2018-10-14

أقصى ما يمكن – مصطفى ذكري – اقتباسات

اقتباسات من كتاب "أقصى ما يمكن – يوميات 3" لمصطفى ذكري
إصدار الكتب خان – 2018




***

"وأنا أكمل عملًا، وقفت ثلاثة أعمال أخرى غير مكتملة حاجزًا أمام العمل الذي تقدمت في كتابته إلى ما قبل النهاية بقليل، هناك عار أشعر به في عدم قدرتي على إنهاء عمل، عار يغذيه الوقت، ومن النذالة أن لا أعطي فرصة للوقت، لا أقصد الكسل أو الفشل، فهما صديقان على طول الطريق، ولي معهما ود، أما الوقت فهو من يريد دائمًا الفرصة ربما ليربط بين التأجيل والقيمة أو ربما ليزرع بيني وبين الصديقين كراهية".

***

"على الحاجز الخشبي دفتر كبير مفتوح على مصراعيه، وقلم رصاص مربوط من أعلاه بدوبارة نهايتها مثبتة بمسمار خفي أسفل الحاجز الخشبي، كتبت اسمي الثلاثي، ورقم البطاقة الشخصية، وعنوان البيت، والهدف من الزيارة، الاستعارة أم القراءة؟ يقع اختياري دائمًا على القراءة، رغم أنني في نهاية اليوم آخذ كتابًا للاستعارة، الهدف من الزيارة، كأنها جملة لتعرية الزائر، وفضح نواياه، وماذا لو لم يكن هناك هدف من الزيارة، أقضي الساعات في المكتبة تحت وطأة السؤال، ليس لأنني لا أريد القراءة أو الاستعارة بل لأن القراءة أو الاستعارة تأتي عَرَضًا لهروب غير ذي معنى يستأنس بجوار، بحيث لو لزم الأمر أحتمي بهدف الزيارة".

***

"رأيت بالصدقة لقطات من فيلم تسجيلي عن الكاتب المصري الراحل ألبير قصيري، الفيلم قبل موته بثلاث سنوات، كان عمره في زمن الفيلم واحد وتسعين عامًا، اللقطات بسيطة، ألبير يعبر شارعًا للوصول إلى حديقة عامة، يجلس على كرسي، يعود إلى غرفته المتواضعة في بنسيون، المؤثر في الفيلم طغيان الزمن على جسم ألبير، فهو ضئيل ومنكمش، وكأن انكماش الجسم هي فاتورة الواحد وتسعين عامًا، وكأن الزمن لن يحفظ سمعته إلا بهذا الطغيان، في المقابل يستسلم ألبير، ويبدو وهو يخطو على أرض الشارع، وكأنه يدوس على لوح من الزجاج عُرضة للكسر، وحتى إذا كانت الأرض من زجاج، فوزن جسمه الذي لا يتعدى الخمسة وأربعين كيلوجرامًا لا قِبَل لها بكسر الزجاج، فكرت أنه عند عمر معين أحيانًا تتم المساومة المهينة بين عجوز وزمن، لك الطغيان ولي الاستسلام".

***

"كنت قد عاهدت نفسي أمام الكتابة بعربون الوقت المفتوح، ليس أقل من زمن أبدي لكتابة جملة، حجة البليد، ربط ذيل الكتابة بذيل الزمن، شد وأنا أشد، حبل مشدود بين نافذتين متقابلتين، مهرج نيتشه يخرج من نافذة، وفي يديه عارضة التوازن، يخطو على الحبل، زرادشت في الأسفل، الناس في الساحة معلَّقة عيونهم بالمهرج، ما أن يصل المهرج إلى منتصف الحبل إلا وتنفتح النافذة التي خرج منها مرة ثانية، مهرج ثان يتقدم على الحبل. الأفضل مشهديًا وسينمائيًا أن يخرج المهرج الثاني من النافذة المقابلة، لكن نقول إيه لنيتشه؟ ميزانسين ملكلك، يقول: تنفتح النافذة مرة ثانية، هو كان المهرج الأول قفلها قبل ما يمشي على الحبل؟ يقفز المهرج الثاني على المهرج الأول، يقع المهرج الأول في الساحة، لم يقل لنا نيتشه هل وصل المهرج الثاني إلى النافذة المقابلة، زرادشت في الليل، وهو يدفن المهرج الأول، يجد أمامه المهرج الثاني، كان المشهد السينمائي مطية للمعنى، نخاسة، ركوبة، مداسًا. الله يسامحك يا عم نيتشه".

***

"تحمَّر وجوه أبطال دوستويفسكي وتصفرُّ، ترتعش شفاههم، تخفق دقات قلوبهم، يجاهدون توالي الانفعالات على سحناتهم، تتضخم أرواحهم، يتسوَّلون الدراما على عتبات البيوت والغرف الضيقة والممرات والبارات والأقبية، مراهقون في العشرينيات يحملون فلسفات سيئة الصياغة، يقرأون كثيرًا بوشكين وجوجول، يراهنون على خجل القارئ أمام صدق أفعالهم في القتل والحب والصداقة".

***

"إنني أستطيع لوم نفسي إلى ما لا نهاية، بحيث يصعب على أحد غيري تسديد ضربة إضافية، ويرتكز اللوم في مجمله على بضعة أمور كنت قد حلمت بها صغيرًا، وعوَّلت في حال تحققها على سعادة تكفي لدفع طاقات الملل، وحدث أن ما حلمت به تحقق، لكن بانطفاء وخمود وبطء".

***

"حلمت بأنني تركت مهنة الكتابة، وفتحت محلًا لبيع الأدوات المكتبية. وكان المحل على مدينة ساحلية. تصعد سلالم قليلة من رمال البحر، فتجد نفسك أمام المحل الصغير على الطريق. أغلب الزبائن من الشاطئ. يتجهون إلى ركن في المحل لشراء جريدة أو مجلة. وهذا الركن هو الذي يسد رمقي. أما الأدوات المكتبية فهي إثبات شخصي على تغيير المسار، ويخرج فقط عند الضرورة".

***

"كانت الدراسة بالنسبة لي، وبمراحلها جميعًا، ألمًا لا شفاء منه، نصلًا مغروسًا في الجنب، يلف على محوره من وقت لآخر، وحتى بعد انعتاقي النهائي من الدراسة الجامعية، منذ أكثر من عشرين سنة، ما زال الألم شبه الجسدي، شبه النفسي، يعود مختلطًا في الذاكرة بما يشبه تقارير إدانة عن مشاهد تقصير دراسي لا أتذكرها تفصيلًا، لكنني لا أنكرها جملة، فيضاف على الذاكرة عبء الشعور بالذنب، وأمر ملح أتى باستعادة مشاهد التقصير الدراسي بكل تفاصيلها، وكأنها حدثت بالأمس. لم يكن تقصيري الدراسي يرجع إلى تعال ذهني على المواد الدراسية، التي لا أستطيع أيضًا الدفاع عن علو شأنها، بل يرجع إلى خوف معتم من بذل مجهود ذهني يُقابَل في النهاية بنتائج عادية، وإذا كانت تلك النتائج العادية المسالمة غير المحسوسة التي تنقلني من امتحان إلى آخر، ومن سنة إلى أخرى، ومن مرحلة دراسية إلى أخرى، تتم تحت غطاء الحد الأدنى من المجهود الذهني، فقد كان تأجيل ذلك الجهد اللازم، مخدرًا مستدامًا، وخزينًا للطاقة لا ينضب".

***

"أستاذ مادة الدراما في المعهد العالي للسينما قال لنا يومًا: إذا استطاع أحدكم اختيار أقوى نقطة درامية نستطيع منها الدخول للفيلم الملحمي (الطيب والشرس والقبيح) للكتابة عنه، له مني 100 جنيه. بعد أسبوع كانت معظم الاختيارات لا تخرج عن الأبطال الثلاثة في الفيلم. كلينت إستوود، وإيلي والاش، ولي فان كليف. كان اختياري بعيدًا. اخترت شخصية بيل كارسون، وهو شخصية ثانوية في الفيلم، لكنها شخصية تُمثل الغياب/الحضور، وتحرك الحدث الدرامي عن بعد. بيل كارسون يظهر مرة واحدة أثناء موته، وهو الحامل لسر النقود الذهبية. أخذت 100 جنيه وسط امتعاض الزملاء الذين اقترحوا احتفالًا وتبديدًا للمال في الليل. قلت لهم: مَن مثلي الأعلى في فيلم (الطيب والشرس والقبيح؟) صمتوا جميعًا. قلت ضاحكًا: توكو. لو كان توكو مكاني لما صرف ماله على مقاطيع سينما ميديوكر بحجة الزمالة".

2018-10-05

خطاب بوب ديلان في مأدبة نوبل

حصل المغني الأمريكي الشهير بوب ديلان على جائزة نوبل في الأدب لعام 2016، وكان الإعلان عن الجائزة في ذلك العام أمرًا فريدًا، إذ تعتبر المرة الأولى التي يحصل فيها مغنٍ على الجائزة. لم يحضر ديلان مأدبة نوبل الذي أقيم يوم السبت 10 ديسمبر، ولكن ديلان أرسل خطابًا ألقته سفيرة الولايات المتحدة في السويد آزيتا راجي. وهذه ترجمة الخطاب كاملًا.

بوب ديلان
خطاب مأدبة نوبل
10 ديسمبر 2016

ترجمة: أمير زكي
ديسمبر 2016

نُشرت الترجمة بموقع المنصة

يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه.

***



مساء الخير على الجميع، أقدم تحياتي الحارة إلى أعضاء الأكاديمية السويدية وإلى جميع الضيوف المميزين الآخرين الحاضرين الليلة.

أعتذر لكم لعدم تمكني من الحضور بشخصي، ولكن أرجوكم أن تعرفوا أنني معكم كلية بروحي، وأنني شَرُفت بتسلم هذه الجائزة الجليلة. الحصول على جائزة نوبل في الأدب هو أمر لم أتخيله أو أتوقعه على الإطلاق. منذ وقت مبكر، عرفت وقرأت والتهمت أعمال مَن اُعتبروا مستحقين لهذا الامتياز: كيبلينج وشو وتوماس مان وبيرل باك وآلبير كامو وهمنجواي. هؤلاء العمالقة الذين تُدرّس أعمالهم في المدارس، وتُحفظ كتبهم في المكتبات في أنحاء العالم، ويتم الحديث عندهم دومًا بلهجة توقير، كان لهم دومًا تأثير عميق عليّ. والآن فانضمامي لهذه القائمة من الأسماء هو أمر لا أستطيع التعبير عنه بالكلمات.

لا أعرف إذا كان هؤلاء الرجال والنساء فكروا في شرف الحصول على نوبل، ولكني أفترض أن أي شخص يكتب كتابًا أو قصيدة أو مسرحية في أي مكان في العالم ربما يخفي هذا الحلم السري في أعماقه، على الأرجح يكون الحلم مدفونًا بعمق حتى أنهم أنفسهم لا يعرفون إنه موجود.

إذا قال لي أحدهم في الماضي إن لديّ فرصة ضئيلة للحصول على جائزة نوبل، كنت سأعتقد أن إمكانية ذلك أشبه بإمكانية وصولي إلى القمر. في الحقيقة، في السنة التي وُلدت فيها وبعدها بعدة سنوات، لم يُعتبّر أي شخص في العالم أهلًا بما يكفي ليحصل على جائزة نوبل، بالتالي أعتبر نفسي وسط صحبة نادرة جدًا، وهذا أقل ما يمكن قوله.

لقد كنت مسافرًا في رحلة عندما تلقيت تلك الأخبار المفاجئة، وقضيت بضعة دقائق في محاولة استيعابها تمامًا. ثم بدأت أفكر في وليام شكسبير، الرمز الأدبي العظيم، وسوف أعتبر أنه كان يفكر في نفسه ككاتب مسرحي، وفكرة أنه يكتب أدبًا لم تكن تراوده. كان يكتب كلماته لتُمَثَّل على المسرح، من أجل تُنطَق لا أن تُقرَأ. أنا متأكد أنه حين كان يكتب هاملت كان يفكر في العديد من الأشياء المختلفة: "من هم الممثلون الأنسب لهذه الأدوار؟"، "كيف يمكن أن تُعرَض على المسرح؟"، "هل أود فعلًا أن أجعل الأحداث تجري في الدنمارك؟" بلا شك كانت رؤيته المبدعة وطموحاته في مقدمة ما يفكر فيه، ولكن كانت هناك أيضًا مسائل مبتذلة كان عليه أن يتعامل معها: "هل التمويل كاف؟"، "هل هناك مقاعدة جيدة كافية لرعاة المسرحية؟"، "من أين سأحصل على جمجمة لإنسان؟" أراهن أن آخر شيء كان يفكر فيه شكسبير هو "هل هذا أدب؟"

عندما بدأت كتابة الأغاني في مراهقتي، وحتى عندما حصلت على بعض الشهرة بسبب موهبتي، كانت طموحاتي لتلك الأغاني تتوقف عند هذا القَدر: فكرت أنه من الممكن أن يسمعها الناس في المقاهي والبارات، وربما بعد ذلك أن يسمعوها في مكان مثل كارنيجي هول، أو في مسرح لندن بالاديوم. وإذا أفرطتُ في أحلامي، ربما كان بإمكاني تخيل أن أصنع تسجيلًا ثم أستمع لأغانيّ في الراديو. كانت هذه جائزة كبيرة جدًا من وجهة نظري؛ صناعة التسجيلات والاستماع إلى أغانيك في الراديو كان يعني وصولك إلى جمهور كبير، وأنه عليك أن تستمر في فعل ما بدأت فعله.

لقد استمررت في فعل ما بدأت فعله منذ وقت طويل، لقد صنعت عشرات التسجيلات، وغنيت في آلاف الحفلات في أنحاء العالم، ولكن أغنياتي كانت هي المركز الحيوي لكل شيء أفعله تقريبًا. بدا أنها حصلت لنفسها على مكان في حياة العديد من الناس في العديد من الثقافات المختلفة، وأنا ممتن لهذا.

ولكن هناك شيء واحد عليّ أن أقوله؛ كمؤدٍ، غنيت أمام 50 ألف شخص، وغنيت أمام 50، ويمكنني أن أقول لكم أن الأصعب هو أن تغني أمام الـ 50 شخصًا. الـ 50 ألف لديهم شخصية واحدة، ولكن الأمر ليس كذلك مع الـ 50؛ كل شخص لديه هوية منفردة ومنفصلة، وهناك عالم بداخل كل واحد منهم. يمكن لكل منهم أن يدرك الأشياء بشكل أوضح. لقد اُختبرَت أمانتكم، وعلاقتها بعمق موهبتكم، إذ أنني لم أتجاهل بداخلي حقيقة أن لجنة نوبل صغيرة جدًا.

ولكني أيضًا مثل شكسبير، كثيرا ما أكون مشغولًا بالسعي وراء محاولاتي الإبداعية والتعامل مع المشكلات المبتذلة في كل جوانب الحياة: "من هم أفضل العازفين لتلك الأغاني؟"، "هل أسجل في الاستوديو المناسب؟" "هل لحن هذه الأغنية مناسب؟" إذ أن هناك بعض الأشياء التي لا تتغير أبدًا، حتى بعد مرور 400 عام.

لذلك لم يكن لديّ وقت أبدًا لأطرح على نفسي سؤال: "هل تعتبر أغنياتي أدبًا؟"

بالتالي أشكر الأكاديمية السويدية، أولًا لأنها بذلت وقتًا للتفكير في هذا السؤال، وأخيرًا لتقديم هذه الإجابة الرائعة.

أمنياتي الطيبة لكم جميعًا.

2018-09-28

من الأعماق - أوسكار وايلد - اقتباسات

اقتباسات من كتاب "من الأعماق" لأوسكار وايلد
ترجمة: عبد اللطيف محمد الدمياطي
إصدار مطبعة ومكتبة الدار المصرية - 1967

***



"إن صداقتنا سيئة الحظ والتي يرثى لها إلى أبعد حد قد انتهت بجلب الخراب والفضيحة العلنية عليَّ، ومع ذلك فإن ذكرى مودتنا القديمة لا تزال غالبًا معي. فإذا ما فكرت في أن الاشمئزاز، والمرارة والاحتقار، كل هذا سيأخذ دائمًا ذاك المحل من قلبي الذي كان يحمل الحب شعرت بحزن شديد. وأعتقد أنك تشعر في قلبك بأن كتابتك إليَّ حيث أبقى في وحدة حياة السجن أفضل من أن تنشر خطاباتي بغير إذني أو تهدي إليَّ قصائد بغير أن يؤخذ رأيي، وإن كان الناس لن يعلموا شيئًا عن الكلمات التي تبعث بها إليَّ في ردك أو استشهادك، أهي كلمات حزن أو انفعال أو تبكيت أو عدم اهتمام".

***

"إن أعظم الرذائل هي ضحالة العقل".

***

"كنت أفكر دائمًا أن الاستسلام لك في الأشياء الصغيرة لا يعني شيئًا. فحينما تأتي اللحظة الكبيرة سيكون في مقدرتي أن أعيد تثبيت قوة إرادتي في عليائها الطبيعية. غير أن الأمر لم يكن كذلك، فحينما جاءت اللحظة الكبيرة رأيت قوة إرادتي تخونني بصورة تامة. والحقيقة أنه لا توجد في الحياة أشياء صغيرة وأخرى كبيرة، فكل الأشياء في الواقع متساوية في قيمتها وفي جرمها".

***

"إن ذكرى صداقتنا هي الظل الذي يتابعني هنا (في السجن)، والذي يبدو أنه لا يتركني قط. فهو يوقظني في الليل ليخبرني نفس القصة، ثم يعيدها عليّ ويعيدها حتى يهجرني النوم بفعل تكرارها الممل وهكذا حتى مطلع الفجر. وعند الفجر يبدأ ثانية. وهو يتبعني إلى فناء السجن ويجعلني أكلم نفسي بينما أنا أدور حول المكان وكل شيء من التفاصيل التي حدثت في كل لحظة مخيفة أرى نفسي مقسرًا على تذكره. وكل شيء حدث في تلك السنوات المنحوسة لا أستطيع إحياءه في ذلك الجزء من مخي الذي خُصص للحزن واليأس. إن كل نبرة متوترة من صوتك، وكل حركة عصبية من يديك، وكل كلمة مُرة، وكل كلمة مسمومة - كل ذلك يعاودني باستمرار. إنني أتذكر الطريق أو النهر الذي سرنا بجانبه، والحائط أو الحرج الذي اكتنفنا، كما أتذكر الأرقام التي وقفت عليها عقارب الساعة، والاتجاه الذي انطلقت فيه الرياح، وماذا كان شكل القمر، وماذا كان لونه.

***

لقد كنت عدوِّي، وكنت عدوَّا لم يره قط إنسان. فقد أعطيتك حياتي فطرحتها جانبًا لكي تشبع في نفسك أحط الغرائز وأحقرها، وهي البغض، والغرور، والجشع. وفي أقل من ثلاث سنوات كنت حطمتني تمامًا من جميع النواحي. أما من جانبي فإنه لم يكن لي غرض سوى أن أحبك. فقد كنت ولا أزال أضرب في صحراء الوجود الجافة؛ وقد علمت أنني لو سمحت لنفسي بأن أشعر نحوك بالبغض لوجدت كل صخرة في هذه الصحراء فقدت ظلها، وكل نخلة جفت، وكل بئر جاءت بدليل على أنها مسمومة من القاع. فهل بدأت الآن تفهم قليلًا؟ هل تشعر بأن مخيلتك بدأت تستيقظ من ذلك السبات الطويل الذي وقعت فيه؟ لقد علمت من قبل ما هو البغض، فهل تدرك ما هو الحب، وما هي طبيعته؟ إن الوقت لم يفت لتعلم شيئًا عن ذلك؛ وإن كنت، لكي أعلمك ما هو الحب، وجب أن أدخل زنزانة متهم!"

***

"إن العذاب لحظة طويلة واحدة لا يمكن تقسيمها إلى فصول. وإنما نستطيع فقط أن نسجل نوباتها، ونؤرخ تكرارها. والزمن لا يتقدم بالنسبة إلينا، بل يدور. وهو يبدو كما لو كان يدور حول مركز للألم".

***

"ونهاية هذا كله إنني قررت أن أصفح عنك. بلى، يجب أن أفعل. فأنا لم أكتب هذا الخطاب لأزرع البغض في قلبك، بل لأزيل ما علق منه بقلبي. وإني إذ أصفح عنك إنما أفعل ذلك إكرامًا لنفسي. فالمرء لا يستطيع أن يحتفظ بأفعى في صدره لتعيش على عض جسده؛ وهو لا يستطيع أن يهبَّ كل ليلة ليزرع الأشواك في حديقة نفسه. ولن يكون من العسير عليَّ قط أن أفعل ذلك إذا ساعدتني قليلًا".

***

"إن الآلهة تبدو غريبة التصرف، إذ أنها تعاقبنا على ما هو فينا من خيِّر وإنساني بقدر ما تعاقبنا على ما هو فينا من شر وانحراف، أقول إنني يجب أن أقبل هذا الواقع، وهو أن الإنسان يُعاقب على ما يفعله من خير، كما يُعاقب على ما يفعله من شر. وليس لديَّ شك في أن هذا وضع صحيح بالنسبة إلى كل الناس. فهو يساعد المرء، أو ربما ساعده مستقبلًا، على إدراك الأمرين، فلا يذهب بعيدًا في انخداعه في أيهما، فإذا تسنى لي حينئذ ألا أشعر بشيء من الخجل لما حل بي من عقاب، وهو ما أرجوه، فإنني سأكون قادرًا على أن أفكر وأمشي، وأعيش في حرية".

***

"البؤساء من اللصوص والمنبوذين الذين سُجنوا هنا معي أسعد مني حظًا من نواحي عديدة. وذلك لأن الطريق الضيق الذي شاهد خطيئتهم في المدينة القاتمة أو الحقل الأخضر ليس طويلًا. فهم لا يحتاجون إلى الذهاب أبعد مما يقطعه طائر من وقت الشفق حتى طلوع الفجر ليكونوا بين مَن لا يعرفون شيئًا عما فعلوه. أما بالنسبة إليَّ فإن العالم (قد انكمش إلى عرض الكف)، وحيثما انقلب فإن اسمي يبدو مكتوبًا على الصخور بمداد من رصاص. وذلك لأنني قد جئت لا من ظلمة سوء السمعة العارض في جريمة بل من ضرب من الشهرة الخالدة إلى ضرب من الفضيحة الخالدة! وأنه يبدو لي أحيانًا أنني أظهرت ما كان حقًا يتطلب الإظهار، وهو أن الفرق بين الذائع الصيت والسيء السمعة لا يعدو خطوة، إذا كان حقًا بمثل هذا القدر من الاتساع".

***

"من المحزن ألا يكون هناك إلا القليل ممن استطاعوا قط أن (يملكوا أرواحهم) قبل أن يموتوا! يقول (إيمرسون): (ليس هناك ما هو أندر في الإنسان من فِعل جاء من ذاته هو). وهذا صحيح تمامًا. فأكثر الناس آخرون بالنسبة إلى أنفسهم. فأفكارهم من آراء غيرهم، وحياتهم محاكاة، وعواطفهم اقتباسات".

***

"ليس هناك من هو جدير بالحب. أما الحقيقة القائلة بأن الله يحب الإنسان فإنها تدل على أنه، في النظام القدسي للأشياء المثالية، كتب أن يمنح الحب الخالد لمن لا يستحقه في خلود. فإن بدت هذه العبارة أشد مرارة مما تحتمل فدعني أقول إن كل واحد مستحق للحب إلا ذلك الذي يعتقد أنه يستحقه. إن الحب ضرب من التقديس فيجب أن يتلقاه المرء راكعًا، وأن يتلقاه بينما تعمر قلبه هذه الكلمات وتضطرب بها شفتاه: (يا إلهي! لست مستحقًا). أود لك أن تفكر أحيانًا في ذلك. فأنت أشد حاجة إلى مثل هذا التفكير".

***

"الآليون من الناس، أولئك الذين ينظرون إلى الحياة على أنها تأمل ذكي يعتمد على حساب دقيق للطرق والوسائل، هؤلاء يعلمون دائمًا أين يذهبون، ويذهبون فعلًا إلى حيث يريدون. إن الواحد منهم يبدأ راغبًا في أن يكون شماسًا في كنيسة؛ وأينما طوحت به المقادير فهو ينجح في أن يكون شماسًا في كنيسة، ولا شيء أكثر، فالشخص الذي يرغب في أن يكون شيئًا ما منفصلًا عن ذاته، كأن يكون عضوًا في البرلمان، أو بدَّالًا ناجحًا، أو محاميًا لامعًا، أو قاضيًا، أو أي شيء لا يقل إملالًا، هذا الشخص ينجح بصورة لا متغيرة في أن يكون ما أراد. فأولئك الذين يريدون قناعًا يجب أن يرتدوه. غير أن الأمر يختلف مع القوى المحركة للحياة وأولئك الذين تجسدت فيهم هذه القوى. فالأشخاص الذين انحصرت رغبتهم في تمييز أنفسهم لا يعرفون أبدًا إلى أين يذهبون. إنهم لا يستطيعون أن يعرفوا ذلك. في واحد من معاني الكلمة من الضروري، بالطبع، أن يعرف المرء نفسه، كما قال وحي الإغريق. غير أن هذا هو الإنجاز الأول من المعرفة. أما الإنجاز النهائي من الحكمة فهو أن يدرك الإنسان أن نفسه لا يمكن أن تُدرك. فالسر النهائي هو النفس الإنسانية. ولا عجب، فعندما وضع الإنسان الشمس في كفة الميزان، وقاس خطى القمر، ووضع خريطة لنجوم السماوات السبع نجمًا بعد آخر، بقيت نفسه بعيدة عن هذا المنال. فمنذا الذي لا يستطيع أن يضع حسابًا لمدار نفسه؟"

***

"كل شيء عن مأساتي كان بشعًا، سافلًا، منفرًا، ناقصًا في الأسلوب. فحتى ملابسنا نفسها تجعل منا أشياء مضحكة. فنحن بهاليل الحزن، ونحن مضحكون تحطمت قلوبهم، ونحن قد صُنعنا خصيصًا لنكون مدعاة إلى السخرية. في الثالث عشر من نوفمبر سنة 1895 جيء بي من لندن إلى هذا السجن. ومن الثانية حتى الثانية والنصف من ذاك اليوم أوقفت على الرصيف الأوسط من ملتقى الخطوط عند (كلافام) بينما كنت أرتدي ملابس المجرمين وأحمل في يدي الحديد، وذلك ليراني العالم! لقد أُخذت من قاعة المستشفى بغير أن يُدلى إليَّ بأي ملاحظة. فكنت في موقفي أعظم ما يمكن أن يثير السخرية. فعندما كان يراني الناس كانوا يستغرقون في الضحك. وكان كل قطار يصل يزيد في عدد المشاهدين. ولم يكن هناك وسيلة أخرى تزيد في سرورهم. وكان ذلك بالطبع قبل أن يعلموا من كنت. فإذا علموا زادوا ضحكًا. هكذا وقفت هناك لمدة نصف ساعة تحت مطر نوفمبر الأغبر، ومن حولي حشد من السفلة يضحك ويتهكم. لقد لبثت طوال عام بعد تلك الحادثة أبكي كل يوم لمدة نصف ساعة وفي نفس الوقت. وقد يبدو لك هذا الأمر كما لو كان ليس في شيء من المأساة. أما بالنسبة إلى من يعيشون في السجن فإن الدموع جزء من تجربة كل يوم. فإذا انقضى يوم بغير بكاء كان يومًا تحجر فيه القلب. فهو ليس باليوم الذي يقضيه المرء بقلب سعيد".

***

"لقد قال الناس عني دائمًا إنني كنت متغاليًا في فرديتي. فأقول إنني يجب الآن أن أكون أكثر تغاليًا. بلي، يجب أن أذهب في الخروج من نفسي أبعد كثيرًا مما كنت قط، وأن أسأل هذا العالم أقل كثيرًا مما سألته قط. والواقع إن ما حل بي من خراب قد جاء لا من التزايد في الفردية بل من الإقلال منها. فقد كان الفعل الوحيد المخزي في حياتي، والذي لا يغتفر، بل وسيبقى مبعثًا للاحتقار، كان أن سمحت لنفسي بأن أقسر على الالتجاء إلى المجتمع للحصول على المساعدة والحماية ضد والدك".

***

"كنت أشمئز من اعتباري شخصًا (نافعًا)، وقد قلت لك إنه لا يوجد فنان يرغب في ذلك أو يرضى بأن يُعامل على أنه شخص نافع؛ وذلك لأن الفنانين، كالفن نفسه، تنعدم منهم المنفعة".

***

"لقد أتيت إليَّ لتتعلم السرور في الحياة والسرور في الفن. ولكن من يدري، فربما كان قد وقع عليَّ الاختيار لأعلمك شيئًا أكثر عجبًا: معنى الحزن، وما فيه من جمال!".


2018-09-23

لماذا صار نيتشه مجددًا مصدر إلهام لليمين المتطرف؟

ترجمة لمقال "لماذا صار نيتشه مجددًا مصدر إلهام لليمين المتطرف؟"
لهيوجو دروتشون*
عن موقع نيو ستيتسمان 29 أغسطس 2018

ترجمة: أمير زكي
سبتمبر 2018

خاص بـ Boring Books

*هيوجو دروتشون؛ مؤرخ وباحث بجامعة كمبريدج
** يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه.

***



حين سُئِل ستيفن بينكر في حوار جرى مؤخرًا عن أكثر الكُتَّاب المبالغ في تقديرهم، أجاب عالم النفس المتميز بجامعة هارفارد أنه فريدريش نيتشه. وفسَّر ذلك قائلًا: "من السهل معرفة لِم ألهمت تخاريفه المريضة اجتماعيًا العديد من الحركات الكريهة في القرنين العشرين والحادي والعشرين، ومن ضمنها الفاشية والنازية والبلشفية والتحررية الحَدِّية لدى آيان راند، والحركات اليمينية البديلة والنازية الجديدة في يومنا هذا".

من وجهة نظر بينكر، كان الفيلسوف التحليلي البريطاني برتراند راسل على حق حيال نيتشه في كتابه "تاريخ الفلسفة الغربية" الذي صدر عام 1945، حين أشار إلى أنه كان من الأفضل أن يعيش نيتشه في أثينا في عهد بركليس أو فلورنسا في عهد المديتشي من أن يعيش في العصر الحديث. كان من الأفضل أن يعيش في الماضي لا الحاضر، وتحديدًا في عصرين عَرَفا بداية الديمقراطية والنهضة، وهو وفقًا لبينكر أمر مشكوك فيه، لأنه وفقًا لكل المقاييس أصبحت الحياة اليوم أطول وأكثر صحة وأمانًا وسلامًا، وأكثر نشاطًا ورفاهية (صمم 75 رسمًا بيانيًا ليثبت ذلك). "إذا أردنا أن نحدد مفكرًا يمثل ما هو ضد الإنسانية (وفي الحقيقة يمثل كل الحجج ضد هذا الكتاب)، لا يمكن أن نحدد مفكرًا مناسبًا أفضل من الفيلولوجي الألماني فريدريش نيتشه"، هكذا يكتب بينكر في نهاية كتابه "التنوير الآن"، ويقترح "إسقاط نيتشه".

كاتب آخر يلوم النمط النيتشوي ما بعد الحداثي على مساوئ العالم، وهو عالم النفس الأكاديمي الكندي جوردان بيترسون، الذي صار اليمين البديل يُكِنُّ له معزة خاصة. يقدم بيترسون نفسه كمدافع عن "التقاليد" أو "الليبرالية الكلاسيكية". بخلاف سلسلة محاضراته على الإنترنت، صار بيترسون محطًا للاهتمام العالمي بسبب هجومه على القانون الكندي الذي يجبر الناس على استخدام الضمائر المحايدة جندريًا. أما زميله في جامعة تورونتو، رونالد بينر، أستاذ العلوم السياسية، فقد ربط نيتشه صراحة باليمين البديل في كتابه "عقول خطرة". ذهب بينر إلى أن رَفْض نيتشه للتنوير كان له تأثير على مُنَظِّري الجناح اليميني بداية من ريتشارد سبنسر وحتى ستيف بانون.

من دعوته بـ "مناهض التنوير" وحتى إلهامه لليمين البديل: لم عاد نيتشه ليظهر في الكتب السيئة مجددًا؟

حتى نفهم لم يُساء تفسير نيتشه، فأفضل نقطة انطلاق هي كتاب "تاريخ الفلسفة الغربية" لراسل. ألَّف راسل الكتاب خلال الحرب العالمية الثانية، بينما كان في كلية برين ماور بالقرب من فلادلفيا. وعلى الرغم من الاحتفاء بالكتاب بسبب أسلوبه الأدبي، واعتبار أنه أسهم في حصول راسل على جائزة نوبل في الأدب عام 1950، قابل المتخصصون بالرفض الآراء المتعلقة بعدة فلاسفة في الكتاب، ومن بينهم نيتشه.

راسل، داعية السلام المعروف، والذي ناهض الحرب في البداية، قبل أن يعتبرها الأقل وطأة بين الشرين -بالمقارنة بالشر الناجم عن استيلاء هتلر على أوروبا- كان جل عمله في "تاريخ الفلسفة الغربية" بمثابة رد فعل شخصي على الحرب. هكذا كان جزءًا مما يحاول فعله هو فهم صعود هتلر، ووجد الإجابة على ذلك: نيتشه. 

أعلن راسل أن الحرب العالمية الثانية هي "حرب نيتشه". ومع وجود دونالد ترامب في البيت الأبيض واليمين البديل في الشوارع، بدأ العديد من المعلقين يتساءلون إذا كانت الفاشية قد وصلت بالفعل إلى أمريكا. هكذا ليس من المفاجئ أن نرى أن اللحظة الحالية تُقارن تاريخيًا بالثلاثينيات من القرن العشرين. زَعَم موسوليني أنه تأثر بنيتشه، وقدَّم هتلر نفسه كالإنسان المتفوق النيتشوي الذي يقود العرق الآري الأسمى للانتصار.

توفى نيتشه عام 1900 بعد أن عانى من انهيار عقلي عام 1889، تقول الأسطورة إنه انهار في تورين حين رأى حصانًا يسوطه صاحبه، وضع ذراعيه حوله ليحميه. لم تكن الرموز السياسية العظمى في تلك الآونة هتلر ولا موسوليني، وإنما بسمارك، ولم تكن السياسة فاشية ولا نازية، وإنما "سياسات القوى" المتعلقة بتوحيد ألمانيا وتوازن القوى الأوروبي.

وُلد نيتشه عام 1844، في مدينة روكِن الصغيرة بمقاطعة سكسونيا بألمانيا. توفى أبوه، القس اللوثري، في سن صغيرة للغاية، بسبب تلف في المخ، المرض الذي ربما أصيب به نيتشه نفسه في نهاية حياته. كان طالبًا نابهًا منذ وقت مبكر، وحاز على كرسي الفيلولوجيا في جامعة بازل في عمر الرابعة والعشرين. ولكنه صحته ابتُليَت في معظم سنوات حياته وكان عليه أن يستقيل من منصبه، وبعدها صار مفكرًا متجولًا.

قابل معظم الشخصيات البارزة في عصره، ومن ضمنهم ريتشارد فاجنر، الذي سيزدريه نيتشه بعد ذلك لقوميته الألمانية ومعاداته للسامية والاتجاه للمسيحية. عرف أيضًا المحللة النفسية ثم عشيقة وملهمة سيجموند فرويد لو آندرياس سالومي، التي أحبها (مثلما أحبها الجميع). تقدم لها نيتشه مرتين على الأقل، ولكنها تجاهلته وفرَّت مع صديقه بول ري. تطوع أيضًا ليصير ضابط فرسان في الحرب الفرنسية البروسية في عامي 1870 و1871، وهي آخر الحروب التي شنها بسمارك لتوحيد ألمانيا لتكون الرايخ الألماني الأول وبروسيا على رأسها.

***

من الصعب أن نبالغ في تقدير تأثير نيتشه على الثقافة في القرن العشرين. كان لأسلوبه الأدبي أثر على ألبير كامو، وآندريه جيد، ود. هـ. لورانس، وجاك لندن، وتوماس مان، ويوكيو ميشيما، ويوجين أونيل، ووليام بتلر ييتس، ووندهام لويس، وجورج برنارد شو؛ وأثرت فلسفته في مارتن هايدجر وجان بول سارتر وجاك ديريدا وميشيل فوكو، وكثيرًا ما يعتبر أب الوجودية والنظرية النقدية وما بعد البنيوية والتفكيك وما بعد الحداثة. تتنوع كتبه بين دراسة المسرح اليوناني القديم في "ميلاد التراجيديا" (1872) ثم في كتابه الفلسفي الشعري "هكذا تكلم زرادشت" (1883) وهجومه على المسيحية في كتابه الأخير "عدو المسيح" (1888). وهو معروف اليوم بكتابه الجدلي الذي كتبه عام 1887 "في جينالوجيا الأخلاق"، الذي استكشف فيه خلال ثلاثة مقالات فكرة أن التاريخ كله عبارة عن صراع بين نَسَقين أخلاقيين، نَسَق النبلاء "أخلاق السادة"؛ الذي يُقَدِّر القوة والجمال والشجاعة والنجاح، وأخلاق "العبيد"؛ النَسَق الذي يُقَدِّر الطيبة والشفقة والتعاطف. وبقوة رَبَط النَسَق الأخير بالمسيحية.

ولكنه لم يتوقف عند هذا الحد: استخدم نظرياته وأفكاره ليحلل سياسات عصره. كان هدف بسمارك هو توحيد ألمانيا، وهكذا ربما تتمكن من أن تحظى بمقعد على مائدة الأمم العظمى الأخرى –فرنسا وبريطانيا العظمى وروسيا- الذين كانوا يقسمون العالم فيما بينهم. ولكن نيتشه رفض السياسات القائمة على القومية والرهاب من الأجانب والضحالة وتقسيم أوروبا: كان هذا تعبيرًا سياسيًا عن أخلاق العبيد، التي تحدَّث عنها بالتفصيل في كتاب "الجينالوجيا". وبدلًا من ذلك، صاغ نسقه الأخلاقي عن السادة، "الأخلاق العظمى"، الذي يستهدف توحيد أوروبا "القارية" لتقودها نخبة جديدة عابرة للقوميات. هدفها لا يقتصر على قيادة أوروبا إلى ما دعاه روديارد كيبلينج بعد ذلك بـ "اللعبة العظمى" –أي صراع القوى بين بريطانيا وروسيا على أفغانستان والهند الشرقية ("جوهرة التاج)- ولكن الأكثر أهمية هو المشاركة في خَلْق ثقافة سامية جديدة أوروبية بحق.

***

كيف صار نيتشه فيلسوف الرايخ الثالث؟ كان ألفرد بويملر، فيلسوف البلاط النازي، هو من حوَّله إلى "المتنبئ بهتلر"، بحسب تعبير الكاتب الألماني توماس مان. جرت إعادة صياغة نيتشه ليكون فيلسوف الدولة الألمانية وفيلسوف النقاء العرقي الألماني. ساعدت بويملر وحرضته شقيقة نيتشه إليزابيث، التي نشرت مجموعة من أوراقه الأخيرة في كتاب بعنوان "إرادة القوة".

كان نيتشه مقربًا من أخته، التي كانت تصغره بعامين، حين كان أصغر سنًا، توترت علاقتهما حين حاولت التدخل في تودده المحكوم عليه بالفشل تجاه لو آندرياس سالومي، الذي اعتبرته إليزابيث "غير أخلاقي". ولكن القطيعة التامة حدثت حين تزوجت من برنارد فورستر، معادي السامية المتعصب الذي حاول تأسيس مستعمرة آرية "نقية" باسم "نويفا جيرمانيا" في باراجواي. استنكر نيتشه في رسالة إلى أخته ما يفعله فورستر واعتبره جزءًا من "قطيع معاداة السامية"، ولم يتحدثا مجددًا. لبقية حياته اعتبر نيتشه نفسه "معاد لمعاداة السامية".

انتهت تجربة المستعمرة بباراجواي بالفشل: انتحر فورستر، وعادت إليزابيث إلى ألمانيا في بداية التسعينيات من القرن التاسع عشر وكانت مثقلة بالديون. ولكنها وجدت فرصة في نجومية أخيها الحديثة (الذي أصيب بانهيار عقلي في تلك الفترة).

كان الناقد الأدبي الدنماركي العظيم جيورج برانديس، الذي كان يهوديًا، قد بدأ يحاضر عن نيتشه في كوبنهاجن. اعتبرت إليزابيث نفسها وصية على ميراث أخيها الأدبي. ومن منطلق هذا ظهرت مجموعة أوراقه الأخيرة، التي حررتها إليزابيث وقدمتها على أنها عمله الأعظم الذي كان ينوي استكماله، على الرغم من أن نيتشه زعم أنه "أنهى" كتابه الأخير "عدو المسيح". زعم النازيون أن نيتشه فيلسوفهم، وفي عام 1934 زار هتلر أرشيف نيتشه الذي أنشأته إليزابيث في فايمار، وأهدته عصا المشي الخاصة بأخيها.

على الرغم أنه منذ هذه الحقبة لا نتذكر سوى مَن يُدعى بنيتشه النازي، لم يكون بويملر الصوت الوحيد الموجود. على سبيل المثال كتب عالم النفس والفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز ما يعتبره العديد من الناس أول دراسة أكاديمية جادة عن نيتشه عام 1936، وشرح فيها أنه " ينوي شن حملة على الاشتراكيين القوميين من خلال العالم الفكري للإنسان الذي يزعمون أنه فيلسوفهم".

استمر الصراع بين نيتشه الطيب والشرير منذ ذلك الزمن. بعد الحرب العالمية الثانية، وصل نيتشه إلى بر الأمان مجددًا، بعدما أظهر الفيلسوف والمترجم الألماني المهاجر فالتر كوفمان في دراسته الكلاسيكية عام 1950 إلى أن كتاب "إرادة القوة" كان مزيفًا.

نيتشه الذي ظهر من هذا التيار التفسيري كان نيتشه أسعد (وأكثر أدبية)، كان نيتشه متصلًا بذات فردية أشبه بالتي تم عرضها في السينما (مثلما في فيلم "الإشراق الخالد على الذهن الصافي")، والأدب والشعر. ولكن نيتشه الخبيث لم يكن بعيدًا جدًا، عاد للظهور في الثمانينيات من القرن العشرين، في "الحروب الثقافية" في أمريكا، تحديدًا كنتيجة لهجوم الفيلسوف المحافظ آلان بلوم على النسبية الأخلاقية، أو "العدمية"، التي رأى أنها سيطرت على الجامعات الأمريكية. كان بلوم قد قرأ نيتشه، واحتفى بنخبويته الثقافية، ولكنه استنكر كيف ساعد فكره قضية سياسات الهوية الليبرالية التي كان يزدريها.

المثير للمفارقة أن مصطلح "الحرب الثقافية" مستمد من مصطلح بسمارك Kulturkampf – "صراعه الثقافي" ضد الكاثوليكية الألمانية التي كان قلقًا من أنها لن تكون وفية للرايخ البروتستانتي الجديد. ازدرى نيتشه سياسات بسمارك، وتمنى سرًا أن "تلتهم الكنيسة الكاثوليكية والدولة الألمانية بعضهما". بالنسبة له، كان هذا "الصراع"  بمثابة "خناقة" بداخل المسيحية نفسها: الصراع التاريخي العالمي الحقيقي يكون بين أخلاق السادة والعبيد، بينما الصراع بين الكاثوليكية والبروتستانتية ليس سوى صراع بداخل نسق أخلاق العبيد نفسه.

في النهاية سواء كان لدينا نيتشه الطيب أو الخبيث، يخبرنا نيتشه عن أنفسنا وأزمنتنا أكثر مما يخبرنا عن نيتشه، حين تمضي الأمور بشكل طيب يكون لدينا نيتشه صاحب الخَلْق الذاتي الفردي، وحين تكون الأمور خبيثة يكون لدينا نيتشه الأب الروحي للفاشية.

ولكن هناك شيء أعمق متغلغل في كل هذا، وهو متعلق بزعم نيتشه سيء السمعة بـ "موت الإله".

ما كان نيتشه يعنيه هو أنه في المجتمعات الحديثة لم تعد هناك نقطة مرجعية أخلاقية لإرشادها في أفعالها: وهو الدور الذي كانت تلعبه المسيحية. حدث هذا بسبب التنوير الذي يدافع عنه ستيفن بينكر، الذي لم يخلخل فقط الإيمان بالإله المسيحي ولكن كل أنماط البنى الإيمانية.

جاء التنوير بانتصار العقلانية العلمية على الإلهام المقدس. لم يعد لدينا أخلاق مشتركة تنظم حياتنا، وتُركنا بدلًا من ذلك للنسبية الأخلاقية أو العدمية: وهي الإيمان بأن الحياة بلا قيمة؛ وأنه ليست هناك أخلاق موضوعية. تؤمن العدمية بأن "لا شيء صحيح، وكل شيء مسموح به"، وربما كان يستعير نيتشه جملة دوستويفسكي، أحد روائييه المفضلين، والذي أعتبره أحد أعظم النفسانيين في زمنه.

كثيرًا ما يُعتبر نيتشه واحدًا من الفلاسفة والنفسانيين العظام، لأنه شَخَّص الأمراض التي أصابت عصرنا: احتفى به فرويد لأنه يملك "أعمق معرفة عن نفسه، أكثر من أي شخص عاش أو سيعيش". وهذه العدمية –الشعور بأنك منفصل عن العالم الحديث– تلتقط شيئًا عميقًا عن روح عصرنا، الذي شهد أحداثًا كبيرة –انتخاب ترامب والبريكست إذا اكتفينا بحدثين– يجدها العديد من الناس عصية على الفهم. إذا فقدنا بوصلتنا الأخلاقية، علينا أن نبحر باحثين عن مرسى جديدًا، ولكن البحر المفتوح ما زال يفصلنا عن هذا المرسى.

***

كل من ستيفن بينكر وجوردان بيترسون عالم نفسي، لذا لا يفاجئنا أن تشخيص نيتشه، النفساني-الفيلسوف، للعدمية في العالم الحديث، لا بد أن يلعب دورًا مركزيًا في تفكيرهما. يتفق الاثنان على أن مَصَاب العالم كامن في العدمية، والاثنان يريدان استعادة النظام للعالم. العنوان الفرعي لكتاب بيترسون  "12 قاعدة للحياة" هو "مصل للفوضى". يعتقد بينكر أن الإجابة تتمثل في العودة إلى قيم التنوير ومناهجه، المرتكزة على العلم الحديث، وهكذا لا بد من تجاهُل نيتشه وكأنه لم يكن موجودًا. يؤمن بيترسون أن العالم منقسم بين النظام والفوضى، ولكي يسيطر النظام الذكوري على الفوضى الأنثوية، لا بد أن تسود العالم القواعد أو الاقتراحات الإثني عشر.

عَرَض نيتشه فكرته عن "موت الإله" من خلال رجل مجنون يندفع إلى سوق في ضوء النهار ومعه مصباح، يسأل أين الإله، يقابله المتجمعون حوله بالسخرية، وهم غير مؤمنين.

يصيح المجنون "أين الإله؟ سأخبركم أين الإله، الإله مات، ونحن قتلناه، أنتم وأنا".

قوبل هذا بالصمت المطبق، وفي النهاية بعدما غضب منهم، ألقى المجنون مصباحه على الأرض وحطمه وقال لنفسه: "لقد جئت مبكرًا جدًا، لم يحن وقتي بعد. هذا الخطب الجلل ما زال يمضي في مساره، ما زال يرتحل – ولم يصل بعد إلى آذان البشر. يحتاج البرق والرعد إلى الوقت، تحتاج الأفعال بعدما تُفعل إلى الوقت قبل أن تشهدها الأعين والآذان".

الهدف من هذه الفقرة الشهيرة في كتاب "العلم المرح" (1882)، أنه على الرغم من أن "الإله مات" –وأن غير المؤمنين لم يعودوا يؤمنون به- فهم يستمرون في العيش وكأنه ما زال حيًا. هذا ما يُطلِق عليه نيتشه العيش في "ظلال الإله". التحدي الذي يفرضه نيتشه، من خلال مَثَل المجنون في السوق، وخطابه إلى غير المؤمنين، لا يتعلق بالتظاهر بأن الإله لم يمت ولا السقوط في العدمية، وإنما أن نمتلك الشجاعة بأن نُشَكِّل قيمنا نحن. إذا قتلنا الله إذن "أليس علينا أن نكون آلهة لنبدو مستحقين لهذا؟" هكذا يتساءل المجنون.

من منظور نيتشه، ما يقترحه بينكر وبيترسون هو البقاء في نطاق ظلال الإله. يريد بينكر أن ينصب إلها جديدًا وهو إله التنوير، بقيمه ومناهجه. أثناء شرحه قواعد الحياة، يستعين بيترسون كثيرًا بالأساطير والأديان العظمى من الماضي، التي يصفها على أنها قصص أخلاقية أساسية. ولكن من مات ليس الإله المسيحي فقط وإنما "ماتت كل الآلهة" كما سيوضح زرداشت -الأنا البديلة سيئة السمعة لنيتشه؛ ليست المسيحية فقط هي التي سقطت عنها الدعائم وإنما كل أنماط الأخلاق.

أوشك بيترسون على الدفاع عما يدافع عنه نيتشه –استغرق طويلًا في فكرته عن موت الإله في كتاب الـ "12 قاعدة"– ولكنه تراجع عن التحديق في الهاوية. ربما لأنه لم يعجبه ما رآه فيها. ("حين تحدق في الهاوية، تحدق الهاوية فيك" كما يوضح نيتشه). يتفق بيترسون مع فكرة أننا نعيش في عصر العدمية، ولكنه يرفض وجهة نظر نيتشه التي تقول إن ما تبقى لنا هو أن نخلق قيمنا الخاصة: "لا يمكننا أن نبتكر قيمنا، لأننا ببساطة لا يمكن أن نفرض ما نؤمن به على أرواحنا". لدينا طبيعة لا بد أن نكتشفها، ونحتاج إلى قواعد لحياتنا حتى لا تسيطر الفوضى على النظام.

ليس لدى نيتشه شيء ليقوله ضد القيود، ولا يؤمن بأنه سيكون متاحًا لأي شخص أن يخلق قيمه الخاصة: يسره كثيرًا أن يعيش معظم الناس وكأن الإله ما زال حيًا. ولكن كما رأينا في فقرة الرجل المجنون، لا يعني هذا أنه كان يعتقد أن خَلْق قيم جديدة سيكون غير متاح لأحد. سيكون متاحًا لغير المؤمنين، ممن لديهم الشجاعة لخَلْق قيمهم الخاصة.

في كتابه "عقول خطرة"، كان بينر على حق في الإشارة إلى أن نيتشه "أراد أن يكون الإبداع والآفاق المفتوحة متاحة للفيلسوف البطولي، وأراد آفاقًا مغلقة ومقيدة لجميع الآخرين"، باستثناء أن نيتشه كان يعتقد أن الآفاق المغلقة والمقيدة هي آفاق تفرضها الذات على نفسها (أي أن قطيع أخلاق العبيد يفرضها على نفسه). هذه الرؤية السياسية لا تجعل نيتشه نازيًا على الفور. في الحقيقة، هناك عنصر جمعي في فكر نيتشه: يتقبل بسرور فكرة أن معظم الحضارات عبارة عن مزيج من أخلاق السادة وأخلاق العبيد، ومعظم الناس لا بد أن يستمروا في العيش وكأن الإله ما زال موجودًا، بينما من لا يفعلون ذلك لا بد أن يحظوا بفرصة استكشاف أحوال وجود جديدة.

وفقًا لنيتشه، كل من النمطين الحياتيين له قيمته، وكانت رغبته أن إيجاد التوازن المناسب بين النمطين هو ما يفتح الباب إلى ما نعتبره اليوم الليبرالية السياسية؛ أي السياسة التي تحاول إيجاد الوسيط بين المجالات والمطالب المتصارعة، بينما يحظى كل طرف بحقه.

***

لا شك في أن رَبْط نيتشه بالعدمية صحيح، ولكن لوم نيتشه على العدمية أشبه بقتل الرسول: شخَّص نيتشه مجيء العدمية، ولكنه لم يكرسها؛ مشروعه كله هو محاولة إيجاد مخرج منها. هكذا فإن ربط نيتشه بالفاشية، كما يفعل بينكر وبينر، يؤدي في الغالب إلى نتائج عكسية: سينتهز اليمين البديل الفرصة ويستغل نيتشه لإضفاء ثقل فكري يفتقدونه في حركتهم، مثل النازيين وموسوليني اللذين حاولا استغلال نيتشه لتبرير أفعالهم.

إذا كان نيتشه مشخِّصًا للعدمية وليس رسولًا لها، ربما تجعلنا الأدوات المفاهيمية التي شكَّلها لنفسه ليفهم العالم الذي عاش فيه، أفضل طريقة للاستفادة منه اليوم. في النهاية، كان نيتشه فيلسوفًا للضغينة، التي يبدو أنها تقود معظم السياسات الشعبوية اليوم.

في الحقيقة، إن فكرة "أخلاق العبيد"، التي تمثلها القومية والرهاب من الأجانب والانقسامات، تبدو كطريقة جيدة لوصف العديد من التيارات السياسية في اليمين المتطرف. أنهى برتراند راسل فصله عن نيتشه في "تاريخ الفلسفة الغربية" بهذه الجملة: "كان لأتباعه جولاتهم، ولكن ربما نأمل أن ينتهي هذا سريعًا"، وهذا غير مرجح، وأبرز أسباب ذلك أننا ما زلنا نصارع فكرة "موت الإله". لن يكون المَخرَج بتنصيب نيتشه طيب أو نيتشه خبيث آخر، إنما بالمواجهة المباشرة مع ما حاول أن يعلمه لنا.

ما الذي كان يحاول توضيحه؟ بطريقته الخاصة كان دَرْس نيتشه الأعظم هو فكرته عن العود الأبدي. في فقرة شهيرة أخرى من كتاب "العلم المرح"، يسأل نيتشه: "ماذا يحدث لو في أحد الأيام أو الليالي تسلل شيطان إلى أعماق وحدتك وقال لك: (هذه الحياة التي تعيشها وعشتها، سيكون عليك تكرارها مجددًا تكرارًا لانهائيَا) ألن تلقي بنفسك على الأرض وتُصِرُّ على أسنانك وتلعن الشيطان الذي أخبرك بهذا؟ أم أنك ستختبر اللحظة الهائلة حين تجيبه: (إنك إله ولم أستمع من قبل لشيء بهذا السمو)". الكلمة الرئيسية هنا هي "لو": لا يزعم نيشته أن العود الأبدي صحيح –وأنك ستكرر عيش كل موقف في حياتك بشكل لانهائي- ولكنه يسألك كيف تتصرف إذا كان هذا صحيحًا. هل "ستلعن الشيطان" أم ستقول" "لم أستمع من قبل لشيء بهذا السمو"؟

ربما يميل معظم الناس إلى الخيار الأول-هناك العديد من اللحظات في حياة الإنسان التي لا يريد تكرارها- والحقيقة أنه لو تُرك للناس الخيار فمعظمهم يريدون أن يعودوا للماضي ليغيروا شيئًا فعلوه وندموا عليه. ما يحاول نيتشه أن يعالجنا منه هو مشاعر البغضاء تجاه ماضينا: يريدنا أن نقبله. وإحدى طرق قبول الماضي هو التعلم منه لمواجهة مستقبلنا: إذا لم نرتكب أخطاء في الماضي كيف يمكن أن نَحذَر ارتكاب الأخطاء نفسها في المستقبل؟

هكذا يمكن أن يكون السؤال الذي نطرحه على أنفسنا: أي فعل مستقبلي يمكن أن يبرر أخطائي الماضية، وما في المستقبل يمكن أن يجعلني أتصالح مع الفعل الماضي الذي أندم عليه؟ هذا هو سبب أن العود الأبدي لا يقتصر فقط على النظر للوراء، ولكن فيه بُعد مستقبلي أيضًا: يكتب نيتشه عن "هذا الذي لا يريد شيئًا مختلفًا، لا في المستقبل ولا الماضي، ولا في الأبدية كلها". تجاوُز بغض المرء لماضيه هو الطريقة الوحيدة لتجاوز العدمية، لإضفاء معنى على حياة المرء من جديد.

ونقول مرة أخرى؛ لن ينجح معظم الناس في الاختبار، ولكن هذا مقبول: نيتشه راض عن فكرة أن معظم الناس –تقريبًا الأغلبية- سيعيشون حياتهم بالطريقة التي عاشوا بها، ولكن بالنسبة لمن يرغب في المحاولة، ربما تقدم فكرة العود الأبدي الأساس لقيم جديدة ولأخلاق جديدة. كما أوضح الفيلسوف الأخلاقي برنارد وليامز في كتابه "الأخلاق وحدود الفلسفة" (1985)، ما كان نيتشه يحاول فعله هو أن تحل محل الأخلاق الرأسية المؤسسية الدوجمائية المطلقة، أخلاق تصاعدية فردية تخلقها الذات. هل سينجح ذلك؟ من يدري، ولكن ربما يحتاج الأمر إلى المحاولة. وإذا لم نحاول فسوف تحل علينا اللعنة التي تجبرنا إلى الأبد على الاستمرار في ممارسة لعبة نيتشه الطيب ونيتشه الخبيث.