة بسبب موهبتي، كانت طموحاتي لتلك الأغاني تتوقف عند هذا القَدر: فكرت أنه من الممكن أن يسمعها الناس في المقاهي والبارات، وربما بعد ذلك أن يسمعوها في مكان مثل كارنيجي هول، أو في مسرح لندن بالاديوم. وإذا أفرطتُ في أحلامي، ربما كان بإمكاني تخيل أن أصنع تسجيلًا ثم أستمع لأغانيّ في الراديو. كانت هذه جائزة كبيرة جدًا من وجهة نظري؛ صناعة التسجيلات والاستماع إلى أغانيك في الراديو كان يعني وصولك إلى جمهور كبير، وأنه عليك أن تستمر في فعل ما بدأت فعله.

لقد استمررت في فعل ما بدأت فعله منذ وقت طويل، لقد صنعت عشرات التسجيلات، وغنيت في آلاف الحفلات في أنحاء العالم، ولكن أغنياتي كانت هي المركز الحيوي لكل شيء أفعله تقريبًا. بدا أنها حصلت لنفسها على مكان في حياة العديد من الناس في العديد من الثقافات المختلفة، وأنا ممتن لهذا.

ولكن هناك شيء واحد عليّ أن أقوله؛ كمؤدٍ، غنيت أمام 50 ألف شخص، وغنيت أمام 50، ويمكنني أن أقول لكم أن الأصعب هو أن تغني أمام الـ 50 شخصًا. الـ 50 ألف لديهم شخصية واحدة، ولكن الأمر ليس كذلك مع الـ 50؛ كل شخص لديه هوية منفردة ومنفصلة، وهناك عالم بداخل كل واحد منهم. يمكن لكل منهم أن يدرك الأشياء بشكل أوضح. لقد اُختبرَت أمانتكم، وعلاقتها بعمق موهبتكم، إذ أنني لم أتجاهل بداخلي حقيقة أن لجنة نوبل صغيرة جدًا.

ولكني أيضًا مثل شكسبير، كثيرا ما أكون مشغولًا بالسعي وراء محاولاتي الإبداعية والتعامل مع المشكلات المبتذلة في كل جوانب الحياة: "من هم أفضل العازفين لتلك الأغاني؟"، "هل أسجل في الاستوديو المناسب؟" "هل لحن هذه الأغنية مناسب؟" إذ أن هناك بعض الأشياء التي لا تتغير أبدًا، حتى بعد مرور 400 عام.

لذلك لم يكن لديّ وقت أبدًا لأطرح على نفسي سؤال: "هل تعتبر أغنياتي أدبًا؟"

بالتالي أشكر الأكاديمية السويدية، أولًا لأنها بذلت وقتًا للتفكير في هذا السؤال، وأخيرًا لتقديم هذه الإجابة الرائعة.

أمنياتي الطيبة لكم جميعًا.