حياة ماركس وأثره

حياة ماركس وأثره
بيتر سينجر
من كتاب: ماركس، مقدمة قصيرة جدًا
ترجمة: أمير زكي
مايو 2018

النص هو ترجمة الفصل الأول من كتاب "ماركس: مقدمة قصيرة جدًا" لبيتر سنجر*، Marx: A very short Introduction – Peter Singer – Oxford University Press -2000

* بيتر سينجر (1946) فيلسوف أسترالي وأستاذ الأخلاق الحيوية بجامعة برنستون

نُشرت الترجمة بموقع المنصة

***

من موقع The Week


يمكن أن نقارن تأثير ماركس فقط بالرموز الدينية مثل يسوع ومحمد. في جل النصف الثاني من القرن العشرين، عاش حوالي أربعة من كل عشرة أشخاص على الأرض في حكومات اعتبرت نفسها ماركسية، وزعمت أنها تستعين بالمبادئ الماركسية لتحديد كيفية إدارة البلد، حتى لو كان هذا أمرًا غير مصدق. في تلك البلدان، كان ماركس أشبه بيسوع العلماني، كانت كتاباته المصدر النهائي للحقيقة والمصداقية، رُفعت صورته بتوقير في كل مكان. تأثرت حياة مئات الملايين من الناس بعمق من ميراث ماركس.

لم يقتصر تأثير ماركس على المجتمعات الشيوعية، أجرت الحكومات المحافظة إصلاحات اجتماعية لتقطع الطريق على حركات المعارضة الماركسية الثورية. ولكن المحافظين تصرفوا أيضًا بأساليب أقل لطفًا؛ ساعدوا موسوليني وهتلر للوصول للسلطة لأنهم رأوا في قوميتهما المتعصبة ردًا على التهديد الماركسي. وحتى لو لم يكن هناك تهديد من الثورة الداخلية، ساعد وجود عدو ماركسي أجنبي في تبرير الحكومات لتزايد الإنفاق على السلاح وتقييد الحقوق الفردية باسم الأمن القومي.

على مستوى الفكر وليس السياسة العملية، كان إسهام ماركس واضحًا بنفس القدر. هل يمكن لأي شخص أن يفكر في المجتمع من دون الرجوع إلى رؤى ماركس المتعلقة بالروابط بين الحياة الاقتصادية والفكرية؟ أدت أفكار ماركس إلى ظهور علم الاجتماع الحديث، وغيَّرت دراسة التاريخ، وأثرت بعمق في الفلسفة والأدب والفنون. بهذا المعنى نحن جميعًا ماركسيون الآن، مع الاعتراف باستخدامي معنى فضفاضًا للمصطلح.

وُلد كارل ماركس في مدينة ترير بمنطقة الراينلاد الألمانية عام 1818. كان أبواه، هينريش وهنرييتا، من أصل يهودي، ولكنهما تحولا إلى البروتستانتية اسمًا لتيسير الأمور على هينريش ليتمكن من ممارسة المحاماة. كانت الأسرة ميسورة ماديًا ولكنها لم تكن ثرية، اعتنقوا أفكارًا ليبرالية تجاه الدين والسياسة ولكنها لم تكن راديكالية.

بدأت حياة ماركس العملية بشكل سيء؛ في عمر السابعة عشر، توجه لدراسة القانون في جامعة بون، وفي خلال عام سُجن بسبب الثمالة، وجُرح جرح طفيف في مبارزة. كتب أيضًا قصائد حب لحبيبة طفولته جيني فون فستفالين. سريعًا ما نفد صبر أبيه من هذا "الطيش الجامح" كما دعاه، وقرر أن ينتقل كارل لجامعة برلين الأكثر جدية.

في برلين تحولت اهتمامات ماركس إلى الفكر، وغيَّر دراساته من القانون إلى الفلسفة، لم يعجب ذلك أبيه، "حل ارتداء رداء المنزل بشعر منكوش محل انحطاط كأس الجعة"، هكذا كتب إليه في رسالة لائمة. ولكن موت أبيه وليس رسائله اللائمة هو ما أجبر ماركس على التفكير بجدية في حياته العملية، لأنه من دون دخل أبيه لن تستطيع عائلته الإنفاق عليه إلى ما لا نهاية. هكذا بدأ ماركس العمل على رسالة دكتوراه بغرض أن يحصل على فرصة للتدريس بالجامعة. الرسالة نفسها كانت مُفارِقة وأكاديمية –بعض المقارنات بين فلسفتي ديمقريطس وإبيقور– ولكن ماركس رأى أن هناك توازيًا بين تلك النزاعات القديمة والجدل حول تفسير فلسفة هيجل التي كانت في ذلك الوقت أرضية تلتقي عليها كل الآراء السياسية المختلفة في الفكر الألماني.

قُدمت الرسالة وقُبلت عام 1841، ولكن لم يتلق عرضًا للتدريس بالجامعة. وبدلًا من ذلك اهتم ماركس أكثر بالصحافة. كتب في في الموضوعات الاجتماعية والسياسية والفلسفية في الجريدة الليبرالية المنشأة حديثًا "جريدة راينش"، حظت مقالاته بالتقدير، وتوطدت علاقته بالجريدة إلى درجة أنه حين استقال محررها في نهاية عام 1842، كان البديل الواضح هو ماركس.

كانت فترة تحرير ماركس للجريدة قصيرة، رغم أن هذا لم يكن خطأه. مع تزايد الاهتمام بالجريدة، تزايد اهتمام الرقيب الحكومي البروسي بها. اعتُبرت مجموعة المقالات التي كتبها ماركس عن فقر الفلاحين الذين يزرعون كرم النبيذ في منطقة "موزيل فالي" تحديدًا مقالات مهيجة، في النهاية قررت الحكومة إغلاق الجريدة.

كما أوضح في رسالة كتبها لأحد أصدقائه، لم يشعر بالأسف من تصرف السلطات، لأنهم "أعادوا لي حريتي". بعدما صار حرًا من الواجبات التحريرية بدأ العمل على دراسة نقدية لفلسفة هيجل السياسية. كان يشغله أيضًا قلق ملح: وهو أن يتزوج جيني، التي امتدت خطبتهما لسبع سنوات. وأراد أن يغادر ألمانيا التي لا يستطيع فيها التعبير عن نفسه بحرية. المشكلة هي أنه كان بحاجة إلى المال ليتزوجا، وفي هذا الوقت كان عاطلًا من جديد. ولكن سُمعته ككاتب شاب واعد جعلته في موقف طيب؛ دُعي ليشارك في تحرير إصدار جديد "الحوليات الألمانية الفرنسية". أتاح له الإصدار ما يكفي من الدخل ليتزوج وأيضًا حَلَّ مشكلة المكان الذي يعيش فيه، لأنه كما يشير اسم الإصدار، فمن المفترض أن الهدف منه كان جذب الكتاب والقراء الفرنسيين إلى جانب الألمان.

وصل ماركس وجيني إلى باريس في خريف عام 1843 وسرعان ما اختلطا مع الأوساط الراديكالية والاشتراكية التي شكَّلت مركز الفكر التقدمي. كتب ماركس مقالين لـ "الحوليات". ولكن الإصدار كان قصير العمر أكثر من الجريدة. أخفق العدد الأول في جذب أي إسهام من الفرنسيين وتقريبًا لم يلحظه أحد في باريس، في حين صادرت السلطات في بروسيا نسخ العدد. انسحب ممولو المشروع. في ذلك الوقت، وبسبب الأفكار الشيوعية والثورية التي تم التعبير عنها في العدد المُصادَر، أصدرت الحكومة البروسية مذكرة اعتقال للمحررين. هكذا لم يعد من الممكن لماركس أن يرجع ألمانيا؛ صار لاجئًا سياسيًا. لحسن الحظ تلقى قدرًا كبيرًا من المال من المساهمين السابقين في "جريدة راينش"، ولم يعد بحاجة لعمل.

خلال عام 1844 سعى ماركس للتعبير عن موقفه الفلسفي، وكان المقصود الفلسفة بالمعنى الواسع، ما يشمل السياسة والاقتصاد ومفهوم العمليات التاريخية التي تجري في العالم. في ذلك الوقت كان ماركس مستعدًا لأن يطلق على نفسه شيوعيًا، ولم يكن هذا أمرًا نادر الحدوث في باريس في تلك الأيام، لأنه كان من الممكن أن تجد اشتراكيين وشيوعيين من مختلف الأنواع هناك.

في العام نفسه بدأت صداقة ماركس وإنجلز، كان فريدريش إنجلز ابنًا لرجل صناعة ألماني، كان يملك مصنعًا للقطن في مانشستر، ولكن بسبب اتصاله بنفس الدوائر الفكرية الألمانية التي انضم لها ماركس، صار إنجلز اشتراكيًا ثوريًا. ساهم بمقال في "الحوليات" أثر بعمق في تفكير ماركس في الاقتصاد. هكذا لم يكن من المفاجئ حين زار إنجلز باريس أن التقى ماركس. سرعان ما شرعا في التعاون في كتابة كتيب، أو هذا ما كان يعتقده إنجلز. ترك إنجلز إسهامه المكون من حوالي 15 صفحة مع ماركس ثم غادر باريس. ظهر "الكتيب" بعنوان "العائلة المقدسة" عام 1845، وبلغ عدد صفحاته حوالي 300 صفحة، وكان كتاب ماركس الأول.

في تلك الأثناء كانت الحكومة البروسية تضغط على الفرنسية لتفعل شيئًا حيال الشيوعيين الذين يعيشون في باريس. صدر قرار ترحيل عائلة ماركس، التي شهدت ميلاد الطفلة الأولى، والتي حملت اسم جيني على اسم أمها، وانتقلت العائلة إلى بروكسل.

ولكي يحصل على إذن بالبقاء في بروكسل، كان على ماركس أن يتعهد بألا يشارك في السياسة. سريعًا ما خرق هذا التعهد بتنظيم لجنة مراسلات شيوعية كان الهدف منها إبقاء الشيوعيين في مختلف البلاد على تواصل. ومع ذلك كان ماركس قادرًا على البقاء في بروكسل لثلاثة أعوام، وقع عقدًا مع أحد الناشرين لينشر كتابًا يضم تحليلًا نقديًا للسياسة والاقتصاد. حدد العقد أن ينتهي الكتاب في صيف عام 1845، وكان هذا أول موعد تسليم يخلفه ماركس للكتاب الذي صار كتاب "رأس المال". كان الناشر قد قرر أن يدفع حقوق الكتاب مقدمًا قبل الحصول على المسودة، ولا شك أنه ندم على ذلك. (ألغي التعاقد في النهاية، وظل الرجل سيء الحظ يحاول استعادة أمواله حتى عام 1871). في هذا الوقت بدأ إنجلز أيضًا مساعدة ماركس ماليًا، هكذا صارت العائلة تملك ما يكفيها للعيش.

كثرت لقاءات ماركس وإنجلز. جاء إنجلز إلى بروكسل، وسافر الاثنان إلى إنجلترا لستة أسابيع لدراسة الاقتصاد في مانشستر، في قلب العصر الصناعي الجديد. (في تلك الأثناء كانت جيني حاملًا في ابنتها الثانية لورا). عند عودته قرر ماركس تأجيل كتابه عن الاقتصاد. وقبل أن يضع فلسفته الوضعية أراد أن يُحَطِّم الأفكار البديلة التي كانت رائجة في الدوائر الفلسفية والاشتراكية الألمانية، وكان نتاج ذلك كتاب "الأيدولوجيا الألمانية"، وهو مجلد طويل وفي البعض الأحيان معقد، ورفضه سبعة ناشرين على الأقل ونحاه ماركس جانبًا، وكما كتب بعد ذلك تركه "لنقد الفئران القارضة".

بالإضافة إلى كتابة "الأيدولوجيا الألمانية"، أنفق ماركس وقتًا طويلًا في تلك السنوات لمهاجمة بعض ممن كانوا، على الأرجح، حلفاء له. كتب عملًا آخر مثيرًا للجدل هاجم فيه الاشتراكي الفرنسي البارز برودون. على الرغم من معارضته ما دعاه بـ "الموقف الخرافي من السلطة"، كان ماركس مقتنعًا بأهمية أفكاره لدرجة أنه لم يتسامح مع الأفكار المختلفة عنها. أدى هذا إلى خلافات مستمرة في لجنة المراسلات الشيوعية، وعصبة الشيوعيين من بعدها.

حظى ماركس بفرصة أن يجعل أفكاره أساس النشاطات الشيوعية عندما توجه إلى لندن لحضور مؤتمر عصبة الشيوعيين المنشأة حديثًا في ديسمبر عام 1847. وسط الجدالات الطويلة دافع عن رأيه المتعلق بكيفية تحقيق الشيوعية؛ وفي النهاية كُلف مع أنجلز بمهمة صياغة مبادئ العصبة بلغة بسيطة. وكانت نتيجة ذلك "البيان الشيوعي" الذي نُشر في فبراير عام 1848، والذي صار الملخص الكلاسيكي لنظرية ماركس.

ولكن البيان لم يحقق نجاحًا فوريًا. قبل نشره كان الموقف في أوروبا قد تغير بسبب الثورة الفرنسية عام 1848، والتي أشعلت الحركات الثورية في أنحاء أوروبا. سحبت الحكومة الفرنسية الجديدة أمر الترحيل، في الوقت الذي أمهلته فيها الحكومة البلجيكية المتوترة 24 ساعة للخروج من البلد. توجهت عائلة ماركس أولًا إلى باريس، ثم بعد معرفة أخبار الثورة في برلين عادوا إلى ألمانيا. في كولونيا ادخر ماركس المال ليشرع في إصدار جريدة راديكالية، وهي "جريدة الراينش الجديدة"، دعمت الجريدة الحركات الديمقراطية الواسعة التي أدت للثورة. ولكن مع إخفاق الثورة وترسيخ المَلَكية البروسية من سلطتها أُجبر ماركس على أن ينطلق في أسفاره مجددًا. حاول العيش في باريس، ولكنه طُرد مرة أخرى، وفي 24 أغسطس عام 1849 أبحر إلى إنجلترا لينتظر ثورة أكثر اكتمالًا تسمح له بالعودة إلى ألمانيا.

عاش ماركس في لندن لبقية حياته. كانت عائلته تعيش في فقر شديد في البداية. عاشوا في غرفتين بسوهو. كانت جيني حاملًا في طفلهما الرابع (الصبي إدجار وُلد في بروكسل)، ومع ذلك كان ماركس نشطًا سياسيًا في العصبة الشيوعية. كتب عن الثورة في فرنسا وما تلاها، وحاول تنظيم آليات داعمة لأعضاء لجنة كولونيا في العصبة، الذين كانت تحاكمهم السلطات البروسية. حين أدينت مجموعة كولونيا على الرغم من تصريح ماركس الصريح بأن أدلة البوليس كانت مزورة، قرر ماركس أن وجود العصبة "لم يعد مناسبًا"، وحلت العصبة نفسها.

لبعض الوقت عاش ماركس منعزلًا، بدون اتصال مع أي جماعة سياسية منظمة. قضى وقته في القراءة بنهم والدخول في جدالات على المبادئ مع اللاجئين الألمان اليساريين الآخرين. كانت مراسلاته مفعمة بالشكوى لكونه غير قادر على أن يشتري شيئًا سوى الخبز والبطاطس، وقدر قليل منهما. وصل الأمر إلى أنه قدم لوظيفة كاتب بالسكك الحديدية، ولكنه رُفض لأن خط يده لم يكن مفهومًا. كان زبونًا منتظمًا في مكاتب الرهن. إلا أن أصدقاء ماركس، وخاصة إنجلز، كانوا يرسلون هدايا سخية، وربما رجع فقر ماركس إلى إدارته السيئة للمال لا الدخل القليل. ظلت خادمة جيني، هيلين ديموث، تعيش مع العائلة، وظلت كذلك حتى وفاة ماركس. (كانت أيضًا أمًا لابن ماركس غير الشرعي، فردريك، والذي وُلد عام 1851، ولتجنب الفضيحة، رباه أبوان غريبان).

شهدت تلك السنوات مأساة شخصية لعائلته: توفى ابنه الرابع طفلًا، أنجبت جيني مجددًا، وتوفى الطفل خلال عام. وأسوأ ضربة كانت وفاة ابنهما إدجار في عمر الثامنة، فيما يبدو من مرض السل.

بداية من عام 1852 تلقى ماركس دخلًا أكثر ثباتُا. طلب منه محرر جريدة "نيويورك تريبيون"، الذي التقاه في كولونيا أن يكتب للجريدة. وافق ماركس، وفي السنوات العشر التالية نشرت له الجريدة مقالًا كل أسبوع تقريبًا (على الرغم من أن بعضها كتبه إنجلز سرًا). في عام 1856 تحسن الموقف المالي بشكل أكبر حين تلقت جيني ميراثين. استطاعت العائلة الانتقال من غرفتي سوهو الضيقتين إلى منزل بثماني غرف بالقرب من حديقة هامستيد هيث، التي صارت مقصدًا للتنزه المنتظم لكل العائلة كل يوم أحد. في هذا العام وُلدت طفلة ماركس الثالثة إليانور – وكان اسم التدليل توسي. ورغم أن جيني صارت حاملًا مجددًا إلا أن الطفل ولد ميتًا. هكذا منذ ذلك الوقت تكونت العائلة من ثلاثة طفلات: جيني ولورا وإليانور. وكان ماركس أبًا عطوفًا ومحبًا لهن.

طوال هذا الوقت كان ماركس يتوقع اندلاع ثورة في المستقبل القريب. كانت أكثر حقبة مثمرة بالنسبة له هي عامي 1857-1858، وذلك بسبب اعتقاده الخاطئ أن الكساد الاقتصادي الحاصل سيمثِّل بداية الأزمة الأخيرة للرأسمالية. ومن منطلق قلقه من أن يسبق تتابع الأحداث تعبيره عن أفكاره، بدأ ماركس، كما يذكر إنجلز، "العمل بجنون في الليالي"، من أجل أن تتضح الخطوط العريضة لعمله "قبل مجيء الطوفان". في خلال ستة أشهر كتب أكثر من 800 صفحة كمسودة لكتاب "رأس المال"، وفي الحقيقة اشتملت المسودة على أسس أكثر بكثير من المتضمنة في كتاب "رأس المال" كما ظهر في النهاية. في عام 1859، نشر ماركس قدرًا محدودًا من عمله في الاقتصاد بعنوان "نقد الاقتصاد السياسي". لم يحتو الكتاب على جل أفكار ماركس الأصلية (باستثناء الموجز الذي صار شهيرًا الآن عن تطوره الفكري في المقدمة). وقوبل ظهور الكتاب بصمت.

بدلًا من أن يُعِد للنشر الأقسام الأصلية المتبقية الأخرى من مسودته، شتت ماركس نزاع شخصي مع السياسي والصحفي اليساري كارل فوجت. زعم ماركس أن فوجت يتلقى مرتبًا من الحكومة الفرنسية. رُفعت عليه دعوى، دعا فوجت ماركس بالمزور والمبتز، ورد ماركس بكتاب من 200 صفحة يحتوى على جدال ساخر مناهض لفوجت. بعد عدة سنوات، ظهر أن ماركس كان على حق، ولكن القضية كلفته قدرًا كبيرًا من المال، ومنعته لثمانية عشر شهرًا من كتابة أي شيء له قيمة كبيرة.

كان هناك أيضًا سبب أكثر أهمية لتباطؤ ماركس في إنهاء عمله في الاقتصاد. أُنشئت جمعية العمال الأممية –التي عُرفت بعد ذلك بالأممية الأولى– في اجتماع عام في لندن عام 1864. قَبِل ماركس الدعوة للقاء؛ وأنهى انتخابه في المجلس العام عزلته عن الأنشطة السياسية. عقلية ماركس الفعَّالة وقوة شخصيته سريعًا ما جعلتاه الشخصية المهيمنة على الجمعية؛  كتب خطابها الافتتاحي وصاغ لوائحها. بالطبع كانت هناك اختلافات كبيرة بينه وبين النقابيين الذين شكلوا أساس القطاع الإنجليزي من الأممية، ولكنه أظهر دبلوماسية نادرة في تضييق تلك الخلافات بينما حاول باستمرار جذب أعضاء الطبقة العاملة بالجمعية إلى وجهة نظره طويلة المدى.

في عام 1867، انتهى ماركس أخيرًا من المجلد الأول من "رأس المال". مرة أخرى كان رد الفعل المبدئي مُحبطًا. تحمس أصدقاء ماركس وفعلوا ما باستطاعتهم ليحظى الكتاب بمراجعات في الصحف. كتب إنجلز وحده سبع مراجعات مختلفة –وتضمنت مديحًا على الدوام– في سبع صحف ألمانية. ولكن الاهتمام الواسع جاء بطيئًا. في الحقيقة لم يصبح ماركس شخصية مشهورة بسبب "رأس المال"، ولكن بسبب نشر كتاب "الحرب الأهلية في فرنسا" عام 1871. كتبه ماركس كخطاب للأممية عن كميونة باريس؛ انتفاضة العمال التي استولت وحكمت باريس لمدة شهرين بعد هزيمة فرنسا على يدي بروسيا. في الواقع لم يكن للأممية علاقة بهذا، ولكنها ارتبطت بالكميونة في العقل الجمعي. رَسَّخ خطاب ماركس من تلك الشكوك المبكرة عن المؤامرة الشيوعية الأممية، وعلى الفور حظى ماركس بسمعة سيئة وكما كتب لصديقه "كان لها فضل عليّ بعد اثنين وعشرين عامًا مضجرة عشتها متعطلًا في وكري".

أضعف القمع القاسي للكميونة من الأممية، الخلافات التي كانت تغلي تحت السطح طَفَت إلى أعلى. في مؤتمر عام 1872 رأى ماركس أنه فقد السيطرة. تم تنفيذ اقتراح يُقَيِّد سلطات المجلس العام من قبل معارضته القوية. وبدلًا من أن يشاهد المنظمة تسقط في أيدي أعدائه، اقترح ماركس أن يصبح مقر المجلس العام في نيويورك؛ مُرر الاقتراح بهامش ضئيل، وكان يعني، كما كان يدرك ماركس، نهاية الأممية الأولى، لأن وسائل الاتصال المتاحة وقتها جعلت من غير العملي على الإطلاق أن يدار تنظيم أوروبي كبير من الجانب الآخر من المحيط الأطلنطي.

في ذلك الوقت كان ماركس في الرابعة والخمسين من عمره، وضعفت صحته. لم تكن السنوات العشر المتبقية من حياته ممتلئة بالأحداث. أنهت المواريث التي تلقاها التهديد بالفقر. في العديد من الجوانب كانت حياة عائلة ماركس أشبه بحياة العائلة البرجوازية الميسورة. انتقلوا إلى منزل أكبر، وقضوا وقتًا طويلًا في تأثيثه، وأرسلوا طفلاتهم إلى مدرسة للفتيات، وسافروا إلى منتجعات راقية، لدرجة أن ماركس زعم أن حصل على أموال من البورصة، وكل هذا لم يمنعه من طلب هدايا مالية أخرى من إنجلز وتلقيها.

أخيرًا انتشرت أفكار ماركس. بحلول عام 1871، كانت هناك حاجة لطبعة ثانية من "رأس المال". ظهرت ترجمة روسية عام 1872، وكان ماركس مشهورًا للغاية بين الثوريين الروس، وبعدها ظهرت ترجمة فرنسية. وعلى الرغم من أن "رأس المال" لم يترجم إلى الإنجليزية في حياة ماركس (كُتب بالألمانية مثله مثل كتبه الأخرى)، أشار إلى تزايد شهرته هناك، حتى بين الإنجليز الذين لا يقرأون النظريات، ضمه إلى سلسلة كتيبات بعنوان "قادة الفكر الحديث". ظل ماركس وإنجلز يتبادلان الرسائل مع الثوريين في أنحاء أوروبا الذي شاركوهما أفكارهما. بخلاف ذلك عمل ماركس بشكل متقطع في المجلدين الثاني والثالث من "رأس المال"، ولكنه لم يعدهما للنشر. تولى إنجلز هذه المهمة بعد موت ماركس. ظهر آخر عمل هام كتبه ماركس بعد مؤتمر عُقد في جوتا، بألمانيا عام 1875. كان الغرض من المؤتمر توحيد الأحزاب الاشتراكية الألمانية المتنافسة، ومن أجل ذلك وضعت صيغة مشتركة. لم يُستشر ماركس ولا إنجلز في هذه الصيغة، التي عُرفت بـ "برنامج جوتا"، وغضب ماركس من احتوائه على انحرافات عديدة لما اعتبره الاشتراكية العلمية. كتب مجموعة من التعليقات النقدية عن البرنامج، وحاول ترويجها بين القادة الاشتراكيين الألمان. بعد وفاة ماركس، نُشر "نقد برنامج جوتا"، واعتُبر من بيانات ماركس النادرة عن تنظيم المجتمع الشيوعي المستقبلي. ولكن في ذلك الوقت لم يكن هاك تأثير لنقد ماركس، واستمر التوحيد المخطط له.

في سنواته الأخيرة لم يهنأ ماركس بتنامي شهرته بسبب مآسيه الشخصية. تزوجت ابنتاه الكبريان جيني ولورا وحظتا بأطفال، ولكن لم يتجاوز أطفال لورا الثلاثة عمر الثالثة. توفى ابن جيني الأول في طفولته؛ وعلى الرغم من أنها كان لديها خمسة أطفال ساعتها لم يعش سوى واحد منهم. وفي عام 1881 توفت جيني الكبيرة، زوجة ماركس العزيزة المحبوبة، بعد صراع مع المراض. صار ماركس مريضًا ووحيدًا. في عام 1882 مرضت ابنته جيني للغاية، وتوفت عام 1883، لم يتجاوز ماركس أبدًا شعور الفقد. أصيب بالتهاب في القصبات الهوائية وتوفى في 14 مارس عام 1883. 

سلافوي جيجيك: بعد 200 عام.. ما زال ماركس على حق

بعد 200 عام، يمكن أن نقول إن ماركس كثيرًا ما كان على حق، ولكن بشكل أكثر حَرْفية مما كان يقصد
مقال لسلافوي جيجيك 
عن الإندبندنت، 4 مايو 2018

ترجمة: أمير زكي
مايو 2018
خاص بـ Boring books*

*يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته بدون إذن منه.

***
عن الإندبندنت


هناك نكتة سوفييتية لطيفة عن راديو يريفان[1]، يسأل أحد المستمعين: "هل صحيح أن رابينوفيتش فاز بسيارة جديدة في اليانصيب؟" يجيب مذيع الراديو: "من حيث المبدأ نعم، هذا صحيح، بخلاف أنها لم تكن سيارة جديدة ولكن دراجة قديمة، وهو لم يفز بها ولكنها سُرقت منه".

ألا ينطبق الأمر نفسه على ميراث ماركس اليوم؟ دعنا نسأل راديو يريفان: "هل ما زالت نظرية ماركس مناسبة اليوم؟" يمكن أن نخمن الإجابة: من حيث المبدأ نعم، هو يصف بشكل رائع رقصة ديناميكيات الرأسمالية المجنونة التي وصلت إلى ذروتها اليوم، بعد أكثر من قرن ونصف، ولكن يحدد جيرالد أ. كوهين السمات الأربع للمفهوم الماركسي الكلاسيكي عن الطبقة العاملة: (1) يشكل أغلبية المجتمع، (2) ينتج الثروة في المجتمع، (3) يتكون من الأعضاء المُستَغَّلين في المجتمع، (4) أعضاؤه هم المعدمين في المجتمع. عندما تجتمع تلك السمات الأربع، تولد سمتان أخريان: (5) ليس لدى الطبقة العاملة ما تخسره من الثورة، و(6) يمكن أن تنغمس وسوف تنغمس في عملية تغيير للمجتمع.

لا تنطبق السمات الأربع الأولى على الطبقة العاملة اليوم، وهذا سبب أنه لا يمكن توليد (5) و(6). إذا استمرت بعض هذه السمات في التطابق على قطاعات من مجتمعنا اليوم، فهي لم تعد متحدة في فاعل واحد: المعدمون في المجتمع لم يعودوا العمال، إلخ.

ولكن دعونا نفحص بشكل أكبر سؤال المناسبة والملائمة. الأمر لا يقتصر على أن نقد ماركس للاقتصاد السياسي ما زال مناسبًا، ولكن يمكن للمرء أن يأخذ خطوة للأمام ويزعم أنه اليوم تحديدًا، بوجود الرأسمالية العالمية، فهو مناسب تمامًا.

ولكن في لحظة الانتصار هناك لحظة هزيمة. بعد تجاوز العقبات الخارجية يأتي التهديد الجديد من الداخل. بمعنى آخر، ماركس لم يكن على خطأ، في الأغلب كان محقًا، ولكن بشكل أكثر حَرْفية مما كان يتوقع.

على سبيل المثال، لم يكن ماركس يتخيل أن الديناميكيات الرأسمالية الساعية لتذويب كل الهويات الخاصة سوف تنطبق على الهويات العرقية  أيضًا. الاحتفاء الحالي بـ "الأقليات" و"الهوامش" هو الموقف الغالب المهيمن، يستغل ذلك اليمين البديل الذي يشكو من إرهاب "الصوابية السياسية"، ويقدم نفسه بصفته الحامي لأقلية معرضة للخطر، ويحاول أنصاره محاكاة نفس الحملات ولكن من الجانب الآخر.

ثم هناك قضية "تقديس السلعة". لنستعد النكتة الكلاسيكية عن الرجل الذي يعتقد أنه حبة قمح، فاصطحبوه إلى مصحة حيث سعى الأطباء جاهدين حتى أقنعوه أنه ليس حبة قمح بل رجل. وعندما عولج (واقتنع أنه ليس حبة قمح بل رجل)، وسمحوا له بمغادرة المستشفى، عاد سريعًا وهو يرتجف، هناك دجاجة خارج الباب ويخشى أن تأكله.

قال طبيبه: "يا صديقي العزيز، أنت تعلم تمام العلم أنك لست حبة قمح  بل رجل".

فأجاب المريض: "بالطبع أعرف ذلك، ولكن هل هذا هو ما تعرفه الدجاجة؟"

كيف إذن تنطبق النكتة على مفهوم تقديس السلعة؟ لنرجع إلى بداية القسم المتعلق بتقديس السلعة في كتاب "رأس المال" لماركس: "تبدو السلعة للوهلة الأولى شيئًا تافهًا بشكل بالغ الوضوح. ولكن تحليلها يكشف أنها شيء شديد الغرابة، ممتلئ بالسمات الميتافيزيقية والتفاصيل اللاهوتية".

تقديس السلعة (اعتقادنا بأن السلع أشياء سحرية، حازت على قوة ميتافيزيقية متأصلة) لا يوجد في عقلنا، بطريقة أننا ندرك الواقع (أو نسيء إدراكه) ولكن في واقعنا الاجتماعي نفسه. ربما نعرف الحقيقة، ولكننا نتصرف وكأننا لا نعرفها – في حياتنا الواقعية نتصرف كالدجاجة المذكورة في النكتة.

نيلز بور[2]، الذي قدم الإجابة الصحيحة على جملة إينشتاين "الله لا يلعب النرد" بقوله (لا تخبر الله ما الذي عليه أن يفعله)، قدم أيضًا مثالًا مناسبًا لكيف يعمل الإنكار المقدس لمعتقد ما. فوجئ أحد زائريه بوجود حدوة حصان على بابه، قال له إنه لم يكن يعتقد أن بور يؤمن بالفكرة الخرافية التي تقول إن حدوة الحصان تجلب الحظ السعيد للناس. فرد عليه سريعًا: "أنا أيضًا لا أؤمن بها؛ إنما أعلقها لأنه قيل لي إنها تجلب الحظ السعيد سواء آمن بها الشخص أم لا!"

هذه الكيفية التي تعمل بها الأيدولوجيا في عصرنا المتسم بالتشكك: لسنا بحاجة للإيمان. لا أحد يأخذ الديمقراطية أو العدل بجدية، نحن جميعًا واعون بفسادهما، ولكننا نمارسهما، بمعنى آخر، نعبر عن اعتقادنا بهما – لأننا نفترض أنهما ناجعين حتى لو لم نؤمن بهما.

من جهة الدين، لم نعد "نؤمن حقًا"، فقط نتبع (بعض) الطقوس والأعراف الدينية كجزء من الاحترام لـ "أسلوب حياة" المجتمع الذي ننتمي إليه (على سبيل المثال يطيع اليهود قواعد الكوشر من منطلق احترام التقاليد).

"لا أؤمن حقًا بهذا، هو فقط جزء من ثقافتي"، يبدو هذا الوضع المهيمن على الإيمان المهتز الذي يتسم به عصرنا. "الثقافة" هي مسمى كل تلك الأشياء التي نمارسها بدون أن نؤمن بها حقًا، وبدون أن نأخذها بجدية تامة. وهذا هو سبب أننا نعتبر المؤمنين الأصوليين "بربريين" أو "بدائيين"، نعتبرهم مناهضين للثقافة، أو تهديد على الثقافة، إنهما يجرؤون على أخذ معتقداتهم بجدية. هذا العصر المتسم بالتشكك الذي نعيش فيها لم يكن ليفاجئ ماركس.

بالتالي نظريات ماركس ليست حية فقط: ماركس هو الشبح الذي يظل يطاردنا، والطريقة الوحيدة لإبقائه حيًا هو التركيز على تلك الرؤى التي تصير الآن أكثر واقعية من زمنه نفسه.



 [1]  إذاعة مخصصة للنكات انتشرت في الاتحاد السوفييتي في النصف الثاني من القرن العشرين، كانت نكاتها تقال فيها بطريقة السؤال والجواب.
 [2]  Niels Bohr (1885-1962) فيزيائي دنماركي ذو إسهام بارز في نظرية الكوانتم.

فعل الاختفاء لدى فرناندو بيسوا

فعل الاختفاء لدى فرناندو بيسوا 
*مقال لآدم كيرش

ترجمة: أمير زكي
أبريل 2018
Boring Books**خاص بـ

آدم كيرش، شاعر وناقد أمريكي *
يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بالترجمة بدون إذن منه**

***


maravilhosa بيسوا، من موقع



إذا كان هناك كاتب في حالة هروب من اسمه، فهو بلا شك فرناندو بيسوا. كلمة Pessoa تعني بالبرتغالية "شخص"، ولا يوجد شيء لم يرغب عنه بقدر أن يكون كذلك. مرارًا وتكرارًا في الشعر وفي النثر، أنكر بيسوا أنه موجود بأي شكل مشابه للفرد المميز. يكتب في إحدى قصائده: "بدأت أعرف نفسي، أنا غير موجود".. "أنا الهوة بين ما أريد أن أكونه وما صنعه مني الآخرون... هذا هو أنا. انتهى".

في عمله الأبرز، "كتاب اللا طمأنينة"، وهو مجموعة من الأقوال والتأملات التي صيغت في شكل يوميات سردية، عمل عليها لعدة سنوات، ولكنه لم يكملها، ونشر أقل القليل منها – يعود بيسوا إلى الفكرة نفسها: "خلال تلك الانطباعات غير المتصلة عن قصد، أنا السارد اللا مبالي لسيرتي الخالية من الأحداث، لتاريخي الخالي من الحياة. تلك اعترافاتي وإذا لم أقل شيئًا فيها، فهذا لأن ليس لديّ شيء لأقوله".

لا يبدو هذا أساسًا مبشرًا لعمل إبداعي يُعتبر الآن من أعظم الأعمال في القرن العشرين. إذا لم يكن الكاتب شيئًا، ولم يفعل شيئًا، وليس لديه شيء ليقوله، ما الذي سيكتب عنه؟ ولكن كالانفجار الأعظم، الذي بدأ بما يشبه اللا شيء وحوّله إلى "الكون"، قوة مخيلة بيسوا الواسعة لم تكن تحتاج سوى مادة خام محدودة جدًا ليعمل بها. في الحقيقة هو ينتمي إلى سلالة مميزة من الكتاب الأوروبيين، من جياكومو ليوباردي، في بداية القرن التاسع عشر إلى صمويل بيكيت في بداية القرن العشرين، اللذين كان اللا شيء بالنسبة لهما مصدرًا للإلهام. اللا جدوى المطلقة في كل الإنجازات، الافتتان بالوحدة، الطريقة التي يلون بها الحزن إدراكنا للعالم: ابتاع بيسوا رؤيته لموضوعاته المفضلة بثمن باهظ، ولكن لم يكن بإمكانه أن يحصل عليها بأي طريقة أخرى، كتب: "أن يجد المرء شخصيته بفقدانها – الإيمان نفسه يرضى بذلك الحس القدري".

***

بإيجاز شديد نعرف الحقائق المتعلقة بقدر بيسوا. وُلد في لشبونة عام 1888، وانتقل إلى جنوب أفريقيا وهو في السابعة من عمره، وذلك حين عُين زوج أمه في القنصلية البرتغالية في دربان. تفوق في اللغة الإنجليزية، وحصل على عدة جوائز عن مقالاته بالمدرسة، وكتب أشعارًا بالإنجليزية طوال حياته. في عام 1905، عاد إلى لشبونه ليدرس في جامعتها. ولكن بعد عامين، أدى إضراب للطلاب إلى إغلاق الجامعة، وترك بيسوا الجامعة.
لبقية حياته، أخلص للقراءة والكتابة، بينما كان يعتاش من الترجمة الحرة لمراسلات الأعمال. لم يتزوج أبدًا، وبينما بحث كتاب سيرته في مسألة جنسانيته – "لم أكن أبدًا الشخص الذي يخوض علاقة حب أو صداقة، أو الذي يفضل جنسًا عن آخر"، هكذا كتب في إحدى قصائده – فمن المحتمل أنه مات بدون أن يخوض علاقة جنسية. انضم إلى مشروعات أدبية متعددة، ومنها المجلة الشهيرة "أورفيوس"، والتي على الرغم من صدورها لعددين فقط، تعتبر السبب في تقديم الحداثة إلى البرتغال. لم ينشر سوى كتاب واحد أثناء حياته، "الرسالة"، وهو مجموعة قصائد مستلهمة من التاريخ البرتغالي، صدر الكتاب عام 1934. كان بيسوا وجهًا مالوفًا في الوسط الأدبي للشبونة، ولكنه حين توفى في عمر السابعة والأربعين عام 1935، لم يُنسب لاسمه أي إنجاز بارز. ربما بدا بالفعل أنه خاض "تاريخًا خاليًا من الحياة".

ولكن بعد وفاته سيحظى بيسوا بسمعة مميزة، كما تنبأ في قصيدته "إذا مت شابًا": "ربما يختفي أثر الجذور من على الأرض، ولكن زهورها تنمو في الهواء الطلق ليراها الجميع. لا بد أنك مثلها، لا شيء يمكن أن يمنع ذلك". من ضمن ممتلكاته التي تركها بعد وفاته كانت هناك حقيبة ضخمة، تحتوي على أكثر من 25 ألف ورقة – وهي نتاج حياة سادها ما يشبه الهوس بالكتابة. وكما يقول ريتشارد زينيث، وهو أحد مترجميه البارزين إلى الإنجليزية، كتب بيسوا على "الأوراق المهترئة، والدفاتر، وعلى الاستمارات المكتبية للشركات التي عمل بها، وعلى ظهر الرسائل، وعلى الأظرف، وعلى أي قصاصة كانت في متناوله".

هذا الكم من الوثائق، الذي يوجد الآن في المكتبة القومية بالبرتغال، يضم ما يكفي من الأعمال البارزة التي تجعل بيسوا أعظم شاعر برتغالي في القرن العشرين – في الحقيقة ربما يكون الأعظم منذ لويش دي كامويش، كاتب الملحمة القومية للبرتغال في القرن الساس عشر "اللوسياد". من بين هذه الأوراق أيضًا، هناك مئات القطع التي تشكل "كتاب اللا طمأنينة"، ولكنها بدون ترتيب محدد، تاركًا للمحررين المتتالين مهمة فرض رؤيتهم الخاصة على العمل. نُشر الكتاب لأول مرة عام 1982، بعد حوالي خمسين عامًا من وفاة بيسوا. ونُشرت ترجمة إنجليزية جديدة، لمارجريت جول كوستا بعنوان "كتاب اللا طمأنينة: النسخة الكاملة"، مُعتَمِدة على النسخة البرتغالية لجيرونيمو بيتسارو، التي صدرت عام 2013. وهذه أول نسخة حاولت أن تضع النصوص بترتيبها التاريخي بقدر الإمكان، اعتمادًا على تأريخ بيسوا والمصادر الأخرى.

بالإضافة إلى حجم أرشيف بيسوا والفوضى التي يتسم بها، هناك مستوى مربك آخر من التعقيد، وهو بمعنى ما كون الأعمال الموجودة بالأرشيف منسوبة للعديد من الكتاب. في مسوداته، وحتى في مراسلاته الشخصية، نَسَب بيسوا جل كتاباته الأفضل إلى ذوات بديلة متخيلة عديدة، دعاها بـ "الشخصيات المستعارة" Heteronyms، رصد الدارسون 72 منها. بدأ شغفه بالأسماء المبتكرة مبكرًا، في عمر السادسة، كتب رسائل بالاسم الفرنسي شوفالييه دو با، ثم انتقل إلى شخصيتين إنجليزيتين هما آلكسندر سيرش وتشارلز روبرت آنون. ولكن الشخصيات المستعارة الرئيسية التي استخدمها في أعماله الناجحة، كانت أقرب للأسماء الكودية الطريفة. كانوا شخصيات كاملة، وهبها سيرًا ذاتية وفلسفات وأساليب أدبية. وصل الأمر ببيسوا إلى أنه تخيل لقاءات بينهم، وسمح لهم بالتعليق على أعمال بعضهم. إذا كان بيسوا فارغًا كما يزعم، فهو ليس الفراغ النابع عن الخواء، ولكنه الفراغ الأشبه بخشبة المسرح، الذي تلتقي فيه هذه الذوات وتتفاعل.

***

في شعر بيسوا، كانت هناك ثلاثة شخصيات مستعارة أساسية. بالإضافة إلى القصائد التي وقعها باسمه، كتب باسم ألبرتو كاييرو، وهو طفل الطبيعة الساذج، وريكاردو ريس، الطبيب المكتئب المنغمس في الأشكال والموضوعات الكلاسيكية، وآلفارو دي كامبوس، المهندس البحري والرحالة الذي لف العالم والمخلص لوالت ويتمان. كل من تلك الشخصيات الثلاث حدد له تاريخ ميلاد قريب من تاريخ ميلاد بيسوا، واشتبكت أساطيرهم معًا. كتب بيسوا في إحدى المرات قطعة يشرح فيها كامبوس كيف تغير ريس كلية بعد الاستماع إلى شعر ألقاه كاييرو.

من المعتاد أننا نتوقع من الشعراء المهمين أن يكون لديهم أسلوب مميز، طريقة في الكتابة تميزهم بالطريقة نفسها التي نميز بها الرسام من خلال لمسات الفرشاة. ولكن قسمة الذوات أتاحت لبيسوا على الأقل أربعة أساليب في وقت واحد. عندما كان يكتب باسمه كان يتسم شعره بالتكثيف والميتافيزيقية والحساسية:

"أتأمل البِركة الصامتة
التي يحرك ماءها النسيم.
هل أفكر في كل شيء،
أم أن كل شيء قد نسيني؟"

في الوقت نفسه يبدو ريس أشبه بهوراس أو كاتولوس، يهتم بالحياة العابرة والحب في ستانزات منضبطة:

"إذا كانت كل قبلة
هي قبلة وداع،
فدعينا نقبل بعضنا بشغف
يا كلوي".

على الطرف المقابل هناك كامبوس، المستقبلي المتحمس، الذي يمجد سطوة الحداثة وسرعتها:

"الغضب الرائع متحدّ الوجود
وكل حواسي ترغي، وكل مسامي تزبد
لأن كل شيء يملك سرعة واحدة وطاقة واحدة وخط إلهي واحد،
منه وإليه، مأخوذ وأتمتم باهتياج على إيقاع السرعة المجنونة".

ثم هناك كاييرو، الذي قيل إنه توفى من السل في منتصف العشرينيات من عمره. والذي توقره الشخصيات المستعارة الأخرى بصفته "أستاذهم". كتب قصائد واضحة تتجنب الأفكار المجردة وتنغمس في العالم الواقعي، بروح من الحكمة قريبة من الزِن:

"أشكر الله لأنني لست بخير
ولكن هل الأنانية الطبيعية للأزهار
والأنهار التي تتبع مسارها
لا تنشغل سوى بإزهارها وفيضانها
هكذا بدون تفكير؟"

بالنسبة للعديد من القراء، تمثل الشخصيات المستعارة، بأساطيرها المعقدة، جزءًا كبيرًا من جاذبية بيسوا، بعض القراء الآخرين يعتبرونها أسلوبًا غير ضروري ويثقل على عمله. ولكنها بلا شك واحدة من العناصر التي تجعله حداثيًا كبيرًا. كان هذا الجيل من الشعراء يؤمن بما يدعوه أوسكار وايلد "حقيقة الأقنعة". ت. س. إليوت الذي لم يكن أكثر "إليوتية" مما كان عليه عندما كتب ج. آلفرد بروفروك، لديه نسب خاص ببيسوا. هما اللذان ولدا في وقت متقارب، كان لديهما ولع بالداندية، وازدراء للعادي، والتزام باللا شخصانية، وميل للاعتزاز بالتعاسة.

ولكن بيسوا مضى فيما وراء التقنع إلى التفكك المقصود. في قسم بـ "كتاب اللا طمأنينة" بعنوان "كيف تحلم بالميتافيزيقا"، يصف منهجًا يسعى إلى تذويب الوعي، يشبه في صرامته الدليل المكتوب عن التنويم الذاتي، أو مجموعة من الممارسات الدينية: البداية تكون بقراءة الروايات، التي تدربك على أن تهتم بالعالم الخيالي أكثر من الواقعي، ثم القدرة على أن تشعر ماديًا بما تتخيله – على سبيل المثال "الشهواني" لا بد أن "يختبر القذف عندما تحدث هذه اللحظة في روايته". في النهاية، وبعد عدة مراحل، تأتي المرحلة التي يطلق عليها بيسوا "أسمى مراحل الحلم": "بعد خلق مجموعة من الشخصيات، نعيشها جميعًا، في الوقت نفسه – "نتشارك جميع هذه الأرواح معًا". بالطبع هذا هو ما وصل إليه، وإن كان يبدو من جهة على أنه إنكار للذات، فهو من جهة أخرى يشبه عبودية للذات، يختتم النص بقوله "أنا إله". في النهاية، إذا كانت مخيلتك قوية جدًا، لدرجة أنها يمكنها تعمير العالم بالبشر، فأنت لست بحاجة إلى الناس الحقيقيين.

***

ذلك النوع من الذاتوية solipsism كان مصدر افتتان عظيم لبيسوا، كما يكشف "كتاب اللا طمأنينة". المادة التي أشار لتضمينها في الكتاب كُتبت في فترتين، كل فترة منهما لها شخصيتها المستعارة، والشخصيتين مختلفين عن الشخصيات الأربع التي سيطرت على شعره. في الفترة الأولى، من عام 1913 إلى عام 1920، نَسَب أعماله إلى فيسنتي جويديس، الذي وصفه في مقدمة قصيرة بأنه "رجل في الثلاثينيات من العمر، نحيف، طويل إلى حد ما، يظهر تقوس ظهره أثناء جلوسه أقل مما يظهر أثناء وقوفه، ولا يهمل تمامًا عنايته بثيابه". تستمر القطعة في وصف تقشف جويديس وكآبته وذكائه، وتفاهته البينة – كل تلك السمات التي تشبه خالقه. بالتالي، عندما يصف بيسوا "كتاب اللا طمأنينة" على أنه "سيرة ذاتية لشخص لم يوجد أبدًا"، هو في الوقت نفسه يذكر حقيقة واقعية (شخصية جويديس غير موجودة) ويقوم باعتراف شعري: هو نفسه لم يعش ما يعتبره العالم حياة كاملة.

في العشرينيات من القرن العشرين، وضع بيسوا الكتاب جانبًا، وأولى اهتمامه للشعر وانغمس في افتتان استمر طوال حياته بعلوم السحر والفلك. عندما عاد إلى عام 1929، أعاد تخيل كاتبه. في ذلك الوقت صار عملًا خاصًا ببرناردو سواريس، مساعد كاتب الحسابات في شركة لشبونه للنسيج. سواريس أيضًا كانت لديه قرابة روحية مع بيسوا: في الحقيقة، كتب بيسوا أنه الوحيد الذي يعتبر "شبه شخصية مستعارة" لأن "شخصيته، على الرغم من أنها ليست شخصيتي، فهي لا تختلف كثيرًا عنها، ولكنها مجرد تشويه لها". شخصية سواريس أكثر اكتمالًا من جهة الخيال من سابقه جويديس. يبدي ملاحظاته عن حيه بايشا، ومحل عمله في شارع دوس دورادوريس، ومديره، فاشكيش، بطريقة تضفي على الجزء الثاني من الكتاب حسًا روائيًا. وفي الحقيقة وضع ريتشارد زينيث محرر نسخة بنجوين الكلاسيكية من "كتاب اللا طمأنينة" عددًا من هذه الفقرات في البداية، لتمهيد الكتاب للقارئ بالاستعانة بقدر من السرد.

المنهج التأريخي للنسخة الجديدة لا يتسم بأي نوع من التنظيم الموضوعي، ونتيجة ذلك صار الكتاب أكثر صعوبة في القراءة من سابقه. يعود هذا جزئيًا لأنه يبدأ بأضعف مادة فيه، التي ترجع إلى حين كان بيسوا في الخامسة والعشرين من عمره متأثرًا بالرمزية الفرنسية وحركة الانحطاط في التسعينيات من القرن التاسع عشر (تبدو البرتغال متخلفة لجيل كامل عن العصر الأدبي في لندن وباريس). تقول أول فقرة: "روحي أوركسترا مختبئة، ولا أعرف أي آلات، أي كمنجات، أي وتريات، أي طبول، أي دفوف هي التي تدق وتضج بداخلي. لا أعرف نفسي سوى بكوني سيمفونية".

تضع هذه الفقرة النغمة الضابطة لشعر النثر الممتلئ بالحليات الذي يهيمن على الجزء الأول من العمل. بعض القطع كان لها عناوين ثقيلة، كـ "تلاوة اليأس" أو "استطيقا التنازل". أخرى تتكون من تصورات انطباعية عن السماوات والمناظر الطبيعية كما في "يوم ممطر: "الهواء لونه أصفر متواري، كالأصفر الشاحب الذي تراه في البياض المغبر". هناك أحلام يقظة منحرفة عن نساء بلا اسم نصفهن العذراء مريم ونصفهن بل دام سان مرسي  (المرأة الجميلة الخالية من الرحمة): "أنت الشكل الوحيد الذي لا يشع الضجر، لأنك تتغيرين مع مشاعرنا، لأنك بتقبيلك بهجتنا، تهزين حزننا وضجرنا، أنت الأفيون الذي يهدئ، والنوم الذي يجلب معه الراحة، والموت الذي يضع أيادينا بلطف على صدورنا".

إذا كان هذا هو كل ما يحتويه "كتاب اللا طمأنينة"، لن يكون عملًا بارزًا حديثًا ولكن آلة زمن. ومع ذلك، فطائفة الانحطاط في نهاية القرن التاسع عشر هي التي وضعت أولى بذور الحداثة؛ ولدى بيسوا يتضح بشكل رائع الانتقال من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين. تأسس الانحطاط على القلب الوقح للقيم في هذا الزمن: إذ حل محل العمل الكادح والجدية الأخلاقية الكسل المتخيل السامي والتناقض المستفز في أعمال كُتّاب مثل وايلد وجوريس-كارل هيوسمان. تردد لدى بيسوا الشاب  صدى هذه الرسالة، لأنها حولت ميله من التردد والانسحاب إلى الفضيلة الفنية. كتب في قطعة تعود إلى عام 1915: "أنا لا أسعى بجهد. إذا أراد القدر سيأتي ليجدني. أعلم تمام العلم أن أعظم جهودي لن تقارن بالنجاح الذي يستمتع به الآخرون".

ولكن مع تقدمه في العمر، وخاصة في الوقت الذي عاد فيه إلى "كتاب اللا طمأنينة" في الأربعينيات من عمره، أضفى بيسوا على هذا الموقف الأدبي شيئًا أكثر جدية وحدّة. تحول إلى نوع من العدمية الميتافيزيقية، لتصبح الحقيقة العظمى التي على الفنان نقلها هي أن لا شيء يهم. كان من الهام في هذه النقلة هو القرار بالتخلي عن جويديس، ببلاغته المنمقة، وأن يتحدث من خلال سواريس، الذي يفتقد أي نوع من الألق. في الحقيقة كان سواريس الذي يعيش في هذه الغرفة الرثة المستأجرة ويعمل بهذه الوظيفة المكررة المملة عاديًا إلى أقصى درجة، من نوع الأشخاص الذين يتجنبهم الاستطيقي بل حتى إنه لا يلاحظهم. في "الأرض الخراب" رأى إليوت حشود الناس ينطلقون على جسر لندن، ومثل سواريس، اعتبرهم موتى بالفعل: "لم أكن أعتقد أن الموت أصاب هذا العدد من الناس".

***

ولكن لدى بيسوا فالتناقض النهائي هو تحديدًا هذا الموت الحي الذي يقدم أفضل منظور للوجود الإنساني. إذا كان عليك وصف سواريس بتعبير مختصر سيكون "غير المخدوع": لأنه لا يريد شيئًا ويستطيع إدراك كل شيء. يكتب بيسوا: "نعم، هذا هو ما يعنيه الضجر، فقدان الروح لقدرتها على خداع نفسها". من بين الأشياء التي تخفق في التأثير عليه في "كتاب اللا طمأنينة" فكرة السفر: "فكرة السفر تصيبني بالمرض الجسدي"، والسياسة: "جميع الثوريين أغبياء وكذلك المصلحين"، والحب: "ليس لدي عقل يتمتع بالصبر أو التركيز ليحثني على بذل هذا الجهد". من الملحوظ أن التاريخ يغيب عن عمل بيسوا، على الرغم من أنه عاش أثناء الحرب العالمية الأولى، وحلت سلسلة من الأزمات السياسية في البرتغال أدت لإقامة نظام فاشي، أقصى بيسوا بصرامة هذه الأمور من اعتباره. بدا أن أقصى لحظات سعادته كانت عندما يراقب الطقس، والعديد من القطع تتضمن أوصافًا للشمس والسماء والمطر والسحب.

من الصعب التوفيق بين هذه اللا مبالاة وبين الجهد والحرفية اللتين استعان بهما بيسوا وهو منكب على عمله. إذا لم يكن هناك ما يستحق الفعل، لم كتب خمسة وعشرين ألف صفحة؟ في بعض الأوقات، يشير إلى أن التفكير والكتابة كانا فقط لتزجية الوقت – انشغال للعقل كما يشغل البعض أيديهم بالتطريز، كما يقول في قصيدته "ساكنًا":

"أنا أيضًا أقوم بالتطريز
يعود هذا منذ بدأت التفكير
غرزة بعد غرزة تشكّل كلًا بدون كل
نسيجًا ولكني لا أعرف إذا كان ثوبًا أم لا شيء".

إذا اعتُبر التفكير غيابًا تامًا للنشاط، إذن ربما يبدو أشبه بإنكار الحياة، و"كتاب اللا طمأنينة" كُتب للتعبير عن الضجر والندم واليأس. ولكن في الوقت نفسه، بيسوا مقتنع أن التفكير هو أعظم المغامرات، يفوق أي فعل ممكن. هذا صحيح، لأننا لا ندخل العالم أبدًا بدون أن يكون هذا من خلال إدراكاتنا وأفكارنا الخاصة، وللحديث بدقة فالعقل في العالم غير ضروري. لِم نفعل الأشياء طالما يمكننا أن نتخيلها؟ بهذه الطريقة يتحول الموظف سواريس، إلى أرستقراطي محض، لا حاجة له بمفاهيم مثل الإنجاز أو المكانة، لأنه يعتبر نفسه متفوقًا على هذه المفاهيم. يقول سواريس، ويبدو هنا أشبه بزرادشت نيتشه: "كلما صعد الإنسان لأعلى، كان عليه أن يتخلى عن المزيد من الأشياء. على ذروة الجبل، لا توجد مساحة سوى لهذا الإنسان وحده". الكتابة هي سبب تفوقه والدليل عليها: "الأدب... يبدو لي الهدف الذي ينبغي أن تتجه نحوه كل الجهود الإنسانية".


في تبدلاته بين كراهية الذات وإحساسه بتفوق الذات، يمكن لـ "كتاب اللا طمأنينة" أن يبدو ملحمة هوسية-اكتئابية نموذجية. إنجاز بيسوا، سواء قصد ذلك أو لم يقصده، هو إظهار كيف أن جذور نوع معين من البؤس يعتمد على الذاتوية – الاعتقاد بأن لا شيء خارج الذات يهم حقًا - بالتالي لا يمكن للعقل أن يتأثر حقًا بما يختبره. يكتب في القطعة الأخيرة: "الحرية هي القدرة على العزلة، إذا كنت لا تستطيع العيش وحدك، فقد ولدت عبدًا". ولكن في النهاية فحتى بيسوا لم يستطع العيش وحده، إنما حظي بالصحبة عن طريق ابتكار شخصيات مستعارة، ولكنهم على خلاف الناس الحقيقيين، سيظلون دومًا تحت السيطرة. الموت وحده قادر على أن يحررهم – ويحرره –  من قبضة مخيلته شديدة القوة.

حوار نوبل.. كازو إيشيجورو: انضممت إلى قائمة تحوي الكثير من الأبطال العظام

بعد إعلان فوز كازو إيشيجورو بجائزة نوبل في الأدب لعام 2017، أجرى آدم سميث، المسؤول الإعلامي للجائزة، حوارًا مع الكاتب الإنجليزي عن الجائزة التي لم يتوقعها، وعن صحبة الأدباء الذين سينضم إليهم. 

حوار آدم سميث 
ترجمة عن موقع جائزة نوبل

ترجمة: أمير زكي
أكتوبر 2017
نُشرت بموقع المنصة



***

كازو إيشيجورو: مرحبًا يا سيد سميث، كيف حالك؟

آدم سميث: في حال طيبة. شكرًا جزيلًا لك على تلقي الاتصال، هذا لطف منك. مبروك على جائزة نوبل.

إيشيجورو:  نعم. شكرًا لك، آسف على فترة الانتظار، هناك فوضى شديد للأسف. فجأة ظهر العديد من الصحفيين وهم يقفون في طابور بالشارع.

سميث: يمكنني تخيل ذلك. بالطبع لا بد أن يومك تغير تمامًا بطريقة غير متوقعة. كيف تلقيت الخبر؟

إيشيجورو: كنت أجلس في المطبخ أكتب بريدًا إلكترونيًا لصديق حين رن جرس التليفون. في البداية لم أكن متأكدًا تمامًا، وكلائي الأدبيون كانوا يشاهدون البث الحي وشهدوا الإعلان. لا أعتقد أنهم كانوا يتوقعون ذلك، كانوا ينتظرون فقط معرفة الفائز بالجائزة هذا العام. وبدأت أستقبل الاتصالات، وفي كل مرة كنا نحاول أن نتأكد إذا كان الأمر شائعة أو إذا كانت الأخبار مزيفة، أو ما هي حقيقة الأمر. ثم بدأ الأمر يتأكد شيئًا فشيئًا. في هذا الوقت اتصلت بي شبكة بي بي سي، فأخذت المسألة بجدية. كان الأمر أشبه بكون سفينة ماري سيليست(1) هنا، كل شيء كان في مكانه حتى الساعة الحادية عشر، ثم بدأ كل شيء، ومن ساعتها بدأ الصخب، الآن يشكل الناس طابورًا في الشارع بانتظار إجراء حوارات صحفية.

سميث: بالتالي هل بدأت استيعاب الأمر؟

إيشيجورو: لا، لا، لا أظن أنني سأستوعب الأمر لوقت طويل. أعني، هذا شرف كبير إلى حد مضحك، كبير بأعلى قدر ممكن. لا أعتقد أنك ستحصل على جائزة أكبر من نوبل. أعنى أن أحد التعليقات التي سأقولها إن الكثير من هذا الفخر يرجع إلى أن الأكاديمية السويدية، على ما أعتقد، تظل بعيدة عن الجدالات السياسية وهكذا. وأظن أنها واحدة من الأشياء القليلة التي ما زالت تلقى احترام العديد من الناس في أنحاء العالم، بالتالي أظن أن حس الشرف النابع من استقبال الجائزة يرجع إلى القامة الحقيقية للأكاديمية السويدية. وأظن أن هذا إنجاز كبير في ذاته، إذ استطاعت الأكاديمية السويدية طوال هذه السنين أن تحافظ على قيمتها الكبيرة، في كل مسارات الحياة التي تكرمها. وهناك سبب آخر في أنه شرف عظيم لي بسبب... كما تعرف، انضممت إلى قائمة تحوي الكثير من الأبطال العظام، كُتَّاب عظام بحق. أعظم كُتَّاب في التاريخ حصلوا على الجائزة. وكما تعرف، ينبغي أن أقول إنه أمر رائع أن أحصل عليها بعد عام من فوز بوب ديلان بها، لقد كان بطلي منذ كنت في الثالثة عشر من عمري. ربما كان بطلي الأكبر على الإطلاق.

سميث: من اللطيف أن تنضم إلى هذه الصحبة.

إيشيجورو: نعم، وأنا بارع في تقليد بوب ديلان، ولكني لن أقوم بذلك الآن.

سميث: خسارة، كنت أحب أن أشاهد ذلك. ولكن على الأقل يمكنك أن تؤدي ذلك في ستوكهولم في ديسمبر، من فضلك.

إيشيجورو: بالطبع، سأحاول ذلك.

سميث: ينبغي عليك ذلك، هذا توقيت غريب في بريطانيا في هذه اللحظة. هل يضيف هذا أهمية خاصة في تلقيك للجائزة؟

إيشيجورو: أعتقد أن له أهمية، في الحقيقة قبل أن أرفع سماعة التليفون لأرد عليك، كتبت ما يشبه البيان المخصص للصحافة، وكنت أحاول أن أفكر فيما يمكن أن أقول في ثلاث جمل، وأظن أن التوقيت مناسب لي، لأنني أشعر... أنا في حوالي الثالثة والستين من عمري، ولا أذكر الوقت الذي لم نكن واثقين فيه من قيمنا في العالم الغربي. كما تعرف، أظن أننا نمر بزمن ينتابه عدم ثقة شديد في قيمنا وقياداتنا. لا يشعر الناس بالأمان، بالتالي آمل أن تسهم أشياء مثل جائزة نوبل بشكل ما في تأدية أدوار إيجابية في العالم، وللقيم الراقية في العالم، وهذا سيسهم في نوع من من الاستمرارية والرقي.

سميث: أعتقد أنك بطريقة ما كتبت طوال الوقت عن قضية موضعنا في العالم، وعلاقتنا ببعضنا، علاقتنا بالعالم. ربما كان هذا أكثر موضوع بحثته، هل هذا صحيح؟

إيشيجورو: نعم، سأقول نعم، أظن أنني أعني.. إذا ضيقت هذه الفكرة قليلًا، أعني أن هذا من المرجح... أحد الأشياء التي تعنيني دومًا هي كيف نعيش في عوالم صغيرة وعوالم كبيرة في الوقت نفسه، أن لدينا مساحة شخصية نحاول فيها أن نجد التحقق والحب، ولكنها تتقاطع حتمًا مع عالم أكبر، يمكن أن تهيمن عليه السياسة أو حتى العوالم الديستوبية. بالتالي أظن أنني كنت دومًا مهتمًا بذلك. نحن نعيش في عوالم صغيرة وعوالم كبيرة، وكما تعرف، نحن لا نستطيع أن ننسى أيًا منها.

سميث: شكرًا لك، وأعتقد أننا سنتحدث عن هذه الأشياء في وقت لاحق.

إيشيجورو: نعم.

سميث: في هذه اللحظة، عليك أن تفكر كيف ستتصرف مع هذا الكم من الصحفيين. هناك فكرة أخيرة، هل تشعر بطوفان الاهتمام الذي توشك على تلقيه؟

إيشيجورو: أعتقد أنني أتعامل مع الأمر بإيجابية. أعني أنه بينما سيؤدي ذلك إلى القليل من عدم الاستقرار، لأني لم أكن أعلم حين استيقظت هذا الصباح أن اليوم سيختلف عن أي يوم عادي. أعتقد أنه شيء عظيم أن الصحافة والإعلام يتعاملان مع جائزة نوبل في الأدب بهذه الجدية. سأشعر بالقلق الشديد إذا حل يوم يفوز فيه شخصًا ما بجائزة نوبل في الأدب ولا يأبه أحد بذلك. هذا سيدل على أن هناك أشياء فظيعة حدثت للعالم.

سميث: اليوم الذي يُحتفى فيه بالأدب هو يوم رائع.

إيشيجورو: نعم، وأعتقد أنه يمكن للأدب أن يكون شيئًا عظيمًا، وفي بعض الأحيان يكون دافعًا للأشياء السيئة أيضًا. كما تعلم، أظن أن جائزة نوبل في الأدب موجودة لتحاول تأكيد هذا الدافع الخيِّر فيه.

سميث: عظيم، شكرًا جزيلًا لك، ونحن ننتظر بنفاد صبر الترحيب بك في ستوكهولم في ديسمبر.

إيشيجورو: نعم، أترقب ذلك. من اللطيف التحدث إليك يا سيد سميث.

سميث: شكرًا جزيلًا لك.


إيشيجورو: لتصحبك السلامة.

------
(1) Mary Celeste سفينة تجارية أمريكية، اكتُشفت عند جبال الآزور على المحيط الأطلنطي، بحال جيدة، ولكن بدون طاقمها الذي اختفى ولم يعرف أحد سر اختفائه.