ذكرى ألبير كامو والحنين للإلحاد القديم
جون كارلسون*
* أستاذ مساعد في الدراسات الدينية بجامعة آريزونا
ترجمة: أمير زكي
***
بينما يحتفل المعجبون والتابعون للفيلسوف والكاتب الفائز بجائزة نوبل ألبير كامو بمئوية مولده اليوم، يتذكر متعددو المعتقدات وعديمو المعتقد ميراثه المتعلق بالدين. بشكل هام يقدم كامو – كغير مؤمن - مثالا مضادا وقويا لحدة وعداء "الإلحاد الجديد" المرتبط بأسماء كريستوفر هيتشنس، سام هاريس، ريتشارد دوكينز وأخرين. في الحقيقة يجعلنا كامو نشتاق لأيام "الإلحاد القديم" إذ لا تتم السخرية من المتدينين بسبب ما يطلق عليه معتقداتهم اللا عقلانية؛ وأن تتم مهاجتمهم بتهمة "الدين الذي يسمم كل شيء"؛ وأن يُطلب منهم أن أن ينسحبوا بينما تنظف العلمانية كل البقايا الدينية من الحياة العامة.
 
لنبدأ بالقول بأن كامو كان متواضعا في عدم إيمانه، مستدعيا تحذير بنجامين كونستان بأنه هناك شيء "مُستَهلَك" في مهاجمة الدين بكثافة. اعترف كامو بصراحة بأنه لا يؤمن بالله، ولكنه اختار أن يتحدث "باسم الجهل الذي لا يحاول أن ينفي شيئا". بكلمات أخرى، لم يفترض غياب المعتقد عنده أن الآخرين يجب أن يكونوا على خطأ – بالطبع لن يفعل ذلك بطريقة لا يستطيع أن يثبت بها ذلك بشكل مؤكد. لهذا السبب، رفض "الإلحاد، متبنيا بدلا منه مظلة "غير المؤمن". (Incroyant)
 
لا يحتاج المرء ليكون متدينا مع ذلك ليُقَدِّر كيف أسهم الدين بشكل بَنَّاء في الحضارة والحياة المعاصرة. كطالب جامعي شاب في الجزائر الفرنسية، أنهى كامو أطروحة تبحث في العلاقة بين الميتافيزيقا الأفلاطونية الجديدة والمسيحية. الرمز الرئيسي في الدراسة كان القديس أوغسطين، الذي كان كامو يكن له إعجابا كبير كجزائري آخر. وفقا لكاتب سيرته الذاتية هربرت لوتمان؛ كان القديس أوغسطين بالنسبة لكامو "أسقف كُتَّاب شمال أفريقيا، سواء كانوا مؤمنين أو غير مؤمنين. رأى كامو في القديس الفنان بكل نقاط قوة وضعف (الأفريقي) الذي شعر كامو أنه سيكونه". كان كامو مأخوذا بشكل خاص ببحث أوغسطين في مشكلة الشر. على العكس من الملحدين الجدد مثل هيتشنس – الذي يرى أن الدين هو حامل الطاعون – أدرك كامو أن الشر هو مشكلة إنسانية. كما أشار دكتور ريو في رواية كامو الرائعة "الطاعون": "كل منا بداخله الطاعون؛ لا أحد، لا أحد في العالم متحرر منه". كامو، مثله مثل دكتور ريو، يطرح التساؤلات نفسها التي يطرحها المتدينون؛ إلا أنه لم يستطع قبول إجاباتهم – أو آمالهم. لم يجد العزاء في إيمان أيوب، أو خلاص المسيح، ولكنه وجده عند سيزيف: الفكرة هي أنه خلال التمرد والتحمل يمكن لسيزيف أن يصير سعيدا.
 
بشكل مثير للاهتمام، ومع كل تركيزه على نضال سيزيف المنعزل، آمن كامو أن الاتحاد يولد من التمرد. والمشكلات الأخلاقية الشائعة التي يواجهها المؤمنون وغير المؤمنين معا في الحياة السياسية – طاعون النازية على سبيل المثال – تتطلب منهما أيضا أن يعملا معا (كما فعل كامو بتحريره جريدة المقاومة الفرنسية كومبات Combat). في خطاب شهير أُلقي في دير الدومنيكيان بباريس، أثنى كامو على أهمية التعامل المتعاون المشترك، والاختلاف ذو الاحترام المتبادل. "لن أحاول تغيير أي شيء مما أعتقده، أو أي شيء مما تعتقدوه... من أجل الوصول إلى مصالحة تكون مقبولة للجميع". أصر بالأحرى على أن "العالم يحتاج إلى حوار حقيقي" الذي يكون ممكنا فقط "بين أناس يظلون على ما هم عليه ويصرحون بما في أذهانهم، هذا يعني القول أن عالم اليوم يحتاج إلى مسيحيين يظلون مسيحيين". ولكن كامو لم يتوقف هنا، استمر ليحث المسيحيين على "الحديث بصراحة" وأن "يشاركوا بشكل شخصي"، هذا الذي رفض العديد من المسيحيين فعله حين كان هتلر يغزو اوروبا ويرسل العديد من اليهود إلى الموت.
 
في معركة حول محاكمات التطهير للمتعاونين مع حكومة فيشي، كان رد فعل كامو عنيفا ضد المفكر الكاثوليكي فرانسوا مورياك لأنه "يلقي المسيح في وجهي". كان كامو على حق. ولكن ليس على غير المؤمنين أيضا أن يلقوا إلحادهم الحاد في وجه المؤمنين. في عصرنا المُستَقطِب هذا، علينا أن نستعيد حكمة وتواضع ألبير كامو، ونموذج التعاون المشترك الذي قدمه. الإلحاد الجديد لم يقدم شيئا يمكن مقارنته بذلك، في وقت تهدد وتورط فيه الصراعات الأخلاقية والسياسية – ومنها الصراع ضد التطرف الديني – المؤمنين وغير المؤمنين معا.