2018-08-31

التراجيديا والإنسان العادي - آرثر ميلر

التراجيديا والإنسان العادي - آرثر ميلر

ترجمة: حسين الحاج
مراجعة: أمير زكي ونهلة عثمان

*يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه.



***

قليلة هي التراجيديات التي كُتبت في هذا العصر. وكثيرًا ما قيل إن هذه الندرة ترجع إلى قلة الأبطال بيننا، أو لأن الشك العلمي أفرغ الإنسان الحديث من إيمانه، والهجوم البطولي على الحياة لا يمكن أن يستند على الموقف المحافظ والحذر. ولسبب أو لآخر، فغالبا ما نعتقد أننا أدنى من التراجيديا أو أنها أعلى منا، فيصبح الاستنتاج الحتمي أن الوضع التراجيدي قد عفا عليه الزمن، وأنه لا يتناسب إلا مع ذوي المقامات العالية، مثل الملوك أو من يتصفون بصفات الملوك، وإن لم يتم الاعتراف بذلك علانية، فإنه عادةً ما يكون مفهومًا ضمنيًا.

أعتقد أن الإنسان العادي مناسب كموضوع للتراجيديا في أرقى معانيها مثلما كان الملوك. ويبدو أن هذا يجب أن يكون واضحًا في ضوء الطب النفسي الحديث، الذي أسس تحليله على المركبات الكلاسيكية التي تمثلت في الشخصيات الملكية، مثل عقدتي أوديب وأورستيس على سبيل المثال، لكنها تنطبق على الجميع في الحالات الانفعالية المماثلة.

وببساطة أكثر، عندما تكون مسألة التراجيديا في الفن خارج النقاش، لا نتردد في ننسب للشرفاء والعظماء نفس ذهنية المنحطين. وأخيرًا، إذا كان سمو العمل التراجيدي خاص بالشخصيات الرفيعة وحدها حقًا، فمن غير المعقول أن البشرية ستمجد التراجيديا دونًا عن الأشكال الأخرى، ناهيك أن تكون قادرة على استيعابها.

كقاعدة عامة -ربما هناك بعض الاستثناءات التي لا أعلمها- أظن أن الشعور التراجيدي يتولد داخلنا عندما نجد أنفسنا في موقع شخصية على استعداد للتضحية بحياتها، إذا تطلّب الأمر ذلك، حتى تكفُل شيئًا واحدًا، وهو شعورها بكرامتها. صراعات الفرد المتضمنة من أورستيس إلى هاملت، ومن ميديا وحتى ماكبث، هي محاولاته نحو اكتساب موقعه العادل في المجتمع.

أحياناً يكون البطل التراجيدي قد حُرم من هذا الموقع، وأحياناً يسعى إلى تحقيقه للمرة الأولى، ولكن جرحه المميت -الذي تلتف حوله الأحداث الحتمية- هو جرح الذل، والنقمة تكون دافعه القاهر. التراجيديا، حينئذ، هي العاقبة الشاملة لاضطرار الإنسان إلى أن يُقَيِّم نفسه تقييمًا عادلًا.

تكشف القصة دائمًا، ربما بمبادرة البطل نفسه، عما يسمى بخطئه التراجيدي، وهو خلل لا يقتصر على الشخصيات العظيمة أو الراقية. وليس أيضًا بالضرورة موطن ضعف. الخلل، أو الضعف في الشخصية، هو في الحقيقة لا شيء، ويلزم أن يكون لا شيء، سوى تأصل رفضه أن يظل سلبيًا في مواجهة ما يتصور أنه يمثل تحدٍيًا لكرامته وصورته ومنزلته العادلة. فقط السلبيون، أولئك الذين يرضون بقسمتهم بلا انتقام فعلي، هم الخالون من هذا الخطأ. معظمنا يندرج تحت هذا التصنيف.

لكن بيننا الآن، كما كانوا موجودين دائمًا، هناك مَن يعملون ضد مخطط الأشياء الذي يحط من قدرهم، وأثناء سير الأحداث يهتز ويخضع للاختبار كل شيء قبلناه بسبب الخوف أو اللامبالاة أو الجهل، وينبع الرعب والخوف الذي يرتبط بالتراجيديا بصورة كلاسيكية من الهجوم الشامل للفرد على الكون الثابت ظاهرًيا من حولنا ومن هذا الاختبار الشامل للبيئة “المستقرة”.

الأهم من ذلك أننا نتعلم من هذا الاستفهام الشامل لما لم يُطرح للسؤال من قبل. وهذه العملية ليست أدنى من مستوى الإنسان العادي، فلقد برهن مرارًا وتكرارًا على الدينامية الداخلية لكل التراجيديات في الثورات العالمية خلال الثلاثين سنة الماضية.

ليس الإصرار على مقام البطل التراجيدي، أو ما يسمى بنبل شخصيته، في الحقيقة، إلا تعلقًا بالشكل الظاهري للتراجيديا. وإذا كان لا غنى عن مقام أو نبل الشخصية، سيُفهم من ذلك إذن أن مشاكل ذوي المناصب هي مشاكل تختص بها التراجيديا. لكن لم يعد حق أي سلطان في الاستيلاء على نفوذ سلطان آخر يثير عواطفنا بالتأكيد، ولا مفاهيمنا حول العدالة هي نفس ما كانت عليه في عقل الملك الإليزابيثي.

ولكن السمة التي تؤثر فينا في تلك المسرحيات مستمدة من الخوف الكامن من أن نصبح معزولين، من الكارثة المتأصلة في أن نبتعد كُرهًا عن صورتنا المختارة عما نحن في هذا العالم أو من نحن، لقد أصبح هذا الخوف بيننا اليوم قويًا، وربما الأقوى، مما كان عليه أبدًا. في الحقيقة، الإنسان العادي هو أفضل من يعرف هذا الخوف.

والآن، إذا كان صحيحًا أن التراجيديا هي العاقبة الشاملة لاضطرار الإنسان إلى أن يُقَيِّم نفسه تقييمًا عادلًا، وفشل محاولته في افتراض الخطأ أو الشر في محيطه. فهذه تحديدًا هي فضيلة التراجيديا وعبرتها. وليس اكتشاف القانون الأخلاقي الذي يشكل لحظة التنوير في التراجيديا اكتشافًا لبعض المفاهيم المجردة أو الميتافيزيقية.

المحنة التراجيدية ظرف حياتي، ظرف تستطيع فيه الهوية الإنسانية الازدهار وتحقيق ذاتها. والخطأ علة تسحق الإنسان، وتفسد تدفق حبه وغريزته الابداعية. التراجيديا تنير الإنسان، ويجب عليها ذلك، حيث أنها تشير بأصابع اتهام قوية إلى الفرد المعادي لحريته. والاندفاع نحو الحرية قيمة متكررة الحدوث في التراجيديا. وطرح الأسئلة الثورية عن البيئة المستقرة هو ما يروع الإنسان. هذه الأفكار والأفعال ليست بمنأى عن الإنسان العادي على الإطلاق.

نرى في ضوء ذلك أن افتقارنا للتراجيديا يمكن تسجيله جزئيًا من خلال التحول الذي اتخذه الأدب الحديث نحو الرؤية النفسية المحضة أو الرؤية الإجتماعية البحتة للحياة. فإذا كانت كل مآسينا ومهاناتنا نشأت ونمت داخل عقولنا، لكان الإتيان بالأفعال، البطولية منها على وجه الخصوص، أمراً مستحيلًا بالتأكيد.

وإذا كان المجتمع وحده مسؤولًا عن إعاقة حياتنا، إذن يجب على البطل بالضرورة أن يكون نقيًا للغاية وخالٍ من النقص كي يدفعنا لإنكار صلاحيته كشخصية تراجيدية. لكن التراجيديا لا يمكن أن تنشأ من وجهتي النظر كلتاهما، لأنهما ببساطة لا يمثلان مفهومًا متوازنًا للحياة. فقبل كل شيء تستلزم التراجيديا أرقى تقدير من الكاتب للسببية.

وبناء على ذلك لا يمكن للتراجيديا أن تتحقق إذا كان مؤلفها يخشى التساؤل حول كل شئ تقريبًا، إذا كان يجل أي نظام أو عادة أو تقليد لأنه أبدي أو ثابت أو حتمي. إن حاجة الإنسان لأن يحقق نفسه بصورة كاملة هو الهدف الثابت الوحيد في الرؤية التراجيدية، وأيا ما كان يحاصر طبيعته وينتقص منها فهو جاهز للهجوم عليه واختباره. وهذا لا يعني أن على التراجيديا التبشير بالثورة.

يمكن لليونانيين أن يستكشفوا الأصول المقدسة لنهجهم ثم يعودوا لتأكيد عدل القوانين. ويمكن لأيوب أن يواجه الرب في غضب مطالبًا بحقه ونهاية خضوعه. لكن للحظة يصبح كل شئ معلقًا، ولا يقبل بأي شيء، وخلال هذا التمدد والتمزق الكوني، وفي صُلب ذلك الفعل تحديدًا، يتعاظم حجم الشخصية وتتولد في مخيلتنا المنزلة التراجيدية لها التي ارتبطت بصورة زائفة بالشخصية الملكية أو الرفيعة. قد يقاتل أكثر البشر عادية لأجل المكانة إلى حد استعداده بدفع كل ما يملكه إلى هذا الصراع وهذه المعركة كي يُؤَمِّن موقعه العادل في العالم.

هناك فهم خاطئ للتراجيديا اصطدمت به في العديد من المراجعات النقدية، وكذلك في العديد من الحوارات مع الكتاب والقراء على حد سواء، وهو فكرة أنه لا بد للتراجيديا أن تتلازم مع التشاؤم. حتى القاموس لا يشرح عن المفهوم أكثر من أنه يعني قصة ذات نهاية حزينة أو غير سعيدة. هذا الانطباع راسخ بقوة حتى أكاد أتردد في زعم أن التراجيديا في الحقيقة تفترض التفاؤل عند مؤلفها أكثر مما تفترضه الكوميديا، وأن على مؤداها الأخير أن يعزز أكثر آراء المشاهد إيجابية حول جنس الإنسان.

ومن أجل ذلك، فإنه إذا كان صحيحًا أن نقول إن البطل التراجيدي في جوهره منهمك في المطالبة بحقه، وإذا كان لا بد أن يكون هذا الصراع شاملًا دون تحفظ، إذن فذلك يبرهن تلقائيًا على إرادة الإنسان الصلبة لتحقيق إنسانيته.

يجب لإمكانية الإنتصار أن تتواجد في التراجيديا. فحيثما تسيطر الشفقة، وحيثما ينشأ رثاء الذات في النهاية، فالشخصية تكون قد خاضت معركة لا يمكن لها أن تنتصر فيها. وعندما يصبح البطل بفضل حماقته وانعدام تقديره وإظهاره المبالغ لكبريائه عاجزًا عن التصارع مع قوة أكثر تفوقًا، فإنه يصل إلى مرحلة الإشفاق.

والشفقة هي أسلوب المتشائم حقًا. لكن التراجيديا تتطلب توازنًا دقيقًا بين الممكن والمستحيل. وإنه لأمر غريب، مع أنه ذو دلالة أخلاقية، أن التراجيديات هي المسرحيات التي نوقرها قرنًا بعد قرن. فلا نجد إلا فيها وحدها الاعتقاد المتفائل في كمال الإنسان إذا صح التعبير.

أعتقد أنه حان الوقت أن نلتقط الخيط المشرق من تاريخنا –نحن من لا يحيطنا الملوك- ونتتبعه إلى المكان الوحيد الذي يمكن أن يقودنا إليه في عصرنا، إلى قلب وروح الإنسان العادي.