2018-08-31

التراجيديا والإنسان العادي - آرثر ميلر

التراجيديا والإنسان العادي - آرثر ميلر

ترجمة: حسين الحاج
مراجعة: أمير زكي ونهلة عثمان

*يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه.



***

قليلة هي التراجيديات التي كُتبت في هذا العصر. وكثيرًا ما قيل إن هذه الندرة ترجع إلى قلة الأبطال بيننا، أو لأن الشك العلمي أفرغ الإنسان الحديث من إيمانه، والهجوم البطولي على الحياة لا يمكن أن يستند على الموقف المحافظ والحذر. ولسبب أو لآخر، فغالبا ما نعتقد أننا أدنى من التراجيديا أو أنها أعلى منا، فيصبح الاستنتاج الحتمي أن الوضع التراجيدي قد عفا عليه الزمن، وأنه لا يتناسب إلا مع ذوي المقامات العالية، مثل الملوك أو من يتصفون بصفات الملوك، وإن لم يتم الاعتراف بذلك علانية، فإنه عادةً ما يكون مفهومًا ضمنيًا.

أعتقد أن الإنسان العادي مناسب كموضوع للتراجيديا في أرقى معانيها مثلما كان الملوك. ويبدو أن هذا يجب أن يكون واضحًا في ضوء الطب النفسي الحديث، الذي أسس تحليله على المركبات الكلاسيكية التي تمثلت في الشخصيات الملكية، مثل عقدتي أوديب وأورستيس على سبيل المثال، لكنها تنطبق على الجميع في الحالات الانفعالية المماثلة.

وببساطة أكثر، عندما تكون مسألة التراجيديا في الفن خارج النقاش، لا نتردد في ننسب للشرفاء والعظماء نفس ذهنية المنحطين. وأخيرًا، إذا كان سمو العمل التراجيدي خاص بالشخصيات الرفيعة وحدها حقًا، فمن غير المعقول أن البشرية ستمجد التراجيديا دونًا عن الأشكال الأخرى، ناهيك أن تكون قادرة على استيعابها.

كقاعدة عامة -ربما هناك بعض الاستثناءات التي لا أعلمها- أظن أن الشعور التراجيدي يتولد داخلنا عندما نجد أنفسنا في موقع شخصية على استعداد للتضحية بحياتها، إذا تطلّب الأمر ذلك، حتى تكفُل شيئًا واحدًا، وهو شعورها بكرامتها. صراعات الفرد المتضمنة من أورستيس إلى هاملت، ومن ميديا وحتى ماكبث، هي محاولاته نحو اكتساب موقعه العادل في المجتمع.

أحياناً يكون البطل التراجيدي قد حُرم من هذا الموقع، وأحياناً يسعى إلى تحقيقه للمرة الأولى، ولكن جرحه المميت -الذي تلتف حوله الأحداث الحتمية- هو جرح الذل، والنقمة تكون دافعه القاهر. التراجيديا، حينئذ، هي العاقبة الشاملة لاضطرار الإنسان إلى أن يُقَيِّم نفسه تقييمًا عادلًا.

تكشف القصة دائمًا، ربما بمبادرة البطل نفسه، عما يسمى بخطئه التراجيدي، وهو خلل لا يقتصر على الشخصيات العظيمة أو الراقية. وليس أيضًا بالضرورة موطن ضعف. الخلل، أو الضعف في الشخصية، هو في الحقيقة لا شيء، ويلزم أن يكون لا شيء، سوى تأصل رفضه أن يظل سلبيًا في مواجهة ما يتصور أنه يمثل تحدٍيًا لكرامته وصورته ومنزلته العادلة. فقط السلبيون، أولئك الذين يرضون بقسمتهم بلا انتقام فعلي، هم الخالون من هذا الخطأ. معظمنا يندرج تحت هذا التصنيف.

لكن بيننا الآن، كما كانوا موجودين دائمًا، هناك مَن يعملون ضد مخطط الأشياء الذي يحط من قدرهم، وأثناء سير الأحداث يهتز ويخضع للاختبار كل شيء قبلناه بسبب الخوف أو اللامبالاة أو الجهل، وينبع الرعب والخوف الذي يرتبط بالتراجيديا بصورة كلاسيكية من الهجوم الشامل للفرد على الكون الثابت ظاهرًيا من حولنا ومن هذا الاختبار الشامل للبيئة “المستقرة”.

الأهم من ذلك أننا نتعلم من هذا الاستفهام الشامل لما لم يُطرح للسؤال من قبل. وهذه العملية ليست أدنى من مستوى الإنسان العادي، فلقد برهن مرارًا وتكرارًا على الدينامية الداخلية لكل التراجيديات في الثورات العالمية خلال الثلاثين سنة الماضية.

ليس الإصرار على مقام البطل التراجيدي، أو ما يسمى بنبل شخصيته، في الحقيقة، إلا تعلقًا بالشكل الظاهري للتراجيديا. وإذا كان لا غنى عن مقام أو نبل الشخصية، سيُفهم من ذلك إذن أن مشاكل ذوي المناصب هي مشاكل تختص بها التراجيديا. لكن لم يعد حق أي سلطان في الاستيلاء على نفوذ سلطان آخر يثير عواطفنا بالتأكيد، ولا مفاهيمنا حول العدالة هي نفس ما كانت عليه في عقل الملك الإليزابيثي.

ولكن السمة التي تؤثر فينا في تلك المسرحيات مستمدة من الخوف الكامن من أن نصبح معزولين، من الكارثة المتأصلة في أن نبتعد كُرهًا عن صورتنا المختارة عما نحن في هذا العالم أو من نحن، لقد أصبح هذا الخوف بيننا اليوم قويًا، وربما الأقوى، مما كان عليه أبدًا. في الحقيقة، الإنسان العادي هو أفضل من يعرف هذا الخوف.

والآن، إذا كان صحيحًا أن التراجيديا هي العاقبة الشاملة لاضطرار الإنسان إلى أن يُقَيِّم نفسه تقييمًا عادلًا، وفشل محاولته في افتراض الخطأ أو الشر في محيطه. فهذه تحديدًا هي فضيلة التراجيديا وعبرتها. وليس اكتشاف القانون الأخلاقي الذي يشكل لحظة التنوير في التراجيديا اكتشافًا لبعض المفاهيم المجردة أو الميتافيزيقية.

المحنة التراجيدية ظرف حياتي، ظرف تستطيع فيه الهوية الإنسانية الازدهار وتحقيق ذاتها. والخطأ علة تسحق الإنسان، وتفسد تدفق حبه وغريزته الابداعية. التراجيديا تنير الإنسان، ويجب عليها ذلك، حيث أنها تشير بأصابع اتهام قوية إلى الفرد المعادي لحريته. والاندفاع نحو الحرية قيمة متكررة الحدوث في التراجيديا. وطرح الأسئلة الثورية عن البيئة المستقرة هو ما يروع الإنسان. هذه الأفكار والأفعال ليست بمنأى عن الإنسان العادي على الإطلاق.

نرى في ضوء ذلك أن افتقارنا للتراجيديا يمكن تسجيله جزئيًا من خلال التحول الذي اتخذه الأدب الحديث نحو الرؤية النفسية المحضة أو الرؤية الإجتماعية البحتة للحياة. فإذا كانت كل مآسينا ومهاناتنا نشأت ونمت داخل عقولنا، لكان الإتيان بالأفعال، البطولية منها على وجه الخصوص، أمراً مستحيلًا بالتأكيد.

وإذا كان المجتمع وحده مسؤولًا عن إعاقة حياتنا، إذن يجب على البطل بالضرورة أن يكون نقيًا للغاية وخالٍ من النقص كي يدفعنا لإنكار صلاحيته كشخصية تراجيدية. لكن التراجيديا لا يمكن أن تنشأ من وجهتي النظر كلتاهما، لأنهما ببساطة لا يمثلان مفهومًا متوازنًا للحياة. فقبل كل شيء تستلزم التراجيديا أرقى تقدير من الكاتب للسببية.

وبناء على ذلك لا يمكن للتراجيديا أن تتحقق إذا كان مؤلفها يخشى التساؤل حول كل شئ تقريبًا، إذا كان يجل أي نظام أو عادة أو تقليد لأنه أبدي أو ثابت أو حتمي. إن حاجة الإنسان لأن يحقق نفسه بصورة كاملة هو الهدف الثابت الوحيد في الرؤية التراجيدية، وأيا ما كان يحاصر طبيعته وينتقص منها فهو جاهز للهجوم عليه واختباره. وهذا لا يعني أن على التراجيديا التبشير بالثورة.

يمكن لليونانيين أن يستكشفوا الأصول المقدسة لنهجهم ثم يعودوا لتأكيد عدل القوانين. ويمكن لأيوب أن يواجه الرب في غضب مطالبًا بحقه ونهاية خضوعه. لكن للحظة يصبح كل شئ معلقًا، ولا يقبل بأي شيء، وخلال هذا التمدد والتمزق الكوني، وفي صُلب ذلك الفعل تحديدًا، يتعاظم حجم الشخصية وتتولد في مخيلتنا المنزلة التراجيدية لها التي ارتبطت بصورة زائفة بالشخصية الملكية أو الرفيعة. قد يقاتل أكثر البشر عادية لأجل المكانة إلى حد استعداده بدفع كل ما يملكه إلى هذا الصراع وهذه المعركة كي يُؤَمِّن موقعه العادل في العالم.

هناك فهم خاطئ للتراجيديا اصطدمت به في العديد من المراجعات النقدية، وكذلك في العديد من الحوارات مع الكتاب والقراء على حد سواء، وهو فكرة أنه لا بد للتراجيديا أن تتلازم مع التشاؤم. حتى القاموس لا يشرح عن المفهوم أكثر من أنه يعني قصة ذات نهاية حزينة أو غير سعيدة. هذا الانطباع راسخ بقوة حتى أكاد أتردد في زعم أن التراجيديا في الحقيقة تفترض التفاؤل عند مؤلفها أكثر مما تفترضه الكوميديا، وأن على مؤداها الأخير أن يعزز أكثر آراء المشاهد إيجابية حول جنس الإنسان.

ومن أجل ذلك، فإنه إذا كان صحيحًا أن نقول إن البطل التراجيدي في جوهره منهمك في المطالبة بحقه، وإذا كان لا بد أن يكون هذا الصراع شاملًا دون تحفظ، إذن فذلك يبرهن تلقائيًا على إرادة الإنسان الصلبة لتحقيق إنسانيته.

يجب لإمكانية الإنتصار أن تتواجد في التراجيديا. فحيثما تسيطر الشفقة، وحيثما ينشأ رثاء الذات في النهاية، فالشخصية تكون قد خاضت معركة لا يمكن لها أن تنتصر فيها. وعندما يصبح البطل بفضل حماقته وانعدام تقديره وإظهاره المبالغ لكبريائه عاجزًا عن التصارع مع قوة أكثر تفوقًا، فإنه يصل إلى مرحلة الإشفاق.

والشفقة هي أسلوب المتشائم حقًا. لكن التراجيديا تتطلب توازنًا دقيقًا بين الممكن والمستحيل. وإنه لأمر غريب، مع أنه ذو دلالة أخلاقية، أن التراجيديات هي المسرحيات التي نوقرها قرنًا بعد قرن. فلا نجد إلا فيها وحدها الاعتقاد المتفائل في كمال الإنسان إذا صح التعبير.

أعتقد أنه حان الوقت أن نلتقط الخيط المشرق من تاريخنا –نحن من لا يحيطنا الملوك- ونتتبعه إلى المكان الوحيد الذي يمكن أن يقودنا إليه في عصرنا، إلى قلب وروح الإنسان العادي.

2018-08-24

سيرة الرواية المحرمة.. طريق الأنبياء والفتوات

مقال أمير زكي

*يحتفظ الكاتب بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بمقاله دون إذن منه.

***




من المشهور عن الكاتب الكبير الراحل يوسف إدريس قوله إن الحرية المتاحة في العالم العربي لا تكفي كاتبًا واحدًا، ولكن الواقع والتاريخ يشيران إلى أن الوضع أكثر سوءًا، فالحرية في العالم العربي لم تتسع لكتاب واحد، مجرد رواية، "أولاد حارتنا"، إحدى النقاط البيضاء في تاريخ الأدب العربي، وإحدى النقاط السوداء في تاريخ السلطة والمجتمع.

منذ عدة أيام نشر الكاتب الصحفي محمد شعير كتابه الجديد "أولاد حارتنا.. سيرة الرواية المحرمة"، بعد أن قضى سنوات من البحث عن كل ما يخص الرواية، استخرج معلوماته من الصحف والكتب، ومن مقابلات شخصية ومكالمات تليفونية مع معاصرين للنشر، ليُخرج لنا كمًّا هائلًا من المعلومات عن كل ما يخص ملابسات النشر وتبعاته.

منذ نشر الرواية على حلقات في الأهرام كانت "أولاد حارتنا" أشبه بساحة المعركة التي تتصارع فيها أجنحة السلطات السياسية والدينية والثقافية، ولأننا في العالم العربي نعيش في زمن دائري، بحسب تعبير شعير، ما أن يظهر أي شيء يخص الرواية تتجدد الصراعات مرة أخرى، وكأننا رغم مر كل هذه العقود ما زلنا نعيش في الزمن الذي بدأ فيه نشرها، 21 سبتمبر عام 1959.

أبناء الجبلاوي

كانت رواية "أولاد حارتنا" بمثابة مرحلة انتقالية في أدب نجيب محفوظ، بحسب شعير في الكتاب: "هي رواية مركزية في عالم محفوظ، ما قبلها كان واقعيًا صرفًا، وما بعدها كان محاولات دائمة للتجريب، والابتعاد عن الواقعية الكلاسيكية". وبحسب ما يذكر الكتاب نقلًا عن سليمان فياض: "كان محفوظ حتى (السكرية) جبلًا بلا قمة، قد وجد أخيرًا قمته عندما كتب (أولاد حارتنا)، تلك القمة الشاهقة الباردة الرائعة".

بعد عدة روايات فرعونية انتقل محفوظ إلى الواقعية، وقبل أن ينتقل إلى التجريب المستمر في الستينيات وبعدها، كتب هذه الرواية الرمزية، التي تحكي قصص الجبلاوي وأدهم وجبل ورفاعة وقاسم وعرفة. من السهل أن على القارئ أن يرى أن هذه الرموز توازي قصص الأنبياء الأبرز في الأديان الإبراهيمية (موسى وعيسى ومحمد) ثم يأتي عرفة ممثل العلم.

بعد نشر الرواية رفض محفوظ أكثر من مرة التفسير الديني للرواية، وكان من الممكن أن يتهرب ويشير إلى أن الرواية ذات مدلول سياسي، ولكن شعير يشير في كتابه أن التفسير السياسي ربما كان أخطر على الكاتب من التفسير الديني، في وقت كان من السهل أن يلقى بأي كاتب في السجن، ولكن بعد موت عبد الناصر وفي ديسمبر عام 1975 يتخلى محفوظ عن تحفظه ويتحدث عن الملمح السياسي في الرواية في حوار له بجريدة القبس: "بدأت أشعر أن الثورة التي أعطتني الراحة والهدوء بدأت نتحرف وتظهر عيوبها... وخاصة من خلال عمليات الإرهاب والتعذيب والسجن، ومن هنا بدأت كتابة روايتي الكبيرة (أولاد حارتنا) والتي تصور الصراع بين الأنبياء والفتوات. كنت أسأل رجال الثورة: هل تريدون السير في طريق الأنبياء أم الفتوات".

الفاتحة للعسكري

يبدأ شعير كتابه بالاستعانة باقتباسين من أعمال محفوظ؛ الثاني منهما كان جملة كمال عبد الجواد في الثلاثية: "إنني سائح في متحف لا أملك فيه شيئًا. مؤرخ فحسب. لا أدري أين أقف؟" وهي الجملة الدالة لأننا نعرف أن كمال هو المعادل الروائي لشخصية محفوظ نفسه في تلك الفترة، أما الاقتباس الأول فمستمد من "أولاد حارتنا"، إذ يستمع قاسم إلى الأغنية التي تقول: "الفاتحة للعسكري.. قلع الطربوش وعمل ولي".

عام 1959، مع بداية نشر الرواية، لم تكن الدولة الناصرية قد تقاربت مع الاتحاد السوفييتي بعد، بالعكس كانت تعادي النظام العراقي الذي يقوده عبد الكريم قاسم والمدعوم من السوفييت. لذلك كان هناك ضرورة لتقريب نوعية معينة من المشايخ من السلطة، حتى لو كانوا في السابق محسوبين على جماعة الإخوان المسلمين التي تعاديها هذه السلطة، ومن هؤلاء الشيوخ محمد الغزالي وسيد سابق، والأخير عُرف قبل ذلك بـ "مفتي الدم" لأنه أفتى بمشروعية قتل النقراشي باشا.

نعرف من الكتاب أن "السلطة الناصرية" نفسها لم تكن سلطة متسقة، على الأقل كان هناك بداخلها جناحان يميني ويساري، يذكر شعير دور "كمال الدين حسين"، أحد الضباط الأحرار، والذي تولى العديد من المناصب في الفترة الناصرية (كان يتولى 11 منصبًا وقت صدور الرواية)، في السعي لمنع العديد من الأعمال الأدبية، وذلك قبل تحديد إقامته عام 1965.

المؤسف أن وسط المثقفين والأدباء أيضًا لم يخل من هذا الجناح المحافظ، يشكو محفوظ في حواره مع رجاء النقاش أن من بين من قدموا عرائض لوقف نشر الرواية أدباء، ويشير شعير إلى أن الهجوم على رواية "أولاد حارتنا" بدأ من باب "أدب وفن" الذي كان يشرف عليه الشاعر صالح جودت، وذلك بنشره رسالة من شخص يدعى محمد أمين، ينتقد فيه الرواية لتطاولها على الدين. هكذا يمكن أن نتلمس الجانب المحافظ بين المثقفين المصريين، ولكن يمكن أيضًا أن نتلمس جانب الغيرة الذي يتسم به العديد منهم، فها هو محفوظ الموظف والسينارست والروائي الناجح ينشر روايته في أكبر صحفية مصرية ويتلقى ألف جنيه مصري مقابلًا عنها، وهو مبلغ هائل وقتها.

كذلك كانت الرواية فرصة لمحاولة العديد من الأطراف فرض سيطرتها، يشير شعير إلى أن محمد حسنين هيكل كان يرى أن الهجوم على الرواية مرجعه الهجوم على "الأهرام" التي كانت تتمتع باستقلالية عن الاتحاد الاشتراكي وكذلك يتمتع رئيس تحريرها بصداقة شخصية بعد الناصر.

كانت "أولاد حارتنا" أول رواية ينشرها نجيب محفوظ مسلسلة في الصحف، وبذكائه الصحفي قرر رئيس تحرير الأهرام محمد حسنين هيكل نشر فصولها يوميًا لا أسبوعيًا كما جرت العادة، حتى لا تتاح الفرصة لأحد أن يوقف نشرها.

وفقًا لسامي شرف، مدير مكتب عبد الناصر، تلقت الرئاسة فعلًا مطالبات بإيقاف نشر الروية، ولكن جمال عبد الناصر رفضها، وأضاف شرف أن هيكل "لم يكن يتصرف من دماغه"، ولولا دعم عبد الناصر لما اكتمل نشرها.

محفوظ الجبان

بعدما أنهى عمله الرئيسي "الثلاثية" توقف نجيب محفوظ عن الكتابة لمدة 5 سنوات، منذ عام 1952 وحتى 1957، أطلق على هذه الفترة "سنوات الجفاف"، وتباينت ردوده حول سبب هذا الجفاف، فحينًا يقول إنه شعر بالإشباع بعد الثلاثية، وحينًا يقول إن الثورة فترة جديدة وتحتاج إلى تصور جديد، ومرة يقول "الثورة حققت الأهداف، والمجتمع لم يعد فيه القضايا التي تستفزني".

في حفل إطلاق كتاب "سيرة الرواية المحرمة" فسرت الناقدة القديرة سيزا قاسم هذا التوقف بأن محفوظ كان "يجس نبض" النظام الجديد، ويتلمس مساحة الحرية التي سيتيحها للأدب. ولكن سيزا قاسم استطردت وقال "إن نجيب محفوظ جبان"، قبل أن تقول إن كل المثقفين المصريين جبناء. أثارت كلمات سيزا قاسم الضحكات وكذلك أثارت الامتعاض، ولم يتوقف الضحك ولا الامتعاض حتى بعد الندوة، أستاذ الأدب العربي د. حسين حمودة الذي اعترض على هذا الاتهام في الندوة نفسها عاد وكتب على صفحته بفيسبوك أن محفوظ تعرض لمحاولة اغتيال، وتعرض وأسرته للتهديد المستمر بعدها، وهذه شجاعة يندر أن يتسم بها أي شخص.

يذكر كتاب "سيرة الرواية المحرمة" أن بعد تصريح عمر عبد الرحمن بأنه "لو قتلنا محفوظ من 30 سنة مكنش طلع سلمان رشدي"، عرض الأمن المصري على محفوظ أن يخصص له حرسًا شخصيًا، فرفض محفوظ وقال ساخرًا: "لو مشي ورائي حارس فإنه هو الذي سيقتلني، لأنني سوف أعذبه بسبب حبي للمشي".

بالطبع لم يكن محفوظ شخصًا صداميًا، كان شخصًا حريصًا وكتومًا ولا يصرح بمواقفه بسهولة، ولكن هذا مفهوم في سياق الوضع السياسي في مصر، فنحن على الدوام نعيش في ظرف سياسي طارئ، ظرف لو واجهته بانعدام كياسة من الممكن أن تتوقف عن العمل تمامًا. ماذا كان سيستفيد القارئ العربي والعالمي لو واجه محفوظ السلطة "بشجاعة" وألقي به في السجن، وافتقدنا رواياته الجميلة التي كتبها في الستينيات مثلًا؟

بالإضافة إلى ذلك، لا أظن أنه يمكن أن يُطلق على محفوظ صفة "جبان" بهذه الأريحية، لو كان جبانًا لما كتب رواية "أولاد حارتنا" من الأصل، خاصة أننا نعرف أنه ذكي بما يكفي ليستوعب أن الحياة السياسية والثقافية تنغلق، على الأقل بالمقارنة بفترة تكوينه الفكري في الثلاثينيات من القرن العشرين.

مظلوم نقديًا

في حوار تلفزيوني أجراه محمد شعير مع الصحفي محمد الباز بعد صدور الكتاب، ذكر شعير أن محفوظ "مظلوم نقديًا". للوهلة الأولى ستشعر بالدهشة عند الاستماع لهذه الجملة، كيف يكون محفوظ، أكثر أديب كُتبت عنه دراسات نقدية، مظلومًا نقديًا؟

أشار شعير في الحوار نفسه إلى توقف سلسلة الكتب الخاصة بمحفوظ والتي كانت تصدر عن الهيئة، وكذلك إلى توقف الدورية التي كانت تصدر عنه من المجلس الأعلى للثقافة. ونضيف إلى ذلك أن أي أديب عظيم في العالم تُخصص له مؤسسة ترعى الأبحاث العملية والدراسات النقدية التي لا تنتهي عنه.

لم يُقتل أدب محفوظ بحثًا، وهو ما يكشف عنه كتاب "سيرة الرواية المحرمة" في فصله الممتع عن البحث عن مخطوط الرواية. يرصد شعير القصة من خلال مترجم "أولاد حارتنا" للإنجليزية فيليب ستيوارت الذي استعان في الستينيات بحلقات الأهرام ليترجمها مع الاستعانة بمحفوظ ليراجعها معه، وأخبره محفوظ أنه لا يحتفظ بمخطوط الرواية.

في الثمانينيات، وقبل صدور طبعة أخرى من الترجمة، قارن ستيوارت بين نسخة الأهرام والنسخة التي صدرت بدار الآداب ببيروت، واكتشف ستيوارت اختلافات عديدة بين الطبعتين "كان هناك 961 اختلافًا بين النص الذي نشرته الأهرام ونص الرواية الصادر عن دار الآداب".

يبحث شعير عن مخطوط الرواية في كل الأماكن المحتملة، في أرشيف الأهرام ومكتبة هيكل وفي دار الآداب ولا يستدل على المخطوط الأصلي، ويستنتج شعير أن الترجمة الإنجليزية للرواية هي النص المكتمل الوحيد المتاح لها حتى الآن.

أما عن المخطوط العربي فينقل شعير عن ستيوارت قوله ساخرًا: "ربما ترقد المخطوطة داخل خزانة أحد البنوك في بيروت".
ستيوارت أيضًا يتحدث عن إشكالية ترجمة كلمة "فتوة" للإنجليزية، إذ ترجمها أولًا بـ Strongman، وفوجئ أن غيرت مراجعة الترجمة، د. فاطمة موسى، بتصحيح الكلمة إلى Strong Man، مما انحرف كثيرًا بالمعنى، فعاد وترجمة الكلمة بـ Chief، وقرر في النهاية أن يحتفظ بكلمة فتوة futuwwa بالإنجليزية.

أزمة متجددة

ظلت رواية "أولاد حارتنا" أو بالأحرى الفهم الخاطئ لرواية "أولاد حارتنا" كالكابوس الذي يطارد محفوظ طوال حياته وربما حتى بعد موته، يرصد شعير التواريخ البارزة في حياة محفوظ؛ 13 أكتوبر عام 1988 يوم حصوله على جائزة نوبل، رغم فخر العرب والمصريين بحصول كاتبهم على هذه الجائزة الرفيعة، ظهرت أصوات تزعم أنه حصل عليها بسبب الرواية التي تتطاول على الأديان.

في 14 أكتوبر عام 1994، يتعرض محفوظ لمحاولة اغتيال من شاب لم يقرأ الرواية ولكن أطاع أوامر شيوخه. في نص التحقيق مع محفوظ الملحق بالكتاب يتحدث الكاتب عن تشابه رمزيته في الرواية برمزية كليلة ودمنة، وكأنه يقول يائسًا إنه لم يفعل شيئًا سوى التواصل مع التراث الإنساني.

في يوم جنازته خرج لتوديعه شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي ومفتي الجمهورية علي جمعة، ورغم عدم ردهما المباشر على سؤال إذا كانت وفاة محفوظ فرصة للتصالح بين المؤسسة الدينية وأعمال محفوظ، إلا أنهما تعرضا للانتقادات لحضورهما الجنازة. واعترض شاب على الصلاة لأن محفوظ "كافر".

خلال حفل إطلاق كتاب "سيرة الرواية المحرمة" ذكر الروائي والناقد طارق إمام أنه كان يحمل الكتاب معه في المواصلات، فسأله راكب آخر إذا كانت هذه هي الرواية، فرد إمام: "لا، كتاب عنها"، فقال الراكب: "ما ينفعش برضو".


***
وثيقة تاريخية ثمينة يضيفها محمد شعير إلى المكتبة العربية، ورغم ابتعاد الكاتب عن موضوعه الرئيسي في بعض الفصول، مثل الحديث مطولًا عن ملابسات ترشيح محفوظ لنوبل، وكذلك عن سياق كتابته لرواية اللص والكلاب (تمنيت كقارئ لو توسع الكاتب في هذا الموضوع وخصص له كتابًا منفصلًا)، إلا أننا أمام أحد أفضل إصدارات العام، وأحد أفضل الكتب التي نُشرت عن محفوظ.

***
أولاد حارتنا.. سيرة الرواية المحرمة
محمد شعير
دار العين



2018-08-12

"من الأعماق" لأوسكار وايلد - روبرت مكروم

"من الأعماق" لأوسكار وايلد - روبرت مكروم

أفضل 100 عمل غير سردي بالإنجليزية: رقم 52 – "من الأعماق" لأوسكار وايلد (1905)
مقال لروبرت مكروم
عن الجارديان، 30 يناير 2017

ترجمة: أمير زكي
أغسطس 2018
خاص بـ Boring Books*

*يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه.

***
أوسكار وايلد لتولوز لوتريك




حظي أوسكار وايلد، خلال حياته وبعد موته، بعبقرية فريدة نسجت الأسطورة من حولها. قبل أن يؤمِّن لنفسه مكانًا بين أعظم المسرحيين في بريطانيا بوقت طويل، جلب لنفسه التحقق كأيقونة خفيفة الظل تُعَبِّر عن المثال الإستطيقي. بحلول ربيع عام 1882، حين ذهب إلى أمريكا ليعلن عن "عبقريته"، كان يُحتفى به في كل من الولايات المتحدة وإنجلترا (حيث سخر جلبرت وسوليفان من حركة وايلد الإستطيقية التي تَمَثَّلّت في شخصية الشاعر بونثورن في أوبرا بيشانس)[i]، ولم يكن منبع ذلك كتابته فقط ولكن شخصيته بالقدر نفسه. لفترة اتسمت بالقِصَر الموجع، استمرت حتى صيف عام 1894، حين كتب مسرحية "أهمية أن تكون جادًا" في ثلاثة أسابيع، توهَّج وايلد وكأنه شهاب مر بلندن الفكتورية قبل أن يسقط ويحترق أثناء محاكمته أمام محكمة أولد بيلي (بعد كارثة قضية التشهير التي رفعها على ماركيز كوينزبري[ii]) في مايو عام 1895. لو كان فنانًا أقل قيمة لربما انكسر بفعل السقوط، أما وايلد فقد استلهم التجربة.

في زنزانته، بين شهري يناير ومارس عام 1897، وتمهيدًا لإطلاق سراحه من سجن ريدينج في أبريل، بدأ أوسكار وايلد كتابة رسالة غير عادية. أراد أن يتحدث عن علاقته سيئة السمعة مع لورد ألفرد دوجلاس، وهي قصة حب تتسم بسمات نهاية القرن التاسع عشر وتحولت سريعًا إلى مأساة مميتة. ظل "بوزي" لامباليًا تجاه حبيبه السابق طوال المدة التي قضاها وايلد بالسجن والتي استمرت لعامين ("مع الأشغال الشاقة")، وصارت مسودة الـ 80 صفحة التي كُتبت في عشرين ملزمة من أوراق السجن الزرقاء الرفيعة تعبيرًا عن سعي وايلد الممزق لتحقيق التقارب. الرسالة التي بدأت ساعية للتصالح تحولت إلى فصل سيرة ذاتية مؤثر وشديد الجاذبية، ودفاع إستطيقي، وأخيرًا إنجاز سردي لأحد عباقرة العصر الفكتوري المتأخر. (كان عنوانها الأول: "خطاب: من السجن، مكبلًا بالأغلال").

كان وايلد على الدوام أستاذًا في التنكر والتجسيد، ومسرحية "أهمية أن تكون جادًا" كلها عن الحياة المزدوجة. في "من الأعماق" (الاسم متخذ من المزمور 130)، يضع قناع السجين الملطخ بالعار والنادم ليراجع علاقته مع بوزي، محاولًا ممارسة نوع من الاعتراف، وبعد التطهر المناسب، يعبِّر عن "حالة جديدة من الإدراك الذاتي". وبعد مرور أكثر من قرن على ظهورها الأول (صديق وايلد روبرت روس هو من وضع العنوان النهائي للمسودة وأعدها للنشر)، ما زالت الصراحة القاسية التي كثيرًا ما اتسمت بتبكيت الذات، والتي أظهرها وايلد دون تحفظ، صادمة لنا.

في البداية تحدث عن ذروة العلاقة، والشغف اللامبالي وغير المسؤول، وانغماسه المُهمِل في صداقاته مع الشباب الأصغر سنًا:

"منذ البداية، كانت هناك هوة شديدة الاتساع بيننا، كنت بليدًا في مدرستك، وازددت بلادة أثناء دراستك الجامعية. لم تدرك أن الفنان يحتاج إلى رفقة الأفكار والمناخ الذهني والهدوء والسكينة والعزلة من أجل تطور فنه".

مع سيطرة إدراك وايلد لعملية هدمه لذاته، استعاد التسلسل البشع للأحداث التي أدت لسقوطه وتلطيخه بالعار وسجنه: "كان كل شيء في مأساتي بشعًا. يجعلنا زي (المدانين) أشبه بغريبي الأطوار. نحن مهرجو الحزن...".

إحدى الفقرات الشهيرة تستدعي انتقال السجين من لندن إلى ريدينج، بالقطار، في 13 نوفمبر عام 1895:

"من الساعة الثانية وحتى الثانية والنصف من ذلك اليوم كان عليَّ أن أقف على الرصيف الرئيسي في محطة كلافام جانكشن، مقيدًا وأرتدي زي المدانين، والعالم بأسره ينظر إليَّ. كنتُ الأكثر غرابة بين كل الأشياء. عندما رآني الناس ضحكوا، جاء كل قطار مكتظًا بالركاب المتفرجين. لنصف ساعة وقفت هناك تحت أمطار نوفمبر الرمادية، محاطًا بعصبة متهكمة. ولمدة عام تلت ما حدث، بكيت كل يوم في نفس الساعة ونفس القَدْر من الزمن".

تًظهِر هذه الفترة أسوأ ما في أعماق وايلد وأدناها؛ هكذا يحظى كتاب "من الأعماق" بقوة وثقة في الوقت الذي يرصد فيه السجين ذكريات عمله الرائع كـ "رجل وقف في نقطة تقاطع العلاقات الرمزية للفن والثقافة في عصره". يقارن بين لحظات الذروة في فنه ونجاحه المدهش بإذلال الإفلاس والسجن. كان عليه أن يتصالح بشكل ما مع فكرة أن "أوسكار" العظيم صار رقمًا كئيبًا من أرقام السجن "ج.3.3"، تحول إلى شفرة. بعض الأجزاء الأخرى في "من الأعماق" تحيل إلى حملة وايلد اللاحقة لإصلاح السجون ("نظام السجن خاطئ تمامًا وكلية") ومصير سجناء النظام، وهو الهوس الذي وصل إلى ذروته في "قصيدة سجن ريدينج"؛ عمله الشعري الأبرز.

وبينما كانت عضلاته الفنية تتعافى وتستعيد بعضًا من إمكانياتها القديمة، تجرَّأ وايلد وشَرَع في عقد مقارنة بين حياته كفنان وحياة المسيح؛ وهي الفكرة التي ترددت من آن لآخر في أعماله السردية الأبكر، خاصة "الناقد فنانًا" (1890)، و"روح الإنسان في ظل الاشتراكية" (1891). لدى وايلد، الفنان النبيل، تُمثِّل شخصية المسيح النمط الأسمى للخالق المعذَّب، وكذلك تُمَثِّل فكرة الفرداني المطلق. في أوقات الانحطاط والإذلال التي مر بها أثناء محاكمته عام 1859، وجد وايلد حسًّا من التألق في ممارسة دوره كشهيد، وهو الدور الذي سرَّه أن يشارك فيه ابن الله.

لا يمكن أن يعني هذا أن أوسكار وايلد كان يعوزه الإيمان بذاته، ، يكتب: "تنبأت بكل هذا وأشرت إليه في فني... يختبئ قدر كبير منه في النغمة الملعونة الأشبه بخيط أرجواني يغزل النسيج الذهبي لكتاب (دوريان جراي)".

"أرى الآن أن الحزن هو مصدر كل الفنون العظيمة ومحل اختبارها. ما يسعى إليه الفنان على الدوام هو حالة الوجود التي لا تفترق فيها الروح عن الجسد: التي يكون فيها الخارجي معبرًا تمامًا عن الداخلي... التي فيها يَتَكشَّف الشكل...".

"لدى الفنان، التعبير هو الحالة الوحيدة التي يمكن من خلالها فقط تصور الحياة. لديه يكون كل شيء أبكم ميتًا. ولكن لدى المسيح لم يكن الأمر كذلك...".

بعد أن يذكر هذه الروابط الطَنَّانة، تنحدر الرسالة إلى ممارسة التقريع المستمر لشخصية بوزي وسلوكه، وقد كانت "عادته الرهيبة في كتابة رسائل مهينة" هي أدنى السمات المزعجة في شخصية الشاب الذي أدى غروره وجشعه وخيانته وتمركزه الخبيث حول ذاته إلى جذب وايلد وإسقاطه.

مع ذلك فالملحوظ أن وايلد ينهي رسالته بتعليمات عن سلوكهما المشترك في المستقبل بعد أن يُطلَق سراحه، وينهى الرسالة بلهجة تصالحية:

"لقد جئت إليّ لتتعلم عن لذة الحياة ولذة الفن، ولربما اختِرت لأعلمك شيئًا أكثر روعة؛ معنى الحزن وجماله. صديقك العزيز. أوسكار وايلد".

ليس من الصعب أن نستنتج أن وايلد بَذَل سرده الرفيع المثير على بوزي. بعد ثلاثة أعوام ونصف من إكمال هذه الوثيقة الاستثنائية، توفى وايلد في عمر السادسة والأربعين.

أبرز الفقرات

"إن صداقتنا الملعونة والمثيرة للرثاء أدت إلى تحطيمي والإساءة إلى سمعتي. إلا أن ذكرى عاطفتنا القديمة كثيرًا ما تراودني، وفكرة أن يشغل الاحتقار والمرارة والازدراء الموضع الذي شغله الحب من قبل فكرة تجلب الحزن إلى نفسي. وأظن أنك تشعر في قرارة نفسك أن كتابتك لي وأنا أعيش وحدي حياة السجن، أفضل من نشر رسائلي دون إذني، أو إهداء قصائد لي دون أن تسألني، رغم أن العالم لن يعرف شيئًا عن طبيعة كلمات الأسى أو العاطفة، أو الندم أو اللامبالاة التي ربما تختار إرسالها لتمثِّل ردك أو مناشدتك".




[i]  في إشارة إلى الكاتب المسرحي و. س. جلبرت (1836-1911) والموسيقي آرثر سوليفان (1842-1900) وكان من أبرز أعمالهما أوبرا patience (1881) التي كانت تتهكم من الحركة الإستطيقية التي تصدرها وايلد.
 [ii]  رفع وايلد القضية على ماركيز كوينزبري لأنه اتهمه بالسدومية (المثلية الجنسية) ووفقًا للقانون البريطاني وقتها، كانت فرصة ماركيز كوينزبري في تبرئة نفسه تتمثل في إثبات التهمة على وايلد.