2016-02-23

قراءات أوسكار وايلد في السجن – توماس رايت

قراءات أوسكار وايلد في السجن

ترجمة: أمير زكي
2016

***


في بدايات التسعينيات من القرن التاسع عشر بدا أن الكاتب الأيرلندي أوسكار وايلد يملك كل شيء؛ كاتب مسرحي متحقق، مسرحياته تعرض بنجاح على مسارح لندن، حياة اجتماعية صاخبة، زوجة وطفلين، علاقات ممتعة لا نهاية لها، حتى منظر وايلد الداندي كان يعبر عن نزعته الفنية والجمالية، ولكن الكاتب المسرحي وقع في خطأه الدرامي ليتلاشى كل هذا ويصبح مدانا ثم سجينا في سجون إنجلترا، الخطأ الدرامي لا يعود إلى مثلية وايلد الجنسية، وإنما في اندفاعه وراء تهور صديقه الشاب ألفريد دوجلاس في صراعه مع أبيه، هذا الذي دفع الأب إلى أن يعادي وايلد ويقاضيه بتهمة الأفعال الفاضحة، لتنكشف حياة وايلد أمام الجميع، ويسجن عامين.

في كتابه "كتب أوسكار" يرصد توماس رايت حياة وايلد من خلال الكتب التي قرأها والمكتبات التي مر بها وكوّنها، وبينما يرى قراء حياة وايلد أن لحظة سجنه كانت لحظة انهيار للأديب العظيم، إلا أن رايت يشير في الفصول الخاصة بقراءاته في السجن إلى أن إرادة وايلد وحسه الإبداعي قد انتصرتا في السجن وذلك عن طريق الكتب. سيرة ذاتية خاصة جدا يكتبها رايت عن فترة سجن وايلد وقراءاته، معتمدة على مجموعة كثيفة من المصادر المتعلقة بالأديب الأيرلندي، والجزء الخاص بالسجن لا يقدم معلومات ثرية عن وايلد فحسب بل عن طبيعة السجن ونظامه بإنجلترا في العصر الفيكتوري.

أ.ز

***


الآلة الإنسانية

بعد الحكم عليه، أُخِذ وايلد في عربة شرطة خالية من النوافذ من محكمة أولد بيلي عائدا إلى سجن هولواي. عند وصوله، لم يعد هناك شك من تغير وضعيته: هو الآن مجرم مدان ولم تعد الامتيازات التي تمتع بها وهو بانتظار المحاكمة مسموحة له.

سَلَّم وايلد كل متعلقاته الشخصية، ثم تعرى من أجل الفحص الطبي المفصل، والذي قرر الطبيب بعده أنه سليم بما يكفي ليمارس الأشغال الشاقة. بعد ذلك، استحم بماء قذر، وقُص شعره وصار قصيرا. ثم ارتدى ملابس السجن – طاقية وبدلة رمادية ليست على مقاسه مرسوم عليها أسهم في كل مكان. في النهاية، ألقيت عليه قواعد السجن: "يحافظ السجناء على الصمت نهارا وليلا... لا يتكاسلون، ولا يدّعون المرض لتجنب العمل...". كانت هناك العديد من القواعد التي يصل وقت تلاوتها إلى 45 دقيقة. وبعد ذلك اُقتيد وايلد إلى زنزانته.

بعد حوالي أسبوعين، قام وايلد برحلة قصيرة من سجن هولواي إلى سجن بينتونفيل، السجن المخصص للمجرمين المدانين. كان طول زنزانته هناك 13 قدما، وعرضها 7 أقدام، وارتفاعها 9 أقدام، كانت جدرانها مطلية بالأبيض، وكانت نظيفة تماما، وكأنها أرض أسفلتية لامعة. كانت هناك نسخة من قواعد السجن معلقة أمامه، وعلى رف صغير كان هناك الكتاب المقدس وكتاب صلوات وكتاب ترانيم، ولوح خشب موضوع على حاملين سيكون هو سرير وايلد.

عرف وايلد في سجن بينتونفيل الروتين اليومي المضجر والمرهق للسجين الفكتوري. يستيقظ في الصباح في الخامسة والنصف عند دق جرس السجن، ذو الوقع الحاد والصارخ. وعندما يستمع للجرس، يقوم وايلد، ويغسل وجهه سريعا بالماء البارد، ثم ينظف زنزانته ومحتوياتها. كل شيء يجب أن يكون مرتبا أمام فحص الحراس. بعد هذا الفحص الشامل، يتم السماح لوايلد بتفريغ فضلاته من الدلو الذي يستخدمه أثناء الليل كحمام. يتناول الإفطار المكون من الكاكاو الرفيع والخبز الجاف في السابعة والنصف، ويترك زنزانته لحوالي 45 دقيقة للتريض مع السجناء الآخرين. يتحركون حول "الفناء الأسفلتي الأزرق" في طابور واحد وفي صمت. ولكن بسبب كون وايلد مفرط الطول، فخطاه تجعله يصطدم بأعقاب السجين الذي أمامه؛ وعندما يحدث هذا يقوم الحارس على الفور بفصلهما حتى لا يحدث أي تواصل.

في حوالي الساعة التاسعة والنصف، يسير السجناء إلى الكنيسة حيث توضع الحواجز الحديدية بين المقاعد لمنع السجناء من رؤية بعضهم. على السجناء تحمل عظات القس الطويلة وأحيانا القاسية التي ينتقد فيها "خلوهم من الشرف وخطاياهم وشرورهم". مؤلف مقال "روح الإنسان في ظل الاشتراكية" كان يجد هذه الانتقادات مزعجة. كان وايلد يأمل في "أن أقوم من مكاني.. وأخبر البائسين المساكين المحرومين من حولي... أنهم ضحايا المجتمع، هذا المجتمع الذي لم يقدم لهم شيئا سوى الجوع في الشوارع، أو الجوع والقسوة في السجن".

كان وايلد يأكل غداءه في الظهيرة في زنزانته، كان الغداء يتكون من لحم الخنزير والحبوب أو بودينج اللحم. يُقدم له شاي خفيف في حوالي الخامسة والنصف. أثناء النهار كان يمارس ست ساعات من الأشغال الشاقة، غالبا بداخل زنزانته. حيث كان يستخرج الألياف من الحبال، أو يدير مقبض مضخة المياه أو مطحنة القمح. تُغلَق أنابيب الغاز التي توصل الضوء إلى زنزانته في الثامنة، ويكون على المسجون أن ينام على سريره الخشن.

النظام الذي عانى وايلد للعيش بداخله كان يتم تنفيذه وفقا لقانون السجون لسنة 1865. القانون الذي قرر "النظام الفاصل" في إنجلترا كلها، والذي صُمم ليعزل السجناء عن العالم الخارجي وعن بعضهم. كان الحوار بين السجناء ممنوعا تماما طوال الوقت، حتى تبادل النظرات كان يُعاقَب عليه بقسوة. يُحبَس السجناء في زنازينهم الانفرادية لحوالي ستة عشر ساعة في اليوم. كان المدافعون عن هذا النظام يزعمون أنه "يحفظ السجين من التأثير الضار لزملائه"، وكانوا يطرحون فكرة أنه في "عزلة الزنزانة، مع وعيه المجروح" والكتاب المقدس، سيتحول السجين حتما إلى الله. العزلة وسيلة قوية للتحكم: إنها تشجع السجناء على التركيز فقط في داخلهم، تجعلهم مذعنين وضعفاء، وتحطم رغبتهم في مقاومة السلطة.

كره وايلد هذه السمة التطهرية للنظام، بتركيزها على قراءة الكتاب المقدس فحسب، وإصرارها على أن يتعلم السجين احترام "الفضائل" الفيكتورية السبع المميتة المتعلقة بالإنتاج، والتوفير، والطاعة، والاعتدال، والواجب، والتقوى، والطهارة. هو كان متقزز أيضا من العقلية العلمية التي أتت بهذا النظام. بالتحكم في المكان والزمان بدقة قصوى. كانت أبعاد كل الزنازين متطابقة؛ كل فعل في كل يوم مُقاس بالثانية، وكل يوم منسوخ من سابقه. وصف وايلد هذا النظام الفاصل بجملة رائعة وهي أنه "الآلة الإنسانية".

لم يكن النظام الغذائي ملائما حتى أن وايلد فقد الكثير من وزنه – ربما حوالي 20 رطلا في الشهر الأول. ذكرت إحدى الصحف أن السجين مريض جدا وأنه على المأمور نقله إلى المستشفى. شعرت الليدي بروك – صديقة وايلد المقربة والأرستقراطية واسعة المعارف – بالذعر وأقنعت ريتشارد هولدين - عضو البرلمان الليبرالي وأحد معارفها – بأن يزور السجن. كان هولدين – الرجل الطيب والمثقف – عضوا في لجنة وزارة الداخلية التي تفحص نظام السجن، وكان من حقه دخول السجون في إنجلترا كلها. زار عضو البرلمان وايلد في 12 يونيو سنة 1895. رفض السجين الحديث إليه في البداية. ولكن هولدين استطاع أن يجعل وايلد يتكلم، بأن وضع يده بود على كتفه، والتحدث معه عن خططه الأدبية المستقبلية. حث وايلد على أن يكتب عملا عظيما معتمدا على التجارب القاسية التي مر بها، ووعده، وكانت هذه هي غايته، أن يزوده بالكتب وبأدوات الكتابة. كانت هذه أول كلمات متعاطفة يسمعها وايلد منذ الحكم عليه، وهذا دفعه للبكاء.

عَرْض هولدين أدى لتخفيف كبير في قواعد السجن. في الشهور الثلاثة الأولى من مدته لم يكن يُسمح للسجين في العصر الفيكتوري سوى بقراءة الكتاب المقدس وكتاب الصلوات وكتاب الترانيم الموجودين دوما في زنزانته. الأدبيات الدينية الأخرى كانت تُتاح فقط بناء على تقديرات القس. قُدِمت لوايلد نسخة من القصة البروتستانتية الشهيرة التي تعود للقرن السابع عشر "رحلة الحاج" لجون بونيان، ولكنها لم تقدم له السلوى أو العزاء. بعد مرور الأشهر الثلاثة الأولى كان يُسمَح للسجين أن يستعير كتابا واحدا في الأسبوع من مكتبة السجن.

سأل هولدين وايلد عن الكتب التي يريدها، فرشح وايلد "أعمال فلوبير". شرح هولدين له أن فلوبير اُتهم بالسلوك الفاضح بسبب روايته "مدام بوفاري"، ومن غير المرجح قبول طلبه. ضحك وايلد على هذا التعليق، الذي اعتبره بالتأكيد حمق من جانب سلطات السجن. حواراتهما الأدبية والوعد بتزويده بالكتب رفعا من معنوياته، كتب متحمسا قائمة بطلباته بمساعدة هولدين؛ وتضمنت القائمة كتاب "النهضة" لوالتر باتير، وعددا من الكتب للكاردينال نيومان.

اشترى هولدين كل الكتب المختارة، وربما فعل ذلك بالمساعدة المالية لليدي بروك، وأرسلهم إلى سجن بينتوفيل. على الرغم من أن وايلد لم يكن قد أكمل الأشهر الثلاثة الأولى من مدته، إلا أن الكتب كانت تُقَدَّم له بمعدل كتاب في الأسبوع. في هذه الأثناء أخبر المأمور اللجنة أن هناك "العديد من الكتب" التي أرسلت إلى السجن عن طريق أصدقاء وايلد. ولكن لأن السجناء كانوا ممنوعين من استقبال أي شيء من خارج السجن، فقد كانت هذه الكتب تعود على الفور إلى المتبرعين بها. واحدة من المتبرعين كانت مجهولة، وبالتالي لم تعد إليها الهدية: وبدلا من ذلك سيتم تسليم الكتاب للسجين عند إطلاق سراحه.

من المؤسف أنه لم يُسمَح لوايلد برؤية الكتاب (الذي لم يتم تحديده) أو أن يقرأ الرسالة المصاحبة له. كانت الرسالة تقول: "لو سمحتم اعطوا الكتاب للسيد وايلد، أنا لم أقابله قط، ولكن القلب الذي لا يدمي من أجل هذه الحياة المحطمة لا بد أن يكون قلبا قاسيا تماما ولم يعرف أبدا محبة الله... أشعر أنه بإمكان هذا الكتاب الذي أرسلته أن يساعده. المخلصة. امرأة أيرلندية".

الصمت

حالة وايلد أقلقت هولدين. وفي أقل من شهر على زيارة عضو البرلمان انتقل السجين من سجن بنتونفيل إلى سجن واندسوورث بجنوب لندن. ربما اعتقد أن وايلد سينتفع من البيئة الأكثر صحة خارج المدينة؛ هو أيضا كان يعرف ويليام موريسون، قس سجن واندسوورث، وكان بإمكانه معرفة حالة السجين عن طريقه.

طلب هولدين من مأمور سجن بنتونفيل أن يرسل إلى سجن واندسوورث العشرة كتب التي اشتراها لوايلد. وصلت الكتب بعد شهر ونصف من انتقال السجين. في الوقت الذي انتظر فيه وايلد قدوم مكتبته الصغيرة، بنفاد صبر كبير بلا شك، انغمس في نسخة الملك جيمس من الكتاب المقدس. مثله مثل العديد من السجناء الفيكتوريين، لا بد أنه قرأه من الغلاف للغلاف، وربما فعل ذلك أكثر من مرة. كان وايلد مفتونا دوما بالقصص "الجميلة فنيا" في العهد القديم، إلى جانب شخصية يسوع. بالعودة إلى الستينيات من القرن الثامن عشر، وفي مدرسة بورتورا البروتستانتية، حفظ العديد من آياته عن ظهر قلب. السهولة والكثرة التي اقتبس بها وايلد من نسخة الملك جيمس في رسائله بالسجن تشير إلى أنه حفظ منه الكثير مجددا. ولكن الأغلب أنه تم السماح لوايلد في أيامه الأولى بسجن واندسوورث أن يقرأ كتبا من مكتبة السجن، وكان يشرف على ذلك القس صديق هولدين.

مكتبات السجون الفيكتورية كانت تحتوي بشكل عام على ثلاثة أنماط من الكتاب: الكتب التعليمية، والكتب الدينية، والروايات الرائجة. في واحد من السجون التي سجن فيها وايلد (سجن ريدينج)، كان عدد الكتب في المجالات الثلاثة متساويا، فتقريبا كان هناك ثلاثمائة كتاب في كل مجال.

كانت الكتب التعليمية بدائية جدا. ككتاب "مباديء القراءة"؛ هذه النوعية من الكتب كانت تستهدف أنصاف المتعلمين من الطبقة العاملة الذين يشكلون الغالبية العظمى من السجناء. كانت هناك كتيبات عملية عن حرف مختلفة. كان من الواضح أن لا يوجد واحد من ضمن هذه الكتب يثير اهتمام وايلد. وبلا شك كان الأمر نفسه ينطبق على الكتب الدينية المتاحة. ومن نماذجها كان كتاب جوزيف كينجسميل "مرشد السجين إلى الصلاة"، الذي يحتوي على صلاة: "خذني أيها الرب المجيد، تحت جناح رحمتك هذه الليلة، أنا الشرير والخاطيء غير المستحق..."

كان الأدب الرائج ممنوعا تماما بأمر القس. الروايات التي تتضمن الجنس أو السجون أو السياسة لم يكن لها مكان على رفوف مكتبة السجن، وسيكون من المفاجيء أن تجد أحد هذه الكتب يمر من الرقيب، ولكن كانت هناك العديد من الروايات الفيكتورية "البريئة" المتاحة للاختيار من بينها؛ في تلك الروايات تحصل الشخصيات الطيبة على السعادة وتكون نهاية الأشرار تعيسة، بالضبط كما تشير ميس بريزم في مسرحية وايلد "أهمية أن تكون جادا" إلى أن "هذا ما تعنيه الروايات".

أضافت سلطات السجن رعبا جديدا أثناء عقاب وايلد بإجباره على قراءة الروايات الواقعية والتعليمية والشاعرية التي كان يكرهها. وبسبب الضجر الرهيب، كان وايلد مجبرا على قراءة "كل شيء" متاح أمامه في السجون المختلفة للعديد من المرات. بعض المسؤولين في السجن كانوا مقتنعين حقا بأن وايلد سيستفيد من هذا الانتظام في القراءة "النافعة". وفي وسط حوار مع أحد المسئولين، سأل المسئول وايلد عن أكثر كتاب يتمناه. وعندما ذكر وايلد رواية فلوبير الثرية والحسية "سالامبو"، اعترض المسئول قائلا: "إنها من نوع الهراء الذي جلبك إلى هنا".

واحدة من الروايات البريئة المتاحة لوايلد كانت عمل السير والتر بيسانت المكون من ثلاثة أجزاء "البوابة العاجية". بطل الرواية، السيد إدوارد ديرينج، محامي عام، يتعرف فجأة، بعد حياة مخصصة للعمل الشاق ومراكمة الثروة، على "الشخص الحالم" بداخل نفسه، والروحانية اللا نهائية والإمكانات الاجتماعية المتاحة للإنسانية في العموم. وبعد يقظته يبشر بإنجيل الإيثار: يقول: إن قام الإنسان بـ "خلع رداء الأنانية، ووضع الزي الأبيض للخيرية"، فسيكون من الممكن لليوتوبيا أن تتحقق على الأرض. تنتهي الرواية برؤية سعيدة يرى فيها البطل فجأة "موكبا طويلا لهؤلاء الذين يعملون ويغنون أثناء عملهم. وهم سعداء، على الرغم من عملهم الشاق، لأنهم يعملون للجميع، والجميع يعمل لبعضه البعض". بالطبع هذا هو بالضبط نوع الرواية الأخلاقية المكتوبة سيئا التي كان وايلد ينتقدها في كتابته بتعبيراته اللاذعة. كان بيسانت بالتأكيد واحدا من "المسوخ السود" لدى وايلد – وهم المعادلين الروائيين للناقد هاري كويلتر، الذي مَثَّل بالنسبة له كل الأشياء السنتمنتالية ومنعدمة الذكاء وغير الفنية في رواية الطبقة المتوسطة الإنجليزية. كان "الإحسان العام" لبيسانت مثيرا للغثيان، وكان وايلد مرتعبا بالقدر نفسه من تعليمية الكاتب، وكره ما وصفه على أنه "مجرد أسلوب" – هذه الجملة التي أرضت وايلد كثيرا. والشيء الأسوأ يتمثل في كون بيسانت واقعيا كبيرا، شكلت أعماله محاولة مملة لـ "استنطاق الواضح" من وجهة نظر وايلد.

الروايات الشبيهة لرواية بيسانت تتبنى بعضا من المباديء المرشدة للنظام الفاصل، كالعمل الدؤوب والواجب. ولكونها أعمالا واقعية، فهي تشبه أيضا عالم السجن وموضوعيته الباردة. في العالمين، الواقعي والروائي، تنكر هذه النوعية على الآخرين حرية التفسير أو النقاش، ولا تقدم لهم مخرجا لعالم مشاعرهم الداخلي، أحلامهم وخيالاتهم. مثل هذه التشابهات ربما تشرح سبب أن نقد وايلد لنظام السجن يذكرنا بموقفه من الرواية الواقعية: كان يشكو قائلا إنها "غبية"، لأنها ينقصها "الخيال".

مكتبات السجن كانت تحتوي أيضا على روايات إثارة وجرائم قتل مثل رواية فيرجوس هيوم "الحانة المنعزلة". هذه القصص الشعبية لكاتب الجريمة النيوزيلاندي كانت تعتبر بريئة لأنها تُرجِع سبب الجريمة بشكل عام إلى "الشر" الشخصي أو غياب المنطق النفسي للمجرم، وليس للظروف الاجتماعية. كان وايلد على الأرجح يجد في هذا "الرخص" الشعبي شيئا ممتعا أكثر من بيسانت: على الأقل فالقصة فيها بنية محدد وواضحة، ولا يقوم الكاتب بالتبشير.

الأمر لا يتعلق بأنه ليس لدى وايلد أي شيء طيب ليقوله عن المختارات المتاحة له. قال في رسالة للصحافة كتبها بعد خروجه من السجن: "الكتب التي تشكل المكتبة المعتادة للسجن عديمة النفع تماما. معظمها يتكون من كتب دينية من الدرجة الثالثة ومكتوبة بشكل سيء، هي مكتوبة للأطفال كما هو واضح، وهي غير مناسبة حتى للأطفال أو لأي شخص". واحدة من مطالبات وايلد لإصلاح السجون كانت أن تتاح للسجناء حرية الوصول لمختارات مناسبة من الأدب الجيد.

مثلها مثل العناوين المتاحة، لم تكن ظروف السجن تؤدي إلى تجربة قراءة ممتعة أو مفيدة. حالة الإنهاك والجوع والمرض والكآبة المستمرة "تشل ملكات القراءة" بحسب قول أحد السجناء. زنازين السجن الفكتوري لم تكن ملائمة للقراءة. الضوء الباهت الذي تعيقه النوافذ ذات القضبان الرفيعة والقذرة، والضوء الخافت الذي تصدره أنابيب الغاز بالكاد ما تسمح للسجين بأن يتبين الكلمات.

القراءة تحت هذه الظروف تسبب إجهادا للعين وضعفا للبصر، وكان بصر وايلد يضعف، خاصة في الشهور الشتوية من سجنه، عندما كان يقرأ على ضوء الغاز بعد غروب الشمس. كان يقف في زنزانته بجانب الضوء الصناعي، يمسك بكتابه إلى جانب اللهب ويحدق في الصفحات، التي يقلبها ببطء. هذه الصورة المتعلقة بقراءة منعزلة وبطيئة وغير مريحة تُقارَن على الفور بصورنا السابقة عن وايلد كقاريء.

حل الارتياح من السجن الأدبي التقليدي في السابع عشر من أغسطس عن طريق العشرة كتب التي اشتراها هولدين لوايلد. في نهاية هذا الشهر، أرسل عضو البرلمان الليبرالي إلى مكتبة واندسوورث، عن طريق بائع الكتب الخاص به، كتب باتير التي كان أوسكار وايلد مشتاقا للحصول عليها. الإضافات الجديدة التي وصلت لوايلد كانت كتاب "الدراسات اليونانية" التي يناقش فيه باتير جوانب متنوعة من الأدب والثقافة اليونانية، و"التقديرات" وهي مجموعة مقالاته عن الأدب الإنجليزي، و"لوحات متخيلة"، وهي مجموعة تتكون من أربع قصص تاريخية.

بقيت نسخة وايلد من الكتاب الأخير. في غلافه الداخلي جدول صغير مكون من الصفوف والأعمدة، كُتِب عليه تاريخ 1-10-95. من المحتمل أن يكون هذا هو تاريخ إعادة وايلد الكتاب إلى المكتبة. في هامش صفحة 141، يظهر التاريخ مجددا، إلى جانب تمزق طفيف. لا بد وأن القس هو من كتب هذا التاريخ، أو مساعده؛ معلم السجن الذي يفحص حالة الكتاب قبل إن يعيد وضعه في المكتبة. وإلى جانب صفحة العنوان الداخلية للكتاب هناك رقمان، "541" و"1189"، وبلا شك فالرقمين يشيران إلى مكان الكتاب في رفوف المكتبة.

الكتاب في حالة سيئة جدا. حوافه وأركانه مطوية؛ غلافه وأوراقه ممتلئة بالبقع وعلامات الغبار. هذه التشوهات تشير إلى بعض الظروف التي قرئت فيها الكتاب، وقذارة الأيدي التي أمسكت الكتاب بعد القيام بالأشغال الشاقة. يحتوى الكتاب على علامات من الأرجح أنها من وضع وايلد. ربما طلب سجناء آخرون قلائل كتاب باتيرـ ولم يكن من المسموح لأحد آخر أن يضع علامات على الكتاب. من ضمن قصص الكتاب، يبدو أن وايلد كان مهتما بشكل خاص بقصة "كارل دوق روزينمولد"، وهي قصة خيالية عن رائد مبكر للتنوير الألماني في القرن الثامن عشر. وصف وايلد القصة، في قراءته الأولى لكتاب "لوحات متخيلة" منذ عقد مضى، على أنها تعبير عن  "الشغف لعالم الفن المتخيل". الخطوط الأفقية تُعَلِّم على فقرات تشير إلى باخ وجوته. فضول وايلد كان مستثارا أيضا ببعض التأملات عن مفهوم التنوير عن المخيلة وبعدد من الفقرات الغامضة في الميتافيزيقا.

هذه العلامات تشير إلى أن عقل وايلد المتطلب كان لا يزال حيا. استعاد كما هو واضح القوة العقلية المطلوبة للاشتباك مع كتاب في حوار؛ هو أيضا كان قويا بما يكفي ليتساءل عن بعض مزاعم الكتاب. في صفحة 104 كانت هناك علامة استفهام إلى جانب عبارة باتير الغامضة عن حيوات الفنانين الهولنديين التي كان بشكل عام "نموذجية في مسائل العلاقة الأسرية".

إلا أن علامات وايلد كانت تشير أيضا إلى اليأس. صفحة 111 تحتوي على ما يبدو أنه أكثر الأمثلة إثارة للحزن بين هوامش وايلد – علامة تعجب وحيدة إلى جانب كلمة "الصمت". هل اهتم بالكلمة لأنها كانت محملة بالرعب بالنسبة له؟ تحت النظام الفاصل كان الصمت التام يسود السجن؛ علق وايلد على ذلك قائلا أنه "مُعاقَب" بالصمت، "الإنسان البائس المحبوس في السجن الإنجليزي، بالكاد يستطيع أن يهرب من الجنون".

شعر وايلد بالارتياح بسبب الكتب التي أرسلها له هولدين. عندما زاره صديقه روبرت شيرارد في نهاية أغسطس، كانت القراءة هي الموضوع الوحيد التي أمكنه أن يناقشه فيه بهدوء؛ كل الموضوعات الأخرى أدت إلى أن ينهار. بشكل مشابه، في أكتوبر، عندما حصل على إذن خاص ليرى صديقه المحامي العام آرثر كليفتون، ذكر وايلد سعادته بنسخ كتب باتير ونيومان.

كل من الزائرين ارتعبا من منظر وايلد وحكيه عن الحياة بالداخل. وسط كلامه مع كليفتون، تحدث وايلد عن المعاملة "الوحشية" التي يتعرض لها. يقول كليفتون "بكى وايلد كثيرا" وقال أكثر من مرة "إنه لا يعتقد أن سيستطيع تحمل العقوبة".

أظهر وايلد علامات على الصمم الجزئي – نتيجة سقوطه في كنيسة السجن هذا الذي أضر أذنه كثيرا. بسبب هذا السقوط، إلى جانب الإسهال، تم السماح لوايلد بأن يقضي بعض الوقت في المستشفى. ولكنه لم يسترح هناك، فالأطباء كانوا يعاملونه بقسوة. صارت حالة وايلد خطيرة جدا، حتى أن وزير الداخلية أرسل خبيرين طبيين ليفحصوه عقليا وجسديا. كان واضحا أن صحة وايلد أقلقتهما فقد فضلا بقوة أن ينتقل من لندن إلى الريف، حيث يمكن أن يستفيد من الجو الصحو، وتم الاستقرار على سجن ريدينج. ومجددا كان هولدين، ملاك وايلد الحارس، هو الذي يتصرف من وراء الكواليس.

الكتب في يديه

في الساعة الثانية من ظهيرة يوم ممطر موافق للحادي والعشرين من نوفمبر عام 1895، وقف وايلد على رصيف محطة كلافام جانكشن منتظرا القطار المتجه لريدينج "في زي السجن ويديه مكبلتين، والعالم ينظر إليه". مواطنو لندن المهمين الذاهبين والراجعين من المدينة رأوا السجين وضحكوا. قال وايلد: "كان هذا قبل أن يعرفوني، وما أن عرفوني حتى ضحكوا أكثر". واحد منهم بصق على وجه وايلد. كان عليه أن يتحمل إهاناتهم حتى وصول القطار في الثانية والنصف. كتب: "لمدة عام بعد حدوث هذا لي، ظللت أبكي كل يوم في نفس الساعة ونفس الوقت".

بعد نزوله في محطة ريدينج أنهى وايلد رحلته القصيرة إلى السجن الذي كان مثله مثل سجون هولواي وبينتونفيل وواندسوورث، ذا مظهر قوطي حديث يشبه قلعة من العصر الوسيط. بعد الفحص الطبي التقليدي، صعد وايلد سلمين حديديين لامعين وسار في ممر ضيق حتى وصل للزنزانة ج.3.3 – الزنزانة الثالثة في الطابق الثالث من المبنى ج. لم تكن أكبر من زنزانته السابقه، ولكن كان بها نافذتين جنوبيتين تسمحان بقدر كبير من الضوء. ستكون هي بيته للثمانية عشر شهرا القادمين.

التقرير القادم من واندسوورث عن حالة وايلد اقترح "تنويع في الأشغال" مثل "تجليد الكتب" أو "العمل بالحديقة". وبدلا من الأشغال الشاقة، سيعمل وايلد الآن "مع معلم السجن في ترتيب وإصلاح وتوزيع الكتب"، إلى جانب العمل ثلاث ساعات بالحديقة يوميا.

كمساعد للمعلم، كانت مهمة وايلد الرئيسية هي أن يوزع ويجمع كتب المكتبة. هذا أتاح له فرصة نادرة ومبهجة للتحدث مع السجناء الآخرين، وذلك عن موضوع عزيز على قلبه. في كل أسبوع يحضر وايلد فهرس مكتبة السجن إلى زنازين كل السجناء. لا بد أنه كان يقدم للسجناء نصائح ممتازة عن الكتب التي عليهم اختيارها، صانعا وسط هذه العملية العديد من الصداقات التي ستستمر حتى بعد خروجه. بعدما يختار السجناء العناوين التي يريدونها، يعود وايلد إلى المكتبة، حيث يحضر الكتب المختارة من الرفوف ويضعها في التروللي. ثم يدور على الزنازين ليوصل الكتب. عندما يقدم لكل سجين كتابا، يكتب رقمه الفهرسي في بطاقة المكتبة الزرقاء الموجودة في زنزانة السجين. وبعد أسبوع، يمكن للسجين استبدال كتابه بكتاب آخر، بشرط أن يعيده سليما. واحدة من واجبات وايلد الأخرى كانت تجليد كتب المكتبة بورق بني. أخبر واحدة من أوائل زواره في ريدينج أنه يستمتع كثيرا بهذا العمل. إن لم يستطع قراءة كل الكتب التي أرادها، فهو استطاع على الأقل أن "يمسك الكتب بيديه".

الزائرة المذكورة كان زوجته كونساتنس، على الرغم من أنها كانت مريضة جدا ومحطمة نفسيا تماما، إلا أنها سافرت كل هذه المسافة من جنوة في إيطاليا، حيث كانت تعيش مع ابنيهما سيريل وفيفيان،  لترى وايلد في فبراير عام 1896. قامت بهذه الرحلة لتخبر وايلد بالأخبار السيئة المتعلقة بوفاة أمه، فهي لم تتحمل فكرة أن يستمع للخبر من شفتي غريب.

شعر وايلد بالألم والندم الشديدين. كان يعتقد أن أمه ماتت "مكسورة القلب لأن ابنها، الذي كانت فخورة بفنه وعبقريته، حُكِم عليه بالأشغال الشاقة لعامين". ولم تخفف من حزنه حقيقة أن الخبر لم يفاجئه. زعم وايلد أنه في عشية زيارة كونستانس، ظهرت له روح أمه إسبيرانزا في زنزانته، ترتدي معطف خروج. وطلب منها أن تخلعه وتجلس، ولكنه هزت رأسها بحزن واختفت.

إنها نهاية أدبية ومسرحية مناسبة للعلاقة بين أم وابنها، محملة بالعديد من الإحالات الأدبية. روح إسبيرانزا لعبت دور البانشي – المرأة الشبح في الفولكلور الأيرلندي - الذي يدل ظهورها على موت واحد من أفراد الأسرة. كانت أيضا تقوم بدور أم أوديسيوس، كما ظهرت في الكتاب 11 من "الأوديسا" لهوميروس. هبط أوديسيوس إلى هاديس، العالم السفلي عند اليونان، وهناك، وسط ظلال الموتى، قابل شبح أمه. تبادلا الحوار، وفي النهاية يحاول أوديسيوس معانقة أمه، ولكنه لا يستطيع معانقة شبحها. بشكل مثير للفضول، كان لهذا الجزء تأثير كبير على وايلد في أوكسفورد، حين استعاد هذا المشهد "المؤثر" و"الرائع" في مقال له.

شبحية إسبيرانزا بدا أنها تحاكي أيضا إيفرالين، أم أوسكار في الأشعار الأوسيانية (الأسكتلندية) التي ترجمها جيمس مكفرسون. في أحد الأجزاء، يظهر شبح إيفرالين إلى أوسيان أبو أوسكار، "في ضوء جمالها، كانت عيناه الزرقاوان تدمعان". حثته على أن ينهض: "انقذ ابني، انقذ أوسكار أمير الناس"؛ الذي هو في خطر محدق. من الممكن أن تكون إسبيرانزا قد تلت هذا المشهد الجميل على وايلد وهو صبي، وربما استعاده وهو سجين. عاودت روح إسبيرانزا الظهور إليه في العديد من الأوقات اللاحقة من حياته وظلت تظهر إليه حتى النهاية.

على فراش الموت تساءلت إسبيرانزا إن كان من الممكن أن يؤذًن لـ "أوسكار العزيز" أن يزورها، ولكن لا بد أنها عرفت أن هذا لن يُسمَح به. وبعدما ماتت، لم يؤذَن لوايلد حتى أن يحضر جنازتها. بعد شهر من موتها طلب من صديق له أن يأخذ، من شارع أوكلي، كل "الكتب التي ألفتها والتي أعطيتها لأمي العزيزة".

تقرير سجن واندسوورث الطبي أشار إلى أن وايلد مستمر في التمتع بامتياز القراءة. كانت لديه القدرة على الوصول إلى مجموعة من الكلاسيكيات، التي انتقلت من واندسوورث إلى ريدينج. عند وصولها، تغيرت أرقام الفهرسة بأرقام جديدة، وكتبت كلمتي "سجن ريدينج" في صفحة العناوين الداخلية. وكامتياز إضافي تم السماح له بأن يقرأ كتابين كل أسبوع وليس كتابا واحدا.

في فبراير عام 1896، أضيفت سبعة عناوين إلى مخزونه: "الكوميديا الإلهية" لدانتي، إلى جانب كتاب في النحو الإيطالي وقاموس ليساعد وايلد على قراءة إيطالية العصر الوسيط المكتوبة بها القصيدة، ومجلدين ضخمين يحتويان على المجموعة الكاملة المتبقية من الشعر والمسرح اليوناني واللاتيني، وفي نفس الحجم جاء المعجم اليوناني لليدلي وسكوت، والقاموس اللاتيني للويس وشورت. مور آدي، مترجم هنريك إبسن وصديق داعم "شهم" آخر لوايلد، حصل على الكتب وأرسلها إلى ريدينج. كان واحدا من بين العديد من الناس الذي أرسلوا للسجين الكتب أثناء احتجازه.

رحب وايلد كثيرا بالمجلدات السبعة. ولكن الأعمال الأدبية الكلاسيكية لم تكن نافعة كثيرا، لأن قراءتها كانت تصيبه بالصداع الشديد. وإلى جانب الصداع كان وايلد يشكو من ضعف الانتباه، بسبب صحته الضعيفة واكتئابه، ولم يعد قادرا على بذل الجهد في قراءة مثل هذا الأدب. كان يشكو أيضا من حقيقة أن مأمور سجن ريدينج – السكير المتسلط ه. ب. إيزاكسون –يعيق قراءاته. قال وايلد لصديق له: "هو يحب أن يعاقِب، بأن يأخذ مني كتبي".

لحسن حظ السجين فقد كانت أيام إيزاكسون في ريدينج معدودة. وفي يوليو عام 1896 حل محله الميجور جيمس نيلسون، الذي وصفه وايلد بأنه أكثر شخص قابله "شبها بالمسيح". قبل وصول نيلسون بوقت طويل، كتب وايلد عريضة متوسلة إلى وزير الداخلية عبر فيها عن خوفه من كونه يتحول تدريجيا إلى الجنون. كان يبدو في لقاءاته مع أصدقائه أيضا فزعا من طيف الجنون: سأل صديقه روبي روس إن كان عقله "يبدو في حال سليمة؟" وتنبأ من أن الاحتجاز "سيفقده عقله". في عريضته لوزير الداخلية، أحال وايلد وضعه العقلي السيء إلى "النظام المخيف للاحتجاز بالزنزانة" وغياب "أدوات الكتابة التي يمكن أن تساعد على تشتيت الذهن". تذمر أيضا من نقص "الكتب المناسبة أو الكافية" التي هي "أساسية جدا لأي رجل أدب" و"مهمة جدا للحفاظ على التوازن العقلي".

تقدم وايلد بعريضة حارة من أجل الحصول على قدر أكبر من الأدب. كتبها بضمير الغائب، وفقا لبرتوكول السجن: "عن طريق إذن خاص تم السماح لكاتب العريضة بقراءة كتابين في الأسبوع: ولكن مكتبة السجن صغيرة جدا: بالكاد ما تحتوي على عدد كاف من الكتب للرجل المتعلم". وبالنسبة للكتب التي طلبها بنفسه "فقد قرأها وأعاد قراءتها حتى صارت بلا معنى". في النهاية "عالم الأفكار مثله مثل العالم الواقعي، مغلق أمامه: هو مجرد من كل شي يمكنه أن يخفف عنه ويلهي ويعالج عقله المصاب والمضطرب". انتهى وايلد بأفضل مديح كتبه عن الكتب، قائلا: "الحرمان من الكتب فظيع مثله مثل الحرمان الجسدي في حياة السجن الحديثة، هذا الحرمان الجسدي لا يُقارَن بالحرمان التام من الأدب بالنسبة لشخص كان الأدب له أهم شيء في الحياة، الشيء الذي يمكن من خلاله إدراك الكمال، ومن خلاله وحده يمكن للعقل أن يشعر بأنه حي".

ردت لجنة السجن بأن أشارت على المأمور الجديد بأن يزود وايلد بـ "ورقة فولسكاب وحبر وقلم، ليستخدمهم في أوقات فراغه بالزنزانة" (حصل على دفتر وقتها). طالبت اللجنة نيلسون بأن يتأكد إن كان وايلد قد قرأ حقا كل الكتب المتاحة له؛ لو كان قرأها، فبإمكانه أن يعرف من السجين طلباته عن الكتب الأخرى. بالإضافة إلى ذلك، أشارت اللجنة على المأمور أن "يُقَدِّر عدد الكتب التي ستدخل إلى وايلد". قال نيلسون في رده أنه على الرغم من أن وايلد لم يقرأ بالفعل "كل الكتب الموجودة بمكتبة السجن"، إلا أنه قرأ كل الكتب "التي تستحق القراءة". السجين أيضا أعدّ قائمة من الكتب "سيمتن جدا للحصول عليها".

احتوت القائمة على أكثر من عشرين عنوانا، كُتِبَت بخط يد وايلد الأنيق. علّم نيلسون على بعض طلباته مثل رواية االكاتب الفرنسي المتهتك ويسمانس، ربما بسبب طبيعتها المثيرة للجدل. تم السماح بدخول كتاب إرنست رينان المهرطق "حياة المسيح وتلاميذه"، ولكن فقط إن تم شراء نسخته الأصلية المكتوبة بالفرنسية، غالبا للتأكد من أن أحدا من السجناء الآخرين لن يقرأه. رَفْض نيلسون ربما يعود إلى حقيقة أن ميزانيته كانت محدودة بعشرة جنيهات، وهو القدر السنوي المخصص لشراء الكتب للسجن. ولكن على الأرجح فأصدقاء وايلد دفعوا مقابل بعض هذه الكتب.

عندما بدأت الكتب في الوصول، أخذ نيلسون واحدا منها إلى الزنزانة ج.3.3. دخل إلى الغرفة وقال مبتهجا "وزير الداخلية قال إنه من المسموح أن تحصل على الكتب". وأضاف: "هذا كتاب ستحبه على الأرجح، لقد قرأته بنفسي". تأثر وايلد جدا بطيبة المامور وانهار وبكى، وقال له: "هذه أول كلمات طيبة تقال لي منذ جئت إلى سجن ريدينج".

هذه واحدة من المرات العديدة التي استخدم فيها نيلسون تقديره في تطبيق القواعد على وايلد. كان من المسموح للسجين أن يحتفظ ببعض الكتب باستمرار في زنزانته، هذا الذي شَكّل مكتبة صغيرة. وقدم له أيضا امتياز غير عادي بأن يُبقى المصابيح الغازية مضاءة طوال الليل ليقرأ في الوقت الذي يريده.

إلا أنه على الرغم من هذه الامتيازات، ظل اكتئاب وايلد المميت محسوسا في طلبه المثير للشفقة لإخلاء سبيل مبكر كتبه لوزير الداخلية في 10 نوفمبر سنة 1896. شَكَر لجنة السجن على إضافة الكتب التي طلبها إلى مكتبة السجن، ولكنه قال إنه حتى بعد "هذه التيسيرات، التي يمتن لها السجين جدا، إلا أنها لم تؤثر إلا قليلا في تخفيف الضغط والألم الذهني البشع عليه، الذي يكثفه الصمت والعزلة يوميا في حياة السجن".

لم تُقبَل عريضة وايلد المطالبة بإخلاء سبيل مبكر، ولكن تم السماح له بطلب كتب أكثر، بشرط أن يدفع أصدقاؤه ثمنها. ربما كان نيلسون هو من حث اللجنة على هذا القرار، فقد أخبرهم أن وايلد "قرأ وأعاد قراءة كل الكتب التي تم تزويده بها بشكل خاص". وكتب وايلد مجددا قائمة بالعناوين التي اشتراها مور آدي وأرسلها إلى ريدينج.

أُرسِل الطرد الأخير من الكتب إلى وايلد قبل إطلاق سراحه. الأغلب أن فكرة كتابة قائمة جديدة جاءته بعد لقاءه مع آدي في يناير 1897. بعد مرور بعض الوقت كتب آدي قائمة قدمها إلى هولدين في نهاية الشهر ليحصل على موافقته عليها. هذا كان يتم مجددا برضا الميجور ويلسون بشرط أن يدفع أصدقاء وايلد ثمنها. راجع وايلد على الأرجح قائمة آدي، لأنها أُرسلت مرة أخرى إلى وزارة الداخلية وإلى نيلسون من أجل التصديق عليها. الشيء الوحيد الذي اعترض عليه نيلسون كان عددا من دورية "القرن التاسع عشر"، كان يحتوي على مقال عن نظم السجون، قال عنها نيلسون "ليس من المستحب أن يقرأها السجين".

العزاء الأعظم

عادة ما يعود السجناء بمخيلتهم إلى الماضي: علق وايلد على ذلك قائلا: "ليس لدينا شيء آخر لنفكر فيه". البعض يسعى بذلك للتخفف من طغيان الحاضر الساكن، الذي شبهه وايلد بـ "لحظة العذاب الوحيدة الطويلة"، ملتمسين الراحة في مخزونهم من الذكريات. البعض الآخر يتجه إليه في محاولة لفهم ما الذي أدخلهم بوابات السجن.

من الأرجح أنه لهذه الأسباب – وربما لأنه بدا من الصعب جدا الدخول في قراءات جديدة – عاد وايلد بالزمن في قراءاته بالسجن. العديد من العناوين في القوائم التي طلبها كانت مألوفة له في شبابه، صفحاتها مفعمة بالذكريات. عندما حصل على "المعجم اليوناني" لليدل وسكوت وعلى الإنجيل اليوناني، ربما ذكراه بنسختي الكتابين اللتين كانتا متواجدتين في مكتبة أبيه. كتب تينيسون وكيتس وشوسر وسبينسر ووردسوورث وآرنولد وجون درايدرن ومالوري وروبرت برنز التي قرأها وايلد في السجن كانت تحيله أيضا إلى ميدان ميريون، حيث مجموعة أمه الشعرية التي كانت تضم هذه الكتب بالتأكيد.

ربما عاد وايلد إلى الماضي أيضا بمعاونة المكتبة الضخمة التي كان يحملها في ذهنه. أثناء التريض في فناء السجن كان يخطو "منحني الرأس.. وعادة ما يردد أجزاء من نثر أو شعر كتابه المفضلين". وفي "زنزانته الانفرادية" أيضا كان يقضى ساعات اليقظة وهو يتحدث إلى نفسه كل ليلة وكأنه "يضحك مع الزوار المتخيلين". ربما كان يمثل مشاهد من المسرحيات، أو يردد فقرات من الشعر الدرامي.

ربما ذكرته الأعمال الأدبية الكلاسيكية والتعليقات على الأدب القديم الذي كان يقرأه في السجن بكلية ترينيتي وجامعة أوكسفورد اللذين درس فيهما، كانت تلك فترته المزدهرة كطالب أوكسفوردي وربما رغب في استرجاعها (طلب أعمال عدد من الكتاب الذين قرأهم هناك، مثل نيومان وباتير)، من الممكن أنه عاد إلى أوكسفورد من أجل أن يعود إلى نقطة انطلاقه الفكرية. وبالوصول إليها تمنى أن ينطلق مجددا في مغامرة جديدة.

إلى جانب استثارة ذكريات الماضي، فالكتب التي طلبها وايلد ساعدته على أن يضفي معنى على حياته. عندما فتح كتاب "المسرح التراجيدي اليوناني"؛ المجلد الضخم الذي يحتوي على كل المتبقى من الشعر والمسرح اليوناني، أعادة قراءة فقرة في الفصل الخاص بأجاميمنون واكتشف فيه مدخلا لتاريخه الشخصي. وذلك في خطاب للكورس متعلق بهيلين الطروادية. هيلين الجميلة كانت سبب الحرب الموصوفة في إلياذة هوميروس، التي خاضها اليونان من أجل استعادتها من الطرواديين.

في هذه الفقرة يشبّه إسخيلوس هيلين بأنها شبل جميلة استقبلها سيد كريم في بيته، حيث تربت في سخاء شديد، ولكن عندما تحولت للبؤة كشفت عن طبيعة جنسها القاسية، وانقلبت على سيدها وأكلت أولاده. هكذا كانت هيلين، المدللة الآن في طروادة، التي يخفيها الأمير باريس بعدما سرقها من النبيل اليوناني منيلوس، والتي ستصير علة هدم المدينة. كان وايلد مشدودا كطالب لهذه الكلمات. اقتبسها في مقال بأكسفورد ومدحها باعتبارها "أكبر انتصار للعبقرية اليونانية". الآن، وهو يجلس في زنزانة سجنه في ريدينج، أدرك أن لها صدى كبير على تاريخ حياته.

في بداية التسعينيات من القرن التاسع عشر، دعا وايلد آلفريد دوجلاس المدلل إلى بيته. آلفريد "بوزي" كان إله الوثنية الرومانتيكية لدى وايلد؛ وكان أيضا واحدا من أدوات سقوطه، كما صار وايلد مقتنعا الآن. كتب وايلد إلى دوجلاس من السجن: "في أروع مسرحيات إسخيلوس، يخبرنا عن السيد العظيم الذي يحضر إلى منزله لبؤة صغيرة... وتكبر هذه اللبؤة... وتدمر السيد وبيته... أشعر أنني مثل هذا الشخص".

مثل تلك التأملات دفعت وايلد أثناء عامه الأول بالسجن من أن يتحول بعنف ضد "أعز الصبيان" لديه. هو لم يندم أبدا على الطبيعة المثلية جنسيا في علاقته مع دوجلاس، ولكن أثناء سجنه، استنتج أن حياة "المادية المقصودة"، و"الإفراط الحسي" التي اشترك فيها مع بوزي لم تكن تستحق أن ينغمس فيها كرجل وكفنان. هو أيضا لام دوجلاس كثيرا على انتهاء مصيره إلى السجن، فهو الذي حثه على أن يتخذ إجراء قانونيا ضد أبيه.

تحول وايلد أيضا إلى الأدب ليضفي معنى على الحاضر. "الكوميديا الإلهية" لدانتي فوق كل الكتب ساعدته على فهم العالم البشع للسجن. قرأ وايلد السرد المتخيل الشهير للشاعر عن رحلته في الجحيم والمطهر والفردوس بإيطالية العصر الوسيط، بمساعدة ترجمة نثرية وحواشي متنوعة، وكتاب نحو وقاموس.

في رحلته، يلف الشاعر الفلورنسي، الذي يرشده أولا الكاتب اللاتيني فيرجيل ثم بياتريتشي التي يحبها حب أفلاطوني، في دوائر تمثل الأبعاد المختلفة لما بعد الموت، وفي طريقه يلتقي بالأرواح التي تسكن هناك. في "الجحيم"، تعاني الأرواح التي يقابلها من عذابات بشعة: الشهوانيون الذين يدورون في دوامات لا تتوقف، النهمون الذين يسوطهم المطر، والمهرطقون الذين يمزقون أجسادهم. والأرواح التي تعيش في الفردوس وتسعد بمجد الله إلى الأبد.

معاناة وايلد في السجن ازدادت بسبب البساطة المضجرة لما يحيطه. كان هذا، إلى جانب الوحدة العقلانية جدا، ما جعل الحياة في السجن غير إنسانية ومستحيلة الوصف. قال وايلد إن وصف السجن كان "صعبا كوصف المرحاض... يمكن للمرء أن يقول فحسب إنه سليم أو معطوب: نظيف أو العكس: رعب السجن يتمثل في أن كل شيء بسيط جدا". لا ثمن للكلمات في العالم الإسبرطي للسجن؛ ولا للمشاعر ولا للأفكار. هذا سبّب فجوة هائلة بين مشاعر السجناء المأساوية والسمة العقابية لمحيطهم. قال وايلد: "كل شيء شائع جدا، إلا أنه مذل جدا وبشع. وتأثيره مثير للتمرد. في النهاية فالأوصاف الواقعية ليست ملائمة على الإطلاق في مهمة استحضار حياة السجن – كيف يمكن للسرد الموضوعي أن ينقل الرعب والآلام التي تأكل روح المدان؟"

ولكن حيث تفشل الواقعية، ينجح الأدب الخيالي والرؤيوي كما اكتشف وايلد في الكوميديا الإلهي لدانتي، فقد ذكر بعد خروجه: "لقد قرأت دانتي يوميا بالإيطالية، كل صفحة فيه؛ لا المطهر ولا الفردوس كانا يعنياني... ولكن الجحيم! ما الذي يمكنني فعله سوى أن أعجب به؟ الجحيم – ألم نكن ساكنين فيه؟ الجحيم: كان هو السجن".

كان وايلد يعرف الكاتب الذي مدحه باعتباره "أعظم شاعر حديث" قبل وقت طويل من حبسه. وفي الحقيقة فقد كانت أمه تزعم نسبها لدانتي متجاهلة الحقائق التاريخية بوضوح. وقد كان وايلد يحيل كثيرا للشاعر الفلورنسي في أشعار شبابه.

أثناء رحلته ليحاضر في أمريكا عام 1882، زار وايلد أحد السجون بنبراسكا. ووجد هناك سجينا منغمسا في قراءة صفحات من عمل دانتي البارز. وعلق على ذلك قائلا: "كان هذا غريبا وجميلا، أن يضيء حزن أحد الفلورنسيين حزن سجين عادي في سجن حديث بعد مئات السنين". الآن وهو نفسه يذبل في السجن، استعاد هذا الموقف العجيب. أخبر مور آدي أنه فهم أخيرا كيف جذب دانتي السجين الأمريكي لأن الشاعر الإيطالي كان "أعظم عزاء تلقاه".

عَّبر "الجحيم" عن الرعب الكامل لتجربة وايلد، يحيل الشكل الدال للجحيم إلى حياة السجن. كان واحدا من تلك الأعمال العظيمة التي استخدمت "الأكاذيب الخيالية والشعرية، والفانتازيا الرؤيوية، لقول الحقيقة. هذا الذي لا يمكن للأدب الواقعي أن يعبر عنه. كرجل يرتاد الحياة دوما عن طريق الكتب، كان على وايلد أن يضع معاناته في سياق أدبي – أن يشكلها ويثبتها في كلمات شعرية ملتهبة. قدمت "الكوميديا الإلهية" لوايلد النص الذي يحتاجه ليفهم ويتحمل الحكم عليه.

عندما كان وايلد يصف حياة السجن، وتجربته الذاتية، كان يحيل كثيرا إلى قصيدة دانتي. كان يقارن اليأس المميت الذي كان يشعر به في سجن واندسوورث، باليأس الموجود عند شخصيات بعينها في "الجحيم"؛ هؤلاء  الذين استلسموا لخطيئة الحزن العنيد. إلا أنه من بعض الجهات، كان عالم السجن بشعا جدا حتى أن كلمات دانتي لم تستطيع وصفه بشكل مناسب. بالمقارنة بالسجن الفيكتوري، فبعض الجوانب في الجحيم الفلورنسي كانت إيجابية. أشار وايلد إلى أنه في الجحيم "يمكن للناس (على الأقل) أن يتحركوا، أن يروا بعضهم، أن يسمعوا بعضهم وهم يئنون. هناك نوع من الرفقة".

اعترف وايلد بعد إطلاق سراحه بكونه مدين كثيرا لدانتي. أخبر أحد معارفه بأن الفلورنسي "أنقذ عقله"؛ وقال لآخر أنه كثيرا ما كان يستعيد اللذة المحروم منها عن طريق "الكوميديا الإلهية". قال: "يمكنك أن تتخيل كم تذوقت كل كلمة". من بين كل المقارنات الرمزية التي قام بها وايلد بين الطعام والأدب تعتبر هذه المقارنة الأكثر تأثيرا، فما الذي يمكن تذوقه في السجن بخلاف الكلمات.

كلمات النعمة

بعدما قضى العام الأول من مدته، تحولت أفكار وايلد بشكل متزايد من الماضي إلى الحاضر، وإلى العالم القابع خلف بوابات السجن. بينما كانت قائمة طلباته في يونيو سنة 1895 مقتصرة على تفضيلاته القديمة والكلاسيكيات الأدبية، فالقوائم التي كتبها بعد يوليو 1896 كانت تحتوي على عناوين نشرت حديثا مثل خطابات سيفنسون وروزيتي والروايات الجديدة ليوسمانس وميرديث وتوماس هاردي. منذ صيف عام 1896، رغب وايلد بوضوح في أن يتابع كل النميمة الأدبية الحديثة ليعرف التطورات الفنية الجديدة.

عودة فضول وايلد المتعلقة بمعاصريه تشير على الأرجح إلى ارتفاع معنوياته. وتشير إلى أنه بدأ تدريجيا في اعتبار نفسه جزءا من العالم الخارجي مجددا وبدأ يتأهب ببطء للعودة إليه. جعل نفسه مستعدا بقراءة عدد من الصحف والدوريات التي كان أصدقاؤه من الحراس يهربونها إلى زنزانته. سابقا كان وايلد ينظر للصحف، ثم يلقيها جانبا بعد عدة دقائق مع تنهيدة عدم رضا وبعض القرف. الآن يستغرق في قراءتها في زنزانته، ويلتهم كل المعلومات الموجودة فيها.

بالقرب من نهاية مدته بدأ وايلد بالتفكير في المستقبل، في ديسمبر سنة 1896، كان من الواضح أنه بدأ يعتقد أن هناك مستقبلا ينتظره في أوروبا القارية. لأنه عكف على دراسة عدد من اللغات الأوروبية. كان هذا تغييرا دالا في مزاجه. فقبل ذلك كان يشك في كونه سيعيش حتى يوم خروجه.

تضمنت قائمة طلباته في ديسمبر 1896 عددا من كتب دراسة اللغتين الألمانية والإيطالية. كان وايلد يسخر دوما من اللغة الألمانية: في "أهمية أن تكون جادا" تصفها الليدي باركنيل بأنها "لغة جديرة تماما بالاحترام"، بينما تدعوها سيسيلي كارديو باللغة "البشعة". كان وايلد قد زار ألمانية سنة 1889 وكان سبب ذلك جزئيا "أنها فرصة رائعة لنسيان اللغة"، كما كان يقول مازحا. حتى أثناء سجنه كان وايلد يسخر من الألمانية مشيرا إلى أن السجن هو "المكان المناسب" لتعلمها.

يبدو أن وايلد كان معجبا بالإيطالية. تعلم الكثير منها على الأرجح عن طريق دانتي إلى جانب كتب النحو التي كان يستعين بها، ووصف لاحقا حديثه الإيطالي على أنه "خليط مذهل من دانتي والعامية الحديثة السيئة". واحد من الكتب التعليمية التي درسها كان كتاب بيادجي "الدليل العملي للغة الإيطالية" الذي كان يحتوي على تدريبات على الترجمة ربما كانت مسلية بالنسبة له. طلب وايلد أيضا كتاب محادثة فرنسي – إيطالي وفي قائمة الطلبات التي وضعها في نهاية مدته، طلب كتابا في النحو الإسباني. على الأرجح هو توقع حياة الارتحال في أوروبا القارية بعد أن ينال حريته. أدرك أنه لا مكان لمنبوذ مثله في جزيرة إنجلترا "التي "تخلى عنها الله" والتي "يضربها البحر" كما أشار لاحقأ.

بدأ وايلد أيضا في تصور مستقبله ككاتب. في عشية خروجه طلب عددا ممن الكتب الدينية، من أسباب ذلك أنه كان يفكر في كتابة مقال عن المسيح. أوجز وايلد رؤيته عن يسوع في الفقرات الدينية والفلسفية في الخطاب السيري الذي كتبه إلى ألفريد دوجلاس في سجن ريدينج والذي صار معروفا باسم "من الأعماق". (1905)

ألف وايلد الرسالة في عشرين كراسة زرقاء من أوراق السجن، بين ديسمبر سنة 1896 ومارس سنة 1897، بجانب المصباح الغازي في زنزانته. استخدم لوح السرير الخشبي كطاولة، وأشار إلى أنه "كان طاولة جيدة جدا أيضا". كان وايلد ممتنا جدا لحصوله على فرصة أن يكتب، ذلك الامتياز الممنوع على السجناء الفيكتوريين. تحت نظام نيلسون اللطيف سُمِح له أن يحتفظ بأدوات الكتابة دوما في زنزانته.

كتابة "من الإعماق" خرجت بشكل مباشر من قراءات وايلد بالسجن. إن كان يمكن الانطلاق من نسخته من كتاب باتير "لوحات متخيلة"، فأصل "من الأعماق" يعود إلى الهوامش التي بدأت مع هذه النسخة، والتي سمح بها نيلسون. من الفقرات التي علم عليها فقد اختار بلا شك الأجزاء الدالة لينقلها في الدفتر الذي حصل عليه في صيف سنة 1896. قال وايلد: "العقل يفقد حياته... يصير مكبلا بملل المعاناة، بالتالي أنقل الملاحظات من الكتب التي أقرأها، وأنسخ عبارات وجمل الشعراء... أنا أتشبث بدفتري: إنه يساعدني: قبل أن أحصل عليه كان عقلي يدور في دوائر خبيثة جدا".

إلى جانب كونه نشاطا علاجيا، فتدوين الملاحظات ألهم وايلد بتلك التأثيرات الأدبية التي تم التعبير عنها في النهاية في "من الأعماق". مجرد الإمساك بالقلم والحبر، والانغماس في الأفكار، والفرصة للتمتع مجددا باللغة، أيقظ قواه المبدعة. من المرجح أنه استخدم عددا من الاقتباسات التي جمعها في دفتره في رسالته الطويلة، المحملة بالأصداء والإحالات والاقتباسات من قراءات سجنه. عادات الكتابة القديمة لا تتلاشى بسهولة، وكاتب الرسالة السيرية العميقة كان لا يزال وحشا يتغذى على الكتب.

كتب وايلد في "من الأعماق" "كل صباح، بعدما أنظف زنزانتي وأغسل أطباقي، أقرأ القليل من الأناجيل، عدد من الآيات أقرأها بالصدفة من أي موضع. إنها طريقة مبهجة لبداية اليوم". قراءة وايلد لـ "القصائد النثرية الأربع عن المسيح" في الإنجيل اليوناني، أثرت على تأملاته عن شخصية يسوع التي تظهر في رسالة السجين الطويلة.
ترجمة وايلد للمسيح كانت مهرطقة كما هو متوقع: يتجول يسوع في صفحات من "الأعماق" وينطق بالمفارقات والأمثولات المتعالية، مثله مثل سقراط، ويبشر بالإنسان ورسالته المتعلقة التسامح والتعاطف والإدراك الذاتي، إلا أنه مثله مثل الكثير من المسيحيين الأرثوذوكس، توجه أيضا إلى حياة يسوع عندما حاول أن يحمل معاناته البشعة بالدلالة.

قدمت الكتب لوايلد الإرشاد الروحي. كانت أيضا ممتلئة بـ "كلمات النعمة"، وفقا لجملته المؤثرة. كان السجين مقيدا في الزمن الحاضر، والذي يفقد فيه الإنسان عقله. وبحسب وايلد فـ"الفكر بالنسبة لهؤلاء الذين يجلسون وحيدين في الأغلال" ليس "شيئا حيا ذو جناحين" كما زعم أفلاطون، "ولكنه شيء ميت". إلا أنه مع قضاء مدة السجن، فكت الكتب الأغلال التي قيدت عقل وايلد.

قبل وقت قصير من إطلاق سراحه، أعلن منتصرا أن "المكان والزمان مجرد حوادث عارضة للفكر. ويمكن للمخيلة أن تتعالى عليهما، وتتحرك نحو مجال حر من الموجودات المثالية". هذا يمثل انتصارا يعقب معركة قاسية خاضتها الروح والطبع الفني، وقد كانا صلبان في المعركة حتى أن النظام الفاصل لم يستطع تحطيمهما. إنها معركة خاضها السجين وانتصر فيها من خلال هوامش كتبه. العلامات التي وضعها وايلد على نسخة "لوحات متخيلة" لباتير تشير إلى مزاج متأرجح بين اليأس والأمل اختبره أثناء كفاحه. وعلى الرغم من أنه وضع علامة في صفحة 111 على كلمة "الصمت" المؤلمة – الكلمة المعبرة عن عالم السجن الكريه - في نهاية الكتاب، كان يحلق بعيدا عن السجن على أجنحة كلمات باتير، واضعا علامة على هذه الجملة الرائعة في الصفحة 170: "بالتأكيد، مع مرور العصور، يمكن للمرء أن يصل للروح التاريخية الخاصة بهم، غير الميتة، ولكن الحية، الثرية، بصحبة المتعة، وامتداد الحاضر". كم هي ملائمة جملة "امتداد الحاضر" – إنها تعبر بالضبط عن تأثير كتاب باتير على وايلد.

أشار وايلد إلى أحد الكتب التي أرسلت إليه قائلا: "عندما أقرأ والتر باتير، يحضرني صديقين أفكر فيهما – الكاتب، والشخص الذي تبرع به". في تلك الحالة، كان آرثر همفريز هو المحسن الكريم، الذي كتب وايلد إليه بعد إطلاق سراحه: "المعرفة الآتية من العديد من الكتب التي كانت هدية من رفيق طيب مثلك، جعلتني ألمس وأمسك الكتب بسعادة وكأن كل كتاب منهم يد صديق: في الحقيقة كل كتاب منهم كان يد صديق، رفعني من مستنقع اليأس والألم حيث كنت ساقطا هناك لعام كامل".

وايلد الذي كان على الدوام قارئا اجتماعيا استطاع أن يستمتع بالجانب الاجتماعي للكتب حتى أثناء حبسه. في الرسائل الموجهة لمعارفه كتب بذكاء عن الأدب؛ كان يتحدث عن الكتب قدر ما يستطيع مع الحراس الودودين. عندما سأله أحدهم عن ماري كوريلي، ملكة الأدب السنتمنتالي الرخيص في نهاية القرن التاسع عشر، و"إن كانت تعتبر كاتبة عظيمة؟" كان هذا يفوق قدرة وايلد على الاحتمال، قال: "لا أريدك أن تعتقد أن لدي اعتراضات على أخلاقها، ولكن بالطريقة التي تكتب بها فمن المفترض أن تكون في السجن هنا". كان رد الحارس المندهش: "هذا رأيك يا سيدي، هذا رأيك".

ناقش وايلد الأدب بقدر ما استطاع مع رفاقه من السجناء. كمساعد لمعلم السجن، كان يقترح عليهم العناوين من مكتبة السجن، وكان يرسل لهم أيضا الملاحظات المتعلقة بالشئون الأدبية سرا. كتب في واحدة منها: "أتمنى لك قضاء يوم أحد سعيد بقراءة فاوست لجوته، إنه عمل فني عظيم". اعتقد وايلد كما هو واضح أن الكتابة العظيمة يمكن أن تصل إلى السجناء غير المتعلمين من الطبقة العاملة الذين صاروا الآن أقرانه، وهذا لأن مجتمع الكتب هو مجتمع لا طبقي، أو ينبغي أن يكون كذلك بحسب رأي راسكين.

عندما كان وايلد يكتب قوائم طلباته للكتب، كان يضع في ذهنه السجناء الآخرين. كل العناوين التي أرسلت إليه (على الأقل قبل وصول نيلسون لريدينج) كان تذهب إلى مكتبة السجن وتصير متاحة على الفور للسجناء الآخرين. كان وايلد واعيا بهذا. كتب في إحدى القوائم: "ليس في المكتبة هنا أي شيء من روايات ديكنز. أنا واثق من أن أعماله االكاملة ستكون ذات نفع عظيم للعديد من السجناء، كما أنها ستكون نافعة لي بالتأكيد".

دافع آخر حث وايلد لأن يسأل عن رواية ستيفنسون "جزيرة الكنز". بعد ستة أسابيع بعدما أرسلها له أصدقاءه، شعر بالامتنان لأنه عرف أن السجناء الآخرين "يطلبونها ويحبونها كثيرا". شجعه حماس السجناء، فطلب وايلد أعمالا أكثر لستيفنسون، إلى جانب كتب لوالتر سكوت وه. ج ويلز. وكان ينوي بعدما يستعيد حريته أن يهدي للسجن "عددا من الروايات الجيدة" الأخرى لأمثال جين أوستين وثاكيري. وبينما أرسل وايلد المال بعد إطلاق سراحه لكل "أصدقائي في ريدينج" (دعاهم "رفاقي؛ قلوب الذهب") فمن الممكن أن يكون قد نفذ خطته.


مُنِع وايلد من يأخذ كتبه معه بعد إطلاق سراحه: لقد "حُكِم عليها بالسجن المؤبد" في المكتبة كما أوضح. ولكنه لم يشك من ذلك، بل على العكس أسعده أن يفكر في أن هذه الكتب يمكنها أن "تخفف وتعالج عقول مضطربة وقلوب مكسورة أخرى". كان وايلد يعرف عن تجربة شخصية كيف يمكن أن تصير الكتب "مسكنا للألم". كتب بعد ذلك: "بينما كنت أحب الأدب منذ صباي، لم تكن لديّ فكرة أن هذا الفن الراقي سينقذ كل من حياتي العقلية والجسدية في أحد الأيام".

2016-02-16

فارس المرآة - هارولد بلوم عن دون كيخوته

فارس المرآة
هارولد بلوم
(من مقدمة الكاتب لترجمة إديث جروسمان للرواية للإنجليزية)

ترجمة: أمير زكي
فبراير 2016

***
 
Don Quixote and Sancho Panza  by Honoré Daumier


ما هو الموضوع الحقيقي لسعي دون كيخوته؟ لا أجد إجابة على ذلك. ما هي دوافع هاملت الأصيلة؟ ليس من المسموح لنا أن نعرف. لأن سعي فارس ثربانتس العظيم له بُعد وصدى كوزمولوجي، لا يبدو أن هناك هدفا بعيد المنال. غضب هاملت يتلخص في أنه ليس مسموحا له سوى مأساة إلسينور[i] والانتقام. ألّف شكسبير قصيدة غير محدودة، فيها البطل وحده هو من يتجاوز كل الحدود.

ثربانتس وشكسبير، اللذان ماتا في الوقت نفسه تقريبا، هما الكاتبان الغربيان المركزيان، على الأقل منذ دانتي، ولا يوجد كاتب وصل لقامتيهما، لا تولستوي ولا جوته ولا ديكنز ولا بروست ولا جويس. لا يمكن للسياق أن يحتوي ثربانتس وشكسبير: العصر الذهبي الأسباني والحقبة الإليزابيثية اليعقوبية ثانويين عندما نحاول أن نصل لتقدير كامل لما قدماه إلينا.

و. هـ أودين وجد في دون كيخوته صورة للقديس المسيحي، كمقابل لهاملت، الذي "يفتقد الإيمان بالله والإيمان بنفسه". على الرغم من أن أودين بدا متهكما إلى حد ما، إلا أنه كان جادا، ومخطئا على ما أعتقد.

مزج هرمان ملفيل دون كيخوته وهاملت في كابتن آهاب (مع لمسة من شيطان ميلتون الذي أضيف كالملح على الطعام). يرغب آهاب في الانتقام لنفسه من الحوت الأبيض، بينما سيدمر الشيطان الله إذا استطاع. هاملت هو سفير الموت لنا، وفقا لجورج ولسون نايت[ii]. يقول دون كيخوته إنه يسعى لتدمير الظلم.

الظلم المطلق هو الموت، هو الرابطة النهائية. تحرير الأسرى هو طريقة الفارس البراجماتية في حربه ضد الموت.

على الرغم من وجود العديد من الترجمات القيمة للإنجليزية لدون كيخوته، فأنا أفضل نسخة إديث جروسمان الجديدة لنثرها الرائع. الحس الروحي لأسبانيا التي كانت تعاني من حالة انحدار شديد يمكن الشعور به خلال الترجمة، بفضل اختيارات جروسمان الرفيعة لمفرداتها.

يمكن أن ندعو جروسمان بأنها جلين جولد[iii] المترجمين، لأنها أيضا تعبّر عن كل لحن. قراءة طريقتها الرائعة في إيجاد مكافئات للإنجليزية لرؤية ثربانتس الظلامية مدخل إلى فهم أعمق لسبب احتواء هذا الكتاب العظيم بداخله على كل الروايات التي تبعت يقظته السامية. ثربانتس مثل شكسبير، لم يتمكن الكُتّاب الذين أتوا بعده من الهروب منه. ديكنز وفلوبير وجويس وبروست يعكسون تقنيا سرد ثربانتس، ومجدهم في الوصف يحتوي على خيوط من شكسبير وثربانتس.

ثربانتس منغمس بعمق في كتابه العظيم حتى أننا في حاجة لأن نرى أنه يملك ثلاث شخصيات متمايزة: الفارس وسنشو وثربانتس نفسه.

إلا أن حضور ثربانتس عابر ومقتضب!  "دون كيخوته"، في قمة مجدها، كئيبة بشكل كبير. شكسبير مجددا هو النظير الكاشف: هاملت في قمة كآبته لن يتوقف أبدا عن ألعابه اللفظية وعن سخريته القاتمة، وبديهة فالستاف غير المحدودة ممزقة بسبب الرفض الملازم له. مثلما لم يكتب شكسبير في نوع أدبي بعينه، فـ "دون كيخوته" تراجيديا بقدر ما هي كوميديا. على الرغم من أنها ستعتبر إلى الأبد ميلاد الرواية المنبثقة من النثر الشعبي، وتظل أفضل الروايات، إلا أنني أشعر بالحزن المتواجد بها في كل مرة أعدت قراءتها، وهذا ما يجعلها "الكتاب المقدس الأسباني"، كما دعا ميجيل دي أونامونو هذا العمل الذي يعتبر أعظم السرديات.

ربما لا تكون "دون كيخوته" كتابا مقدسا، ولكنها تحتوينا تماما حتى أننا لا نستطيع التملص منها لنصل إلى وجهة نظر مستقلة، مثلها مثل أعمال شكسبير. نحن بداخل هذا الكتاب الضخم لدينا الامتياز الذي يجعلنا نستمع إلى الحوارات المبهرة بين الفارس وسائسه، سنشو بانثا. في بعض الأحيان نتوحد مع ثربانتس، ولكن عادة ما نكون متجولين غير مرئيين مصاحبين لهذا الثنائي السامي في مغامراته وإخفاقاته.

عُرِضَت "الملك لير" لأول مرة بعد نشر الجزء الأول من "دون كيخوته". على عكس ما قاله أودين، فثربانتس مثل شكسبير، يقدم لنا تعاليا علمانيا. يعتبر دون كيخوته نفسه فارس الله، ولكنه يتبع باستمرار إرادته العجيبة والغريبة بشكل مجيد. يطلب الملك لير المساعدة من السماء، ولكن من المنطلق الأرضي الشخصي، بسبب كونه هو والسماء عجوزين.

دون كيخوته الذي حطمه الواقع الأعنف منه، يقاوم الإذعان إلى سلطة الكنيسة أو الدولة. عندما يتوقف عن تأكيد استقلاله، لا يتبقى شيء سوى أن يكون ألونسو كيخانو الطيب مجددا، ولا يتبقى لديه شيء ليفعله سوى أن يموت.
أعود إلى سؤالي الأول: موضوع الفارس الحزين. إنه في حرب مع مبدأ الواقع عند فرويد، المبدأ الذي يقبل حتمية الموت.

ولكنه ليس رجلا أحمق أو مجنون، ورؤاه مزدوجة على أقل تقدير: هو يرى ما نراه، إلا أنه يرى شيئا آخر أيضا، إمكانية تحقيق مجد يرغب في تحقيقه أو على الأقل نشره. يسمي دي أونامونو هذا التعالي بأنه الشهرة الأدبية؛ خلود ثربانتس وشكسبير. نحن بحاجة إلى أن نضع في ذهننا أثناء قرائتنا لدون كيخوته أنه لا يمكن أن نصل لمستوى الفارس وسنشو، لأنهما يعرفان أكثر مما نعرف، بالضبط مثلما لا نستطيع أن نستوعب السرعة المذهلة لإدراكات هاملت. هل نعرف بالضبط من نحن؟ كلما سعينا في بحث محموم عن ذواتنا الأصيلة، كلما مالت إلى التهرب. مع نهاية العمل العظيم يعرف الفارس وسنشو بالضبط من هما، ليس بسبب مغامراتهما بقدر ما هو عن طريق حواراتهما الرائعة، سواء كانا يتشاجران فيها أو يتبادلانها من أجل المعرفة.

الشعر، خاصة عند شكسبير، يُعَلِّمنا كيف نتحدث إلى أنفسنا، ولكن ليس إلى الآخرين. شخصيات شكسبير العظيمة أنا-وحدية Solipist بشكل مذهل: شايلوك، فالستاف، هاملت، ياجو، لير، كليوباترا، أما روزاليند فهي الاستثناء الرائع. دون كيخوته وسنشو يستمعان بالفعل إلى بعضهما ويتغيران عن طريق حوارهما. لا أحد فيهما يكتفي بالاستماع إلى نفسه، تلك السمة السائدة عند شكسبير. ثربانتس أو شكسبير: إنهما معلمان متنافسان نعرف منهما كيف نتغير ولماذا. الصداقة عند شكسبير تهكمية بشكل كبير، والخيانة أكثر شيوعا. الصداقة بين سنشو بانثا وفارسه تتجاوز أي تمثيل آخر في الأدب.

ليست لدينا مسرحية "كاردينيو"، المسرحية التي كتبها شكسبير مع جون فليتشر، بعد أن قرآ ترجمة توماس شيلتون المعاصرة لدون كيخوته. بالتالي لا يمكننا أن نعرف ما الذي اعتقده شكسبير في ثربانتس، على الرغم من أننا يمكن أن نعتقد أنه سرّ بها. نعتقد أن ثربانتس، الكاتب المسرحي غير الناجح، لم يسمع أبدا بشكسبير، ولكني أشك في أنه كان سيقدر فالستاف وهاملت، كل منهما اختار حرية الذات على حساب أي نوع من الإجبار.

كما أشار كافكا، فسنشو رجل حر، ولكن دون كيخوته مقيد ميتافيزيقيا ونفسيا بإخلاصه لمهام الفارس. يمكننا أن نحتفي بشجاعة الفارس اللا متناهية، ولكن ليس تصوره الأدبي عن قصص الفروسية.

ولكن هل دون كيخوته يؤمن كلية بواقع رؤيته؟ من الواضح أنه لا يؤمن بها، خاصة عندما يستسلم (هو وسنشو) لنكات ثربانتس السادومازوخية العملية – يستسلمان، في الحقيقة، للقسوة الشرسة والمذلة – التي تصيب الفارس وسائسه في الجزء الثاني. نابوكوف يكشف هذا في محاضراته عن "دون كيخوته"، التي نشرت بعد موته عام 1983: جزءا دون كيخوته يشكلان موسوعة حقيقية للقسوة. من هذا المنظور، هو واحد من أكثر الكتب مرارة ووحشية. إنها رواية ذات قسوة فنية.

حتى تجد مكافئا شكسبيريا لهذا الجانب في "دون كيخوته"، عليك أن تمزج مسرحية "تيتوس آندرونيكوس" بـ "زوجتان مرحتان من وندسور" في عمل واحد، وهي إمكانية صعبة لأن المسرحيتين من وجهة نظري هما أضعف مسرحيات شكسبير. الذل البشع الذي يتعرض له فالستاف عن طريق الزوجتين المرحتين غير مقبول بما يكفي (حتى لو شكّل هذا أساس فالستاف السامي عند فيردي).

لِم جعل ثربانتس دون كيخوته يتعرض للإيذاء الجسدي في الجزء الأول والإيذاء النفسي في الجزء الثاني؟ إجابة نابوكوف إستطيقية: القسوة تصير حيوية عن طريق فن ثربانتس المميز. يبدو هذا لي شيء فيه تهرب. "الليلة الثانية عشر" هي كوميديا لا يمكن تجاوزها، وعلى المسرح ننغمس في بهجة الإذلال البشع لمالفوليو. عندما نعيد قراءة المسرحية، نصير منزعجين، لأن مخيلة مالفوليو الاجتماعية الإيروتيكية تردد الصدى بداخلنا جميعا. لم لا نصير على الأقل متشككين قليلا بسبب العذابات الجسدية والاجتماعية التي يعانيها دون كيخوته وسنشو بانثا؟ ثربانتس نفسه، بحضوره الدائم والخفي في النص هو الإجابة. هو أكثر الكُتّاب البارزين الذين تعرضوا لابتلاءات. جُرِح في معركة ليبانتو البحرية العظيمة وهو في الرابعة والعشرين من عمره، وفقد تماما قدرته على استخدام يده اليسرى. عام 1575، أسره القراصنة البربريون وقضى خمس سنوات كعبد في الجزائر. خرج بفدية عام 1580، عمل كجاسوس في البرتغال ووهران لصالح أسبانيا ثم عاد إلى مدريد، حيث حاول أن يمتهن الكتابة المسرحية، وغالبا فشل بعدما كتب 20 مسرحية على الأقل. عندما يصير يائسا إلى حد ما يتحول إلى محصل للضرائب، ولكنه يُتهَم بعمل مخالفات ويُسجن عام 1597. سُجِن مجددا عام 1605، صار من المعروف أنه بدأ كتابة "دون كيخوته" في السجن. كتب الجزء الأول بسرعة غير معقولة، ونُشِر عام 1605. ونُشِر الجزء الثاني عام 1615.

بعدما سَلَبه ناشره كل حقوقه في الجزء الأول، كان من الممكن أن يموت ثربانتس فقيرا لولا رعاية متأخرة وهبها له نبيل متبصر في السنوات الثلاث الأخيرة من حياته. على الرغم من أن شكسبير مات في عمر الثانية والخمسين، إلا أنه كان كاتبا مسرحيا ناجحا بشكل كبير، وصار ثريا إلى حد ما عن طريق ملكيته لنسبة من شركة الممثلين التي كانت تعرض مسرحياتها على "مسرح جلوب". شكسبير الحريص كان واعيا جدا بمقتل كريستوفر مارلو الذي حثت عليه الحكومة، وتعذيبها لتوماس كيد، ووسم بين جونسون بالنار. أبقى شكسبير نفسه مجهولا، على الرغم من أنه كان الكاتب المسرحي الأبرز في لندن. العنف والعبودية والسجن كانوا غذاء حياة ثربانتس. التزم شكسبير الحذر حتى النهاية، وعاش حياته بدون حادثة تذكر بقدر ما نعرف.

العذابات الجسدية والعقلية التي عانى منها دون كيخوته وسنشو بانثا كانت أساسية بسبب كفاح ثربانتس الذي لا ينتهي ليظل حيا وحرا. إلا أن ملاحظات نابوكوف صحيحة: القسوة متطرفة في "دون كيخوته". الأعجوبة الإستطيقية هي أن البشاعة تتلاشى عندما نأخذ خطورة للوراء من الكتاب الضخم ونتأمل شكله وسعة معناه غير المتناهية. لا يوجد سرد نقدي لعمل ثربانتس الأبرز يتفق مع انطباعات ناقد آخر أو يشابهه. "دون كيخوته" مرآة لا تعكس الطبيعة، بل تعكس القاريء. كيف يمكن لمهمة الفارس المحبطة والمثيرة للسخرية أن تكون نموذجا كليا؟

دون كيخوته وسنشو ضحايا، ولكن كل منهما طيّع بشكل عجيب، وذلك حتى هزيمة الفارس الأخيرة وموته وهو في هوية كيخانو الطيب، الذي توسل إليه سانشو أن يسير في طريقه مجددا. الافتتان بصمود دون كيخوته وحكمة سانشو الوفية باق دوما.

يلعب ثربانتس على الاحتياج الإنساني لتحمل المعاناة، وهذا أحد الأسباب التي تجعل الفارس يرهبنا. بغض النظر عن كونه كاثوليكيا مخلصا (أو لا)، فثربانتس مهتم بالبطولة وليس القداسة.

بطولة دون كيخوته ليس دائمة على الإطلاق: هو قادر تماما على الهرب، وتَرْك سنشو البائس لتضربه القرية كلها. ثربانتس الذي كان بطلا في ليبانتو، يريد لدون كيخوته أن يكون نوعا جديدا من الأبطال، ليس متهكما وليس خاليا من العقل، ولكن بطل يريد أن يكون نفسه، كما عبّر جوزيه أورتيجا إي جازيت عن ذلك بدقة.

دون كيخوته وسنشو بانثا يُمَجّدان الإرادة، على الرغم من أن الفارس يتعالى بها، في حين أن سنشو، أول ما بعد براجماتي، يريد أن يبقيها بداخل حدودها. إن العنصر المتعالي في "دون كيخوته" هو الذي يقنعنا في النهاية بعظمتها، جزئيا لأنه موضوع في سياق يواجه جفاف وحدة الكتب البانورامية. ومن المهم أن نلاحظ مجددا أن التعالي علماني وأدبي، وليس كاثوليكيا. السعي الكيخوتي إيروتيكي، إلا أن الإيروس فيه أدبيا.

الفارس الذي جن بسبب القراءة (كما يحدث للعديد منا حتى الآن)، يسعى بحثا عن ذات جديدة، ذات تتجاوز الجنون الإيروتيكي لأورلاندو (رولاند) في ملحمة أورلاندو الهائج لآريوستو أو آماديس الجالي الأسطوري. على خلاف جنون أورلاندو وآماديس، جنون دون كيخوته قصدي، أصاب به نفسه، وهو إستراتيجية شعرية تقليدية. 

يظل هناك تسام واضح في الدافع الجنسي لشجاعة الفارس اليائسة. مرارة متغلغلة طوال الوقت، تُذَكِّره أن دلثنيا هي خياله الأعلى، هي التعالي على شهوته الصرف للفلاحة الشابة آلدونثا لورنثو. الخيال، الذي يؤمن به المرء حتى لو كان يعرف أنه خيال، يمكن أن يتحقق فحسب عن طريق الإرادة التامة.

لا أعتقد أن هناك عملا آخر تُغمُض فيه العلاقة بين الكلمات والأفعال مثل دون كيخوته، باستثناء هاملت (مجددا). نسق ثربانتس هو نفسه نسق شكسبير، على الرغم أننا مع ثربانتس نشعر بعبء التجربة، في حين أن شكسبير مبهم، لأن كل تجربته كانت مسرحية تقريبا. ثربانتس بارع جدا حتى أننا بحاجة إلى قرائته على مستويات عديدة كما هو الحال مع دانتي. ربما يمكن تعريف "الكيخوتية" بدقة على أنها سمة أدبية لواقع مطلق، ليس كحلم مستحيل، إنما بالأحرى كيقظة مُقنعة على الشعور بالفناء.

الحقيقة الإستطيقية لـ "دون كيخوته" هي أنها، مجددا مثل دانتي وشكسبير، تضعنا أمام العظمة مباشرة. إذا كانت لدينا صعوبة في الوصول لفهم كامل لسعي دون كيخوته ودوافعه وغاياته المرغوبة، فهذا بسبب أننا نواجه مرآة منعكسة تخيفنا حتى لو كنا منغمسين في بهجتها. ثربانتس يسبقنا دائما، ولا نستطيع أن نلحق به على الإطلاق. فيلدينج وستيرن وجوته وتوماس مان وفلوبير وستاندال وملفيل ومارك توين ودوستويفسكي: كلهم ضمن معجبي ثربانتس وتلاميذه. "دون كيخوته" هو الكتاب الوحيد الذي رغب دكتور صمويل جونسون أن يكون أطول مما هو عليه.

إلا أن ثربانتس، رغم كونه يمثل لذة عالمية، فهو من بعض الجهات أصعب من دانتي وشكسبير في قمتيهما. هل نصدق كل شيء يقوله لنا دون كيخوته؟ هل يصدق هو كل شيء؟ هو (أو ثربانتس) مبتكر لسمة شائعة الآن بما يكفي، تكون فيه الشخصيات بداخل الرواية، قد قرأت قصصا من قبل متعلقة بمغامراتهم المبكرة وعليها أن تتحمل الخسارة التالية عند الاصطدام بالواقع. هذه واحدة من الأشياء الغامضة الجميلة في "دون كيخوته": إنها عمل ذاته الأصيلة هي الأدب وهي رصد لواقع صعب وقاس في الوقت نفسه؛ واقع انهيار أسبانيا بين عامي 1605-1615. الفارس هو نقد ثربانتس البارع لمملكة جعلته يعيش في ظروف قاسية مقابل بطولته القومية في ليبانتو. لا يمكن القول إن دون كيخوته لديه وعي مزدوج، إنما هو الوعي المتعدد لثربانتس نفسه، كاتب يعرف تكلفة الصدق. لا أعتقد أنه يمكن القول إن الفارس يقول الأكاذيب، باستثناء قول ذلك بالمعنى النيتشوي للكذب على الزمان والكآبة التي كان عليها الزمن. أن تسأل ما الذي يؤمن به دون كيخوته نفسه يعني الوصول إلى المركز الرؤيوي لقصته.

المزيج المثير للاهتمام للسامي والتافه، لم يتكرر بعد ذلك إلا مع كافكا، وهو تلميذ آخر لثربانتس. سيؤلف كافكا قصصا مثل "الصياد جراكوس" و"طبيب الأرياف". بالنسبة لكافكا، دون كيخوته كان الجني أو العبقري الخاص بسنشو بانثا، يظهر عن طريق سنشو البائس في كتاب يحتوى على مغامرة حتى الموت. في تفسير كافكا الرائع، الموضوع الأصيل لسعي الفارس هو سنشو بانثا نفسه، وهو المستمع الذي يرفض تصديق قصة دون كيخوته عن كهف مونتسينوس. هنا أعود إلى سؤالي: هل يؤمن الفارس بقصته؟ يمكن أن نجد معنى في الإجابة على السؤال بـ "نعم" و"لا"، بالتالي لا بد أن يكون السؤال خاطئا. لا نستطيع أن نعرف ما الذي يؤمن به دون كيخوته وهاملت، لأنهما لا يشتركان معنا في محدوديتنا.

أحب توماس مان "دون كيخوته" بسبب التهكم فيها، ولكن كان من الممكن لمان أن يقول في أي وقت: "التهكم على التهكمات، كل شيء تهكم". نحن نستمع في الكتاب المقدس الضخم الخاص بثربانتس على ما نحن عليه. جونسون الذي لم يستمرئ تهكمات جوناثان سويفت، قَبِل ببساطة تهكمات ثربانتس؛ تهكم سويفت يُدَمِّر، في حين أن ثربانتس يسمح لنا ببعض الأمل.

شعر جونسون أننا بحاجة إلى بعض الأوهام، مخافة أن نجن. هل هذا جزء من تصميم ثربانتس؟ يقول مارك فان دورين[iv]، في دراسة مفيدة جدا، أن انشغال دون كيخوته تطارده التجاورات بين الفارس وهاملت، هذا الذي يبدو لي حتميا. تبدو الشخصيتان هنا، على خلاف كل الشخصيات الأخرى، وكأنهما يعرفان ما الذي يفعلانه، على الرغم من أنهما يحيراننا عندما نحاول أن نشترك في معرفتهما. إنها معرفة تختلف عن معرفة فالستاف وسنشو بانثا، المبتهجان بكونهما أنفسهما، ويسمحان للمعرفة أن تمر بجانبهما وتَعبُرهما. أنا أفضّل أن أكون فالستاف أو سنشو بدلا من أن أكون نسخة من هاملت أو دون كيخوته، لأن كِبَر السن والمرض علمانّي أن الوجود أهم من المعرفة. الفارس وهاملت متهوران بشكل لا يصدق؛ فالستاف وسنشو لديهما بعض التعقل في ما يتعلق بالشجاعة.

لا يمكننا أن نعرف موضوع سعي دون كيخوته إلا حينما نكون نحن أنفسنا كيخوتيين. هل نظر ثربانتس إلى حياته، مع الوضع في الاعتبار كونها شقية، على أنها كيخوتية؟ الوجه الكئيب في صورته يحدق فينا؛ مُحَيّا يختلف عن نعومة شكسبير المتهربة. إنهما يساويان بعضهما في العبقرية، لأنهما أكثر من شوسر، وأكثر من مجموعة الروائيين الذين مزجوا تأثيراتهما منذ ذلك الوقت، قدما لنا شخصيات تضج بالحياة أكثر منا. أشك في أن ثربانتس أراد أن يقارن نفسه بشكسبير أو بأي أحد. تقول لنا "دون كيخوته" إن كل المقارنات كريهة. ربما هي كذلك، لكن ربما تكون مقارنتنا هنا استثناء.

نحتاج إلى جانب ثربانتس وشكسبير، كل المساعدة الممكنة في ما يتعلق بالأشياء المطلقة، إلا أننا لا نحتاج إلى مساعدة للاستمتاع بهما. كل منهما صعب ولكنه متاح مثل الآخر. من أجل أن نواجههما بشكل كامل، أين يمكننا أن نتجه سوى لقوة كشفهما المشتركة؟





[i]  Elsinore القلعة الملكية التي دارت فيها أحداث مسرحية هاملت.
 (1897-1985) ناقد أدبي وأكاديمي إنجليزي.  G. Wilson Knight[ii]
(1932-1982) عازف بيانو كندي، اشتهر بتركيزه على عزف أعمال الموسيقار الألماني باخ.   Glenn Gould [iii]
 (1894-1972) شاعر وناقد أمريكي. Mark Van Doren[iv]