2015-11-04

هارولد بلوم عن أوسكار وايلد

مقدمة كتاب "أوسكار وايلد" من سلسلة "منظورات بلوم النقدية الكلاسيكية"، 2008
ترجمة: أمير زكي
نوفمبر 2015

***



أوسكار الإلهي، كما يسرني أن أدعوه، هو تلميذ مباشر لوالتر باتر السامي، الذي نتج عن خوفه من تأثير جون راسكين عليه عدم ذكر راسكين في أي من كتاباته. نحن نتذكر وايلد بسبب كوميدياته المسرحية، "أهمية أن تكون جادا" بشكل خاص، وغالبا ما ننسى أنه كان ناقدا أدبيا قويا أيضا. أكثر مغامراته النقدية تفضيلا لديّ هو حواره المبهج "انحلال الكذب". هنا يقول فيفيان، ممثل وايلد، بتبصر عظيم:

"لا يوجد فنان عظيم يرى الأشياء على ما هي عليه. وإذا فعل ذلك، سيتوقف عن كونه فنانا. خذ مثالا من عصرنا، أعرف أنك مولع بالأشياء اليابانية. الآن، هل تتخيل حقا أن الشعب الياباني، كما يمثله لنا الفن، له أي وجود؟ إذا تخيلتهم كذلك فأنت لم تفهم الفن الياباني على الإطلاق. الشعب الياباني هو صنيعة مقصودة وواعية من قبل فنانين بعينهم. إذا وضعت صورة لهوكوساي، أو هوكي، أو أي رسام ياباني عظيم، إلى جانب رجل أو سيدة يابانيين، سترى أنه لا يوجد أدنى تشابه بينهما. الناس الحقيقيون الذين يعيشون في اليابان ليسوا على خلاف معظم الشعب الإنجليزي؛ يمكن القول إنهم عاديون جدا، ولا يوجد فيهم شيء مثير للفضول أو غير عادي. في الحقيقة إن اليابان كلها ابتكار محض. لا توجد مثل هذه البلاد ولا يوجد مثل هذا الشعب. ذهب أحد الرسامين الرائعين مؤخرا إلى أرض الأقحوان ولديه أمل أحمق في أن يرى اليابانيين. كل ما رأه، وكل ما استطاع رسمه، هو القليل من المصابيح وبعض المراوح".

عظمة الفقرة تتركز في الجملة بالغة الطرافة: "في الحقيقة إن اليابان كلها ابتكار محض. لا توجد مثل هذه البلاد. ولا يوجد مثل هذا الشعب". حكمة وايلد تقود إلى إعادة تعريف بارز للنقد الرفيع:

"هذا ما هو عليه النقد الرفيع أيضا، تسجيل روح المرء. إنه أكثر سحرا من التاريخ، لأنه متعلق ببساطة بالذات. وأكثر بهجة من الفلسفة، لأنه موضوعه هو الحقيقي وليس المجرد، الواقعي وليس الغامض. إنه الشكل المتمدن الوحيد من السيرة الذاتية لأنه لا يتعامل مع الأحداث ولكن مع الأفكار في حياة المرء؛ وليس حوادث الحياة المادية المتعلقة بالموت والظروف، ولكن الأمزجة الروحية والمشاعر المتخيلة للعقل".

أن تطلق على النقد "الشكل المتمدن الوحيد من السيرة الذاتية" يعني تغيير الأفكار المتعارف عليها - بشكل جميل - لكل من النقد والسيرة الذاتية. عندما أريد سيرة صمويل جونسون الذاتية أعود مسرورا إلى بوزويل. عندما أريد جونسون وهو يتحدث عن جونسون، أعود مسرورا إلى كتابه "حياة الشعراء"، عمله النقدي الأساسي. لسخرية جونسون الماكرة، أعود مسرورا إلى الليدي أوجوستا براكنيل في مسرحية وايلد "أهمية أن تكون جادا". أدب الهراء – لويس كارول، إدوارد لير، جلبرت وسوليفان – هو النوع الذي تنتسب إليه مسرحية "أهمية أن تكون جادا" نفسها؛ هي قريبة بشكل خاص من مسرحيتي "بيشانس" و"آيولانثي"[i].

أحب اقتباس ما أدعوه "قانون وايلد"، الذي عبر عنه ألجيرنون بروعة في النسخة الأصلية المكونة من أربعة فصول من "أهمية أن تكون جادا":

"خبرتي في الحياة تقول إنه عندما يتفوه المرء بكذبة، يتم التدليل عليها من كل الجوانب. وعندما يقول المرء الحقيقة، يبقى وحيدا جدا في موقف مؤلم، ولا أحد يصدق كلمة مما يقول".

هذا يردد بقوة صدى إعلان فيفيان في "انحلال الكذب":

"إنهم لا يتجاوزون مستوى سوء التمثيل، وفي الحقيقة يتنازلون من أجل الإثبات والنقاش والجدل. كم يختلف هذا عن طبع الكاذب الحقيقي، بتصريحاته الواضحة الخالية من الخوف، وتخليه العظيم عن المسئولية، وترفعه الطبيعي والصحي عن أي دليل من أي نوع! في النهاية، ما هي الكذبة الجيدة؟ إنها التي تحتوي ببساطة على دليلها الخاص. إذا كان هناك إنسان يعوزه الخيال بما يكفي لإنتاج دليل يدعم الكذبة، ربما يستطيع أيضا أن يتحدث عن الحقيقة على الفور".

فَهِم أوسكار بعمق أن الحقيقة هي الموت، بالتالي فالخيال يمكن أن يحيا فقط بخلق سرديات عن النفس.نبعت مأساته الشخصية من كونه ولد في زمن غير مناسب له. في زمننا، لن تجعله الإيروتيكية المثلية شهيدا. بقت حكمته مثلما بقت بديهته. لسنوات عديدة قمت، بلا جدوى، بحثّ الجامعات على أن تنقش على أبوابها تحذيره العظيم: "كل الأشعار السيئة صادقة".



[i]  مسرحيتان لجلبرت وسوليفان Gilbert and Sullivan عرضتا في عاميّ 1881 و1882

2015-09-10

عمر الشريف.. المواطن عالمي

ملف نُشِر بمجلة عالم الكتاب، يوليو/أغسطس 2015

إعداد: أمير زكي

***

جسّد عمر الشريف في أفلامه شخصيات من جنسيات عديدة، وبدا هذا الممثل العابر للهويات متهربا من الهوية الثابتة أيضا في حياته الشخصية. كان نجما في السينما المصرية، وشارك في علامتين بارزتين في السينما العالمية "لورانس العرب" و"دكتور جيفاجو"، قبل أن يشارك في بعض الأفلام متوسطة أو متدنية القيمة. هو ليس ممثلا فقط، إنه واحد من أهم لاعبي البريدج في العالم، وله عدة كتب في اللعبة. هو مسلم، وكان مسيحيا في الأصل والشائعات تقول إنه يهودي. لا يبدو من السهل شرح من هو عمر الشريف، أو ما هي المفاهيم التي عبّر عنها بأفلامه وشخصيته، أو تلك المفاهيم التي تم تحميلها إليه.



ملحمتا ديفيد لين

ترجمة من كتاب "ما وراء الملحمة، حياة وأفلام ديفيد لين"
جين د. فيليبس



لورانس العرب

عانى منتج فيلم "لورانس العرب" سام سبيجل من صعوبة كبيرة ليجد ممثلا يقوم بدور "الشريف علي". الأرستقراطي العربي الشهم المستلهم بشكل أساسي من شخصية الشريف علي ابن الحسين، القائد الشجاع للثورة العربية وصديق لورانس المقرب وموضع ثقته. في البداية رشح سبيجل الممثل الفرنسي موريس رونيه، لكن لين اشتكى من أن رونيه لديه لكنة فرنسية ثقيلة ولا يتقن الإنجليزية. بالإضافة إلى ذلك شعر لين أن رونيه ليس 
لديه إحساس بالدور: "عندما جعلته يرتدي الزي العربي بدا وكأنه يرتدي ملابس نسائية".

قرر لين أن يستبدل رونيه، أخذ لين يبحث في كاتالوج للممثلين المصريين ووجد واحدا ذُكِر أنه يتحدث الإنجليزية - وهو عمر الشريف. طلب من سبيجل أن يأتي بالشريف إلى موقع التصوير بالصحراء ليؤدي اختبار كاميرا. قال الشريف: "لقد كنت نجما في مصر؛ لم أكن مهتما كثير بالمشاركة في فيلم هوليودي؛ ولكني ذهبت في الأصل لمقابلة ديفيد لين". استقل طائرة خاصة توجهت مباشرة إلى موقع التصوير بالأردن. هبطت الطائرة في الصحراء أمام شخص وحيد يقف على رمل الصحراء، وكان هذا الشخص هو ديفيد لين. يكمل الشريف:
"في أول لقاء معه، لاحظت أن عينيه ثاقبتان كالصقر". 


قام الشريف باختبار كاميرا مع أوتول، وأرسل لين النتيجة إلى سبيجل في 15 مايو عام 1961، وأشار إلى أنه يعتقد أن بإمكان الشريف "أن يقوم بدور علي" ولكنه لا يملك "خبرة كبيرة بالصحراء" كالقائد العربي. شجّع سبيجل لين على أن يعطي الدور لشريف. أُعطي لرونيه إذن الإعفاء من الدور. وذهب الشريف إلى لندن في مؤتمر مع سبيجل. لم يكن لديه وكيل أو محام، بالتالي جعله سبيجل الماكر يوقع على عقد لمدة سبع سنوات، مقابل المبلغ الزهيد 15.000 دولارا عن دوره في "لورانس العرب". كان هذا نوعا من العقد العبودي الذي رفض الممثل آلبرت فيني – الذي كان سيقوم بدور لورانس – أن يوقع عليه. ابتهج لين عندما سمع هذه الأخبار.

عندما عاد إلى الأردن سأل الشريف لين عن طبيعة صداقة الشريف علي بلورانس. أجابه لين أنه على الرغم من أن علي ولورانس كانا صديقين حميمين، فلا يوجد ما يدل على أنهما خاضا علاقة مثلية جنسية، كما أشار بعض المعلقين على حياة لورانس. قال لين إن لورانس في كتاب "الأعمدة السبعة" قارن صداقتهما بـ "صداقة داود ويوناثان في العهد القديم". في الحقيقة، شجع لين أوتول والشريف على أن يصيرا صديقين مقربين أثناء التصوير لأن لورانس وعلي كانا "صديقين عظيمين". آليك جينيس – الذي قام بدور الأمير فيصل – أحب شريف أيضا بشكل شخصي، ووجده شخصا ودودا جدا. ولكنه كان مهتما بشكل خاص بالحديث معه. يتذكر جينيس: "كنت أستمع بحرص إلى لكنة عمر، واستخدمتها لأداء دور فيصل، الذي كان عربيا يتحدث الإنجليزية مثل عمر".

دكتور جيفاجو

لم يكن عمر الشريف هو الاختيار الأول للقيام بدور "يوري". كان لين يفكر في الأصل أن يقوم بيتر أوتول بالدور، وأرسل إليه مكتب المنتج كارلو بونتي في روما نسخة من السيناريو. كان رد أوتول صريحا، أنه بعدما تحمل مشاق تصوير "لورانس العرب" لحوالي عامين في الصحراء، فهو غير مستعد ليمثل في فيلم آخر مع ديفيد لين في المستقبل القريب. وبدلا من ذلك قبل الدور الرئيسي لمعالجة ريتشارد بروك السينمائية لرواية جوزيف كونراد "اللورد جيم" (1956). كان لين يشعر بالإهانة بسهولة، وشعر أن أوتول لا يُقَدّر الدور الهام الذي أعطاه له في "لورانس العرب". وبعد رفض أوتول، تمتم لين قائلا: "اللعنة عليه. سأستعين بعمر الشريف، فمن السهل العمل معه".

أخبر لين الشريف أنه يريده أن يعمل معه في "دكتور جيفاجو"، شريف الذي قرأ الرواية عندما عرف بخطة لين لتحويلها إلى فيلم، لم ير نفسه – وهو المصري – يقوم بدور البطولة في الملحمة الروسية. فكر في أنه قد يصلح في دور أصغر مثل دور "باشا". وبعدما أرسل هذا الاقتراح للين، رد المخرج بقوله إنه سيجعله يقوم بدور يوري.

قال الشريف: "لديّ عينان مستديرتان". بالتالي قرر لين أن يضفي ميلا سلافيا على عينيه. وفي كل يوم أثناء التصوير، وفقا لساندرا لين، فنانة المكياج "كان يتم شد عينيه لتأخذا شكل اللوزتين. تم شد جلده وربطه بصدغيه. لم يكن ديفيد يعتقد أن هذا سيؤذي عمر". ولكن كان هذا يستحق العناء: "كان يمكن للمرء أن يعتقد أنه روسي حقا".

وكان لعمر الشريف مشكلاته الخاصة أثناء التصوير. على سبيل المثال عندما كان يتم عرض المشاهد المصورة في اليوم السابق كان يلاحظ أن طاقم العمل يحتفي بأداء الممثلين الآخرين، ولكن لا أحد يثني على أدائه. شعر تدريجيا بالإحباط وفي صباح أحد الأيام طلب مقابلة لين. أخبر لين أنه منزعج لأن لا أحد ينتبه إلى أدائه. وشرح لين للشريف أن يوري جيفاجو شخصية مُراقِبة: "أنت موجود تقريبا في كل المشاهد، وكل شيء يُرَى من خلال عينيك. ثق بي، لن يلاحظك أحد في مشهد بعينه، ولكن عندما تنزل الستار، سيتذكرك الجميع أكثر من أي ممثل آخر".

***

نجم عابر للهويات القومية 

ترجمة من كتاب "لورانس العرب: أنثروبولوجيا الفيلم"
ستيفن تشارلز كاتون




منذ أيام السينما الصامتة، كانت جاذبية النجم العالمية مكوّنا رئيسيا لنجاحه أو نجاحها. وصل شارلي شابلن للشهرة العالمية بصعوده بداخل نظام ستوديوهات هوليود، في الوقت الذي كانت فيه هوليود مسيطرة على الصناعة في أنحاء العالم، وحصل على الشهرة العالمية كنتيجة لهذا الامتزاج. ولكن هناك طرق أخرى للنجومية العالمية، طرق تعتمد على تحولات المهنة. على سبيل المثال هناك بيتر لوري، الممثل المحنك القادم من ألمانيا ومن تقليد السينما التعبيرية المعروفة عالميا والناجحة في العشرينيات والثلاثينيات، الذي ذهب إلى هوليود، وصار يقوم بأدوار الشخصيات الشريرة في الأفلام التي سيطلق عليها أفلام "النوار" الكلاسيكية؛ لقد انتقل من تقليد سينمائي مختلف ثقافيا ولغويا وفنيا إلى تقليد آخر. في "لورانس العرب"، كان مثال بيتر أوتول أشبه بمثال شابلن – وإن كان أقل تألقا – بيما كان مثال عمر الشريف، بتحول مساره السينمائي، أشبه بمثال بيتر لوري.

لم يكن عمر الشريف الممثل غير الغربي الوحيد في الفيلم. كان هناك أيضا مواطنه جميل راتب (الذي قام بدور ماجد)، وي. س. جوهر، نجم السينما الهندية، الذي قام بدور (جاسم) الهام، وقبلهم جميعا ممثل السينما والمسرح الباكستاني ضيا محيي الدين الذي قام بدور (طَفَس). الأخير أخرج مسرحية "عزيز" على مسرح لندن في معالجة لرواية فورستر "رحلة إلى الهند" (1960-61) قبل أن ينضم إلى هذا الفيلم. بين كل رفاق الشريف، فمحيي الدين هو أكثر من شارك في أفلام بهوليود – إذ قام على سبيل المثال بدور صغير مذهل في فيلم "خرطوم" (1966)، الذي قام فيه شارلتون هستون بدور الجنرال جوردون "الصيني". وعلى الرغم من أن رفاق الشريف فعلوا مثله وتنقلوا في مختلف التقاليد المسرحية والسينمائية العالمية، واقتربوا من النجومية العالمية، إلا أن أحدا منهم لم يصل لنجومية عمر الشريف.

كان أمرا معقدا وخطيرا قليلا أن تضع ممثل مثل عمر الشريف، غير المعروف في هذا الوقت بعيدا عن صناعة السينما المصرية، في واحد من أكثر الأدوار المساعدة تطلبا في تاريخ هوليود. بعض قصص الإنتاج تحدثت عن حقيقة أنه تم اختيار عربي يقوم بدور "عربي"، ليضفي أمانة ثقافية على عرق ندر تمثيله في السينما الهوليودية التقليدية (على الرغم أن البحث عن الأصالة في هذا الوقت كان له قيمته في السينما). ولكن في الحقيقة كان لين مصرا على نمط الممثلين القادمين من أعراق مختلفة أكثر من المنتج.

إلا أن اختيار عمر الشريف كممثل لـ "العربي" لم يكن خاليا من المفارقات. زعم الشريف في مذكراته أنه ولد باسم ميشيل شلهوب، من أسرة كاثوليكية. وكانت تروج شائعات وسط صناع السينما المصريين أنه اختلق هذه القصة في عصر عبد الناصر العصيب ليخفي حقيقة نسبه لأسرة يهودية ثرية وكوزموبوليتانية من الإسكندرية. ولكن ربما تكون هذه الشائعات مختلقة بدورها وروّجها أشخاص غيورين من نجاحه. بغض النظر عن مدى حقيقة الشائعة، فقصة تغيير اسمه موحية، حتى لو لم يسردها بأسلوبه المرح، يقول الشريف:

"لقد ضايقني اسم ميشيل. حاولت أن ابتكر اسما له وقع شرق أوسطي وفي الوقت نفسه يسهل نطقه في جميع اللغات. عمر! مقطعين لهما صدى طيب، وهو اسم يُذَكِّر الأمريكيين بالجنرال عمر برادلي. بعد ذلك، فكرت في مزج (عمر) باسم (الشِريف) Sherif ولكني أدركت أن الكلمة ستستدعي كلمة Sheriff (شرطي)، هذا الذي يحيل إلى حد ما لممثلي الكاوبوي. لذلك اتجهت إلى تنويعة أخرى وصرت عمر الشَريف Omar Sharif".

كان يبني نفسه بحرص كنجم عابر للهوية الوطنية؛ أي ليس في الأساس ممثلا مرتبطا بثقافة بعينها ثم مثّل في أنحاء العالم (كمثال موريس شوفالييه  الذي لم يكن أكثر من ممثل "فرنسي") وإنما شخص علاقته ملتبسة بالوطنية والأصل. بدا أنه تجاوز تلك الهويات منذ البداية. هذه السمة تعتبر مكونا رئيسيا لصعود النجم ونجاحه اللاحق. بالتأكيد التحليل الاجتماعي اللغوي لصناعة النجم سيأتي لاحقا، خاصة في حالة نجوم السينما العابرين للوطنية بأسمائهم ولهجاتهم. يقول الشريف، مع بعض الغرور: "أتحدث الفرنسية واليونانية والإيطالية والأسبانية إلى جانب العربية... بلهجة مكنتني أن أقوم بدور الأجنبي بدون أن يعرف أحد من أين أنا بالضبط، كان هذا مفيدا بشكل كبير في مهنتي". باختصار، اعتمدت جاذبيته على كونه كوزموبوليتاني.

بناء هويته العابرة للوطن تبدت في مذكراته "الذكر الخالد". في الوقت الذي كان فيه شابا، صار - وفقا لتعبيره - "شرق أوسطي أوروبي" كنتيجة لالتحاقه بمدرسة فكتوريا كوليج الثانوية الراقية بالإسكندرية (التي درس فيه الملك حسين) والتي أتقن فيها ثلاث لغات، وأحب بشكل عميق الأدب الفرنسي، وعمل بمسرح الهواة كنتيجة لإعجابه بالدراما الإنجليزية. عندما كان يتحدث عن الهوية الثقافية، كان في الأمر مفارقة أيضا، ولكنها لم تكن مفارقة مفاجئة، إذ كان يردد صدى المشاعر والأفكار الشرقية التي تنتقدها الآن الخطابات الغربية التي تتحدث عن الشرق الأوسط. على سبيل المثال يتحدث عن"إيمانه الشرق الأوسطي بالقدر" و"كسله الشرق أوسطي"، وزعم أنه في أثناء تصوير "لورانس العرب"، "تكشفت رجعيتي الإسلامية" – وذلك بعد مسيحيته الأصلية. وفقا للتقليد الغربي، أو بالأحرى للتقليد الفرانكفوني المجاور لهويته الأصلية، كان يميل إلى تنميط طريقة تفكيره باعتبارها "ديكارتية". يتذكر الشريف، ولا شك أن في لهجته بعض السخرية: "بَحَث ديفيد لين في الولايات المتحدة وأوروبا كلها عن (علي العربي)".

على خلاف بيتر أوتول، لم ينل الشريف تدريبا محترفا على التمثيل في بداية عمله السينمائي. ولكن صوره كشاب أظهرت وجها ذا جمال نادر، هذا الذي لفت انتباه صناع للسينما مثل يوسف شاهين، الذي صار واحدا من أكثر المخرجين العرب تميزا وإثارة للاهتمام. أكد الشريف على "أنني من اكتشافه" مرددا صدى أفكار الابتكار وحقوق الملكية المتضمنة كثيرا في خطابات صناعة السينما. أعطى له شاهين دورا في فيلم صراع في الوادي (1955)، وشاركته في الفيلم الممثلة المصرية المحتفى بها وطنيا فاتن حمامة. ولأن الفيلم ترشح لجائزة في مهرجان كان السينمائي، حصل الشريف على اعتراف دولي فوري، وإن لم يمكنه هذا من العمل بشكل مباشر في صناعة السينما العالمية. وفقا للشريف شاهد جان كوكتو الفيلم وأعجب بأدائه. في الوقت الذي مثل فيه في "لورانس العرب" كان متحققا في السينما المصرية ويخترق الحواجز التي تؤدي إلى صناعة السينما العالمية.

احتاج الانتقال إلى تغيير أسلوبه في التمثيل، يقول الشريف إن الأفلام المصرية "تستهدف شيئين: السرعة والمال". بالطبع هذا لا يميز السينما المصرية بالضرورة عن بقية السينمات، ومن ضمنها هوليود، ولكنه أضاف إن أسلوب التمثيل عاطفي، ويستهدف "مشاعر" الجمهور. يشرح ذلك قائلا: "يستخدم الممثلون العرب الكثير من الحركات والإيماءات المبالغ فيها النابعة من الأفلام الصامتة وليس الناطقة". بغض النظر عن اعتماد هذا الطرح، الذي يعتبر التمثيل المصري ميلودرامي، على منظور المركزية الأوروبية، وعن إخفاقه في تقديم تحليل عميق لأصالة هذا التمثيل كأسلوب ثقافي، فالفكرة أن الشريف الذي كان بارعا في التقاليد التمثيلية الأولي، سيتكيف مع تقليد آخر مع بدايات عمله في "لورانس العرب". في بعض قصص الإنتاج، راجت قصة مهينة تقول بأن لين كان يقف إلى جانبه ويحمل ساعة stopwatch من أجل أن يسرّع من إلقائه. كانت هذه بداية تدريب وتهيئة لين له. اعترف الشريف: "سيكون له التأثير الأعظم على حياتي المهنية"، وسوف يختاره المخرج ليمثل الدور الرئيسي في "دكتور جيفاجو" (1965). بعدما صار شهيرا لأدائه في "لورانس العرب"، لن يمثل فقط الشخصيات التي تتحدث الإنجليزية، ولكنه سيشارك أيضا في أفلام فرنسية عديدة. وفي الأفلام الفرنسية صار بارعا أكثر في الانفصال عن الأسلوب الملحمي في التمثيل الذي تعلمه من لين، ويمكن أن يوصف تعبيره عن نفسه في تلك الأفلام على أنه كان داخليا أكثر ومقتصدا أكثر.

***

"البريدج" شغفي!



كتبت فكتوريا وورد في التليجراف في رثاء الممثل المصري عمر الشريف: "على الرغم من أنه مثّل في عشرات الأفلام، فلم يصل إنجازه السينمائي إلى ما كان متوقعا له في البداية، وصارت شهرته بعد ذلك متعلقة 
بموهبته في أوراق اللعب".

عمر الشريف الممثل ذو الأدوار البارزة في السينما المصرية والعالمية كان شخصية بارزة أيضا في تاريخ لعبة الورق "البريدج". كان يروّج للعبة ويشترك في بطولات عالمية فيها ويقامر بأمواله في مباراياتها.
ولع عمر الشريف بالبريدج الذي جاء على حساب الفن والتمثيل في الكثير من الأحيان كان له تأثيره أيضا على الكتب التي حملت اسمه، ففي مقابل مذكراته التي حملت عنوان "الذَكَر الخالد"، فهناك ما لا يقل عن عشرة كتب ألفها أو شارك في تأليفها أو رواها أو كتب لها المقدمة عن البريدج.

فكانت للشريف سيرتان ذاتيتان متعلقتان بحياته مع البريدج، الأولى بعنوان "حياة في البريدج"، يتحدث فيها عن تجاربه ورحلاته مع اللعبة، وصدرت عام 1983، وسيرة أخرى رواها للمراسل الصحفي المتخصص في البريدج ديفيد بيرد وصدرت بعنوان "عمر الشريف يتحدث عن البريدج" وصدرت عام 2004.

عمر الشريف الذي كان نجما في عالم ألعاب الورق كان يشارك في الكتب بكتابة المقدمات لها، تلك المقدمات التي يمزج فيها تجربته الشخصية مع اللعب بالحديث عن المتعة التي تجلبها هذه التجربة وأيضا أهمية الكتاب الذي سيبدأ فيه القراء.

في مقدمته لكتاب "البريدج للمبتدئين" الذي كتبه ضيا محمود وأودري جرانت، كتب الشريف:

"لقد غيّر اكتشاف (البريدج) حياتي، وكانت اللعبة قادرة على قتل الملل المتكرر أثناء العمل في الأفلام، ومع الوقت صار (البريدج) شغفا كبير بالنسبة لي. من الصعب أن أحسب الأوقات السعيدة التي مررت بها وأنا ألعب البريدج، وبالتأكيد هي أكثر الألعاب متعة، وأرجو أن تشعروا بالمتعة نفسها بعد قراءة هذه المقدمة عن اللعبة".
وفي مقدمة كتاب "أوراق اللعب للأغبياء" يكتب الشريف: "يعتقد الكثير من الناس أنني ممثل أكثر مني لاعب ورق. وفي الحقيقة، لقد عرفت لعب الورق من سنوات لا أتذكر عددها، لعبت البريدج على مستوى دولي منذ الستينيات، ربما يكون التمثيل مهنتي، ولكن البريدج هو شغفي.

ولكن يمكن القول إنني لو كنت حصرت نفسي في لعب البريدج فحسب، لربما كنت رجلا أغنى مما أنا عليه الآن. لقد كنت مولعا على الدوام بلعب الورق على رهانات عالية، وعلى مر السنوات جمعت الكثير من أموالي من الكازينوهات، وفي الوقت نفسه خسرت الكثير من الأموال، وبسبب ذلك، قدمت للعديد من  الكازينوهات ما يكفي من الأموال لتجديد مطاعمها.

هل هذا يعني أنني لاعب ورق سيء؟ أتمنى ألا أكون كذلك، إنه يعني فحسب أنه مهما كنت متمرسا في اللعب، فهناك دوما مساحة لتحسين مهاراتك. لذلك سيكون هذا الكتاب مفيدا لك".
  

2015-09-06

ثلاثية بيكيت – رونان مكدونالد

من الفصل الرابع من كتاب (مقدمة كامبريدج لصمويل بيكيت Cambridge Introduction to Samuel Beckett) للكاتب: رونان مكدونالد.
الكتاب صدر عام 2006


ترجمة: أمير زكي

* رونان مكدونالد محاضر اللغة الإنجليزية بجامعة ريدينج ومدير سابق لمؤسسة بيكيت الدولية. 


***

تعتبر الروايات الثلاث التي شكلت الثلاثية من ضمن أهم الأعمال الأدبية النثرية في القرن العشرين. يقدم بيكيت هنا بحثه الراسخ الأهم في ذلك الشكل الحفري؛ فن "العجز" و"الجهل" الذي اتجهت إليه رؤيته فيما بعد الحرب، تلك الرؤية المحتفى بها نقديا، والتي تعتبر الوريد الأكثر ثراء الذي استلهم منه فنه. تتحرك قصص الثلاثية تدريجيا في اتجاه بعيد كثيرا عن العالم المادي الذي نعرفه، إذ تكون الشخصيات ضعيفة في البداية ثم تصير في "اللا مسمى" غير إنسانية بالمعنى المعروف. وفي الوقت نفسه يتم استكشاف أصداء ثيمات طبيعة النفس والذاتية والدافع أو الإجبار على تلاوة القصص، والعلاقة بين اللغة والعالم، وطبيعة المعاناة والتجربة، وعواقب العزلة الإنسانية في نثر يتم التحكم فيه بإبداع رائع وبلاغة شكلانية.

عادة ما تلجأ السرديات النقدية التي تناقش الروايات الثلاث إلى مجازات التقطير أو التنقية أو التعرية، لرصد التقدم في الأعمال المتتالية. يتم التخلص من حس العالم الخارجي المستقر، وأشكال الفن الواقعي أو المحاكي التي تتبع هذا الاستقرار للمظاهر. بموازاة التخلص من العالم المادي، فكل شخصية في القصص العديدة التي يحكيها الساردون المتتاليون للروايات الثلاث تعاني من ضعف متنامي. تسميتهم بـ "شخصيات" قد يكون خطأ هنا، لأن هناك تبادل أدوار كثير بين تلك الشخصيات، وسيولة وعدم استقرار كبير في الهوية، وغموض كثير بالمقارنة بالتقرير الذاتي المستقر والمتماسك في كلمة "شخصية". إذا كانت الأساليب المجردة في الروايات ذات السرد التقليدي تسيطر عليها الحبكة المتماسكة والأحداث المحددة، فهي أيضا تضم بداخلها شخصيات متماسكة ومكتملة تمتليء بها تلك السرديات. هنا تتغير االشخصيات وتتغلغل في دماء بعضها. تنحو الحركة أكثر باتجاه أوضاع غير اجتماعية وغير مادية للهوية والذاتية. وربما تكون قصة مولوي وموران هي انعكاس مرتبك كما يطرح النقاد – صلابة موران البرجوازية المبدئية تتحول وسط السرد وتتجه نحو الشخصية الواهنة التي تشبه موضوع بحثه؛ مولوي.

إلى جانب ذلك فالاتجاه يكون نحو تجسيدات أكثر "نقاء" لسمات العالم الخارجي المعروف. الحس السائد للأصوات المتألمة التي تسرد هذه القصص - هذه القصص المُنهَكة الواهنة – يتم التعامل معه بازدراء من قِبَل حكائيها، وهذا واحد من الأشياء المربكة. في مقابل السارد العليم، وعادة ما يكون ساردا مغرورا ومُحتِقرا للسارد الغائب في محاولات بيكيت المبكرة في السرد، فهؤلاء الرجال الوحيدون ضائعون ومرتبكون، حتى إن كانوا ساخطين عادة ويعبرون عن ازدرائهم أحيانا.

السارد الغائب في رواية "حلم جميل لامرأة متوسطة" أو مجموعة "نخسات أكثر منها ركلات" هو راو عليم بشكل ما، وهو كذلك بقدر أقل عند سارد "مورفي". يبدو أن السارد المتكلم في "مولوي" لا يعرف الكثير، ولكن لأن مولوي يخبرنا أنه اهتم بالبحث المدرسي في الفلك والجيولوجيا والآنثروبولوجيا وعلم النفس، نعلم أن إحساسه بالجهل يأتي من بعد المعرفة وليس من قبلها. حتى عندما يبدأ السارد بثقة متضخمة لشخص متسلط – كما في حالة موران في النصف الثاني من الرواية – وبيقين من مكانته في الحياة، يتقلص ذلك سريعا إلى التردد المألوف في العالم البيكيتي. ولكن مهما يكن ارتباك السارد ومهما تكن اللغة مكررة ومرتبكة لتؤكد ذلك، فالنثر في الوقت نفسه يظل هادئا وساكنا. في الأعمال الأولى يكون الصوت السردي الغائب مشوشا بالمعرفة، كانت الجمل مثقلة ونخبوية، وعلى الرغم من وجود إحالات لنصوص أخرى في الثلاثية، فالمعرفة فيها مختفية أكثر بداخل الفيض السردي، ونتيجة ذلك تكون لغته أكثر سلاسة وهدوءا. تتحرك بيسر ودون قيد وتكون جميلة وموحية في معظم الأوقات.

خلال السرد، تحتوي اللغة على هذا النوع من السكينة الضمنية – جمل سلسة، لها إيقاع ومكتوبة بحرص. لأن المادة فوضوية ومضطربة ومتضاربة - وكأنها قصص مضطربة مجزأة لسارديها – فيتحول بؤسهم إلى ألم مستمر، وغالبا ما يصير اهتياج راقص. ربما هذا واحد من الأسباب التي جعلت بيكيت يزعم في مقابلة معه أن الشكل والمضمون في عمله يبقيان منفصلين. فالوضع يختلف مع كافكا، فهناك "ذعر" خلف الشكل، وليس فيه: "شكل كافكا كلاسيكي، يمضي كأنه عربة رصف – غالبا ما يكون ساكنا. يبدو أنه مهدد طوال الوقت – ولكن الذعر في الشكل. في أعمالي هناك ذعر خلف الشكل، وليس في الشكل"[1].  احتفى بيكيت الشاب بعمل جويس "عمل قيد التحقق" (أصل رواية "يقظة فينيجان) للتطابق الضمني فيها بين الشكل والمضمون: "هنا الشكل هو المضمون والمضمون هو الشكل" (D27). واحدة من الطرق التي تمارس فيها أعماله في ما بعد الحرب رد الفعل المواجه على أسلوب جويس هو بحثه المتشكك لهذه المساحة الذي يكون فيها المضمون والشكل متمايزين، وكذلك الفوضى والطريقة التي توصف بها. ينتقل الاضطراب في أذهان سارديه بشكل نموذجي عن طريق السرد غير المتأرجح والراسخ والهاديء، والمتسق مع نفسه، يتم ذلك بشكل مذهل.

الارتباك وعدم اليقين الموجودان خلف هذه السكينة، والنثر المتراجع غير مقيد بالشخصيات نفسها. مثلما أن المتحدثين عادة ما يشكون غموض القوى التي تجبرهم، كذلك لا يجد القاريء حضورا يقينيا للأغراض أو "الأهداف". إذا لم يكن موران متأكدا تماما من سبب ملاحقته لمولوي، فما هي الأسباب التي تجعل يودي يأمر بكتابة تقارير عنه؟ إن هذه المعلومات محجوبة عنا أيضا. من هذه الجهة، فالنص لا يعبر عن الارتباك والغموض فحسب، إنه يقرره. إذا شعرنا أننا مجردين من المعنى أو العقلانية أمام هذه الروايات، إذن ربما من الأفضل أن نضع في ذهننا أن هذا الغياب ربما يكون جزءا من وظيفة النص.

لو كان الأمر على هذا النحو، إذن فالسعي للوضوح أثناء قراءتنا، وشرح "معنى" الروايات، أو فك شفرة تعقيدها يمكن أن يكون، للمفارقة، تشويه وسوء تفسير. إذا كان الغرض من إحدى الروايات وتأثيرها الجمالي هو الحفاظ على وضوح الثيمة أو "الرسالة" العقلية، إذن فشرح الرواية وترجمتها إلى الثيمات المتماسكة يعني بطريقة ما فقدانها. المقاربات النقدية إلى الثلاثية تتراجع لتبحث بداخل نفسها: "قراءة" الثلاثية تطرح الأسئلة حول كيف يمكن للثلاثية أن تُقرأ طالما أنها تتحدى العديد من الممارسات والتقاليد المتضمنة في التفسير النقدي. وبالتالي علينا أن نتحرك بحذر، وبتشكك نقدي مناسب. اللقاء المُنتبه بسرد بيكيت هو لقاء يقظ يعي امتياز وطبيعة الأصوات ويهتم ببنية القصة وكيف يمكن سرد القصة، بقدر ما يسعى لمعرفة ما "تعنيه". ليس هناك جدوى كبيرة في التعامل مع هذه النصوص عن طريق الثيمات المعدة مسبقا أو الرسائل الواضحة، ولا جدوى في السعي إلى تيسير إزاحاتها وصعوباتها. من جهة أخرى، لا يمكننا أن نتجاهل ببساطة التحدي الذي تفرضه هذه النصوص المتهربة من أجل تفسيرها، وأن نتجنب غموضها وارتباكها من أجل الاكتفاء بتقدير إيقاعها المكتوب بعناية. حتى إذا تعثرنا ونحن نبحث عن الأسئلة المطروحة، فربما لا تكون هذه بداية سيئة لمحاولة معرفة ما هي تلك الأسئلة.

2015-05-22

تفريغ مكتبتي - فالتر بنيامين

تفريغ مكتبتي.. حديث عن اقتناء الكتب
المقال من 1931 وعن ترجمة هاري زون إلى الإنجليزية 1968

ترجمة أمير زكي
2015

نشرت الترجمة بمجلة عالم الكتاب، مايو 2015

***


أنا أفرغ صناديق كتبي، نعم أفعل ذلك. لم أرص الكتب بعد على الأرفف، ولم يلمسها بعد الملل الطفيف الذي يصنعه الترتيب. لا أستطيع أن أرتبها للأفضل والأسوأ لأقدمها للجمهور الودود. لستم بحاجة للخوف من ذلك. إنما بدلا من ذلك، عليّ أن أطلب منكم أن تنضموا إليّ في فوضى الصناديق التي انفتحت فجأة، حيث الهواء معبق بغبار الخشب، والأرضية مغطاة بالورق الممزق. أطلب منكم أن تنضموا إليّ وسط أكوام المجلدات التي ترى الضوء مجددا بعد عامين من الظلمة، ربما يعني هذا أن تكونوا مستعدين أن تتشاركوا معي في جزء من الحالة – هي بالتأكيد ليست حالة حزينة ولكنها بالأحرى حالة من التوقع – التي تثيرها هذه الكتب في مقتن حقيقي للكتب. لأنه عندما يتحدث هذا الرجل إليكم، ستعرفون - عندما تنظرون إليه عن قرب - أنه يتحدث فقط عن نفسه. ألن يكون هذا صلفا منى إن عددت أمامكم الأقسام الرئيسية أو الكتب الأقيم في المكتبة، لأبدو شخصا موضوعيا وواقعيا بشكل مقنع، أو لو قدمتها لكم بتاريخها أو حتى بفائدتها للكُتَّاب؟ أنا ككاتب، لديّ في ذهني شيء أقل غموضا، شيء محسوس أكثر من ذلك؛ ما أهتم به هو أن أقدم لكم رؤية عن علاقة مقتني الكتب بمقتنياته، عن الاقتناء أكثر من المقتنيات. إن فعلت ذلك بشرح الطرق المختلفة في الحصول على الكتب، فهذا أمر اعتباطي تماما. ممارسة هذا أو ممارسة أي طريقة أخرى هو مجرد وضع لسد أمام طوفان من الذكريات يندفع تجاه أي مقتنٍ وهو يتأمل مقتنياته. كل شغف يقترب من حدود الفوضى، ولكن شغف المقتني يقترب من فوضى الذكريات. وأكثر من ذلك: فالصدفة، والقدر، اللذان يُظهران الماضي أمام عيني، حاضران بوضوح في الفوضى المعتادة لهذه الكتب. فهذه المجموعة ليست سوى فوضى جعلتها العادة تبدو على أنها نظام! كلكم سمعتم عن الناس الذي يحولهم فقدان كتبهم إلى مرضى، أو هؤلاء الذين يتحولون إلى مجرمين بحثا عنها. هذه هي المساحات التي يوازن فيها النظام الهشاشة المتطرفة. يقول آناتول فرانس: "المعرفة الوحيدة الدقيقة المتاحة هي معرفة تاريخ نشر وتنسيق الكتب". وفي الحقيقة، إن كان هناك شيء مقابل لارتباك المكتبة، فهو نظم فهرستها.

بالتالي هناك في حياة مقتني الكتب صراع جدلي بين قطبي الفوضى والنظام. يرتبط وجوده تلقائيا بالعديد من الأشياء الأخرى: بالعلاقة الغامضة جدا بالمِلْكية، وهذا شيء علينا أن نتحدث عنه أكثر لاحقا، وأيضا بالعلاقة مع الأشياء التي لا تعبر قيمتها عن وظيفة نفعية – أي، الأشياء التي ليس لها فائدة – ولكنه يدرسها ويحبها كمشهد، كمسرح لمصيره. السحر الأكثر عمقا لدى المقتني هو إغلاق الأشياء الشخصية بداخل دائرة سحرية تظل ثابتة فيها خوفا من أن تغادرها الإثارة الأخيرة؛ إثارة الاستحواذ. كل شيء يتم تذكره أو التفكر فيه، كل شيء يصير واعيا، يصير قاعد تمثال، إطارا، أساسا، قِفلا على ممتلكاته. الزمان، المكان، المهنة، الملكية السابقة – هي بالنسبة للمقتني الحقيقي الخلفية الكاملة لشيء يضاف إلى موسوعة سحرية يكون نموذجها هو مصير الشيء الذي يملكه. في هذه المساحة المقيدة، يمكن أن نعرف كيف لعلماء الفراسة العظام – والمقتنون هم علماء فراسة عالم الأشياء – أن يتحولوا إلى مفسرين للقدر. على المرء فقط أن يراقب مقتنيا يتعامل مع الأشياء في حالتها الزجاجية. وهو يمسكها بيديه، يبدو أن الإلهام يصيبه من خلالها ومن خلال ماضيها البعيد. وأخيرا الجانب السحري للمقتني – صورته وهو كبير السن كما يمكن أن أدعوها.

[1]Habent sua fata libelli (بحسب قدرات القاريء تتشكل مصائر الكتب): من الممكن اعتبار هذه الكلمات مقولة عامة عن الكتب؛ بالتالي فكتب مثل "الكوميديا الإلهية" و"الأخلاق" لسبينوزا، و"أصل الأنواع" لديها مصائرها. ولكن المقتني يفسر هذه الجملة اللاتينية بشكل مختلف. بالنسبة إليه، ليست الكتب فحسب التي تملك مصائر وإنما أيضا نُسَخ الكتب أيضا. وبهذا المعنى، تكون أكثر المصائر أهمية للنسخة هو لقاء المقتني بها، ولقاء مجموعته بها. أنا لا أبالغ حين أقول إنه بالنسبة للمقتني الحقيقي، فالحصول على كتاب جديد هو إعادة ميلاد للكتاب. هذا العنصر القريب من الطفلية ممتزج عند المقتني بعنصر السن الكبيرة. فمن الممكن أن يتجدد الوجود عند الأطفال بمائة طريقة لا تعرف الفشل؛ الاقتناء عند الأطفال أحد طرق  التجديد؛ والعمليات الأخرى هي طلاء الأشياء، وتفكيك الأشكال، ولصق الصور – المساحة الكاملة من طرق الطفل في التحصل على الأشياء، بداية من لمس الأشياء حتى إطلاق أسماء عليها. تجديد العالم القديم – هذه هي رغبة المقتني العميقة عندما ينقاد ليحصل على أشياء جديدة، وهذا هو سبب أن مقتني الكتب القديمة أقرب إلى أصول الاقتناء من المقتني الساعي إلى النسخ الفاخرة. كيف يمكن للكتب أن تتخطى عتبة إحدى المجموعات وأن تصبح ملكية لأحد المقتنين؟ تاريخ حصولهم على الكتب هو موضوع الملاحظات التالية.

بين كل طرق الحصول على الكتب، تعتبر كتابة المرء لها أكثر الطرق التي يمكن أن نثني عليها. عند هذه النقطة سوف يتذكر العديد منكم بسعادة المكتبة الكبيرة التي حصل عليها أستاذ المدرسة الصغير الفقير ووتس في قصة جان باول[2]، وذلك بأن كتب بنفسه كل الأعمال التي آثارت عناوينها اهتمامه عندما رآها في كتالوجات معرض الكتاب؛ هو لم يكن يستطيع شراءها في الواقع. الكتاب هم في الحقيقة الناس الذين يكتبون الكتب ليس لأنهم فقراء، ولكن لأنهم غير راضين عن الكتب التي يستطيعون شراءها ولكنهم لا يحبونها. أنتم يا سيداتي وسادتي، ربما ستعتبرون هذا تعريفا غريبا للكاتب. ولكن كل شيء يقال من وجهة نظر مقتني الكتب الحقيقي هو غريب. من بين الطرق المعتادة على الحصول على الكتب، فالأكثر ملائمة للمقتني سيكون استعارة كتاب مع النية على ألا يعيده. مستعير الكتب ذو القامة الحقيقية الذي نتحدث عنه هنا،  الذي يثبت أنه مقتنٍ راسخ للكتب، لا يتصف كثيرا بالضعف الذي يجعله يحفظ كنوزه المستعارة، ولا بالأذن الصماء التي يوجهها لتذكير العالم اليومي بالأعراف، بقدر ما يتصف بفشله في أن يقرأ تلك الكتب. إن كان يمكن لتجربتي أن تساعد على أن تكون دليلا، يميل الإنسان إلى أن يعيد كتاب مستعار أكثر من أن يقرأه. ولكن هل يمكن اعتبار عدم قراءة الكتب سمة المقتنين؟ يمكنك أن تزعم أن هذه معلومة جديدة بالنسبة لك. ولكنها ليست معلومة جديدة على الإطلاق. سيتفق معي الخبراء عندما أقول إن هذا أقدم شيء في العالم. يكفي أن نقتبس الإجابة التي رد بها آناتول فرانس على واحد من الجهلة أعجب بمكتبته وانتهى إلى السؤال المعتاد، "وهل قرأت كل هذه الكتب مسيو فرانس؟ - ولا حتى عُشْرها. أنا لا أعتقد أنك تستخدم طقم المائدة الصيني كل يوم؟".

بالصدفة وضعت فكرة الحق في هذا الموقف موضع الاختبار. لسنوات، على الأقل في الثلث الأول من وجود مكتبتي، تكونت المكتبة مما لا يزيد عن رفين أو ثلاثة تزيد عدة بوصات فحسب كل عام. كان هذا عصرها المتشدد، عندما لم يسمح بكتاب آخر ليدخل بدون أن تكون لديه أهلية أنني لم أقرأه. بالتالي ربما لم أكن لأحصل على مكتبة غزيرة بما يكفي لتستحق اسمها إن لم يحدث تضخم. وفجأة تغير هذا الحس؛ صارت الكتب غالية بالفعل، وصار من الصعب الحصول عليها. على الأقل هذا هو ما بدا في سويسرا. في الساعة الحادية عشرة، أرسلت طلباتي الرئيسية الأولى للكتب من هناك وبهذه الطريقة كنت قادرا على الحفاظ على الأشياء غير القابلة للتبديل مثل مجموعة كتب "الفارس الأزرق" [3]Der blaue Reiter وكتاب باخوفين "ملحمة تانكويل" التي كان يمكن الحصول عليها من الناشرين في هذا الوقت.

حسنا – بالتالي يمكننا أن نقول – بعد استكشاف كل تلك الطرق الجانبية - أنه يجب الوصول في النهاية إلى الطريق الرئيسية الواسعة لاقتناء الكتب، أي شراء الكتب. هذه في الحقيقة طريق رئيسية واسعة، ولكنها ليست طريقا مريحة. عمليات الشراء التي يقوم بها مقتني الكتب لا تتشابه كثيرا مع عمليات الشراء التي يقوم بها طالب في المكتبة لشراء كتاب دراسي، ولا مع الرجل العادي الذي يشتري هدية لامرأته، ولا رجل الأعمال الذي يرغب في تزجية الوقت حتى تنطلق رحلته التالية بالقطار. لقد قمت بأبرز عمليات الشراء المحفورة في الذاكرة في الرحلات؛ كعابر سبيل. الملكية والاستحواذ ينتميان إلى مجال تكتيكي؛ المقتنون هم أناس ذوو غريزة تكتيكية؛ تعلمهم خبرتهم أنهم عندما يغزون مدينة غريبة، فأصغر محل أنتيكات يمكن أن يكون قلعة، وأبعد مكتبة يمكن أن تكون موقعا محوريا. عديدة هي المدن التي كشفت نفسها لي من خلال المسيرات التي قمت بها لمطاردة الكتب!

أجريت كل مشترياتي الأكثر أهمية دوما بناء على اقتراحات الوسيط. تلعب الكتالوجات الدور الأعظم. وحتى إن كان المشتري عارفا تماما بالكتاب الذي طلبه من أحد الكتالوجات، فالنسخة الفردية تظل دوما مفاجئة ويظل الطلب نوعا من المقامرة. هناك إحباطات مؤلمة، ولكن هناك أيضا اكتشافات سعيدة. أذكر على سبيل المثال أنني طلبت مرة كتابا برسوم ملونة لمجموعتي القديمة من كتب الأطفال فقط لأنه يحتوي على قصص شعبية لآلبرت لودفيج جريم، ونشر بمدينة جريمّا، بثورينجيا. كانت جريمّا أيضا مكانا لنشر كتاب للقصص حرره أيضا آلبرت لودفيج جريم. برسوم ليسار الستة عشر، كانت نسختي من هذا الكتاب المثال الوحيد الموجود للعمل المبكر لرسام الكتب الألماني العظيم، الذي عاش في هامبورج في منتصف القرن الماضي تقريبا. حسنا، كان رد فعلي على صوتيات الأسماء صحيحا. في هذه الحالة أيضا اكتشفت عمل ليسار، أي "قصص لينا" Linas Märchenbuch، وهو عمل ظل مجهولا لجامعي كتبه وهو يستحق إشارة أكثر تفصيلا من هذه الإشارة المبدئية التي أذكرها هنا.

اقتناء الكتب ليس مسألة متعلقة بالمال أو معرفة الخبير فحسب، ولا حتى العاملين مجتمعين كافيين لتأسيس المكتبة الحقيقية، التي هي دوما عملية مستغلقة إلى حد ما وفي الوقت نفسه عملية فريدة. أي أحد يشتري من الكتالوجات يجب أن يتمتع بذوق إلى جانب السمات التي ذكرتها. التواريخ وأسماء الأماكن والتنسيقات، والمالكين السابقين، والتجليدات، وأمثال كل تلك التفاصيل يجب أن تخبره بشيء ما، لا بطريقة الحقائق الجافة المنعزلة، ولكن  بطريقة الكل المنسجم؛ عن طريق كفاءة وكثافة هذا الانسجام عليه أن يكون قادرا على إدراك إن كان الكتاب موجها إليه أم لا. بالتالي يتطلب المزاد مجموعة أخرى من الصفات لدى المقتني. بالنسبة لقاريء الكتالوج فالكتاب نفسه يجب أن يتحدث، أو من الممكن أن يتحدث مالكه السابق إن كان مصدر النسخة مذكورا. الرجل الذي يرغب في المشاركة بمزاد يجب أن يولي انتباها مساويا إلى الكتاب وإلى منافسيه، بالإضافة إلى الحفاظ على عقل رزين بما يكفي ليتجنب أن ينجرف في المنافسة. يحدث مرارا أن يتورط شخص في سعر شراء عالٍ لأنه استمر في إعلاء عطائه – بسبب أنه يريد تأكيد نفسه أكثر من رغبته في الحصول على الكتاب. من جهة أخرى، واحدة من ألطف ذكريات المقتني هي اللحظة التي ينقذ فيها كتابا ربما لم يكن قد فكر فيه أبدا، ولا حتى كان يأمل فيه، إنما يشتريه لأنه وجده وحيدا ومهجورا في السوق واشتراه ووهبه حريته – بالطريقة التي اشترى بها الأمير جارية جميلة في "ألف ليلة وليلة". بالنسبة لمقتني الكتب، كما ترون، فالحرية الحقيقية للكتب هي أن تجد لها مكانا على الأرفف.

إلى هذا اليوم، تبدو رواية بالزاك "الجلد السحري" peau de chargin الموجودة بين الصفوف الطويلة للمجلدات الفرنسية في مكتبتي  كذكرى لأكثر تجاربي إثارة في المزادات. تعود التجربة إلى عام 1915 في مزاد رومان الذي أقامه إيميل هيرش، واحد من أعظم خبيري الكتب وأفضل المتميزين بين الوسطاء. ظهرت النسخة المعروضة في المزاد عام 1838 في باريس، في قصر دي لا بورس. وأنا ألتقط نسختي، لم أقرأ فقط رقمها في مجموعة رومان، وإنما أيضا ملصق المكتبة التي اشترى منها أول شخص الكتاب الأصلي من تسعين عاما مضت بثُمن سعرها الحالي. مكتوب على الملصق "مكتبة فلانيو". كان من الرائع أن يظل ممكنا أن تشتري مثل هذه االنسخة الممتازة بعد هذا العمر من عند وسيط لمكتبة! كان هناك نقش صلب للكتاب صممه رسام فرنسي بارز، ونفذه نقاشون بارزون. ولكني سوف أخبرك عن سبب حصولي على هذا الكتاب. لقد ذهبت إلى إيميل هيرش لأقوم بفحص مبكر وحصلت على أربعين أو خمسين مجلدا؛ هذا المجلد بالتحديد ألهب بداخلي الرغبة المتقدة للحصول عليه للأبد. حتى جاء يوم المزاد، وكما يحدث من قبيل الصدفة، كان يسبق هذه النسخة من "الجلد السحري" مجموعة كاملة من الصور مطبوعة بشكل منفصل على ورق هندي. جلس المزايدون على طاولة طويلة؛ كان يجلس أمامي رجل كان محط اهتمام كل الأنظار في الجلسة الأولى، المقتني الشهير القادم من ميونيخ بارون سيمولين. كان مهتما بشكل عظيم بالمجموعة ولكن كان أمامه مزايدون منافسون؛ باختصار، كانت هناك منافسة مثيرة أدت إلى أعلى عطاء في المزاد كله – تجاوز ثلاث آلف مارك. لم يبد أن أحدا توقع مثل هذا الرقم العالي، وكل الحاضرين كانوا مستثارين. ظل إيميل هيرش غير مهتم، وسواء أراد أن يكسب الوقت أو قاده تفكير آخر، انتقل إلى الكتاب التالي، بدون أن ينتبه إليه أحد. نطق بالسعر، وقلبي يدق مع إدراكي التام أنني لست قادرا على منافسة أي من هؤلاء المقتنين الكبار، طرحت سعرا أعلى. وبدون إثارة اهتمام المزايدين، استمر مدير المزاد في روتينه المعتاد – "هل هناك سعر أعلى؟" وطرق ثلاث مرات بمطرقته، وبدا كأن الأبدية تفصل بين كل طرقة وأخرى – واستمر مضيفا نسبة مدير المزاد إلى السعر. بالنسبة لطالب مثلي ظل السعر معقولا. ما حدث في اليوم التالي في مكتب الرهن لم يعد جزءا من القصة، وأنا أفضل أن أتحدث عن حادثة أخرى أحب أن أقول عنها إنها سالب تجربة المزاد. حدثت في العام الماضي في مزاد برلين. كانت مجموعة الكتب المعروضة متنوعة في القيمة والمحتوى، أعمال نادرة عن السحر والفلسفة الطبيعية هي التي كانت تستحق الاهتمام. قمت بطرح العطاء على عدد منها، ولكن في كل مرة لاحظت رجلا نبيلا في الصف المواجه بدا وكأنه ينتظر عطائي ليتجاوزه، بدا وكأنه أعد نفسه لأن يتجاوز أي عطاء. بعد ذلك كرر الأمر عدة مرات، واستسلمت على أمل الحصول على الكتاب الذي كنت مهتما به بشكل أكبر في هذا اليوم. كان الكتاب النادر "المقتطفات المنشورة لطبيب شاب بعد موته" Fragmente aus dem Nachlass eines jungen Physikers الذي نشره يوهان فيلهلم ريتر في مجلدين في هايدلبرج عام 1810. لم يتكرر طبع هذا العمل، ولكني اعتبرت مقدمته دوما نموذجا مهما جدا للنثر الذاتي في الرومانتيكية الألمانية، وفيها يتحدث الكاتب-المحرر عن قصة حياته بطريقة أنه ينعى صديقه المفترض الراحل– الذي يتطابق مع شخصيته بالفعل. عندما ظهر الكتاب شعرت بالدوار. كان طريقتي بسيطة بما يكفي: طالما أن عطائي لن يكون مجديا وسينتهي الأمر بالكتاب إلى أن يحصل عليه شخص آخر، فعليّ أن لا أقدم عطاء على الإطلاق. تحكمت في نفسي وبقيت صامتا. ما أملت فيه أوشك أن يحدث: لا أحد اهتم، لا عطاءات، وُوضع الكتاب جانبا. رأيت أنه من الحكمة أن أدع عدة أيام تمر، وعندما ذهبت إلى المكتب بعد أسبوع، وجدت الكتاب في قسم الكتب المستعملة وربحته بسبب اللا مبالاة التي قصدتها.

ما الذكريات التي تحتشد أمامك في اللحظة التي تصل فيها لجبال الحقائب لتبحث عن الكتب وتخرجها في ضوء النهار، أو بالأحرى الليل! لا شيء يُظهر عجب الاستخراج بشكل أكثر وضوحا من صعوبة إيقاف هذا النشاط. لقد بدأت في الظهيرة، وحلَّ منتصف الليل قبل أن أصل إلى الحقائب الأخيرة. الآن وضعت يدي على مجلدين بتجليد مهتريء لا أستطيع أن أنسبهما لحقيبة بعينها: آلبومين بصور ملصقة تركتهما أمي إليّ كطفل وقد ورثتهما. إنها بذور لمجموعة من كتب الأطفال تتنامى بشكل مستمر حتى اليوم، على الرغم من أنها لم تعد في حديقتي. لا توجد مكتبة حية لا تحتوي على عدد من أشياء مشابهة للمخلوقات القادمة من المساحات الهامشية. لا يعني هذا بالضرورة أن تكون ألبومات لملصقات أو آلبومات عائلية، أو دفاتر الأوتوجراف، أو الحقائب التي تحتوي على الكتيبات أو الكراسات الدينية؛ فبعض الناس يرتبطون بالمنشورات أو النشرات، وآخرون بالمنسوخات المطابقة للأصل أو النسخ المكتوبة على الآلة الكاتبة من الكتب التي لا يمكن الحصول عليها؛ وبالتأكيد يمكن للدوريات أن تشكل جوانب متراكمة لمكتبة. ولكن بالعودة إلى هذه الألبومات: في الحقيقة الميراث هو أوقع طريقة للحصول على مجموعة منها. لأن موقف المقتني تجاه ما بحوزته يعود إلى مشاعر المسئولية لدى المالك تجاه ممتلكاته. بالتالي فهو موقف الوريث بالمعنى الأعم، وأكثر صفة مميزة لأي مجموعة هي دوما قدرتها على الانتقال. عليكم أن تعرفوا أنني أدرك تماما أن حديثي عن المناخ الفكري للاقتناء يؤكد كثيرا قناعتكم بأن هذا الشغف متجاوز للزمن، ويؤكد عدم ثقتكم في نموذج المقتني. ولا يوجد شيء بعيد عن قصدي بقدر خلخلة قناعتكم أو عدم ثقتكم. ولكن هناك شيء واحد يجب ذكره: ظاهرة الاقتناء تفقد معناها عندما تفقد مالكها الشخصي: حتى عندما تكون المجموعات العامة مقبولة في المجتمع وأكثر فائدة أكاديميا من المجموعات الخاصة، تحصل الأشياء على قيمتها فقط وهي وسط مجموعة خاصة. أعلم أن النموذج الذي أناقشه وأقدمه هنا يتجاوزه الزمن. ولكن كما قال هيجل، فقد عندما يحل الظلام تبدأ بومة مينرفا في الطيران. فلا يمكن فهم المقتني إلا في زمن انقراضه.

الآن أنا أمام الحقيبة الأخيرة شبه الخالية وقد تجاوزت منتصف الليل. تشغلني أفكار أخرى مختلفة عن التي أتحدث عنها – هي ليست أفكارا ولكن صور، ذكريات. ذكريات عن المدن التي وجدت فيها العديد من الأشياء: ريجا، نابلس، ميونيخ، دانزيش، موسكو، فلورانس، بازل، باريس؛ ذكريات من غرف روزنتال الرائعة في ميونخ، في دانزيش ستوتورك حيث أقام هانز رو، عن قبو سوزينجت الرطب في شمال برلين؛ ذكريات عن الغرف التي وضعت فيها هذه الكتب؛ في وكر طالب لي في ميونيخ، في غرفتي برن، في عزلة آيزلتوالد على بحيرة بيينز، وفي النهاية في غرفة صباي، المكان القديم الذي كان يحتوى على أربعة أو خمسة آلاف أو بضعة آلاف مجلد مكومة من حولي. ليتبارك المقتني، ليتبارك رجل البهجة! الرجل الذي لم يتوقعه أحد، لا أحد لديه حس أعظم من الإنسان الذي كان قادرا على أن يواصل رغم وجوده سيء السمعة في صورة "دودة الكتب" [للفنان الألماني كارل] سبتزويج. لأنه بداخله تسكن أرواح، أو على الأقل يسكن جني صغير، يعرف ذلك عن المقتني – وأنا أعني المقتني الحقيقي، المقتني كما يجب أن يكون – يعرف أن الملكية هي أفضل علاقة يمكن أن تتحقق للمرء مع الأشياء. ليس لأن الأشياء حينا تصير حية بداخله؛ إنما لأنه هو الذي يعيش فيها، بالتالي أنا نصبت واحدة من ثكناته أمامكم بالكتب، وكأنها صخور بانية، والآن هو في طريقه ليختفي بالداخل، في أكثر مكان ملائم له.





[1]  الجملة تعود إلى النحوي اللاتيني تيرينتيانوس الذي يعود إلى القرن السادس عشر.
[2]  الإشارة إلى قصة "حياة الأستاذة المرحلة ماريا ووتس" للكاتب الألماني جان بول (1763-1825). 
[3]  الفارس الأزرق Der blaue Reiter هي مجموعة فنية تكونت من فنانين مهاجرين من روسيا إلى ألمانيا وكانت رد فعل وتطويل لـ "رابطة الفنان الجديد بميونيخ).

2015-03-22

لعبة النهاية - رونان مكدونالد



التدوينة عبارة عن ترجمة للجزء الثاني من الفصل الثالث  من كتاب (مقدمة كامبريدج لصمويل بيكيت- The Cambridge Introduction to Samuel Beckett) للكاتب: رونان مكدونالد*


الكتاب صدر عام 2006

ترجمة أمير زكي

***

تدور مسرحية "لعبة النهاية" في عالم أقل ألفة من عالم "في انتظار جودو". إن اقتنعنا بشهادة كلوف ورؤيته من خلاف تلسكوبه فالخارج كله كئيب ومهجور وخال من الحياة. الشخصيات لديها ذكريات عن عالم مشابه لعالمنا، ولكن العالم الذي يعيشون فيه مستهلك وقديم. ذكرياتهم متماسكة أكثر من شخصيات "في انتظار جودو"، وبالتالي فوعيهم بكونهم منبوذين فيه قدر كبير من التمزق. العجز الجسدي هو موتيفة واضحة في المسرحية الأولى ولكن في هذا العالم الممتليء بالمبتورين والمشلولين والعميان، فإحساس العجز والوقوع في الشرك هو إحساس قامع إلى حد كبير. كل شيء في الخارج في شكل جثث. المكان المنعزل يشبه مشهدا ما بعد أبوكاليبسي، هذا الذي يجبر بعض المعلقين على التساؤل إن كان يمكن الشعور بقلق الحرب الباردة مع تهديد الفناء النووي في المسرحية. سبب كون العالم عند هذه النقطة من الانتهاء، وكون العالم الخارجي كله كئيبا ومسطحا وخاليا من الحياة ليس معروضا. ولا يتم شرح سلوك الشخصيات. لِم يطيع كلوف أوامر هام طالما يحتقره بهذا القدر؟ لم يوضع أبوا هام، ناج ونيل منزوعي الأرجل، بسلتي قمامة؟ ما هي طبيعة العلاقة المذكورة في يوميات هام بالمسرحية؟ هل هي متعلقة بوصول كلوف إلى المنزل كما يقترح الكثيرون؟ في إنتاج للمسرحية بستوديو ريفرسايد في هامرسميث عام 1980، الذي أخرجه بيكيت، سأله ريك كلوتشي، الذي كان يقوم بدور هام في ذلك الوقت، إن كان الصبي الصغير في المسرحية هو في الحقيقة كلوف الشاب. فكان رد بيكيت المميز: "لا أعرف إن كانت تلك قصة كلوف الصغير أم لا، لا أعرف ببساطة "[10].

المشاهدون الذين يبحثون عن معنى في المسرحية سيقابلون التوبيخ ما بعد المسرحي التالي: "هام: نحن لسنا في مستهل أن... أن... نعني شيئا؟ كلوف: نعني شيئا! أنت وأنا، نعني شيئا! (ضحكة قصيرة). آه هذه مزحة جيدة!". (27). كل شيء يصل إلى نهاية، وكل شيء يتهافت ويُستهلك، وهذا لا ينطبق فقط على المسكنات والدراجات ولكن أيضا على كل الملامح الممكنة للمعنى والوضوح. اتجاهات الخشبة المسرحية تخبرنا أن هناك صورة تواجه حائط الغرفة حيث يتم الفعل، وربما تكون هذه استعارة للمعلومات المتحفظة خلال المسرحية. على خلاف المسرحيات التقليدية أو المحبوكة جيدا، لا تعرض لنا هذه المسرحية "الصورة الكاملة" – ولا حتى في النهاية. بالأحرى علينا أن نتعامل مع التحفظ الغامض: "شيء يسير في مداره". ما هذا "الشيء"، بعيدا عن المسرحية المكتوبة بالفعل، والتي تتكشف أماما أعيننا كما هو واضح؟ كيف لهذه الجوانب من "لعبة النهاية" التي ربما نعتبرها "غريبة" و"عجيبة" أن تتوظف جماليا أو دراميا في الحقيقة؟ كيف يمكن أن نبدأ في "قراءتها" أو تفسيرها؟

"لعبة النهاية" تقاوم الشرح النقدي أو التفسير الفلسفي بشكل أكبر من "في انتظار جودو". هذه المقاومة تشكل جزءا من تأثيرها الجمالي والمسرحي. "في انتظار جودو" أيضا تحتوي على يقين كما رأينا، وهناك تأملات في الزمن والعادات والرغبات وأمثلة تلك الأشياء التي يمكن أن يصل الكاتب من خلالها إلى ناتج غير مستقر. في المقابل تطرح "لعبة النهاية" تحديا كبيرا. إنها أشبه بـ "مسرحية تكافح طوال الوقت لتتجنب التعريف"، وكأن بيكيت المنزعج من التفسيرات الفلسفية لـ "في انتظار جودو" صنع مسرحية جديدة ممتنعة عن التفسير بـ "المصطلحات الرمزية أو المجازية". ولكن إن تجاوزت "لعبة النهاية" التفسير العقلي الدقيق، فهذا لا يعني أنها لا تتواصل بطريقة قوية ومؤثرة. أثنى الفيلسوف والناقد الألماني تيودور آدورنو على المسرحية، ربما في أشهر مقال عنها، لأنها وضعت "الدراما في مواجهة الأنطولوجيا"، لمسرحة الموقف غير المفهوم وغير المترجم في لغة العقل والمفاهيم: "فهم (لعبة النهاية) يمكن فقط أن يكون فهما لسبب كونها غير مفهومة، تعيد بناء المعنى المتسق بقوة من خلال عدم اتساقها"[11]. المسرحية تظهر نقص المعنى بدلا من التأكيد على المعنى. هذا هو السبب الذي جعل أدورنو يعتبر المسرحية أقوى من الفلسفة الوجودية التي يُنسَب لها بيكيت أحيانا. في الفلسفة المجردة، ما نفهمه يحدث فقط على مستوى التعقيد والأفكار. تتمسك "لعبة النهاية" بمستويات أكثر عمقا وظلامية للتجربة والحدس.

هذا لا يعني ببساطة أن المسرحية يجب أن تُختَبَر، ولا يمكن أن تُفَسَّر أو تًحَلَّل. إنها تشير إلى أنه يجب الحفاظ على التطهر النقدي، والاهتمام  بالمعاني المختبئة التي تشرح المسرحية. بيكيت كما رأينا رفض أن يقدم تأويلا من أي نوع لـ "لعبة النهاية"، وبدلا من ذلك يصر على "البساطة المفرطة للموقف والوضع الدرامي" (D 109). ولكن في بعض الأوقات يمكن لـ "البساطة" أن تكون متهربة لكونها منطوقات معقدة وعليمة. كل منها تعيق توقعات الألفة. ورغم أخطار "الصداع وسط الأصوات العالية"، ربما يساعدنا  أن نوضح السمات المُحَدِّدة التي يمكن أن نصف بها "لعبة النهاية"، ومكان المسرحية وسط مساحات التجربة الإنسانية. من الواضح تماما أن المسرحية مثلها مثل "في انتظار جودو" تستمد الطاقة الدرامية من العلاقات الإنسانية الخاصة. ولكن شعور الرفقة الذي كان واضحا في المسرحية الأبكر، ذلك اللطف بين الشخصيتين الرئيسيتين، يصعب وجوده هنا. وإن كان موجودا، فهو موجود في العلاقة بين ناج ونيل. فعن طريق شهية ناج المفتوحة – "الرفيقان القديمان في البيت! لم يعد هناك تهذيب! سِفّ، سِفّ، هذا كل ما يفكران فيه" (15) – تصل علاقته بنيل إلى حميمية أكبر من كل الآخرين. يتحدثان بلطف مع بعضهما ويحتفظ ناج ببعض البسكويت ليتقاسمه مع نيل، على الرغم من أنها تشرد في أحلام يقظتها التي تدور حول الأوقات التي قضياها على بحيرة كومو. يمكن أن نعتبر ناج هو إستراجون العجوز، مهتم بـ "رَضْعَته" وحلواه مثلما يهتم إستراجون بجزرته وعظام الدجاج، بينما نيل الأكثر تشاؤما وعقلانية، وذاكرتها حاضرة أكثر من زوجها، أشبه بفلاديمير: "لم الهزل، يوما بعد يوم؟" (18). في مقابل ذلك فالعلاقة بين هام وكلوف يمكن أن تقارن بالعلاقة بين بوتسو ولاكي. يشترك هام في الكثير مع بوتسو: حديثه الطنان الذي يسعى لتلقي الاهتمام، قدرته على ممارسة القسوة، حساسيته واحتياجه للطمأنة، شاعريته المدعية. كلوف، صريح أكثر من لاكي في التعبير عن قرفه من دوره في العالم، وإن كان بشكل فظ أحيانا، ولكنه يبدو أيضا أن هناك نوعا من الرابطة بينه وبين هام. إنها علاقة سيد-عبد مبنية على الاحتياج المشترك، ولكنها أيضا شَرَك مشترك: يجيب كلوف على قول هام "لقد ظننت أنني طلبت منك أن تغادر"، قائلا: "أنا أحاول. (يتوجه إلى الباب، ويتوقف).منذ ولدت". (17-18). كلوف غاضب وممزق من هام (كلمة "كلوف" قريبة من كلمة clou، الكلمة الفرنسية التي تعني "مسمار"، و"هام" قريبة من “hammer"  مطرقة")، ولكن في الوقت نفسه هو قادر على خدمته. عندما يدعى كلوف أن الكلب يقف من أجل هام، فالأمر أشبه وكأنه أب يسعى لتهدئة هام الطفل.

رغم كل العداء بين هام وكلوف، ومع الاختلاف في دورهما وشخصيتيهما، فلديهما شيء واحد مشترك؛ الاثنان يعانيان. تعكس الجمل الأولى لهما تمزقهما: "كلوف: لا يمكن أن أعاقَب أكثر من ذلك"؛ "هام: هل يمكن أن يكون هناك بؤس – (يتثاءب) – أسمى من بؤسي؟". التثاؤب هنا، الذي يدل على الضجر والإنهاك، يناقض أغراض جلال كلمة "أسمى". إنها أول إشارة للخلط الحريص بين المتضخم والمتقلص، بين الطنان والتافه. بشكل مشابه يتحرك فعل المسرحية نحو نهاية ذروية منتظرة منذ وقت طويل بينما يتحرك هذا الفعل في الوقت نفسه بداخل الروتين البشع للحياة اليومية. التوقع في هذه المسرحية، والذي يواجه الضجر والفراغ في الفعل المسرحي، ليس متوجها نحو الوصول اليوتوبي المؤجل دوما للمخلص، ولكنه موجه بشكل أكثر سوداوية نحو الارتياح للوصول إلى نهاية أو ختام. مثلها مثل "في انتظار جودو" هناك مزج أو صراع بين "الزمن" كمصدر للتحلل والنضوب و"الزمن" كمصدر للتكرار والوقوع في الشراك. أي الزمن كمصدر للتغيير والفقد والزمن كشيء دائري، الروتين الذي تتحرك الشخصيات من خلاله، الذي يصنع أيضا إيماءة ما وراء مسرحية نحو تكرار العرض المسرحي ليلة بعد ليلة. التقلص والفقد هنا مختلطان بالركود والجمود. لأن مع كل وعود النهاية، وكل دلائل التحلل الجسدي، ينتهي هام بأن يضع منديلا على وجهه بنفس الطريقة التي بدأ بها المسرحية (الكلمة الأخيرة في المسرحية هي "يبقى") ويبدو كلوف غير قادر على ترك خشبة المسرح.

تمثيل التردد في الزمن يمضي إلى جانب الموقف المتردد للفقدان والانتهاء. نعرف أنه لم تعد هناك دراجات، لم تعد هناك مصابيح زيتية، لم يعد هناك "بسكويت" أو حلوى أو ملبن لناج، لا مسكنات أخرى لهام. هناك نوستالجيا أكبر في هذه المسرحية. نوستالجيا مكثفة أكثر من "في انتظار جودو". الشخصيات مهتمة بما فقدته بالفعل، فيتذكر ناج ونيل شبابهما المرح، ويفكر هام في "كل هؤلاء الذين ربما ساعدتهم". بالتالي فالحطام والتحلل يبدوا أنهما يضاعفان معاناتهم، هم يشتاقون للماضي عندما كان العالم يقدم الإمكانيات والتجارب. تقول نيل منتحبة "آه، الأمس!". بالطبع هذا المستوي من النوستالجيا الذي يغطي تلك الذكريات يحمل سمتا مغاليا وهزليا. هذا يشير إلى أن الذاكرة الإرادية مشوهة أصلا مثلما هي دوما عند بيكيت، وتعتمد على احتياجات الحاضر أكثر من تجارب الماضي الحقيقية. ومع ذلك فالاهتمام بالفقدان أو السقوط من نوع ما، سواء كان واقعيا أو متخيلا، يواجه بألم بالحاضر المحطم، هذا الذي يضفي على المسرحية سمة تراجيدية أكثر من في "انتظار جودو". ولكن نوع من التراجيديا المتأخرة والمرهقة، نندمج في الفعل فيها بعد أن يتم الفقدان وينقطع حس الشفقة فيها عن طريق الهزل، بل والأهم عن طريق قلب نسق-القيم الذي تتطلبه التراجيديا. إلى جانب النوستالجيا تجاه العالم الضائع هناك رضا يتحطم، ووضع الحياة المثير للأسف يمضي إلى النهاية. فقدان تلك الأشياء يسبب الألم، مثلما أن التحلل الجسدي الذي يتوقعه هام لكلوف – عندما سيفقد بصره ويصير واهنا مثل هام نفسه -  هو احتمال بشع. ولكن في الوقت نفسه، مثله مثل هام وكلوف يشتاق للنهاية، ويصير الاستنزاف والضمور مرحب بهما. إنهما يشيران إلى النهاية وهذا يحقق ارتياحا محببا. يندب كلوف: "هناك العديد من الأشياء البشعة". ويجيب هام بثقة: "لا، لا، لم يعد هناك الكثير منها الآن" (33). وكأن الألم والتعذيب لم يبق منهما الكثير، يظل دافع النهاية الممتدة مستمرا. هذا العالم سيء جدا لدرجة أن نهايته مرحب بها. بالتالي يكرر هام استخدام كلمة "جيد" في نهاية المسرحية عندما بدا أن كلوف غادر، (لم يكن قد غادر) ويظل هام وحيدا بائسا.

أحد الجوانب الذي يبدو منها أن الحديث عن "الانتهاء" ملائم بشكل مؤكد هو العناصر ما وراء المسرحية في النص، الإشارات التي تدل على حقيقة أنها مسرحية. في نقاط بعينها يصير ذلك واضحا تماما، مثل وصف كلوف الساخر للجمهور. يوجه تلسكوبه نحوهم ويقول: "أرى... حشد... في لحظة التأثر... بالبهجة (صمت) هذا ما أطلق عليه مكبر" (25). تلك العناصر ما وراء المسرحية أكثر هيستيرية من "في انتظار جودو"، خاصة بسبب أنها تجيء من هام المستعرض والأدائي. مثلهما مثل إستراجون وفلاديمير، يطرح هام وكلوف أحكامهما في حوارهما – "هذا عمل بطيء" أو "نحن نواصل" – ولكن هناك إحالات أكثر عمومية في اللغة المسرحية. على سبيل المثال عندما يهدد كلوف بالمغادرة ويسأل هام عن السبب الذي يجبره على البقاء، يجيب هام "الحوار" (39). الأكثر وضوحا هو توبيخ هام الغاضب لكلوف لأنه أجاب على "حواره الجانبي"، وبالتالي عدم احترامه للتقليد المسرحي المتعلق بالحوار الجانبي والمناجاة حيث تتظاهر شخصيات المسرحية الأخرى الواقفة على الخشبة أنها لا تسمعه: "حوار جانبي يا قرد! ألم تسمع حوارا جانبيا من قبل؟ (صمت) أنا أستعد لمناجاتي الأخيرة". (49)

على هذا المستوى، كل الحديث عن "الإنهاء" و"الختام" يشير أيضا إلى الأدوار التي يلعبونها. حقيقة أنهم يريدون الانتهاء بشدة تدعم الثيمة البيكيتة المألوفة إذ يصبح الخطاب والفعل المسرحي نوعا من التعذيب. من جهة هذا يجعل الشخصيات مشغولة، وبالتالي محمية مؤقتا (فكر في الطريقة التي يحب بها هام أن يروي بها قصته)؛ من جهة أخرى تتجلى الأشياء المثيرة للأسف – التظاهر، "الوقوع في الشرك" (بمعنى الاستمرار في الأدوار المعدة مسبقا) والتكرار الأساسي في التمثيل-المسرحي والذي يمتزج مع الضجر والقلق الوجودي بشكل عام: "لم هذا الهزل يوما بعد يوم؟" كما تشير نيل وكلوف. مجددا، مثلها مثل "في انتظار جودو" لا تشير العناصر ما وراء المسرحية البارعة في "لعبة النهاية" إلى المسرح فقط كمسرح، فهي تُظهِر في الوقت نفسه الجوانب الأدائية والمكررة والمسرحية في الحياة اليومية.

تقنية ما وراء مسرحية أخرى في "لعبة النهاية" هي السخرية من اللغة المسرحية المتكلفة. شذرات المناجاة المتشائمة التي ظهرت في مسرحية "في انتظار جودو" لم تتجاوز في "لعبة النهاية" السخرية اللاذعة من كفاح هام نحو التفاصح. لأن كل طموحاته تسعى إلى البؤس السامي، هام بطل تراجيدي منهك من الشاعرية، مثلما أن اسمه هو نسخة مبتورة من هاملت، أشهر بطل تراجيدي على الإطلاق. تتلاشى اللغة المسرحية بسرعة، مثل المسكنات وكل شيء آخر في المسرحية. كل ما يتبقى هو خطابته الفارغة وإلقاءاته غير المحبوكة. هناك الكثير من الكفاح الساعي إلى الحس الرزين، خاصة في محاولة هام لحكي تاريخه للجمهور غير المرحب بذلك، ولكن لا دلالة كبيرة خلف الكلام الطنان. 

"القليل من الشعر (صمت). لقد صليت – (صمت، يصحح نفسه) لقد بكيت طوال الليل؛ إنه يجيء – (صمت، يصحح لنفسه) إنه يسقط: يبكي الآن في الظلام. (يكرر، ينشد) لقد بكيت طويل الليل؛ إنه يسقط: والآن يبكي في الظلام. (صمت) هذا مصاغ جيدا. (صمت)". (52)

هام هنا هو "هام" الممثل، الذي يمد من دوره ويضفي على جمله المتعبة دلالة ثقيلة لا تستحقها. اللغة الطنانة تتقلص على الفور عن بسبب الجسداني والمقرف واليومي: "غضبي يتراجع، أريد أن أبول" (22). الفصاحة أو العظمة الأدبية، كالجمال الطبيعي، لم تعد متاحة في هذا العمل. محاولات هام المتكلفة لاستعادتها تشير ببساطة إلى غيابها. ولكن أدائه يؤكد أيضا على وقتية وهشاشة سيطرته على الآخرين، ومن ضمنهم الشخص الموجود في يومياته الذي جاء ليساعده. عادة عندما يعرض بيكيت علاقات السلطة المستغلة (بوتسو ولاكي مثال آخر) تنتزع طبيعية الشخصيات عن طريق تكثيف العنصر الأدائي فيها. الأدوار الاجتماعية والهيراركيات السياسية تنفك عندما تظهر لتكون موضوع "المسرحية" أو الأداء أكثر من سؤال الهوية المقررة سلفا والتي لا يمكن التهرب منها. ربما يكون بوتسو في مكان لاكي، كما يعرف هو، إن أراد الحظ هذا.

التسامي الذي يطمح له هام يجعل التقليد الأدبي يبدو مستهلكا ومجردا. ربما هذا هو سبب بعض الإحالات المتناصة في المسرحية، مع شكسبير بشكل خاص. "مملكتي مقابل حارس ليلي!" (22) هذا يحيل إلى الطلب الشهير في مسرحية شكسبير "ريتشارد الثالث": "مملكتي مقابل حصان" (V, iv, 7). توبيخ كلوف العنيف لهام: "أنا أستخدم الكلمات التي علمتها لي، إن لم تعد تعني شيئا، علمني كلمات أخرى، أو دعني أصمت". (32)، يردد صدى كلمات كاليبان لبروسبيرو في مسرحية شكسبير "العاصفة": "لقد علمتني اللغة وقد أفادتني في كوني عرفت كيف ألعن: فليصبك الطاعون الأحمر لأنك علمتني اللغة!" (I, ii, 365–7). قول هام "لقد انتهى احتفالنا الآن" (39) مقتبس بالضبط من بروسبيرو في المسرحية نفسها (IV,i, 148). مع معرفتنا بفشل هام في الوصول إلى الفصاحة وإلى الرفض العام لكل من الوضوح الموضوعي والعمق الفلسفي في المسرحية، فالإحالات إلى شكسبير تشير إلى الغياب. عندما تعرى الملك لير وواجه العاصفة في الأرض القفر، في لحظة تطرف أولية ومجردة تعتبر أحيانا شبيهة بأسلوب بيكيت، فهو على الأقل استطاع أن يهجو العناية الإلهية بشكل معبر وذو رؤية. لا توجد مثل هذه الميزة في "لعبة النهاية"، وبالتالي فالاقتباسات الشكسبيرية التي تطفو في هذا النص هي أشبه بحطام وبقايا التقليد الأدبي. إنها تشير إلى فقدان آخر.

بروسبيرو في "العاصفة" قادر على التحكم في الأحداث على جزيرته، إلى أن تضيع قواه السحرية مع نهاية المسرحية. في "لعبة النهاية" قوة الإرادة الإنسانية بعيدة عن أن تكون سحرية، مقيدة بشكل كبير، ويغزوها الحس العام بالوقوع في الشرك. هذا ربما يظهر بأوضح شكل في الإعاقات الجسدية للشخصيات الأربع، ولكنه متضمن بالقدر نفسه في الحس العام للحتمية الذي يسيطر على المسرحية. بكلمات أخرى، الشخصيات ليست مقيدة فقط بشيء دائري – ولا حتى كلوف المتحرك الذي يبدو قادرا على المغادرة – ولكن بشيء مؤقت وزائل. كما أشار بالفعل: "شيء يسير في مداره"، وهو التحفظ الرئيسي. هناك شعور آلي وميكانيكي في الحركات على المسرح، يتجلى في الاهتمام بالدقة والنمطية، على سبيل المثال هوس هام بإيجاده المركز الدقيق للغرفة. هذه واحدة من الطرق التي تعمل فيها الإحالة إلى لعبة الشطرنج. يبدو الفعل مجردا من الإرادة الإنسانية، الشخصيات هنا هي قطع شطرنج تحركها قوى خارج التحكم.

"كلوف: افعل هذا وافعل ذاك، وأفعله. لا أرفض أبدا، لم؟
هام: لست قادرا على ذلك.
كلوف: قريبا لن أفعل ذلك في ما بعد.
هام: لن تكون قادرا على ذلك في ما بعد".

الإرادة الإنسانية تتراجع وتقع تحت وطأة النمط الحتمي. وكون أفعال الشخصيات معدة مسبقا يشير بشكل واضح إلى الحقيقة المسرحية بأن ما يجري هو عرض مسرحي معتمد على نص مكتوب مسبقا. ولكنه ربما متخذ أيضا من مقاربة موضوعية وفلسفية للحتمية. اعترف بيكيت أنه يجد السرديات الحتمية عن الحياة مقنعة أكثر من غير الحتمية. إدراكه بأنه هناك بنى تتحكم في السلوك الإنساني، وتحد من حريته، تضعه في موضع مختلف عن الوجوديين. وافق متحمسا على اعتراضات كاتب سيرته الذاتية جيمس نولسون على التأكيد الوجودي للحرية الإنسانية غير المقيدة، قائلا أنه وجد: "الحدود الحقيقية على حرية الإنسان في الفعل (جيناته، نشأته، ظروفه الاجتماعية) مقنعة أكثر من الحرية النظرية التي يؤكد عليها سارتر"[12]. سواء كنا ناتج للطبيعة (الجينات، الحتمية البيولوجية) أو النشأة (الظرف الاجتماعي، التربية، الأيدولوجيا)، يميل بيكيت أكثر إلى فكرة أن الفعل الإنساني تسيطر عليه الأنساق والبنى الحدية أكثر من ميله لفكرة كوننا نتحكم بشكل كبير على سلوكنا. مثل هذه النظرة تتجلى في السمات الميكانيكية الحتمية الباردة في "لعبة النهاية".

ربما هذا يشرح أيضا الموقف تجاه "الطبيعة" في هذه المسرحية. الارتياح وسط الجمال الطبيعي قليل في "في انتظار جودو" عادة ما يستعاد فحسب في الذكريات المتعلقة بالحياة المبكرة. ولكن على الأقل ظهرت بعض أوراق الشجر في الفصل الثاني. يحب هام أن يحلم بالطبيعة؛ عادة ما يشتاق للبديل الرعوي على حساب الكآبة الصحرواية التي يعيش فيها. في بعض الأحيان تكون استعادته للجمال الطبيعي حيوية وجذابة. فكرته هي الفكرة الرومانسية عن الطبيعة كـ "أم"، الضامن للأصالة والراحة. إن كان بإمكانه النوم سيكون باستطاعته "أن أذهب إلى الغابة. عيناي ستريان... السماء، الأرض، سأجري، أجري، ولن يلحقوني. (صمت) الطبيعة!". (19). الغابة الوحيدة المتبقية الآن موجودة في أحلام هام. في حين أن صندوقي القمامة الخاصين بناج ونيل ممتلئان بنشارة الخشب، فعليهما من الآن أن يعتمدا على الرمال. ولكن هام يأمل أن تستمر الطبيعة في مكان آخر. يسأل كلوف: "هل فكرت أبدا في شيء ما؟ أننا هنا في عمق حفرة. (صمت) ولكن وراء التلال؟ اسمع؟ ربما ما زال هناك لون أخضر. أليس كذلك؟ (صمت) فلورا! بومونا! (بنشوة) سيريس! (صمت) ربما لن تكون بحاجة إلى أن تذهب بعيدا جدا". سخاء الطبيعة يبهج هام، ويمثل غيابها  جزءا من عذابه (وهو يشتاق إليها حتى النهاية).

ولكن إن لم تعد هناك منتجات للطبيعة، فعملياتها ما زالت مستمرة، وهي جزء من العالم الحتمي المتدهور التي تقع الشخصيات في شراكه:

"هام: الطبيعة نستنا.
كلوف: لم تعد هناك طبيعة.
هام: لم تعد هناك طبيعة! أنت تبالغ.
كلوف: في الجوار.
هام: ولكننا نتنفس، نتغير! نفقد شعرنا! أسناننا! نموّنا! مُثُلنا!
كلوف: إذن هي لم تنسنا.
هام: ولكنك تقول إنها لم تعد موجودة.
كلوف: (بحزن) لا يوجد  أحد يفكر مثلنا بهذه الطريقة الملتوية".

العزاء الرعوي انتهى، ولكن الهدم الأعمى للتغيير والتحلل الطبيعي لم ينتهيا. إنهما الأسوأ في كل من العالمين، الطبيعي و"ما بعد" الطبيعي. محاولات كلوف لإلقاء بذور النهاية على الفشل، ربما هي رمز لعدم جدوى التحكم الإنساني في العالم الطبيعي. الطبيعة عشوائية وعمياء، مصدر الكفاح المستمر مع غرض أو غاية غير واضحة، حتمية بدون غائية، مثلما ذكر داروين عن الانتقاء الطبيعي على أنه كفاح بلا هدف. هذا هو سبب أن إمكانية التطور الذي يتكرر مزعجة جدا. في البداية، يظهر برغوث أو قملة في بنطلون كلوف. يقول هام: "ولكن ربما تبدأ الإنسانية مجددا من هنا! اقض عليه، إكراما لله!" (27). يكافح من أجل قتله بمبيد حشري، ولكن يدرك أنه من الممكن أن يكون "متظاهرا بالموت". لاحقا، يظهر فأر في المطبخ، يتهرب من مجهودات كلوف لإبادته. وفي النهاية، بالقرب من الختام، يرى كلوف صبي بتلسكوبه، "ذُرِّية كامنة" (50). رأى كلوف التطور يتحرك من البرغوث إلى الفأر إلى الصبي، هذا تحديدا ما يخاف منه هام.

العالم الذي يفنى فيه أي أثر للحياة الجديدة، ومن ضمنها المتعلقة بطفل صغير، ليس عالما يعتنق الأخلاق المعروفة مسبقا. "في "لعبة النهاية" تتجاوز عمليات السلب القيم التقليدية. فعل الانتهاك الأعلى هو إعادة الإنتاج، يصرخ هام في أبيه: "السلف الملعون" (15). هذه بالتأكيد مسرحية عن "الفقد"، ولكن إن كان للفقد أي دلالة فهي تتعلق بشيء مقدر وذو قيمة. فقدان المتبقي، أو أي شيء ما زال متاحا، لن يؤدي إلى الوصول لدلالة، دعك من الوصول لسمو تراجيدي. في "لعبة النهاية" يظل الأبوين في سلال القمامة وموت الأم يكاد لا يذكر. وكأن "القيمة" نفسها، إلى جانب كل المواد الممكنة مثل المسكنات والملبن، تعاني من عملية الاستهلاك. هناك بالتأكيد مستويات من السخرية والكوميديا السوداء في وصف موقف هام تجاه أبويه (وفي الحقيقة هناك في رعب تصور التطور الذي يتجدد). ولكن هناك أيضا رفض صادم ومخرب بقوة لقيم الحياة والأسرة و"التطور".. إلخ. الدراما البرجوازية الداخلية التقليدية تقدس وتحتفي بالعلاقات الأسرية. حتى لو تلك العلاقات تحطمت أو انتهت بالبؤس، إنها عرف يضفي الفعل الدرامي عليه المعنى. عندما تضيع هذه القيمة نفسها إلى جانب كل شيء آخر، كما هو الحال في "لعبة النهاية"، فالمعنى النهائي للسلب والإبادة يأخذنا إلى مملكة خلف أو وراء التراجيديا. إن كان المصطلح التراجيدي التقليدي الذي تسعى إليه المسرحية ("بؤس أسمى من بؤسي") يفصح عن قيم الفقدان التراجيدي، فهذه المسرحية تنتقل إلى استنفاذ راديكالي أكبر يفصح عن ضياع القيم التراجيدية.




[10] S. E. Gontarski (ed. and notes), The Theatrical Notebooks of Samuel Beckett, vol. II: Endgame (London: Faber and Faber, 1992), p. 61.
[11] Theodor Adorno, ‘Towards an Understanding of Endgame’, trans. Samuel M. Weber, in Bell Gale Chevigny (ed.), Twentieth-Century Interpretations of ‘Endgame’ (Englewood CliVs, NJ: Prentice-Hall, 1969), p. 84.
[12] Knowlson and Haynes, Images of Beckett, p. 18.