2015-03-22

لعبة النهاية - رونان مكدونالد



التدوينة عبارة عن ترجمة للجزء الثاني من الفصل الثالث  من كتاب (مقدمة كامبريدج لصمويل بيكيت- The Cambridge Introduction to Samuel Beckett) للكاتب: رونان مكدونالد*


الكتاب صدر عام 2006

ترجمة أمير زكي

***

تدور مسرحية "لعبة النهاية" في عالم أقل ألفة من عالم "في انتظار جودو". إن اقتنعنا بشهادة كلوف ورؤيته من خلاف تلسكوبه فالخارج كله كئيب ومهجور وخال من الحياة. الشخصيات لديها ذكريات عن عالم مشابه لعالمنا، ولكن العالم الذي يعيشون فيه مستهلك وقديم. ذكرياتهم متماسكة أكثر من شخصيات "في انتظار جودو"، وبالتالي فوعيهم بكونهم منبوذين فيه قدر كبير من التمزق. العجز الجسدي هو موتيفة واضحة في المسرحية الأولى ولكن في هذا العالم الممتليء بالمبتورين والمشلولين والعميان، فإحساس العجز والوقوع في الشرك هو إحساس قامع إلى حد كبير. كل شيء في الخارج في شكل جثث. المكان المنعزل يشبه مشهدا ما بعد أبوكاليبسي، هذا الذي يجبر بعض المعلقين على التساؤل إن كان يمكن الشعور بقلق الحرب الباردة مع تهديد الفناء النووي في المسرحية. سبب كون العالم عند هذه النقطة من الانتهاء، وكون العالم الخارجي كله كئيبا ومسطحا وخاليا من الحياة ليس معروضا. ولا يتم شرح سلوك الشخصيات. لِم يطيع كلوف أوامر هام طالما يحتقره بهذا القدر؟ لم يوضع أبوا هام، ناج ونيل منزوعي الأرجل، بسلتي قمامة؟ ما هي طبيعة العلاقة المذكورة في يوميات هام بالمسرحية؟ هل هي متعلقة بوصول كلوف إلى المنزل كما يقترح الكثيرون؟ في إنتاج للمسرحية بستوديو ريفرسايد في هامرسميث عام 1980، الذي أخرجه بيكيت، سأله ريك كلوتشي، الذي كان يقوم بدور هام في ذلك الوقت، إن كان الصبي الصغير في المسرحية هو في الحقيقة كلوف الشاب. فكان رد بيكيت المميز: "لا أعرف إن كانت تلك قصة كلوف الصغير أم لا، لا أعرف ببساطة "[10].

المشاهدون الذين يبحثون عن معنى في المسرحية سيقابلون التوبيخ ما بعد المسرحي التالي: "هام: نحن لسنا في مستهل أن... أن... نعني شيئا؟ كلوف: نعني شيئا! أنت وأنا، نعني شيئا! (ضحكة قصيرة). آه هذه مزحة جيدة!". (27). كل شيء يصل إلى نهاية، وكل شيء يتهافت ويُستهلك، وهذا لا ينطبق فقط على المسكنات والدراجات ولكن أيضا على كل الملامح الممكنة للمعنى والوضوح. اتجاهات الخشبة المسرحية تخبرنا أن هناك صورة تواجه حائط الغرفة حيث يتم الفعل، وربما تكون هذه استعارة للمعلومات المتحفظة خلال المسرحية. على خلاف المسرحيات التقليدية أو المحبوكة جيدا، لا تعرض لنا هذه المسرحية "الصورة الكاملة" – ولا حتى في النهاية. بالأحرى علينا أن نتعامل مع التحفظ الغامض: "شيء يسير في مداره". ما هذا "الشيء"، بعيدا عن المسرحية المكتوبة بالفعل، والتي تتكشف أماما أعيننا كما هو واضح؟ كيف لهذه الجوانب من "لعبة النهاية" التي ربما نعتبرها "غريبة" و"عجيبة" أن تتوظف جماليا أو دراميا في الحقيقة؟ كيف يمكن أن نبدأ في "قراءتها" أو تفسيرها؟

"لعبة النهاية" تقاوم الشرح النقدي أو التفسير الفلسفي بشكل أكبر من "في انتظار جودو". هذه المقاومة تشكل جزءا من تأثيرها الجمالي والمسرحي. "في انتظار جودو" أيضا تحتوي على يقين كما رأينا، وهناك تأملات في الزمن والعادات والرغبات وأمثلة تلك الأشياء التي يمكن أن يصل الكاتب من خلالها إلى ناتج غير مستقر. في المقابل تطرح "لعبة النهاية" تحديا كبيرا. إنها أشبه بـ "مسرحية تكافح طوال الوقت لتتجنب التعريف"، وكأن بيكيت المنزعج من التفسيرات الفلسفية لـ "في انتظار جودو" صنع مسرحية جديدة ممتنعة عن التفسير بـ "المصطلحات الرمزية أو المجازية". ولكن إن تجاوزت "لعبة النهاية" التفسير العقلي الدقيق، فهذا لا يعني أنها لا تتواصل بطريقة قوية ومؤثرة. أثنى الفيلسوف والناقد الألماني تيودور آدورنو على المسرحية، ربما في أشهر مقال عنها، لأنها وضعت "الدراما في مواجهة الأنطولوجيا"، لمسرحة الموقف غير المفهوم وغير المترجم في لغة العقل والمفاهيم: "فهم (لعبة النهاية) يمكن فقط أن يكون فهما لسبب كونها غير مفهومة، تعيد بناء المعنى المتسق بقوة من خلال عدم اتساقها"[11]. المسرحية تظهر نقص المعنى بدلا من التأكيد على المعنى. هذا هو السبب الذي جعل أدورنو يعتبر المسرحية أقوى من الفلسفة الوجودية التي يُنسَب لها بيكيت أحيانا. في الفلسفة المجردة، ما نفهمه يحدث فقط على مستوى التعقيد والأفكار. تتمسك "لعبة النهاية" بمستويات أكثر عمقا وظلامية للتجربة والحدس.

هذا لا يعني ببساطة أن المسرحية يجب أن تُختَبَر، ولا يمكن أن تُفَسَّر أو تًحَلَّل. إنها تشير إلى أنه يجب الحفاظ على التطهر النقدي، والاهتمام  بالمعاني المختبئة التي تشرح المسرحية. بيكيت كما رأينا رفض أن يقدم تأويلا من أي نوع لـ "لعبة النهاية"، وبدلا من ذلك يصر على "البساطة المفرطة للموقف والوضع الدرامي" (D 109). ولكن في بعض الأوقات يمكن لـ "البساطة" أن تكون متهربة لكونها منطوقات معقدة وعليمة. كل منها تعيق توقعات الألفة. ورغم أخطار "الصداع وسط الأصوات العالية"، ربما يساعدنا  أن نوضح السمات المُحَدِّدة التي يمكن أن نصف بها "لعبة النهاية"، ومكان المسرحية وسط مساحات التجربة الإنسانية. من الواضح تماما أن المسرحية مثلها مثل "في انتظار جودو" تستمد الطاقة الدرامية من العلاقات الإنسانية الخاصة. ولكن شعور الرفقة الذي كان واضحا في المسرحية الأبكر، ذلك اللطف بين الشخصيتين الرئيسيتين، يصعب وجوده هنا. وإن كان موجودا، فهو موجود في العلاقة بين ناج ونيل. فعن طريق شهية ناج المفتوحة – "الرفيقان القديمان في البيت! لم يعد هناك تهذيب! سِفّ، سِفّ، هذا كل ما يفكران فيه" (15) – تصل علاقته بنيل إلى حميمية أكبر من كل الآخرين. يتحدثان بلطف مع بعضهما ويحتفظ ناج ببعض البسكويت ليتقاسمه مع نيل، على الرغم من أنها تشرد في أحلام يقظتها التي تدور حول الأوقات التي قضياها على بحيرة كومو. يمكن أن نعتبر ناج هو إستراجون العجوز، مهتم بـ "رَضْعَته" وحلواه مثلما يهتم إستراجون بجزرته وعظام الدجاج، بينما نيل الأكثر تشاؤما وعقلانية، وذاكرتها حاضرة أكثر من زوجها، أشبه بفلاديمير: "لم الهزل، يوما بعد يوم؟" (18). في مقابل ذلك فالعلاقة بين هام وكلوف يمكن أن تقارن بالعلاقة بين بوتسو ولاكي. يشترك هام في الكثير مع بوتسو: حديثه الطنان الذي يسعى لتلقي الاهتمام، قدرته على ممارسة القسوة، حساسيته واحتياجه للطمأنة، شاعريته المدعية. كلوف، صريح أكثر من لاكي في التعبير عن قرفه من دوره في العالم، وإن كان بشكل فظ أحيانا، ولكنه يبدو أيضا أن هناك نوعا من الرابطة بينه وبين هام. إنها علاقة سيد-عبد مبنية على الاحتياج المشترك، ولكنها أيضا شَرَك مشترك: يجيب كلوف على قول هام "لقد ظننت أنني طلبت منك أن تغادر"، قائلا: "أنا أحاول. (يتوجه إلى الباب، ويتوقف).منذ ولدت". (17-18). كلوف غاضب وممزق من هام (كلمة "كلوف" قريبة من كلمة clou، الكلمة الفرنسية التي تعني "مسمار"، و"هام" قريبة من “hammer"  مطرقة")، ولكن في الوقت نفسه هو قادر على خدمته. عندما يدعى كلوف أن الكلب يقف من أجل هام، فالأمر أشبه وكأنه أب يسعى لتهدئة هام الطفل.

رغم كل العداء بين هام وكلوف، ومع الاختلاف في دورهما وشخصيتيهما، فلديهما شيء واحد مشترك؛ الاثنان يعانيان. تعكس الجمل الأولى لهما تمزقهما: "كلوف: لا يمكن أن أعاقَب أكثر من ذلك"؛ "هام: هل يمكن أن يكون هناك بؤس – (يتثاءب) – أسمى من بؤسي؟". التثاؤب هنا، الذي يدل على الضجر والإنهاك، يناقض أغراض جلال كلمة "أسمى". إنها أول إشارة للخلط الحريص بين المتضخم والمتقلص، بين الطنان والتافه. بشكل مشابه يتحرك فعل المسرحية نحو نهاية ذروية منتظرة منذ وقت طويل بينما يتحرك هذا الفعل في الوقت نفسه بداخل الروتين البشع للحياة اليومية. التوقع في هذه المسرحية، والذي يواجه الضجر والفراغ في الفعل المسرحي، ليس متوجها نحو الوصول اليوتوبي المؤجل دوما للمخلص، ولكنه موجه بشكل أكثر سوداوية نحو الارتياح للوصول إلى نهاية أو ختام. مثلها مثل "في انتظار جودو" هناك مزج أو صراع بين "الزمن" كمصدر للتحلل والنضوب و"الزمن" كمصدر للتكرار والوقوع في الشراك. أي الزمن كمصدر للتغيير والفقد والزمن كشيء دائري، الروتين الذي تتحرك الشخصيات من خلاله، الذي يصنع أيضا إيماءة ما وراء مسرحية نحو تكرار العرض المسرحي ليلة بعد ليلة. التقلص والفقد هنا مختلطان بالركود والجمود. لأن مع كل وعود النهاية، وكل دلائل التحلل الجسدي، ينتهي هام بأن يضع منديلا على وجهه بنفس الطريقة التي بدأ بها المسرحية (الكلمة الأخيرة في المسرحية هي "يبقى") ويبدو كلوف غير قادر على ترك خشبة المسرح.

تمثيل التردد في الزمن يمضي إلى جانب الموقف المتردد للفقدان والانتهاء. نعرف أنه لم تعد هناك دراجات، لم تعد هناك مصابيح زيتية، لم يعد هناك "بسكويت" أو حلوى أو ملبن لناج، لا مسكنات أخرى لهام. هناك نوستالجيا أكبر في هذه المسرحية. نوستالجيا مكثفة أكثر من "في انتظار جودو". الشخصيات مهتمة بما فقدته بالفعل، فيتذكر ناج ونيل شبابهما المرح، ويفكر هام في "كل هؤلاء الذين ربما ساعدتهم". بالتالي فالحطام والتحلل يبدوا أنهما يضاعفان معاناتهم، هم يشتاقون للماضي عندما كان العالم يقدم الإمكانيات والتجارب. تقول نيل منتحبة "آه، الأمس!". بالطبع هذا المستوي من النوستالجيا الذي يغطي تلك الذكريات يحمل سمتا مغاليا وهزليا. هذا يشير إلى أن الذاكرة الإرادية مشوهة أصلا مثلما هي دوما عند بيكيت، وتعتمد على احتياجات الحاضر أكثر من تجارب الماضي الحقيقية. ومع ذلك فالاهتمام بالفقدان أو السقوط من نوع ما، سواء كان واقعيا أو متخيلا، يواجه بألم بالحاضر المحطم، هذا الذي يضفي على المسرحية سمة تراجيدية أكثر من في "انتظار جودو". ولكن نوع من التراجيديا المتأخرة والمرهقة، نندمج في الفعل فيها بعد أن يتم الفقدان وينقطع حس الشفقة فيها عن طريق الهزل، بل والأهم عن طريق قلب نسق-القيم الذي تتطلبه التراجيديا. إلى جانب النوستالجيا تجاه العالم الضائع هناك رضا يتحطم، ووضع الحياة المثير للأسف يمضي إلى النهاية. فقدان تلك الأشياء يسبب الألم، مثلما أن التحلل الجسدي الذي يتوقعه هام لكلوف – عندما سيفقد بصره ويصير واهنا مثل هام نفسه -  هو احتمال بشع. ولكن في الوقت نفسه، مثله مثل هام وكلوف يشتاق للنهاية، ويصير الاستنزاف والضمور مرحب بهما. إنهما يشيران إلى النهاية وهذا يحقق ارتياحا محببا. يندب كلوف: "هناك العديد من الأشياء البشعة". ويجيب هام بثقة: "لا، لا، لم يعد هناك الكثير منها الآن" (33). وكأن الألم والتعذيب لم يبق منهما الكثير، يظل دافع النهاية الممتدة مستمرا. هذا العالم سيء جدا لدرجة أن نهايته مرحب بها. بالتالي يكرر هام استخدام كلمة "جيد" في نهاية المسرحية عندما بدا أن كلوف غادر، (لم يكن قد غادر) ويظل هام وحيدا بائسا.

أحد الجوانب الذي يبدو منها أن الحديث عن "الانتهاء" ملائم بشكل مؤكد هو العناصر ما وراء المسرحية في النص، الإشارات التي تدل على حقيقة أنها مسرحية. في نقاط بعينها يصير ذلك واضحا تماما، مثل وصف كلوف الساخر للجمهور. يوجه تلسكوبه نحوهم ويقول: "أرى... حشد... في لحظة التأثر... بالبهجة (صمت) هذا ما أطلق عليه مكبر" (25). تلك العناصر ما وراء المسرحية أكثر هيستيرية من "في انتظار جودو"، خاصة بسبب أنها تجيء من هام المستعرض والأدائي. مثلهما مثل إستراجون وفلاديمير، يطرح هام وكلوف أحكامهما في حوارهما – "هذا عمل بطيء" أو "نحن نواصل" – ولكن هناك إحالات أكثر عمومية في اللغة المسرحية. على سبيل المثال عندما يهدد كلوف بالمغادرة ويسأل هام عن السبب الذي يجبره على البقاء، يجيب هام "الحوار" (39). الأكثر وضوحا هو توبيخ هام الغاضب لكلوف لأنه أجاب على "حواره الجانبي"، وبالتالي عدم احترامه للتقليد المسرحي المتعلق بالحوار الجانبي والمناجاة حيث تتظاهر شخصيات المسرحية الأخرى الواقفة على الخشبة أنها لا تسمعه: "حوار جانبي يا قرد! ألم تسمع حوارا جانبيا من قبل؟ (صمت) أنا أستعد لمناجاتي الأخيرة". (49)

على هذا المستوى، كل الحديث عن "الإنهاء" و"الختام" يشير أيضا إلى الأدوار التي يلعبونها. حقيقة أنهم يريدون الانتهاء بشدة تدعم الثيمة البيكيتة المألوفة إذ يصبح الخطاب والفعل المسرحي نوعا من التعذيب. من جهة هذا يجعل الشخصيات مشغولة، وبالتالي محمية مؤقتا (فكر في الطريقة التي يحب بها هام أن يروي بها قصته)؛ من جهة أخرى تتجلى الأشياء المثيرة للأسف – التظاهر، "الوقوع في الشرك" (بمعنى الاستمرار في الأدوار المعدة مسبقا) والتكرار الأساسي في التمثيل-المسرحي والذي يمتزج مع الضجر والقلق الوجودي بشكل عام: "لم هذا الهزل يوما بعد يوم؟" كما تشير نيل وكلوف. مجددا، مثلها مثل "في انتظار جودو" لا تشير العناصر ما وراء المسرحية البارعة في "لعبة النهاية" إلى المسرح فقط كمسرح، فهي تُظهِر في الوقت نفسه الجوانب الأدائية والمكررة والمسرحية في الحياة اليومية.

تقنية ما وراء مسرحية أخرى في "لعبة النهاية" هي السخرية من اللغة المسرحية المتكلفة. شذرات المناجاة المتشائمة التي ظهرت في مسرحية "في انتظار جودو" لم تتجاوز في "لعبة النهاية" السخرية اللاذعة من كفاح هام نحو التفاصح. لأن كل طموحاته تسعى إلى البؤس السامي، هام بطل تراجيدي منهك من الشاعرية، مثلما أن اسمه هو نسخة مبتورة من هاملت، أشهر بطل تراجيدي على الإطلاق. تتلاشى اللغة المسرحية بسرعة، مثل المسكنات وكل شيء آخر في المسرحية. كل ما يتبقى هو خطابته الفارغة وإلقاءاته غير المحبوكة. هناك الكثير من الكفاح الساعي إلى الحس الرزين، خاصة في محاولة هام لحكي تاريخه للجمهور غير المرحب بذلك، ولكن لا دلالة كبيرة خلف الكلام الطنان. 

"القليل من الشعر (صمت). لقد صليت – (صمت، يصحح نفسه) لقد بكيت طوال الليل؛ إنه يجيء – (صمت، يصحح لنفسه) إنه يسقط: يبكي الآن في الظلام. (يكرر، ينشد) لقد بكيت طويل الليل؛ إنه يسقط: والآن يبكي في الظلام. (صمت) هذا مصاغ جيدا. (صمت)". (52)

هام هنا هو "هام" الممثل، الذي يمد من دوره ويضفي على جمله المتعبة دلالة ثقيلة لا تستحقها. اللغة الطنانة تتقلص على الفور عن بسبب الجسداني والمقرف واليومي: "غضبي يتراجع، أريد أن أبول" (22). الفصاحة أو العظمة الأدبية، كالجمال الطبيعي، لم تعد متاحة في هذا العمل. محاولات هام المتكلفة لاستعادتها تشير ببساطة إلى غيابها. ولكن أدائه يؤكد أيضا على وقتية وهشاشة سيطرته على الآخرين، ومن ضمنهم الشخص الموجود في يومياته الذي جاء ليساعده. عادة عندما يعرض بيكيت علاقات السلطة المستغلة (بوتسو ولاكي مثال آخر) تنتزع طبيعية الشخصيات عن طريق تكثيف العنصر الأدائي فيها. الأدوار الاجتماعية والهيراركيات السياسية تنفك عندما تظهر لتكون موضوع "المسرحية" أو الأداء أكثر من سؤال الهوية المقررة سلفا والتي لا يمكن التهرب منها. ربما يكون بوتسو في مكان لاكي، كما يعرف هو، إن أراد الحظ هذا.

التسامي الذي يطمح له هام يجعل التقليد الأدبي يبدو مستهلكا ومجردا. ربما هذا هو سبب بعض الإحالات المتناصة في المسرحية، مع شكسبير بشكل خاص. "مملكتي مقابل حارس ليلي!" (22) هذا يحيل إلى الطلب الشهير في مسرحية شكسبير "ريتشارد الثالث": "مملكتي مقابل حصان" (V, iv, 7). توبيخ كلوف العنيف لهام: "أنا أستخدم الكلمات التي علمتها لي، إن لم تعد تعني شيئا، علمني كلمات أخرى، أو دعني أصمت". (32)، يردد صدى كلمات كاليبان لبروسبيرو في مسرحية شكسبير "العاصفة": "لقد علمتني اللغة وقد أفادتني في كوني عرفت كيف ألعن: فليصبك الطاعون الأحمر لأنك علمتني اللغة!" (I, ii, 365–7). قول هام "لقد انتهى احتفالنا الآن" (39) مقتبس بالضبط من بروسبيرو في المسرحية نفسها (IV,i, 148). مع معرفتنا بفشل هام في الوصول إلى الفصاحة وإلى الرفض العام لكل من الوضوح الموضوعي والعمق الفلسفي في المسرحية، فالإحالات إلى شكسبير تشير إلى الغياب. عندما تعرى الملك لير وواجه العاصفة في الأرض القفر، في لحظة تطرف أولية ومجردة تعتبر أحيانا شبيهة بأسلوب بيكيت، فهو على الأقل استطاع أن يهجو العناية الإلهية بشكل معبر وذو رؤية. لا توجد مثل هذه الميزة في "لعبة النهاية"، وبالتالي فالاقتباسات الشكسبيرية التي تطفو في هذا النص هي أشبه بحطام وبقايا التقليد الأدبي. إنها تشير إلى فقدان آخر.

بروسبيرو في "العاصفة" قادر على التحكم في الأحداث على جزيرته، إلى أن تضيع قواه السحرية مع نهاية المسرحية. في "لعبة النهاية" قوة الإرادة الإنسانية بعيدة عن أن تكون سحرية، مقيدة بشكل كبير، ويغزوها الحس العام بالوقوع في الشرك. هذا ربما يظهر بأوضح شكل في الإعاقات الجسدية للشخصيات الأربع، ولكنه متضمن بالقدر نفسه في الحس العام للحتمية الذي يسيطر على المسرحية. بكلمات أخرى، الشخصيات ليست مقيدة فقط بشيء دائري – ولا حتى كلوف المتحرك الذي يبدو قادرا على المغادرة – ولكن بشيء مؤقت وزائل. كما أشار بالفعل: "شيء يسير في مداره"، وهو التحفظ الرئيسي. هناك شعور آلي وميكانيكي في الحركات على المسرح، يتجلى في الاهتمام بالدقة والنمطية، على سبيل المثال هوس هام بإيجاده المركز الدقيق للغرفة. هذه واحدة من الطرق التي تعمل فيها الإحالة إلى لعبة الشطرنج. يبدو الفعل مجردا من الإرادة الإنسانية، الشخصيات هنا هي قطع شطرنج تحركها قوى خارج التحكم.

"كلوف: افعل هذا وافعل ذاك، وأفعله. لا أرفض أبدا، لم؟
هام: لست قادرا على ذلك.
كلوف: قريبا لن أفعل ذلك في ما بعد.
هام: لن تكون قادرا على ذلك في ما بعد".

الإرادة الإنسانية تتراجع وتقع تحت وطأة النمط الحتمي. وكون أفعال الشخصيات معدة مسبقا يشير بشكل واضح إلى الحقيقة المسرحية بأن ما يجري هو عرض مسرحي معتمد على نص مكتوب مسبقا. ولكنه ربما متخذ أيضا من مقاربة موضوعية وفلسفية للحتمية. اعترف بيكيت أنه يجد السرديات الحتمية عن الحياة مقنعة أكثر من غير الحتمية. إدراكه بأنه هناك بنى تتحكم في السلوك الإنساني، وتحد من حريته، تضعه في موضع مختلف عن الوجوديين. وافق متحمسا على اعتراضات كاتب سيرته الذاتية جيمس نولسون على التأكيد الوجودي للحرية الإنسانية غير المقيدة، قائلا أنه وجد: "الحدود الحقيقية على حرية الإنسان في الفعل (جيناته، نشأته، ظروفه الاجتماعية) مقنعة أكثر من الحرية النظرية التي يؤكد عليها سارتر"[12]. سواء كنا ناتج للطبيعة (الجينات، الحتمية البيولوجية) أو النشأة (الظرف الاجتماعي، التربية، الأيدولوجيا)، يميل بيكيت أكثر إلى فكرة أن الفعل الإنساني تسيطر عليه الأنساق والبنى الحدية أكثر من ميله لفكرة كوننا نتحكم بشكل كبير على سلوكنا. مثل هذه النظرة تتجلى في السمات الميكانيكية الحتمية الباردة في "لعبة النهاية".

ربما هذا يشرح أيضا الموقف تجاه "الطبيعة" في هذه المسرحية. الارتياح وسط الجمال الطبيعي قليل في "في انتظار جودو" عادة ما يستعاد فحسب في الذكريات المتعلقة بالحياة المبكرة. ولكن على الأقل ظهرت بعض أوراق الشجر في الفصل الثاني. يحب هام أن يحلم بالطبيعة؛ عادة ما يشتاق للبديل الرعوي على حساب الكآبة الصحرواية التي يعيش فيها. في بعض الأحيان تكون استعادته للجمال الطبيعي حيوية وجذابة. فكرته هي الفكرة الرومانسية عن الطبيعة كـ "أم"، الضامن للأصالة والراحة. إن كان بإمكانه النوم سيكون باستطاعته "أن أذهب إلى الغابة. عيناي ستريان... السماء، الأرض، سأجري، أجري، ولن يلحقوني. (صمت) الطبيعة!". (19). الغابة الوحيدة المتبقية الآن موجودة في أحلام هام. في حين أن صندوقي القمامة الخاصين بناج ونيل ممتلئان بنشارة الخشب، فعليهما من الآن أن يعتمدا على الرمال. ولكن هام يأمل أن تستمر الطبيعة في مكان آخر. يسأل كلوف: "هل فكرت أبدا في شيء ما؟ أننا هنا في عمق حفرة. (صمت) ولكن وراء التلال؟ اسمع؟ ربما ما زال هناك لون أخضر. أليس كذلك؟ (صمت) فلورا! بومونا! (بنشوة) سيريس! (صمت) ربما لن تكون بحاجة إلى أن تذهب بعيدا جدا". سخاء الطبيعة يبهج هام، ويمثل غيابها  جزءا من عذابه (وهو يشتاق إليها حتى النهاية).

ولكن إن لم تعد هناك منتجات للطبيعة، فعملياتها ما زالت مستمرة، وهي جزء من العالم الحتمي المتدهور التي تقع الشخصيات في شراكه:

"هام: الطبيعة نستنا.
كلوف: لم تعد هناك طبيعة.
هام: لم تعد هناك طبيعة! أنت تبالغ.
كلوف: في الجوار.
هام: ولكننا نتنفس، نتغير! نفقد شعرنا! أسناننا! نموّنا! مُثُلنا!
كلوف: إذن هي لم تنسنا.
هام: ولكنك تقول إنها لم تعد موجودة.
كلوف: (بحزن) لا يوجد  أحد يفكر مثلنا بهذه الطريقة الملتوية".

العزاء الرعوي انتهى، ولكن الهدم الأعمى للتغيير والتحلل الطبيعي لم ينتهيا. إنهما الأسوأ في كل من العالمين، الطبيعي و"ما بعد" الطبيعي. محاولات كلوف لإلقاء بذور النهاية على الفشل، ربما هي رمز لعدم جدوى التحكم الإنساني في العالم الطبيعي. الطبيعة عشوائية وعمياء، مصدر الكفاح المستمر مع غرض أو غاية غير واضحة، حتمية بدون غائية، مثلما ذكر داروين عن الانتقاء الطبيعي على أنه كفاح بلا هدف. هذا هو سبب أن إمكانية التطور الذي يتكرر مزعجة جدا. في البداية، يظهر برغوث أو قملة في بنطلون كلوف. يقول هام: "ولكن ربما تبدأ الإنسانية مجددا من هنا! اقض عليه، إكراما لله!" (27). يكافح من أجل قتله بمبيد حشري، ولكن يدرك أنه من الممكن أن يكون "متظاهرا بالموت". لاحقا، يظهر فأر في المطبخ، يتهرب من مجهودات كلوف لإبادته. وفي النهاية، بالقرب من الختام، يرى كلوف صبي بتلسكوبه، "ذُرِّية كامنة" (50). رأى كلوف التطور يتحرك من البرغوث إلى الفأر إلى الصبي، هذا تحديدا ما يخاف منه هام.

العالم الذي يفنى فيه أي أثر للحياة الجديدة، ومن ضمنها المتعلقة بطفل صغير، ليس عالما يعتنق الأخلاق المعروفة مسبقا. "في "لعبة النهاية" تتجاوز عمليات السلب القيم التقليدية. فعل الانتهاك الأعلى هو إعادة الإنتاج، يصرخ هام في أبيه: "السلف الملعون" (15). هذه بالتأكيد مسرحية عن "الفقد"، ولكن إن كان للفقد أي دلالة فهي تتعلق بشيء مقدر وذو قيمة. فقدان المتبقي، أو أي شيء ما زال متاحا، لن يؤدي إلى الوصول لدلالة، دعك من الوصول لسمو تراجيدي. في "لعبة النهاية" يظل الأبوين في سلال القمامة وموت الأم يكاد لا يذكر. وكأن "القيمة" نفسها، إلى جانب كل المواد الممكنة مثل المسكنات والملبن، تعاني من عملية الاستهلاك. هناك بالتأكيد مستويات من السخرية والكوميديا السوداء في وصف موقف هام تجاه أبويه (وفي الحقيقة هناك في رعب تصور التطور الذي يتجدد). ولكن هناك أيضا رفض صادم ومخرب بقوة لقيم الحياة والأسرة و"التطور".. إلخ. الدراما البرجوازية الداخلية التقليدية تقدس وتحتفي بالعلاقات الأسرية. حتى لو تلك العلاقات تحطمت أو انتهت بالبؤس، إنها عرف يضفي الفعل الدرامي عليه المعنى. عندما تضيع هذه القيمة نفسها إلى جانب كل شيء آخر، كما هو الحال في "لعبة النهاية"، فالمعنى النهائي للسلب والإبادة يأخذنا إلى مملكة خلف أو وراء التراجيديا. إن كان المصطلح التراجيدي التقليدي الذي تسعى إليه المسرحية ("بؤس أسمى من بؤسي") يفصح عن قيم الفقدان التراجيدي، فهذه المسرحية تنتقل إلى استنفاذ راديكالي أكبر يفصح عن ضياع القيم التراجيدية.




[10] S. E. Gontarski (ed. and notes), The Theatrical Notebooks of Samuel Beckett, vol. II: Endgame (London: Faber and Faber, 1992), p. 61.
[11] Theodor Adorno, ‘Towards an Understanding of Endgame’, trans. Samuel M. Weber, in Bell Gale Chevigny (ed.), Twentieth-Century Interpretations of ‘Endgame’ (Englewood CliVs, NJ: Prentice-Hall, 1969), p. 84.
[12] Knowlson and Haynes, Images of Beckett, p. 18.

2015-03-15

فوكو والأدب


فوكو والأدب

جاري جوتينج
ترجمة: أمير زكي

النص هو ترجمة الفصل الثاني من كتاب "فوكو مقدمة قصيرة جدا" لجاري جوتينج  “Foucault: a Very Short Introduction – Gary Gutting – Oxford University press 2005”

جاري جوتينج: فيلسوف أمريكي، وأستاذ الفلسفة بجامعة نوتردام.

***

"حلمت أن أكون بلانشو".

رأينا كيف أراد فوكو كتابة كتب من أجل التهرب من أي هوية ثابتة، أن يصير شخصا مختلفا باستمرار، وبالتالي لا يكون في الحقيقة شخصا بعينه. في النهاية، سيكون علينا أن نسأل لم سعى لمثل هذا؟، ولكن دعونا الآن نفهم المشروع بشكل أفضل.

سيقترح أحد القراء المتشككين أن مجهود فوكو للهرب من الهوية عن طريق الكتابة هو مشروع مستحيل، طالما أنه باتخاذه مهنة الكتابة بالتحديد وصل إلى هوية مميزة ومحددة تماما: متعلقة بكونه مؤلفا. ألم يكن ميشيل فوكو مؤلفا شهيرا ومهما وما زال كذلك في الحقيقة؟، أليست هذه هويته؟

إجابة فوكو على هذا الاعتراض ستكون عنوان واحد من مقالاته المعروفة: "ما المؤلف؟". هل كونك مؤلفا يعني أن تملك هوية (طبيعة محددة، أن تكون شخصا أو شخصية)، مثلما أن تكون بطلا أو كاذبا أو عاشقا على سبيل المثال؟ هل الكتابة تجعلني نوعا معينا من الشخصيات؟

دعونا نبدأ بالتعريف الشائع للمؤلف: هو الشخص الذي يكتب الكتب. أو لنكون أكثر دقة، لأن المؤلف يمكن أن يكتب فقط القصص أو المقالات التي لا يتم جمعها أبدا في كتاب، دعونا نقول إن المؤلف هو شخص يكتب نصا. ولكننا نكتشف على الفور أن هذا ليس دقيقا تماما أيضا. النص هو أي شيء مكتوب على إطلاقه، هذا يتضمن قوائم التسوق، والملاحظات التي تكتب في الفصول الدراسية، والرسائل الإلكترونية المكتوبة لشركة التليفونات التي تستفسر عن الفواتير. أن تكتب مثل هذه الأشياء، التي نكتبها جميعا، لا يجعل الإنسان مؤلفا. وكما يشير فوكو، فحتى عندما نسعى لجمع "كل شيء" لمؤلف عظيم كنيتشه على سبيل المثال، فنحن لا نُضَمِّن مثل هذه النصوص. أنواع معينة فقط من النصوص تعتبر "عملا" خاصا للمؤلف.

تعريفنا يحتوي على ضعف آخر، فمن الممكن أن يقوم شخص ما حرفيا بكتابة نص، حتى من "النوع المناسب"، ولا يكون هو مؤلفه. يتضح هذا المثال إن أُملىَ النص على سكرتير، ولكنه ينطبق أيضا، وإن كان بشكل أكثر تعقيدا، في حالات أخرى: على سبيل المثال عندما يكتب نجم سينمائي سيرته الذاتية "بمساعدة كذا"، أو "كما سردها على كذا"؛ أو عندما "يكتب" سياسي عمودا صحفيا أو يلقى خطبة أنتجها فريق من المساعدين؛ أو عندما يكون عالم ما هو "المؤلف الأول" على ورقة بحثية أنتجت في معمله، ولكنه في الحقيقة لم يكتب بنفسه كلمة واحدة فيها. في مثل تلك الحالات يصير واضحا أن كونك مؤلفا لا يتعلق فقط بأن تكون السبب أو المُنتِج الحرفي لنوع ما من النصوص، وفقا لافتراض تعريفنا البسيط، إنما هو متعلق بالأحرى بأن يتم اعتبارك "مسئولا" عن النص. كما يشير فوكو، فإن الثقافات المختلفة لديها معايير مختلفة في إضفاء هذه المسئولية. في العالم القديم على سبيل المثال كانت كل النصوص الطبية مقبولة على أن لديها مستوى محدد من السلطة وكانت معروفة على أنها أعمال لكاتب مرجعي كأبوقراط. من جهة أخرى، كانت هناك فترات يتم فيها تدوير النصوص الأدبية (كالأشعار والقصص) بدون مؤلف معروف ولا تعتبر نصوصا علينا أن نفرض عليها مؤلفا بعينه (قارن ذلك بالنكات في ثقافتنا).

من منطلق الاعتبارين السابقين هذا المتعلق بأنواع النصوص الذي يمكن أن يكون لها مؤلفين، وذاك المتعلق بنوع من المسئولية على النص التي تجعل من شخص ما مؤلفه يستنتج فوكو أنه علينا - لتوخي الدقة - ألا نتحدث عن "المؤلف" ولكن عن "وظيفة المؤلف". أن تكون مؤلفا لا يعني فحسب أن تكون لديك علاقة واقعية مع نص ما (على سبيل المثال، أن تكون علة إنتاجه)؛ إنما هو يتعلق بالأحرى بإكمال دور ثقافي واجتماعي معين بالعلاقة مع النص. التأليف هو بناء اجتماعي، ليس من النوع الطبيعي، ويتنوع باختلاف الثقافات والأزمان.

أكد فوكو بشكل أكبر على فكرة أن وظيفة المؤلف، كما تعمل في نص ما، لا تتطابق مع ذات مفردة (شخص) تكون هي مؤلفة النص. أي أن أي نص "له مؤلف"، هو مجموع من الذوات تكمل وظيفة المؤلف. بالتالي، في الرواية التي تعتمد على ضمير الأنا، تختلف الأنا التي تسرد عن الشخص الذي كتب الكلمات التي تعرضها الأنا في الحقيقة، ولكن كل منهما لديه الحق في الزعم بأن يكون "المؤلف". المثال الكلاسيكي لذلك هو عمل بروست "في البحث عن الزمن المفقود"، بتفاعله المعقد بين "مارسيل"، الصوت السارد، وبروست نفسه. يجد فوكو الجمعية نفسها في إحدى الأطروحات الرياضية، التي علينا أن نميز فيها بين الأنا الموجودة في المقدمة، التي تشكر زوجها على دعمه، والأنا التي تثبت النظرية في النص الرئيسي والتي تكتب "أنا أفترض" أو "أنا أستنتج". بالطبع هناك مؤلف واحد بالمعنى الواضح متعلق بالشخص الذي كتب كلمات النص. ولكن كمؤلف يتخذ هذا الشخص أدوارا متنوعة، ويعبر عن اختلاف الذوات: "وظيفة المؤلف تعمل لتؤثر على شتات هؤلاء... الذوات المتتاليين". (What Is an Author?EW I, 216)

نرى بالفعل أن دور المؤلف يمكنه أيضا أن يجذب شخصا مثل فوكو، لا يريد أن يكون ذو هوية واحدة أو ثابتة. ولكن هناك طرقا أعمق يمكن للكتابة بها أن تبعدني عن نفسي. لنرى ذلك علينا أن نعود إلى نموذجنا الشائع المبدئي عن المؤلف كشخص يكتب النص. رأينا حتى الآن تعقيدات متعلقة بهوية المؤلف. ولكن هناك أيضا صعوبات تواجه فكرتنا الشائعة عن كون المؤلف (بغض النظر عن كيفية فهمه) ينتج (يسبب) النصوص التي يكتبها. صاغ فوكو هذه المشكلة بشكل دقيق في كتاب "الكلمات والأشياء". يقول إن نيتشه أظهر لنا أهمية التساؤل الدائم عن "من الذي يتحدث؟" في النص (من الذي يدّعي من الموقف التاريخي، وبأي مصالح محددة السلطة لأن يتم الاستماع إليه؟). ولكن فوكو يستمر بأن مالارميه أجاب على هذا التساؤل، على الأقل فيما يتعلق بالأدب ويقول: إنها "الكلمة نفسها" (Order of Things, 305). هل هناك معان يعتمد بها النص على الكلمة، على اللغة نفسها، أكثر من المؤلف كما يشير مالارميه؟

بالطبع هناك معان موجودة. كل لغة تجسد بنية مفهومية ثرية تملي دوما كيف أتكلم، وحتى ما الذي أقوله. الإنجليزية الشكسبيرية تعتبر أداة ممتازة لمناقشة رياضة الصيد بالصقور Falconry ولكن ليس كرة القدم. حقيقة أن مسرحيات شكسبير تحتوي على معالجات تلقائية ومعقدة عن الصيد بالصقور راجعة إلى ما تحتويه الإنجليزية الإليزابيثية من جهة واهتمام شكسبير بالموضوع من جهة أخرى. إن عاد شكسبير إلى الحياة وحضر نهائي كأس العالم بين ألمانيا وإنجلترا، سيتعثر كثيرا في تقديم وصف دقيق للمبارة، رغم كونه أديبا بهذه العظمة. وصفنا لمبارة كرة قدم سيكون أفضل كثيرا من شكسبير، وليس سبب ذلك هو قدرتنا الأدبية وإنما بسبب اللغة المتاحة لنا.

ولكن يمكنكم أن تقولوا إن هذه مجرد مصادفة، بسبب حقيقة أن كرة القدم لم تكن موجودة أيام شكسبير، ويمكن تجاوز ذلك بإضافة مجموعة من الكلمات الإليزابيثية الثانوية تكون ملائمة لوصف مباريات كرة القدم. هذا صحيح، ولكن أولا، أي لغة يمكننا استخدامها في الحقيقة يجب أن تكون في نقطة ما وسط تطورها التاريخي وبالتالي سيكون لها حدود. ثانيا، ربما تكون هناك حدود أساسية في بنية أي لغة بعينها تجعلها غير قادرة على التعبير ببساطة في مجالات محددة. في الحقيقة، يبدو الأمر أشبه بأن تكون هناك أشياء في ألمانية جوته وريلكه لا يمكن أن تنتقل بشكل ملائم إلى الإنجليزية على سبيل المثال. كان هايدجر يعتقد على الرغم من أنه من الصعب فهم كيف عرف ذلك أن اليونانيين القدامى والألمان فقط هم القادرين على الخوض في الفلسفة.

بالتالي، عندما يكتب المؤلفون، فأكثر ما يقولونه ليس ناتجا عن رؤيتهم أو قدرتهم المميزة وإنما ناتج عن اللغة التي يستخدمونها. لأن معظم النص هو لغة يتم التحدث بها. لا يمكن للمؤلفين أن يتفاعلوا مع هذه الحقيقة بطرق مختلفة. إحدى الفكرتين وهي المعتادة (الرومانتيكية) ترى أن المؤلف يتحرك ضد بنى اللغة ليعبر عن رؤى فردية فريدة. هنا يكون الافتراض أن لدى المؤلف قدرة على الدخول إلى الرؤية الشخصية ما قبل اللغوية، الذي يعمل تعبيرها ضد ميل اللغة نحو مجرد التعبير التقليدي. الفكرة "الكلاسيكية" المواجِهة ترى المؤلف يقبل ويستخدم البنى المعتادة ليصوغ عملا آخر يجسد رؤية تقليدية. كل من الرؤيتين الرومانتيكية والكلاسيكية تعرض الكتابة كمسألة أفراد يعبرون عن أنفسهم، إنها تختلف فقط في أن ما يتم التعبير عنه هو الرؤية الشخصية للمؤلف، أو تطابق المؤلف مع التقليد. ولكن فوكو كان مهتما بشكل خاص بوضع آخر يرتبط فيه المؤلفون باللغة، ليست الفكرة في هذا الوضع متعلقة باستخدام اللغة للتعبير عن الذات، ولكن بفقدان الذات في اللغة.

هذا النوع من التأليف يوافق معنى محددا من الحداثة الأدبية، مرتبط بـ "موت المؤلف" على الرغم من أن هذا يعني في الحقيقة مجرد موت مفهوم المؤلف كشخص معبر ذاتيا كما يُظهِر نقاشنا. والذي يحل محل هذا المفهوم هو فكرة أن المؤلف أداة تدع اللغة تكشف نفسها. ولكن هذه الفكرة لا تبرز كثيرا في "ما المؤلف؟" بقدر ما تبرز في نقاشات فوكو اللاحقة. يقول في "الكلمات والأشياء" على سبيل المثال: "أفكارنا الفضولية الآن تدور حول هذا السؤال: ما اللغة، كيف يمكننا أن نجد طريقنا حولها، من أجل أن نظهرها في ذاتها، بكل وفرتها". (OT, 306)

الفكرة بارزة بشكل خاص في خطاب فوكو الافتتاحي لحصوله على كرسيه بالكوليج دي فرانس (الخطاب المعنون بـ "نظام الخطاب" lordre du discourse، والذي ترجم إلى الإنجليزية بشكل غريب إلى "خطاب في اللغة" the discourse on language). هنا نجد صدى شخصي قوي لهذه الفكرة عند فوكو، وهو مُطالَب بأن يلقي خطابا عاما. بدأ قائلا: "كنت أود بالفعل أن أنزلق بشكل غير مُدرِك إلى هذه المحاضرة... كنت أُفَضِّل أن أحاط بالكلمات... في لحظة الحديث، كنت أود أن أُدرَك وكأني صوت بلا اسم، يسبقني بوقت طويل، ويتركني بشكل مجرد لأضع نفسي في شراكه..." (Dl, 2150. ربط فوكو نفسه بالصوت الحداثي لشخصية مولوي عند صمويل بيكيت: "عليّ أن أستمر؛ أنا لا أستطيع الاستمرار، عليّ أن استمر؛ عليّ أن أقول الكلمات طالما ظلت كلمات، عليّ أن أقولها حتى تجدني، حتى تقولني..." (Samuel Beckett, The Unnameable, quoted in DL, 215). يناقش لاحقا في هذه المحاضرة أن فكرة المؤلف على أنه "مبدأ موحد في مجموعة من الكتابات أو التصريحات، يقبع في أصول دلالتها، كأنه مجلس تماسكها". (DL, 221)، ليس مصدر التعبير الخلاق، بقدر ما هو مبدأ للتحديد، يجبرنا على أن نقرأ نصا متطابقا مع المشروع التأليفي المفهوم. في النهاية يعود بشكل سلس من هذه الرحلات النظرية إلى الحدث الموجود فيه، قائلا إن الصوت الذي يطمح إليه والذي "يسبقني، ويدعمني، ويدعوني إلى الحديث ويسكن بداخل خطابي" هو في الحقيقة صوت جان هيبوليت، أستاذه القدير السابق وسلفه المباشر على كرسي الفلسفة بالكوليج دي فرانس (DL, 237). ولكن يظل واضحا أن لغة فوكو، تستطيع ويجب أن تأخذنا فيما وراء وضع التعبير الذاتي أو حتى المتداخل ذاتيا.

ولكن بأي معنى يمكن للغة أن تقدم لنا حقيقة خلف مجموع أنواتنا الذاتية؟ هناك بالطبع حقيقة أن اللغة تقدم إطارا لوجودنا اليومي، خلال بنى قريبة جدا منا لملاحظتها كما يمكن القول. فلسفة اللغة التقليدية الأنجلوفونية، التي تبعت فتجنشتاين في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، قدمت طريقا بدون عودة لكشف "اللا وعي" اللغوي. في كتاب "أركولوجيا المعرفة" طَوَّر فوكو في الستينيات من القرن العشرين طريقا آخر أكثر تاريخانية. ولكن نسيج فكره الذي نتبعه حاليا غير متعلق باللغة كبنية تحتية للحياة اليومية. إعجابه هنا متعلق بشكل أكبر بالكتابة التي تضع ضغطا كبيرا على اللغة، التي تدفعها نحو حدودها بالتناقض، ونتيجة هذا تظهر تجارب الانتهاك والخرق.
المثال الرئيسي لمثل هذه الكتابة هي كتابة جورج باتاي، الذي كتب فوكو عنه مقالا غامضا: "مقدمة للانتهاك". الجنسانية، الموضوع الرئيسي لأدب باتاي البورونجرافي العنيف، تمثل موضعا رئيسيا للانتهاك لأنه متضمن في كل تجاربنا الحدية (مصطلح فوكو لتجارب الانتهاك، تلك التي تأخذنا إلى حدود الوضوح والتهذيب أو فيما ورائهما). تدفع الوعي إلى حدود اللا وعي، ذلك الذي نعرف عنه منذ فرويد أنه تعبير عن الرغبات الجنسية. حد قوانين المجتمعات الإنسانية هو المحظور العالمي لزنا المحارم. وحدود اللغة التي التي توصِّف، بكلمات فوكو، "إلى أي حد يمكن أن يتقدم الخطاب نحو رمال الصمت" (مقدمة للانتهاك، EW II, 70)، هي محددة دوما بـ "الكلمات الممنوعة" للجنسانية.

الكتابة البورنوجرافية هي وسيط محافظ بشكل نموذجي، هي سلسلة من الكليشهيات، محملة بالارتباطات الإيروتيكية التي تستثير الرغبة، ولكنها لا تقدم أوضاعا جديدة للتجربة أو الفكر. ولكن بورنوجرافيا باتاي لا تستثير بقدر ما تصدم، وتحفز، وتبهر بداخل تطرف صورها، مزعجة لأنه يتم التعبير عنها بنثر كلاسيكي واضح. يتم تكثيفها أكثر بالتناقض المتضمن في العالم ما بعد النتيشوي الذي يسكنه باتاي. الله ميت في ذلك العالم، هذا الذي يعني أنه لا توجد حدود مُعَرَّفة بموضوعية للفكر أو الفعل يمكن أن ندفع أنفسنا في مواجهتها. "التدنيس في عالم لم يعد يدرك أي معنى إيجابي في المقدس أليس هذا ما يمكننا أن نقول عليه انتهاك بشكل أكثر أو أقل؟" حدودنا هي تلك الحدود التي نعرفها والتي نضعها بأنفسنا، بالتالي التجاوز (الانتهاك) فيما ورائها يمكن أن يعني فحسب التمرد ضد أنفسنا، خلال "انتهاك فارغ وموجه إلى الداخل تجاه نفسه، وأدواته لا تواجه شيئا سوى بعضها البعض" (EW II, 70). ولكن العبث التام لهذا الجهد يعلي التجربة الحدية خلال تحديها لقوانين المنطق نفسها.

 الفكرة من هذا التدريب على التطرف هو تحرير القوى بداخل اللغة التي ستدفعنا إلى حدود مفاهيمنا وخبراتنا العادية وتقدم لنا لمحة (ربما لمحة مُغَيِّرة)، عن الأوضاع الجديدة للفكر بشكل جذري. في كل هذا، يمكن لباتاي المؤلف أن يزعم بوجود مدخل للرؤية الفكرية التحتية أو الفوقية من عالم آخر (وهو في النهاية في الحياة الحقيقية أكثر الناس عادية: مدير المكتبيين في المكتبة الوطنية). ولكن هذه الكتابة مصممة لاستخلاص حقائق منتهكة جديدة من اللغة، يمكنها أن تأخذه هو وقرائه فيما وراء مملكة معرفتهم وقدرتهم على التعبير.

ولكن عنف باتاي البورنوجرافي ليس الطريقة الوحيدة لإفراد مساحة للغة نفسها لتتحدث. بينما أدب موريس بلانشو يفيض من فرط الذاتية، من الفانتازيا الإيروتيكية التي تدفع إلى الحدود غير العادية، فكتابته تومض بالغرابة التي تتجلى بسبب الانسحاب الكامل من كل الذاتية. بلانشو كما يقرأه فوكو هو أستاذ "التفكير من الخارج"، فكر (أو حتى خبرة) يجسد "انهيار الذاتية الفلسفية وشتاتها في لغة تقوم بتجريدها وهي تضاعفها بداخل الفضاء الذي خلقه غيابها" (A preface to Transgression, EW II, 79) تماما مثلما لدى باتاي. يقتفي فوكو أثر هذه التجربة بداية من ساد وهولدرلين خلال نيتشه ومالارميه وآرتو وباتاي وكلوسوفسكي، وصولا إلى الذروة عند بلانشو، الذي يقول عنه: "ربما يكون أكثر من مجرد شاهد على هذا الفكر". لأن بلانشو غائب تماما عن نصوصه لأنه "بالنسبة لنا هو الفكر نفسه حقيقته، بعيد تماما، يومض، حضور غير مرئي، قدره الضروري، قانونه الحتمي، هدوءه، لا نهايته، قوته المقاسة" (The Thought of the outside, EW II, 151). بينما أسلافه عبروا عن فكر الخارج بفصل اللغة، بطرق متعددة، من جذورها بوعي إلهي وإنساني. يمكن أن نقول إن خرق باتاي المنتشي يوازي زهدية بلانشو المنسحب. في تناقضات التجربة الحديثة، الاثنان متطابقان. لأن عند كليهما على الرغم من أن فوكو قد يفكر بشكل أكثر نقاء وحسم في بلانشو تحل الذات المركزية والمتحكمة محل اللغة نفسها. ليست اللغة كأداة أو تعبير عن الوعي، ولكن اللغة "في وجودها الغافل والمنتبه، بقوته المتخفية التي تمحو كل معنى محدد وتمحو حتى وجود المتكلم" (EW II, 168).

الانتهاك، التناقض، شتات الذاتية، كلها تمتزج في التجربة الحدية النهائية للجنون نفسه، لهؤلاء "الذين وصلوا إلى النهاية" كما نقول. سوف نناقش معالجة فوكو الثرية والمثيرة للتفكير لاحقا، ولكننا لن نشعر بالمفاجأة من كونه اهتم بأعمال المؤلفين المجانين مثل نيتشه وآرتو وريمون روسيل (كل الذين صنفوا عياديا كمجانين في نقطة أو أخرى). ولكن فوكو يؤكد على أنه حتى في تلك الحالات فإنجاز الكاتب لا يكون متطابقا تماما مع المجنون. يذكرنا بأن "الجنون هو بالضبط غياب العمل الفني" (MC, 287). الجنون التام يجعل الكتابة الدالة مستحيلة، ونحن على سبيل المثال لا نعتبر خطابات نيتشه المجنونة الأخيرة المرسلة من تورين (الموقعة باسم "المسيح" و"ديونسوس") جزءا من أعماله. اهتمام الكتاب "المجانين" المتميز والخاص راجع إلى موقفهم الحدي على حدود العالم العاقل. كتابتهم تعمل في المساحة الفاصلة بين التماسك وعدم التماسك، "اضطرابهم" العقلي يؤثر على الانتهاك والانسحاب اللذان وصلا لهما باتاي وبلانشو بوسائل مقصودة. رأينا في الفصل الأول كيف استخدم روسيل قيودا اعتباطية ليفتح الطريق لكتابة غير مدفوعة بأي رغبات للتعبير عن أفكار الكاتب، تلك التي أفسحت الطريق لحقل بنية لغوية غير مسترشدة ومنفتحة. المؤلفون الآخرون المتأثرون بروسيل، استخدموا أدوات مشابهة، خاصة أعضاء جماعة أوليبو (Ouvroir de literature potentielle) كريمون كوينيو، وجورج بيريك، وإيتالو كالفينو، وهاري ماتيوس. المثال الأكثر شهرة هو رواية بيريك "الاختفاء" La disparition” وهي رواية كتبت بالفرنسية بدون استخدام واحد لحرف الـ“e.

إعجاب فوكو بالأدب الطليعي هو جانب من ميله للبحث عن الحقيقة والإنجاز فيما وراء الوجود العادي، في التجارب المتطرفة (المحدودة). وكما قال في حوار (قبل عامين من موته):

"اللذات المتوسطة التي تصنع الحياة اليومية... لا تمثل شيئا بالنسبة لي... اللذة يجب أن تكون مكثفة بشكل كبير... بعض المخدرات مهمة فعلا بالنسبة لي لأنها وسائط إلى هذه المباهج كبيرة الكثافة التي أسعى إليها".

(Michel Foucault: An Interview by Stephen Riggins, EW I, 129)

ولكن بينما ظل إغواء الكثافة مهما لفوكو كفرد محدد، يبدو بعد الستينيات من القرن العشرين (عندما كتب جل مقالاته الأدبية تقريبا)، أقل اقتناعا بالتجارب الحدية التي تستثيرها وهي مفاتيح المجتمع المتغير. وبدلا من ذلك، انتقل إلى مفاهيم سياسية أكثر متعلقة بما يتم احتياجه للتأثير في التحرير الإنساني. في الفصل الثاني سنتبع هذا النقاش في فكر فوكو.


2015-03-14

حكايات عن الناس والسلطة - إلياس كانيتي - (2-2) سلطان دلهي: محمد تُغْلُق

الجزء الثاني من فصل "حكام وبارانويين" من كتاب "الجماهير والسلطة" لإلياس كانيتي.
ترجمة: أمير زكي
نشرت بعدد فبراير من مجلة "عالم الكتاب".

***



نشكر الحظ السعيد الذي مكننا من الحصول على صورة واضحة ومكتملة عن هذا السلطان، على خلاف معظم الحكام الشرقيين. قضى ابن بطوطة- المسافر العربي الشهير الذي زار العالم الإسلامي كله في عصره، من المغرب إلى الصين- سبعة أعوام في بلاطه وفي خدمته، وترك وصفا حيا للبلاط وللسلطان نفسه وطريقته في الحكم. استمتع بمنِّ السلطان لوقت طويل ثم- عندما سقط في العار- تعلم ما يعني أن تعيش في خوف مميت منه. كما يحدث عادة، نجح في تملقه لبعض الوقت، ثم كان عليه أن ينقذ نفسه من غضب السلطان بالعيش في الحياة كزاهد.

"وقد شُهِرَتْ في الناس حكاياتُه في الكرم والشجاعة، وحكاياته في الفتك والبطش..". في هذا البلاط تعلم ابن بطوطة أن يدرك وجهين للسلطة؛ عرف- وقليلون هم من عرفوا- سخاءها، وإجرامها. الدقة النفسية لسرده لا يقترب منها الشك، لأن هناك سردا آخر مستقلا عنه يمكن أن يقارن به. ليس بعد وقت طويل من وفاة محمد، كتب ضياء الدين برني تاريخ عصره بالفارسية، وهو موظف كبير عاش في بلاط السلطان لأكثر من 17 عاما. وسرده هذا يعتبر من أفضل الأعمال في عصره، ويتضمن- إلى جانب أشياء أخرى- سرديات من ثلاثة حوارات دارت بين المؤلف والسلطان، فيها كشف الأخير عن أفكاره عن الحكومة وعن رعاياه. السرد التالي مبنيٌّ على تلك المصادر ويمكن استخدامه بشكل كامل وحرفي.

كان محمد تُغْلُق أكثر أمراء عصره ثقافة، ظلت رسائله مثيرة للإعجاب لجمالها حتى بعد وفاته بوقت طويل، وإلى جانب أسلوبه، كان خط يده أجمل من خط أساتذة هذا الفن بفارق كبير. كانت لديه مخيلة رائعة وكان بارعا في استخدام الاستعارات. كان يعرف الشعر الفارسي جيدا، وبسبب ذاكرته غير العادية، كان يحفظ العديد من القصائد عن ظهر قلب، وكان يقتبسها كثيرا وبدقة. كان يملك أيضا معرفة كبيرة ببقية الأدب الفارسي. الرياضيات والفيزياء والمنطق والفلسفة اليونانية كانت تعجبه بالقدر نفسه. "عقائد الفلاسفة التي تتحدث عن اللامبالاة وقسوة القلب كان لها تأثير قوي عليه". ولكنه أيضا كان يملك فضولا طبيا، وكان يُمرِّض المتعبين بنفسه إن كانت لديهم أعراض غير عادية تثير اهتمامه. حتى أثناء النقاش في الموضوع غير المتخصص فيه، لا يجرؤ طالب ولا كاتب ولا شاعر ولا طبيب أن يقف أمام السلطان. كان تقيا، ملتزما تماما بمبادئ دينه وممتنعا عن الخمر. حاشيته كانت تجد أنه من الأفضل أن تحترم أوقات صلاته. ومن كانوا لا يحترمونها كانوا يعاقبون بقسوة، كان يهتم كثيرا بفكر العدالة؛ ولم يكن يهتم فقط بالشعائر، ولكن أيضا بالمبادئ الأخلاقية للإسلام التي كان يأخذها بجدية، وكان يتوقع من الآخرين أن يأخذوها بالجدية نفسها. في الحرب كان يميز نفسه بشجاعته ومبادرته؛ المعارك التي خاضها وهو تحت قيادة أبيه وأسلاف أبيه كانت مشهورة عالميا. من المهم أن نشير إلى تعقيد طبيعته، ونقارن الصفات التي جعلته بشعا وغير مفهوم لمعاصريه بالصفات الرائعة التي أعجبوا بها فيه والتي احتفظ بها حتى النهاية.

بلاط السلطان

ما الذي يبدو عليه بلاط هذا الأمير العادل والكامل؟ لتعبر مدخل القصر عليك أن تمر بثلاثة أبواب. خارج الباب الأول هناك عدد من الحراس إلى جانب نافخي الأبواق وعازفي الناي. عندما يصل الأمير أو أي شخص آخر مهم ينفخون في الآلات ويقولون: "جاء فلان، جاء فلان". خارج الباب هناك أيضا منصات يجلس عليها السيافون: عندما يأمر السلطان أن يُعْدَم رجل، يُنَفَّذ الحكم هنا ويُترَك الجسد ملقى لثلاثة أيام وثلاث ليالٍ. بالتالي فأي شخص يقترب من القصر يمر أولا على الجثث؛ أكوام وتلال الجثث دوما ترقد هنا؛ الكناسون والجلادون الذين عليهم سحب المدانين وإعدامهم مرهقون من العمل الكثير الذي لا ينتهي. بين الباب الثاني والثالث هناك بهو كبير للعامة. خارج الباب الثالث هناك منابر لـ "كتبة الباب" يجلسون فيه. لا أحد من حقه المرور من هذا الباب بدون إذن خاص من السلطان. عندما يأتي أي شخص؛ يكتب الكُتَّاب "جاء فلان في الساعة الفلانية من الساعات"، هذا التقرير يسلم إلى السلطان بعد صلاة العشاء. أي شخص يتغيب من نفسه عن القصر سواء بعذر أو بدون عذر، لثلاثة أيام أو أكثر، لا يُسمَح له بالدخول مجددا بدون أن يقدم إذنا من السلطان. إن كان مريضا أو لديه أي عذر آخر يقدم للسلطان هدية مناسبة لمرتبته. خلف الباب الثالث هناك قاعة كبيرة للجماهير تسمى "ألف سارية"؛ السواري تدعم سَقْفا خشبيا، مزخرفا ومرسوما بشكل رائع.

الجماهير كانت عادة ما تحتشد في وقت الظهيرة، ولكن في أحيان أخرى في الصباح الباكر. يجلس السلطان عاقدا قدميه على عرشه على منصة فوقها سجادة بيضاء. ومن خلفه توجد وسادة كبيرة ومسندان للذراعين. يقف الوزير أمامه، وخلف الوزير الموظفون، ثم الحُجَّاب وهكذا، وفقا للأقدمية. "وعند جلوس السلطان ينادي الحجاب والنقباء بأعلى أصواتهم: بسم الله... ويقف مائة من السلحدارية عن يمين السلطان ومثلهم عن يساره، بأيديهم الدرق والسيوف والقسي. ويقف في الميمنة والميسرة الموظفون الآخرون بحيث يراهم السلطان. ثم يؤتى بستين فرسا مسرجة ملجمة بجهازات سلطانية... فيوقف النصف من هذه الخيل عن اليمين والنصف عن الشمال، بحيث يراها السلطان، ثم يؤتى بخمسين فيلا مزينة بثياب الحرير والذهب، مكسوة أنيابها بالحديد إعدادا لقتل أهل الجرائم، وعلى عنق كل فيل فيَّالُه وبيده شبه الطبرزين من الحديد يؤدبه به، ويقومه لما يراد منه، وعلى ظهر كل فيل شبه الصندوق العظيم يسع عشرين من المقاتلة، وأكثر من ذلك ودونه على حسب ضخامة الفيل وعظم جرمه، وفي أركان هذا الصندوق أربعة أعلام مركوزة. وتلك الفيلة معلمة أن تخدم السلطان وتحط رؤوسها. فإذا خدمت قال الحجاب: بسم الله بأصوات عالية. ويوقف أيضا نصفها عن اليمين ونصفها عن الشمال خلف الرجال الواقفين. وكل من يأتي من الناس المعينين للوقوف في الميمنة أو الميسرة يخدم عند موقف الحجاب ويقول: بسم الله. ويكون ارتفاع أصواتهم بقدر ارتفاع صوت الذي يخدم. فإذا خدم انصرف إلى موقفه من الميمنة أو الميسرة لا يتعداه، ومن كان من كفار الهنود يخدم، ويقول له الحجاب والنقباء: هداك الله".

ومن عند ابن بطوطة أيضا لدينا وصف تصويري لدخول السلطان إلى عاصمته.

"وإذا قدم السلطان من أسفاره، زُيِّنت الفيلة، ورُفعت على ستة عشر فيلا منها ستة عشر شطرا، منها مزركش ومنها مرصع، وحُملت أمامه الغاشية، وهي الستارة المرصعة بالجوهر النفيس، وتُصنع قباب الخشب مقسومة على طبقات وتُكسى بثياب الحرير. ويكون في كل طبقة الجواري المغنيات، عليهن أجمل لباس وأحسن حلية، ومنهن رواقص. ويحصل في وسط كل قبة حوض كبير، مصنوع من الجلود، مملوء بماء الجلاب محلولا بالماء، يشرب منه جميع الناس من وارد وصادر وبلدي أو غريب، وكل من يشرب منه يعطى التنبول والفوفل، ويكون ما بين القباب مفروشا بثياب الحرير، يطأ عليها مركب السلطان. وتزين حيطان الشارع الذي يمر به من باب المدينة إلى باب القصر بثياب الحرير. ويمشي أمامه المشاة من عبيده وهم آلاف. وتكون الأفواج والعساكر خلفه. ورأيته في بعض قدماته على الحضرة، وقد نُصبت ثلاث أو أربع من الرعادات الصغار على الفيلة، ترمي بالدنانير والدراهم على الناس، فيلتقطونها من حين دخوله إلى المدينة حتى وصل إلى قصره".

كان محمد سخيا بشكل خاص تجاه الأجانب، مخابراته كانت تقدم له معلومات مباشرة عن أي شخص يصل إلى المدن المواجهة لإمبراطوريته. جهاز بريده كان مثاليا؛ المسافة التي كان المسافرون يستغرقون خمسين يوما لتغطيتها، كان رسله يغطونها في خمسة أيام؛ كل ثلث من الميل كان يسيطر عليه رسول آخر، ليست رسائله فقط التي كانت تُحمَل بهذه الطريقة، فواكه خاصة من خراسان كانت تحضر طازجة على مائدته، ومجرمو الدولة كان يتم القبض عليهم، وهم الذين يوضعون على نقالة يحملها الرسل وعليها رؤوسهم وتصل إليه سريعا كما تصل الرسائل والفواكه. التقارير عن الأجانب الذين يعبرون الحدود كانت تأتي في كل دقيقة، كانوا يصفون مظهر الأجنبي وملابسه بحرص شديد، ويذكرون عدد الناس الذين يرافقونه، وعبيده وخدمه وغنمه، وسلوكه سواء كان يعمل أو يستريح، لم يكونوا يتجاهلون شيئا. كان السلطان يدرس هذه التقارير بحرص، كل أجنبي كان عليه أن ينتظر في عاصمة مقاطعة الحدود، حتى يأتي أمر من السلطان يتعلق برحلته ومدى الكرم الذي سيضفيه عليه. كل منهم يتم الحكم عليه بشكل تام من سلوكه، لأن لا شيء سيعلمونه عن عائلته أو نسبه في الهند البعيدة. كان محمد مهتما بشكل خاص بالأجانب وكان يهبهم المواطنة والكرامات العليا للدولة: معظم حاشيته وموظفي القصر والوزراء والقضاة كانوا أجانب. بقرار خاص أصبحوا هم جميعا "مكرمين"؛ كان يدفع لهم كما كبيرا مقابل خدمتهم، وكان يقدم لهم هدايا عظيمة. وكانوا ينشرون الحديث عن عطائه في أنحاء العالم.

ولكنه كان مشهورا أيضا بوحشيته: "وكان يعاقب على الصغيرة والكبيرة، ولا يحترم أحدا من أهل العلم والصلاح والشرف، وفي كل يوم يرد على المشور من المسلسلين والمغلولين والمقيدين مئون، فمن كان للقتل قُتل أو للعذاب عُذب، أو للضرب ضُرب. وعادته أن يؤتى كل يوم بجميع من في سجنه من الناس إلى المشور، ما عدا يوم الجمعة، فإنهم لا يخرجون فيه، وهو يوم راحتهم، يتنظفون فيه ويستريحون".

تدمير دلهي

واحدة من أخطر الاتهامات ضد السلطان أنه أجبر سكان دلهي على ترك المدينة. في اعتقاده كان لديه سبب جيد لمعاقبتهم. كانت لديهم عادة كتابة رسائل إليه يهينونه ويسبونه فيها. كانت تُختم ويُكتب عليها "إلى سيد العالم. ما يقرؤها غيره". ويلقونها في قاعة الجمهور ليلا. عندما ينزع السلطان الختم لا يجد سوى الإهانات والشتائم. في النهاية قرر أن يحول دلهي إلى حطام. دفع للسكان القيمة الكاملة لمنازلهم وبيوتهم وأمرهم أن ينتقلوا إلى دولت آباد، تلك المدينة التي أراد أن تكون عاصمته. "فأبوا ذلك، فنادى مناديه أن لا يبقى فيها أحد بعد ثلاث، فانتقل معظمهم، واختفى بعضهم في الدور، فأمر بالبحث عمن بقي بها، فوجد عبيده بأزقتها رجلين: أحدهما مقعد والآخر أعمى، فأتوا بهما فأمر بالمقعد فرمي به في المنجنيق، وأمر أن يجر الأعمى من دهلي إلى دولة آباد، مسيرة أربعين يوما فتمزق في الطريق، ووصل منه رجله، ولما فعل ذلك خرج أهلها جميعا، وتركوا أثقالهم وأمتعتهم وبقيت المدينة خاوية على عروشها، فحدثني من أثق به قال: صعد السلطان ليلة إلى سطح قصره، فنظر إلى دلهي وليس بها نار ولا دخان ولا سراج فقال: الآن طاب قلبي وتهدن خاطري، ثم كتب إلى أهل البلاد أن ينتقلوا إلى دهلي ليعمروها فخربت بلادهم ولم تعمر دهلي لاتساعها وضخامتها، وهي من أعظم مدن الدنيا، وكذلك وجدناها لما دخلنا إليها خالية، ليس بها إلا قليل عمارة".

غضَبُ السلطان على رعاياه لم يكن ناتجا عن كونه قد حكمهم من فترة طويلة. (الحكم بإخلاء دلهي تقرر في السنة الثانية من حكمه). من البداية كان هناك توتر بينه وبينهم وتنامى مع مرور الزمن. يمكن للمرء الآن فحسب أن يخمن دلالة الرسائل التي كانت تلقى في ردهة قصره، ولكن هناك أرضية للاعتقاد أنها كانت تشير إلى الطريقة التي وصل بها إلى العرش. أبو محمد، تغلق شاه، فقد حياته في حادث بعدما حكم لأربعة أعوام فحسب، ولأن القليلين جدا هم من عرفوا حقيقة ما حدث، فكان التشكك حتميا. في طريق عودته من حملة حربية، أمر السلطان الكبير ابنه أن يعد قبة لاستقباله. كانت القبة معدة في ثلاثة أيام ومصنوعة من الخشب كالعادة، ولكنها مبنية بطريقة أنَّ دفعة صغيرة في مكان محدد يمكنها أن تسقطها تماما. عندما دخل السلطان وابنه الصغير والمحبب إلى القبة طلب محمد الإذن من أجل عرض للفيلة. قَبل السلطان الكبير الأمر، والفيلة المعروضة كانت معدة بطريقة ما لتدفع القبة في النقطة الضعيفة. سقطت القبة ودفنت بداخلها السلطان وابنه المفضل. أخّر محمد عملية الإنقاذ حتى صار بلا جدوى. عندما وُجِد الضحايا في النهاية كانا ميتين، أو بالأحرى، وفقا لمزاعم أخرى، كان السلطان محنِيا على ابنه، وكان لا يزال يتنفس وتم قتله مرة ثانية. هبط محمد على العرش بدون مقاومة، ولكن لم يكن في مقدرته أن يخرس الألسنة، كان معروفا من البداية بأنه قاتل أبيه.

غزو العالم

استعادت سلطنة دلهي حجمها الأقصى تحت إمرة محمد تغلق. لأكثر من 200 عاما مرت- تحت حكم أكبر- معظم الهند أصبحت موحدة تحت حكم واحد. ولكن محمد لم يكن سعيدا على الإطلاق بحوالي 24 مقاطعة تحت حكمه. كان يريد أن يجعل العالم المأهول كله تحت حكمه، وقام بمخططات طموحة لتحقيق هذا المشروع. لا يوجد أحد من أصدقائه أو مستشاريه كان مسموحا له بأن يعرف سر تلك المخططات؛ احتفظ بها لنفسه، كما تصورها بنفسه. أي فكرة فكر بها كانت ترضيه. لم يشك في نفسه أو في هدفه؛ بالنسبة له بدت الوسائل التي استخدمها ليحصل على الأهداف التي يرغبها واضحة ذاتيا.

خططه الأكثر طموحا المتعلقة بالغزو كانت موجهة للهجوم على خراسان والعراق إلى جانب غزو الصين. بالنسبة للغزو الأول جمع جيشا من 370.000 فارسا وتم رشوة نبلاء المدن المهددة بأموال طائلة. ولكن الهجوم لم ينجح أبدا، أو أنه انهار في مراحله المبدئية، وتشتت الجيش. والأموال الطائلة التي يجب أن تكون ضخمة حتى بالنسبة لمحمد، راحت بلا جدوى. الخطة الثانية، وهي غزو الصين، نفذت عن طريق عبور جبال الهيمالايا، 100.000 فارس أرسلوا لأعلى الجبال، وذلك لقهر الجبال وسكانها الوحشيين وتأمين الطريق نحو الصين. تلاشى الجيش باستثناء عشرة رجال. والعشرة الذين عادوا إلى دلهي أعدمهم السلطان وسط إحباطه.

غزو العالم استدعى جيوشا ضخمة، وهذا بدوره استدعى أموالا أكثر. صحيح أن مداخيل محمد كانت ضخمة. الجزية القادمة من الملوك الهنود كانت تفيض من كل الجهات ومن أبيه الذي ورثه، وسط أشياء أخرى، كان هناك احتياطي من سبائك الذهب. ولكن بخلاف كل هذا، كان في حاجة سريعة إلى المال وبالتالي بحث عن طريقة لدعم هذا النقص بضربة واحدة. سمع شيئا عن المال الورقي المستخدم في الصين ونقل الفكرة ليصنع شيئا مشابها مع النحاس. صك كما كبيرا من العملات النحاسية، وبشكل اعتباطي جعل قيمتها تساوي قيمة العملات الفضية، وأمر باستخدامها بدلا من الذهب والفضة. سريعا تم البيع والشراء عن طريق النحاس. نتيجة هذا القرار أصبح كل بيت هندي مصنعا خاصا لسك العملات؛ في كل مقاطعة كانت تصنع العملات النحاسية بالملايين وتدفع بها الجزية وتُشترَى بها الجياد وكل الأشياء الطيبة. الأمراء، وعُمَد القرى، وأصحاب الأراضي أصبحوا أثرياء وصارت الدولة فقيرة. سريعا سقطت قيمة العملة الجديدة، بينما صارت العملات القديمة نادرة جدا، زادت قيمتها ثلاث أو أربع مرات عن قيمتها السابقة. في النهاية لم تعد للعملات النحاسية قيمة أكبر من قيمة الحصى. احتفظ الناس ببضائعهم وركدت التجارة. عندما أدرك السلطان نتيجة قراره أبطله بغضب شديد وأمر بأن تسلم كل العملات النحاسية إلى الخزانة ليتم استبدالها بالعملات القديمة. بالتالي ومن كل الأنحاء التي ألقيت فيها العملات النحاسية بازدراء، جمع الناس الآلاف منها ووجهوه للخزانة ليأخذوا بدلا منها ذهبا وفضة. تراكمت جبال من النحاس في تغلق آباد؛ خسرت الخزينة كما كبيرا من المال، وأصبح نقص الأموال حرجا. وعندما استطاع السلطان أن يعرف ما أفقده النحاس للخزانة، غضب على رعاياه أكثر.

طريقة أخرى لجلب النقود هي فرض الضرائب. تحت حكم أسلافه كانت هناك بالفعل ضرائب عالية، والآن ارتفعت وصارت تُجمع بقسوة شديدة. تحول الفلاحون إلى شحاذين. أي هندي كان يملك أرضا تركها وهرب إلى الغابة لينضم للمتمردين، كانت هناك جماعات كبيرة وصغيرة منهم في كل مكان. ظلت الأرض بدون حرث، تناقص كم الحنطة. صارت هناك مجاعة في المقاطعات الرئيسية، وذلك بعد جفاف طويل انتشر في أنحاء الإمبراطورية. بقيت المجاعة لعدة سنوات، تمزقت الأسر، جاعت مدن كاملة، وفني الآلاف من الناس.

من الممكن أن هذه المجاعة هي ما جلبت التغيير الحقيقي للإمبراطورية. الثورات أصبحت متعددة، واندلعت في مقاطعة بعد الأخرى في دلهي. كان محمد في ساحة المعركة باستمرار، يسحق الثوار. تنامت قسوته. دمر مناطق كاملة؛ أحيطت الغابات، وأي شخص كان يتم أسره هناك- رجلا أو امرأة أو طفلا- كان يُذبَح. انتشر الرعب بشكل عظيم حتى إن ظهور محمد كان يجعل الناس يحنون أجسادهم إن لم يكونوا قد هربوا بالفعل. ولكن لم يكن يحل السلام أو يعم الخراب إلا وتندلع ثورة مجددا في مكان آخر من البلد. حكام المقاطعات الذين انفصلوا عنه نزع جلدهم، والجلد كان يُحشى بالقش، وكانت الدمى المحشوة تُحمَل في أنحاء البلد لتشيع الرعب.

لم يشعر محمد بالندم من قسوته؛ كان مقتنعا تماما أن كل المعايير مقبولة، الحوار الذي أجراه في هذا الموضوع مع المؤرخ ضياء برني موح ويستحق الاقتباس:

قال السلطان لبرني: "كما ترى، كم عدد الثورات التي تندلع. ولست سعيدا بها، على الرغم من أن الناس ستقول إنها جميعا اندلعت بسبب قسوتي الشديدة. ولكني لن أتخلى عن الحكم بالموت بسبب الكلام، أو بسبب الثوار. لقد قرأت العديد من التواريخ. هل وجدت ملوكا مارسوا حكم الإعدام تحت ظروف محددة؟".

استعان برني في إجابته بالسلطة الإسلامية السامية التي اعتبرت عقوبة الإعدام مسموحة في سبع حالات. بخلاف ذلك ستؤدي العقوبة إلى الاضطراب والمشكلات والتمرد، وستصيب البلد بالسوء، والسبع حالات هي:

الردة عن الدين السليم؛ القتل العمد؛ زنا رجل متزوج بزوجة رجل آخر؛ التآمر على الملك، قيادة ثورة، الانضمام لأعداء الملك ونقل المعلومات لهم؛ العصيان الذي يؤدي لإيذاء الدولة، ولكن ليس أي عصيان آخر. النبي نفسه أدان ثلاثا من تلك الجرائم، وهي الردة، وقتل مسلم، والزنا مع امرأة متزوجة. وعقاب الجرائم الأربع الأخرى هي مسألة سياسة وحكم رشيد. يكمل برني، ولكن الإسلام يؤكد أيضا على حقيقة أن الملوك يعينون الوزراء، ويقدمونهم بتكريم كبير ويضعون إدارة مملكتهم في أيديهم من أجل تنظيم القواعد وجعل البلد في نظام سليم، وهكذا يرفع الملك يديه عن ضرورة تلطيخ يديه بالدماء.

أجاب السلطان عن ذلك قائلا: "العقوبات الموصوفة آنذاك كانت مناسبة للعصور المبكرة للعالم، ولكن الآن هناك أناس أكثر شرا وعنفا، أعاقبهم عند التشكك أو بافتراض مخططاتهم المتمردة أو المتآمرة، وأعاقب أتفه أفعال التمرد بالموت. هذا ما سأفعله حتى الموت، أو حتى يتصرف الناس بأمانة ويتخلوا عن التمرد والثورة. ليس لديّ مثل هذا الوزير الذي يحكم لتجنب سفك الدماء. أعاقب الناس لأنهم جميعا يصيرون أعدائي ومنافسيّ في الوقت نفسه. لقد وزعت ثروتي بينهم، ولكنهم لم يصيروا ودودين ولا مخلصين. طبعهم معروف لي، وأجدهم ناقمين ومعادين لي".

في حوار لاحق يندم السلطان أنه لم يُقتَل في هذا الوقت عن طريق من صنعوا كل هذه المشكلات والثورات. في مناسبة أخرى، عندما فقد واحدة من مدنه المهمة- المدينة التي أجبر سكان دلهي على الانتقال إليها- أرسل إلى برني وسأله عن الحلول التي استعان بها الملوك السابقون في مثل تلك الحالات: مملكته انتهت، ولا يوجد علاج لذلك. أجاب برني: "بعض الملوك، عندما أدركوا أنهم لم يستعيدوا ثقة شعبهم، وأصبحوا عرضة للكراهية العامة، كانوا يتخلون عن العرش ويسلمون الحكم لأكثر أبنائهم ثقة. والبعض الآخر، يذهبون في رحلات للصيد، وينغمسون في اللذات والخمر، تاركين كل أعمال الدولة للوزراء والموظفين. إن رضي الناس عن ذلك ولم يستسلم الملك للانتقام، يمكن لاضطرابات الدولة أن تتوقف. بين كل المشكلات السياسية فالمشكلة الأعظم والأكثر إزعاجا هي الشعور العام بالكراهية والحاجة للثقة بين كل مراتب الناس". ولكن حتى نصيحة برني الشجاعة وغير المكشوفة لم تؤثر في السلطان. قال السلطان إنه لو كان يستطيع أن يسوي شئون مملكته كما رغب، سيودع الحكم لثلاثة رجال وسيذهب للحج بمكة. "ولكن في الوقت الحاضر أنا غاضب من رعاياي وهم بخسوا حقي. الناس يعرفون مشاعري وأنا واع ببؤسهم وضيقهم، ولكن لا علاج أقوم به له فائدة. علاجي للمتمردين والثوار والمنافسين والناقمين هو السيف. أنا أعاقب وأستخدم السيف، هكذا يتم العلاج عن طريق المعاناة. وكلما قاوم الناس، عاقبت أكثر".

البحث عن بابا المسلمين

ولكن كثرة التمرد والغضب العام في أنحاء الإمبراطورية كان له تأثير واحد عليه. لقد أصبح مضطربا؛ ليس تجاه أكوام الجثث أمام قصره من كل المقاطعات والمدن التي زارها، ولكن تجاه شرعية حكمه. كان رجلا تقيا وأخلاقيا- كما هو واضح بعد كل ما تم ذكره- وكان يريد أن يتقدس منصبه بأعلى سلطة روحية في الإسلام. في القرون السابقة، كان الخلفاء العباسيون- الذين كان مقرهم في بغداد- يُعتبرون أعلى سلطة. ولكن إمبراطوريتهم لم تعد موجودة: عام 1258 غزا المغول بغداد، وقُتل آخر خليفة. بالنسبة لمحمد تغلق؛ الذي حصل على العرش عام 1325، واستيقظت شكوكه عام 1340، مع سقوط مقاطعة وراء مقاطعة حتى رأى إمبراطوريته تسقط أمامه، لم يعد من السهل أن يجد التنصيب المناسب. تفحص الأمر بحرص شديد. كل المرتحلين من البلاد الغربية للإسلام الذين زاروا بلاطه تم استجوابهم بجد حتى وصل لاستنتاج نهائي بأن خليفة مصر هو "البابا" الخاص به. تفاوض معه، ذهب الرسل وعادوا ورسائله إلى الخليفة حملت مجاملات فاضحة جدا حتى إن برني- الذي لا بد أنه استُخدم كثيرا في تلك المهام- لم يكن يستطيع تكرارها. عندما وصل سفير عن الخليفة، ذهب محمد- مع كل النبلاء والمتعلمين- ليقابله، وسار حافي القدمين أمامه وظل على مسافة منه. حذف اسمه من العملات ووضع اسم الخليفة عليها، واعتبره الحاكم الأعلى للإسلام. وأمر بالدعاء للخليفة في خطبة الجمعة، ولكن هذا لم يعد كافيا لإرضاء محمد: قام بحذف أسماء جميع أسلافه الذين لم يتلقوا المباركة من الخليفة في الصلاة، واعتبرت سلطتهم غير شرعية بأثر رجعي. كتب اسم الخليفة على أعلى المباني ولم يسمح لأي اسم أن يكتب بجانبه. وبعد مراسلات استمرت لعدة أعوام وصلت وثيقة رسمية من مصر لتعلن تسمية محمد وليّ الخليفة في الهند. الوثيقة أسعدت محمد جدا حتى إنه أمر شعراء البلاط أن يحولوها إلى أبيات شعرية.

إنه أنقى حالة من الحكام المصابين بالبارانويا. الحياة التي عاشها غريبة وغير مألوفة بالنسبة للأوروبي؛ كل شيء عنه مذهل حتى إنه من السهل أن تراه ككل؛ الاتساق غير العادي لعقله واضح.

يسيطر على عقله أربعة أنواع من الحشود: جيشه، ثروته، جثثه، وبلاطه (ومعها عاصمته)، يلعب معهم بدون توقف، ولكنه ينجح فقط في إنماء حشد الجثث على حساب بقية الحشود. ينمي جيوشا عظيمة، ولكنه بفعل ذلك ينقص من ثروته. ينفي سكان مدينته كلها من عاصمته، وفي النهاية يجد نفسه وحيدا في مدينة كبيرة، يذوي غضبه وهو ينظر إلى المدينة الفارغة من سطح قصره. يبتلع إلى النهاية بهجة الشخص الناجي.

بغض النظر عما يفعله، كان هناك حشد واحد قرر أن يحافظ عليه. لا يوجد ظرف قرر فيه التوقف عن القتل. كل السجناء كانوا يقفون أمامه يوميا: كمرشحين للإعدام. كانوا ممتلكاته الأكثر قيمة. أثناء 26 عاما من حكمه، كانت الجثث تتراكم من كل مقاطعة في إمبراطوريته، والمجاعة والطاعون كانا يساعدانه. تناقص الدخل الناتج عن هذا أغاظه، ولكن عدد ضحاياه تزايد. لا شيء استطاع أن يهز ثقته بنفسه.

من أجل الحفاظ على قوة أوامره- التي لم تكن سوى أحكام بالموت- إلى ذروتها الأعلى، سعى لأن يتأكد حكمه عن طريق قوة عليا؛ الله، الذي آمن به كمسلم ورع، ولكن هذا لم يكن كافيا له. كان يريد التأكيد من الممثل الشرعي لله.

محمد تغلق تم الدفاع عنه عن طريق المؤرخين الهنديين المحدثين. السلطة لم يعوزها أبدا المداحين، والمؤرخين المهووسين مهنيا بها. هم يمكنهم تبرير ذلك، سواء عن طريق سرد الأزمان (واضعين قناع الأكاديمية على المداهنة) أو أن الدراسة الأكاديمية تتحول بين أيديهم إلى أي شكل وكل شكل.


علينا أن نتوقع الشيء نفسه يحدث في حالة الحكام القريبين منا أكثر من محمد تغلق. ربما يكون تغلق مفيدا لنا كمعيار مانع، لنعري العملية الداخلية للسلطة، على الرغم أن ما حدث كان بداخل رجل لم يكن يملك سوى أوهامه، وهذا كان من حسن حظ العالم.