2018-12-10

سلافوي جيجيك: علينا أن نتخلى عن قضية الدولة القومية


علينا أن نتخلى عن قضية الدولة القومية
سلافوي جيجيك

عن نيوستيتسمان، 3 ديسمبر 2018


ترجمة: أمير زكي
ديسمبر 2018

الترجمة خاصة بـ Boring Books
يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه.

***

الصورة من نيويورك ريفيو أوف بوكس


تشير الأخبار الأخيرة التي تأتينا من الحدود الأوكرانية الروسية إلى أننا نعيش بالفعل على شفا حرب. بالتالي، ما الذي علينا، نحن الناس العاديين، أن نفعله حين ينفجر الجنون العالمي؟

ربما ينبغي أن يكون رد فعلنا الفوري أن نواجه تلك الأخبار الكئيبة بمجموعة من الأخبار الأكثر كارثية. أوضحت التقارير العلمية الأخيرة أن نظامنا الغذائي العالمي معتل: وفقًا لـ 130 أكاديمية وطنية علمية  في أنحاء العالم، فمليارات الناس إما لا يحصلون على التغذية الكافية أو مصابين بالسمنة، وأن إنتاجنا الغذائي يتجه بالكوكب نحو كارثة مناخية. ولكي نحصل جميعًا على غذاء صحي متوافق مع البيئة فنحن بحاجة إلى تغيير راديكالي في النظام.

ولكن ليس النظام الغذائي العالمي وحده هو المعطوب. كما عرفنا من التقارير البيئية الغزيرة الأخيرة، فالتشخيص العلمي لمأزقنا بسيط وواضح: إذا لم نُقَلِّص انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 45 في المائة في خلال الإثني عشر عامًا التالية، ستغرق المدن الساحلية وسيتناقص الطعام، إلخ. ومجددًا إذا أردنا فعل ذلك نحن بحاجة إلى تغيير اجتماعي راديكالي سريع، سيؤثر بعمق على كل مجالات الحياة. إذن كيف نحقق ذلك؟

بخلاف التخلص السريع من الوقود المشبع بالكربون، هناك طريقة أكثر تأثيرًا مطروحة للبحث، وهي إدارة الإشعاع الشمسي، أي التوزيع الهائل والمستمر للهباء في الغلاف الجوي ليعكس ضوء الشمس ويمتصه وهكذا يتم تبريد الكوكب. ولكن إدارة الإشعاع الشمسي مسألة خطيرة للغاية، كما شرحت كيت آرونوف في مقال حديث في مجلة "إن ذيس تايمز". إذ يمكن أن يُقَلِّص من المحاصيل الزراعية، ويمكن أن يُغَيِّر من طبيعة الدورة المائية بشكل لا يُمَكِّننا من استعادتها، ناهيك عن ذكر العديد من "المجهولات الأخرى" - لا نستطيع حتى أن نتخيل كيف يعمل التوازن الهش على أرضنا، وبأي طرق غير متوقعة يمكن أن تدمرها تلك الهندسة البيئية. بالإضافة إلى ذلك من السهل إن نخمن لِم تحتفي العديد من الشركات بإدارة الإشعاع الشمسي، لأنه بخلاف التغيير الاجتماعي المؤلم، تتيح الفكرة منظورًا لحل تكنولوجي محدد لمشكلتنا الأكبر. نحن في مأزق بالفعل، إذا لم نفعل شيئًا ستحل علينا اللعنة، وأي شيء نفعله يتضمن مخاطر مميتة... من سيتخذ القرارات هنا؟ من حتى المؤهل لاتخاذها؟

الظواهر التي تماثل الاحتباس الحراري تجعلنا، مع كلية نشاطنا النظري والعملي، واعين أننا عند مستوى أساسي محدد مجرد كائنات حية أخرى على كوكب الأرض، يعتمد عيشنا على معايير طبيعية محددة نتعامل معها تلقائيًا وكأنها حق لنا. الدرس الذي يُعَلِّمه لنا الاحتباس الحراري هو أن حرية البشر تكون ممكنة فحسب على خلفية معايير طبيعية مستقرة للحياة على الأرض (الحرارة، تكوين الهواء، الماء الكافي، الطاقة المتاحة، إلخ). يمكن للبشر "أن يفعلوا ما يحلو لهم" وذلك فحسب إن ظلوا هامشيين بما يكفي لدرجة ألا يزعجوا معايير الحياة على الأرض بالفعل.

حدود حريتنا التي تصبح ملموسة بالاحتباس الاحراري هي الناتج المتناقض للنمو الأُسِّي لحريتنا وسيادتنا: نحن الآن في غاية القوة حتى أننا نستطيع نزع الاستقرار عن أكثر المعايير الجيولوجية أساسية في الحياة على الأرض. هكذا تصبح "الطبيعة" حرفيًا مجالًا اجتماعيًا-تاريخيًا، ولكن ليس بالمعنى الماركسي المتسامي (محتوى "الطبيعة"، أو ما نعتبره "الطبيعة" هو محدد دومًا بشكل مضاعف عن طريق الظروف التاريخية التي تهيكل أفق فهمنا للطبيعة)، إنما تصبح مجالًا اجتماعيًا-تاريخيًا بمعنى أكثر راديكالية وحَرْفية، ليست الطبيعة فحسب خلفية مستقرة للنشاط الإنساني، ولكن عناصرها شديدة الأساسية تتأثر بفعل هذا النشاط. الطريقة التي سنطور بها اقتصادنا في العقود القادمة لن تؤثر فقط على مستقبلنا، بل على مستقبل الحياة بأكملها على الأرض. بدأت المئات من الحيوانات الآن في الاختفاء، الجليد القطبي ينصهر. والتناقض هو أنه لا توجد عودة بسيطة لنقطة التوازن السابقة. وفقًا لكل الاحتمالات، تكيفت الحياة على الأرض بالفعل على نشاطنا لدرجة أننا إذا توقفنا جميعًا فجأة عن الإنتاج والاستهلاك سيؤدي هذا أيضًا إلى كارثة.

باختصار، منظور الهندسة البيئية يشير إلى أننا غارسين حتى رُكبنا في "الأنثروبوسين" (عصر الإنسان)، وهو عهد جديد في الحياة على كوكبنا، لم نعد نستطيع فيه كبشر الاعتماد على الأرض كمستودع جاهز لامتصاص عواقب نشاطنا المنتج. لم تعد الأرض خلفية لا يمكن اختراقها أو أفق لنشاطنا المنتج. وبدلًا من ذلك تبدو كموضوع متناه آخر يمكن بإهمالنا له أن ندمره أو نحوله حتى يكون من المستحيل العيش فيه. هنا يقع تناقض الأنثروبوسين: تصبح البشرية واعية بحدودها الذاتية ككائنات فقط حين تكون في غاية القوة التي تخوِّل لها التأثير على توازن الحياة كلها على الأرض. كانت البشرية قادرة على الحلم بالسيطرة على الطبيعة (الأرض) واستغلالها طالما كان تأثيرها على الطبيعة هامشيًا، أي بوجود خلفية طبيعية مستقرة. هكذا يتمثل التناقض في أنه كلما كانت إعادة إنتاج الطبيعة معتمدة على النشاط البشري، كلما انفلتت من سيطرتنا. لا يفوتنا فقط الجانب الخفي من الطبيعة ولكن قبل كل شيء العواقب المستغلقة لنشاطاتنا.

إذن نعم، نحن في فوضى عارمة، لا يوجد حل "ديمقراطي" بسيط هنا. فكرة أن الناس أنفسهم (وليس الحكومات والشركات فحسب) هم الذين يتخذون القرار تبدو فكرة عميقة، ولكنها تطرح سؤالًا هامًا: حتى إذا لم تُشَوِّش مصالح الشركات فهمهم للوضع، ما الذي يؤهلهم للحكم على هذه المسألة الحرجة. ولكن على الأقل ما نستطيع فعله هو أن نوضح الأولويات ونعترف بعبثية ألعاب الحروب السياسية الجغرافية، وذلك حين يكون الكوكب نفسه، الذي نحارب عليه، مهددًا.

منطق صراعات الدول القومية شديد الخطورة لأنه يعارض بشكل مباشر الحاجة الملحة لتأسيس وضع جديد متعلق ببيئتنا، الحاجة لتغيير سياسي اقتصادي راديكالي دعاه بيتر سلوتردايك بـ "ترويض الثقافة الحيوانية الجامحة". حتى الآن، تُهَذِّب كل ثقافة أعضائها وتعلمهم وتضمن لهم السلام المدني خلف مظهر سلطة الدولة، ولكن العلاقات بين الثقافات والدول المختلفة هي دومًا مهددة بظل الحرب الممكنة، فكل حالة سلام ليست سوى هدنة مؤقتة. تصبح ذروة الفعل البطولي لأخلاقيات الدولة هي الاستعداد للتضحية بحياة المرء من أجل الدولة القومية، وهذا يعني أن العلاقات البربرية الجامحة بين الدول تساعد على أن تكون الأساس الأخلاقي بداخل الدولة. أليست كوريا الشمالية اليوم، بسعيها الحثيث للحصول على الأسلحة النووية والصواريخ لضرب أهداف بعيدة، هي المثال المطلق لمنطق السيادة غير المشروطة للدولة القومية؟

ولكن في اللحظة التي نقبل فيها تمامًا حقيقة أننا نعيش على متن الأرض، فالمهمة التي تفرض نفسها بإلحاح هي تحضير الحضارات نفسها، فَرْض تضامن وتعاون عالمي وسط المجتمعات الإنسانية، وهي مهمة صارت أكثر صعوبة بسبب تصاعد العنف "البطولي" الإثني والديني الطائفي، والاستعداد للتضحية بحياة المرء (وحياة العالم) بسبب قضية المرء الخاصة.

يجبرنا العقل على أن نرتكب الخيانة هنا، أن نغدر بقضيتنا، أن نرفض الاشتراك في ألاعيب الحرب الجارية. إذا كنا نهتم فعلًا بمصير الناس الذين يشكلون أمتنا، لا بد أن يكون شعارنا: أمريكا أخيرًا، والصين أخيرًا، وروسيا أخيرًا...

2018-12-06

شَرَف الترجمة


شرف الترجمة 
دوجلاس روبنسون


جزء من كتاب "أن تصبح مترجمًا" لدوجلاس روبينسون 

Becoming a Translator
An Introduction to Theory and Practice of Translation
Routledge, Second edition 2003

ترجمة أمير زكي
ديسمبر 2018

الترجمة خاصة بـ  Boring Books
يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه.
  
***
  
القديس جيروم، شفيع المترجمين وفقًا للكنيسة الكاثوليكية، من  wikimedia

من وجهة نظر المستخدم، من الجوهري أن يكون قادرًا على الثقة في الترجمة –لا في النص فحسب ولكن في المترجم أيضًا، وعامة في عملية الترجمة بأكملها. ولأن هذا هام بالنسبة للناس الذين يدفعون الأجر، فهو هام للمترجم أيضًا؛ الاعتبارات البراجماتية للحفاظ على العمل (لمن يعملون بداخل شركات) أو الاستمرار في تلقي المهام (في حالة المترجم الحر)، تؤدي إلى الرغبة في تلبية احتياجات صاحب العمل أو العميل.

ولكن لدى مترجم النصوص أو المترجم الفوري اعتبار أعلى من الحصول على المال أو الاستمرار في وظيفته، وهو الفخر المهني والنزاهة المهنية والتقدير الذاتي النابع من المهنة. نريد جميعًا أن نشعر أن العمل الذي نقوم به هام، وأننا نقوم به بإتقان، والناس الذين نقوم بالعمل لهم يقدرون عملنا. في الحقيقة،  يفضل معظم الناس أن يحظوا بالفخر المهني في عمل يدفع مقابلًا ماديًا أقل عن أن يصيروا أثرياء وهم يؤدون عملًا لا يؤمنون به. على الرغم من القيمة العالية المُنصَبَّة على الحصول على الكثير من المال (بالتأكيد سيكون هذا أمرًا لطيفًا!)، لا توجد متعة كبيرة في الحصول على أجر مرتفع بدون أن تكون فخورًا بعملك.

المناطق التي يحظى من خلالها المترجمون، بشكل نموذجي، بالفخر المهني هي الموثوقية والاستغراق في العمل والأخلاقيات.

الموثوقية

الموثوقية في الترجمة، في الجانب الأكبر منها، هي مسألة تلبية احتياجات العميل: ترجمة النصوص التي يريد العميل ترجمتها، بالطريقة التي يريد العميل ترجمتها بها، بالجدول الزمني الذي يحدده العميل. المطالب الموضوعة على عاتق المترجم، لمحاولة أن يكون موثوقًا به، من منطلق رؤية العميل، تكون مستحيلة في العديد من الأحيان، وأحيانًا ما تكون مزعجة لحياة المترجم الشخصية، وفي بعض الأحيان تكون ممجوجة أخلاقيًا، وكثيرًا ما تكون منهكة نفسيًا وذهنيًا. ولكن إذا كانت المطالب ممكنة بأي حال، ففي العديد من المواقف، وحتى في معظمها، تتجاوز رغبة المترجم في أن يحظى بالفخر المهني، في مسألة الموثوقية، كل الاعتبارات الأخرى. سوف يظل/تظل متيقظًا طوال الليل يمارس العمل بسرعة، أو يلغي الخروج إلى أمسية محببة مع صديق، أو سوف يترجم نصًا بموثوقية حتى لو وجده/وجدته كريهًا أخلاقيًا أو سياسيًا.

الفخر المهني في مسألة الموثوقية هو السبب الرئيسي الذي يجعلنا نقضي ساعات بحثًا عن مصطلح واحد. ما المقابل المادي الذي نتلقاه بعد أن نفعل ذلك؟ لا شيء تقريبًا، ولكن يبدو في غاية الأهمية أن نقوم بالمهمة بشكل صحيح: أن نجد المصطلح الصحيح تمامًا، بالتهجئة الصحيحة، بالتعبير الصحيح، بالمقام اللغوي الصحيح. لا نفعل ذلك لأن هذا ما يتوقعه العميل، وإنما أيضًا لأنك لو لم تؤد العمل بشكل صحيح، سيتقلص فخرك المهنى ورضاك عن العمل.

 الاستغراق في المهنة

هذه المسألة لا تخص العملاء كثيرًا، أو لا تخصهم على الإطلاق، ولكنها ذات أهمية كبيرة للمترجمين؟ أي جمعيات أو اتحادات ينتمون إليها؟ أي مؤتمرات للترجمة يذهبون إليها؟ أي مساقات يلتحقون بها في المجال؟ كيف نُكَوِّن الشبكات المهنية مع المترجمين الآخرين في منطقتنا، ومع نظرائنا في اللغات الأخرى؟ هذا "الاستغراق" أحيانًا ما يساعد المترجمين أن يصيروا أفضل، وهذا هام بالنسبة للعملاء، وكذلك هام لتحقيق الفخر الذي نحظى به بفعل الموثوقية. ولكن الأكثر أهمية هو أنه يجعلنا نشعر شعورًا أفضل تجاه كوننا مترجمين؛ يعزز تقديرنا الذاتي للمهنة، هذا الذي كثيرًا ما يدعمنا عاطفيًا ونحن نخوض الوظائف المملة والرتيبة وذات الأجر المحدود. القراءة عن الترجمة والحديث عنها مع المترجمين الآخرين، النقاش عن المشكلات والحلول المتعلقة بالنقل اللغوي، ومطالب العملاء وعدم تلقي الأجور، وغيرها، الالتحاق بفصول دراسية عن الترجمة، حضور مؤتمرات الترجمة، متابعة التطورات التكنولوجية في المجال، شراء البرامج والمستلزمات الجديدة وتعلمها؛ كل هذا يضفي علينا حسًا قويًا بأننا لسنا موظفين منعزلين ذوي أجر محدود، وإنما مهنيين يحيطنا مهنيون آخرون يشاركوننا الاهتمامات. الاستغراق في مهنة الترجمة يمكن حتى أن يزودنا بالأدوات الثقافية والشجاعة المهنية في مواجهة المطالب غير المقبولة، أن نُعلِّم العملاء وأصحاب العمل بدلًا من الخضوع لهم كلية وأن يغلي غضبنا بداخلنا. يساعدنا الاستغراق في المهنة أن ندرك أن العملاء الطالبين للترجمة يحتاجوننا مثلما نحتاجهم، هم لديهم المال الذي نحتاجه، ونحن لدينا المهارات التي يحتاجونها. ونحن لا نبيع إليهم تلك المهارات خاضعين مذعنين قابلين شروطهم كلية، وإنما نبيعها من موقف الثقة والقوة المهنية.

أخلاقيات الترجمة

أخلاقيات الترجمة المهنية عُرِّفت تقليديًا بتعريفات شديدة الضيق: من غير الأخلاقي أن يشوِّه المترجم معنى النص الأصلي. كما رأينا، هذا المفهوم المتعلق بأخلاقيات الترجمة شديد الضيق حتى من وجهة نظر العميل: توجد العديد من الحالات التي يُطلَب فيها من المترجم صراحة أن "يشوِّه" المعنى في النص الأصلي بطرق محددة، كما في معالجة النص ليكون جاهزًا للتلفزيون أو يكون كتاب أطفال، أو حملة إعلانية.

من منطلق وجهة نظر المترجم الداخلية، تظل أخلاقيات الترجمة مسألة أكثر تعقيدًا. على سبيل المثال، ما الذي يفعله المترجم حين يُطلب منه أن يترجم نصًا يجده/تجده مهينًا؟ أو بتعبير مختلف، كيف يكمل المترجم عمله حين تتصادم الأخلاقيات المهنية (الولاء للشخص الذي يدفع مقابل الترجمة) مع الأخلاقيات الشخصية (معتقدات المترجم الشخصية والأخلاقية)؟ ما الذي تفعله المترجمة النسوية حين يُطلب منها أن تترجم نصًا يحتوي تمييزًا على أساس الجنس؟ ما الذي يفعله المترجم الليبرالي حين يُطلب منه أن يترجم نصًا ينتمي للنازية الجديدة؟ ماذا يفعل المترجم البيئي حين يُطلب منه أن يترجم حملة إعلانية تخص شركة كيميائية غير مسؤولة بيئيًا؟

طالما سيطرت وجهة النظر الخارجية (وجهة نظر غير المترجمين)على التفكير في الترجمة ، ستظل تلك الأسئلة غير مطروحة للتساؤل –أسئلة لا تُسأل، وغير قابلة للطرح: يترجم المترجم أي نص يُطلب/تطلب منه أن يترجمه، ويفعل ذلك بالطريقة التي ترضي احتياجات العميل. لا توجد لدى المترجم وجهة نظر لها أي معنى تجاه كل أفعال الترجمة.

ولكن من وجهة النظر الداخلية، لا بد أن تُطرح تلك الأسئلة. المترجمون بشر، لديهم آراء ومواقف ومعتقدات ومشاعر. المترجمون الذين يُطلب منهم بشكل منتظم أن يترجموا نصوصًا يجدونها كريهة، ربما يكونون قادرين على كبت مقتهم لعدة أسابيع، أو شهور، أو حتى سنوات؛ ولكنهم لن يكونوا قادرين على كبت تلك المشاعر السلبية إلى الأبد. المترجمون، مثلهم مثل كل المهنيين، يريدون أن يشعروا بالفخر بما يؤدونه. إذا حدث صدام حقيقي بين أخلاقياتهم الشخصية والأخلاقيات المحددة من الخارج، سيكون من الصعب أو من المستحيل أن يشعروا بذلك الفخر، في النهاية سيكونون مجبرين على اتخاذ قرارات مؤثرة حيال الظروف والأحوال التي يريدون أن يعملوا فيها وبها.

وبشكل متزايد بدأ المترجمون استكشاف سبل جديدة يمكن بها التوفيق بين أخلاقياتهم كبشر وأعمالهم كمترجمين. على سبيل المثال تخبرنا المترجمة النسوية الكيبيكية سوزان لوتبينيير هاروود (1991) أنها لم تعد تترجم أعمالًا لرجال: هناك ضغط كبير جدًا في تبني صوت ذكوري، وترفض أن يتم تدجينها. في ترجماتها الأدبية لأعمال نسائية عملت جاهدة لمساعدتهن لخلق لغة تركز على المرأة في الثقافة المستهدفة أيضًا. في كتاب "الكاتب المخرب" لسوزان جيل ليفين (1992) تخبرنا أنه في ترجماتها للكتاب الذكور الأمريكيين اللاتينيين شديدي التمييز ضد المرأة، كثيرًا ما عملت، بعد قبول الكُتَّاب أنفسهم والتعاون معهم، على التخلص من التمييز الجنسي.

التعريف "الداخلي" الأوسع لأخلاقيات المترجم مثير للجدل إلى حد كبير. بالنسبة للعديد من المترجمين، لا يطرح المترجم على نفسه فكرة أن يفعل أي شيء يمكن أن يؤذي مصالح الشخص أو الجماعة التي تدفع مقابل الترجمة ("المُكلِّف" بالترجمة أو "المُبادِر" بها). بالنسبة للمترجمين الآخرين، فكرة أن تصبح بلا حول ولا قوة تمامًا، وألا تتخذ قرارات أخلاقية مبنية على الالتزامات الشخصية أو البنى الإيمانية أمر كريه بنفس القدر؛ يبدو الأمر أشبه بـ "أخلاقيات" الشوتزشتافل[1] الذين مثلوا أمام محاكم نورنبرج، بالزعم الذي ادعوه: "نحن فقط نطيع الأوامر". حين تتصادم أخلاقيات المترجم الشخصية في جوهرها مع مصالح المُكَلِّف، إلى أي مدى يمكن للمترجم أن يتحمل الاحتفاظ بأخلاقياته وأن يستمر في كسب عيشه؟ ومن جهة أخرى إلى أي مدى يمكن للمترجم أن يتحمل التنازل عن تلك الأخلاقيات ويظل مع ذلك يحظى بالفخر المهني في عمله أو عملها؟ 



[1]  وحدة شبه عسكرية نازية في ألمانيا في عهد هتلر، أخذت على عاتقها العمل الأمني والمخابراتي بألمانيا والمناطق التي احتلتها، وعُرفت بمذابحها العديدة.

2018-12-02

المتروصوفيا: الفلسفة والمدينة


المتروصوفيا: الفلسفة والمدينة

مقال لديفيد كيشيك*

عن النيويورك تايمز، 6 يوليو 2015

ترجمة يحيى محمد
ديسمبر 2018

الترجمة خاصة بـ Boring Books
يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه.

*ديفيد كيشيك، أستاذ مساعد للفسفة بكلية إمرسون، كتابه الأخير "مشروع مانهاتن: نظرية مدينة".

***

عن النيويورك تايمز

                                                           
أين الفلسفة؟ ليس هذا خطأ كتابيًا. فسؤال "ما الفلسفة؟" هو الأكثر انتشارًا، لكن نادرًا ما نتساءل أين هي. من الناحية المادية لنتخيل فيلسوفًا في مكان عمله، أين يحدث ذلك المشهد؟

تجبرنا النظرة النموذجية للفلسفة على اعتبارها نشاطًا منفردًا يُمارَس في أماكن طبيعية منعزلة؛ كوخ مجاور لخليج، أو أرض خلاء وسط غابة، أو كهف على منحدر جبلي، أو في هذه الأيام كرسي هزاز تحت سقيفة في مدينة جامعية عتيقة. بالتأكيد كان بعض المفكرين العظام مثل فتجنشتاين وهايدجر ونيتشه مسؤولين عن الترويج لتلك الروح الرعوية، لكن حتى الإلمام السطحي بتاريخ الفلسفة الغربية يكشف أن المدينة شرط ضروري فعليًا لإمكانية القيام بالعمل النظري، الذي يمكن إكماله لاحقًا في مكان أقل صخبًا.

ربما تكفينا الإشارة ﻷهمية أثينا المحورية لميلاد الفلسفة القديمة، مع سقراط وأفلاطون وأرسطو، أو الطريقة التي بدأت بها الفلسفة الحديثة في لندن بيكون، وباريس ديكارت، وأمستردام سبينوزا، أو في أعمق جذور البراجماتية الأمريكية في نيويورك؛ حيث قضى وليام جيمس أعوامه الأولى طفلًا فضوليًا، وقضى جون ديوي أعوامه الأخيرة أستاذًا مرموقًا.

وليست تلك الملاحظات البيوجرافية تافهة، خاصة إذا أقررنا بأحد أكثر المعتقدات البراجماتية جوهرية: أن الأفكار لا تعمل في الفراغ، إنما تستجيب للكائنات البشرية في مواقف محددة وتعتمد عليها. لا تستمر الأفكار بسبب منطقها الثابت لكن لأنها مدمجة في البيئة الاجتماعية الحاضرة.

هكذا يعتبر الحديث عن "الفلسفة المدينية" مُضَلِّلًا إلى حد ما، أو زائدًا عن الحاجة، أليست الفلسفة مدينية بالكامل فعلًا؟ أيمكنها ألا تكون كذلك؟ تفترض الفلسفة المدينية أن هناك أنواعًا من الفلسفة ليست مدينية، أو أنها في حد ذاتها فرع من مجال أوسع.

حينما تظهر الحاجة للإشارة لشيئين باعتبارهما واحدًا، فإننا عادة ما نخترع التراكيب؛ كلمات مثل الأعدقاء (Frenemies – الأصدقاء/الأعداء) وبرانجلينا (براد بيت وأنجلينا جولي). وربما يستطيع مصطلح المتروصوفيا أن يعبر بصورة أفضل عن العلاقة بين الخبرات المتروبوليتانية والفلسفية، فالمراد به أن يساعدنا أن نرى المدن لا كمراكز اقتصادية فقط إنما كينابيع للتأمل المجرد أيضًا.

*

بصورة مثيرة للاستغراب، كانت الفلسفة الحديثة غير عابئة بنشأة المدينة الحديثة.

في القرن الثامن عشر، حينما بدأت باريس في التشكل كعاصمة للعالم، رَعَت أيضًا الشخص الذي سيثبت أنه أكثر نقادها حماسة. وصل جان جاك روسو هناك شابًا دون نقود أو مكانة أو تعليم أو سمعة تُذكر، لكنه سرعان ما بدأ في تجميع الدعوات لبعض من أكثر الصالونات الأنيقة، حيث صادق عددًا من أكثر مثقفي عصره شهرة، وبزغ نجمه خلال السنين القليلة التي قضاها في باريس.

ومع شهرة روسو أتى كذلك نفوره العميق من المدينة: "أسلوب الحياة في باريس، بين المدعين، كان كريهًا بالنسبة لي. كانت عصابات رجال الأدب، وافتقار كتاباتهم للصراحة، ومسحة الأهمية التي أضفوها على أنفسهم في العالم، بغيضة بالنسبة لي. لقد وجدت القليل من الدماثة وانفتاح القلب والصراحة في التواصل حتى مع أصدقائي. ومع شعوري بالقرف من حياة التشوش تلك، بدأت أتمنى اللجوء إلى الريف بإخلاص".

وفي خطاب لديني ديدرو أنهى فيه صداقتهما، يقول روسو: "يتعلم الناس في الريف أن يحبوا الإنسانية ويخدموها، وكل ما يتعلموه في المدينة هو أن يكرهوها".

عَرِف الجميع لمن كان يشير ديدرو حينما كتب لاحقًا "فقط الخبيث يعيش وحيدًا"، ومع ذلك كان لروسو الكلمة الأخيرة، بعدما مات كلاهما بوقت طويل، وخسر ديدرو ورفاقه الفلاسفة، الذين مالوا لتقدير مدينتهم النامية، المعركة الثقافية ضد الرومانتيكيين الألمان.

سار الرومانتيكيون الألمان، يتقدمهم الفيلسوف والشاعر يوهان جوتفريد هيردر، على خطى روسو باعتبار الريف جنة عدن التي ستنقذ البشرية من جهنم الحياة المدينية، ونظروا للعبقري المتوحد كمنقذ للجموع. هكذا استطاع رالف والدو إيمرسون أن يسأل قراءه الأمريكيين على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي: "أليس رجل واحد أفضل من مدينة؟" وبدا أنه غير متهيب من سؤاله، وهو سؤال عبثي بعض الشيء من وجهة نظر المتروصوفيا.

وما كان على المحك في ذلك المسار الفكري ليس مجرد الخيار الإستطيقي المتعلق ببيئة بعض الكتب والأعمال الفنية في القرن التاسع عشر، أو الخيار الأخلاقي المتعلق بالمسكن المفضل لبعض المثقفين المتميزين، لقد كانت المسألة الحقيقية سياسية.

بين المفكرين بداية من روسو وحتى هيجل، لم يسر نقد المدينة جنبًا إلى جنب مع الهوس بالريفي، وعادة ما كانت القومية هي الفكرة الرائدة لمعارضة المدينية، وكانت دولة السيادة الحديثة مركز الاهتمام الفلسفي، بينما لم تُعامَل المدينة المركزية  سوى من منطلق أنها عَرَض جانبي للثورة الصناعية.

كانت الدولة القومية فكرة جديدة حينما عقلن روسو وهيجل وأتباعهما وجودها وتوقعوا صعودها، واليوم تنقسم الأرض كلها تبعًا لأيديولوجيتيهم. لكن ذلك التحول الشامل من النظرية للواقع بعيد كل البعد عن كونه تحولًا سعيدًا. تذكَّر فحسب أنهار الدماء التي تسيل حينما تقف الحدود أو الشعوب في طريق ذلك المشروع السياسي الكاسح.

من المثير ملاحظة كيف استمر روسو بشخصيتيه -المخالف للنسق العام كاره المدينة وكل ما تمثله، والسلطوي الذي رَوَّج للعقد الاجتماعي والإرادة العامة المجسدة في حاكم قوي- في التعبير عن طريقة تفكير المجتمع الحديث وتصرفاته، ومن المهم أيضًا إيجاد طرق لإعادة تقييم هاتين المنظومتين القيميتين.

من الصعب تحديد الفرق بين منطق المدينة ومنطق الدولة. مع ذلك من الناحية الجغرافية عادة ما تكون المدينة رقعة على خارطة الدولة فحسب، أما من الناحية الفلسفية يتباعد الاثنان كل البعد. على سبيل المثال، لاحظ كيف تعمل الدولة القومية الحديثة كصَدَفة ودرع؛ فهي لا تحتوي وتحمي ما هو داخل حدودها من عناصر (مواطنين) فحسب، لكنها تستبعد وتتخلى كذلك عن الآخرين (اللاجئين).

على العكس تميل المدينة للعمل كمنطقة تُيَسِّر الروابط والتعاملات بين كثير من العناصر (الأفكار، والسلع، والمهارات، والأشخاص، والاهتمامات، والثروات، والرغبات، والمدركات، والأيديولوجيات، والحماقات). نظريًا على الأقل، ليست المدينة وعاء للحيوات بل ملتقاها، ويجب ألا نخلط بين ذلك والبوتقة. (فالملتقى يسمح بالاختلافات بين الأطراف المشاركة، بينما تُحَوِّلهُم البوتقة إلى مزيج واحد).

*

يُعامِل كثير من الفلاسفة المدينة بجفاء، لا على أسس سياسية فقط، فالسبب ذو العلاقة الأوثق إبستمولوجي. وعلى خطى كانط، يفضلون التفكير كونيًا أو عالميًا لا محليًا. فوظيفتهم، على حسب افتراضهم، هي فك رموز مبادئ العقل الإنساني التي لا تتغير من مكان لآخر.

ويعتقد عدد من الفلاسفة الجدد، تبعًا لديكارت، أن الفكر منفصل عن الحيز، وأن العقول ليس لها موضع محدد في المكان. على الرغم من أن ديكارت تأكد من أنه يفكر، ظل المكان الذي يفكر بداخله مسألة شك كبير. لذلك يُفَضِّل التفكير الفلسفي أن يلزم الأمان بأن يبقى منفصلًا عن المكان الذي يعيش فيه.

بالتالي كتب ديكارت في خطاب سنة 1631: "في المدينة الكبيرة يشارك الجميع عداي في التجارة، ويلتفت الجميع لتحقيق  المكاسب، لذا يمكنني أن أعيش هنا طوال عمري دون أن يدركني أحد". لكن هل يمنحك فشل ما يحيط بك في إدراكك الحق في أن تفشل في إدراك ما يحيط بك؟

متأخرًا، في السبعينيات، استطاعت حنة آرنت أن تجلس في شقتها في غرب مانهاتن وتتساءل "أين نحن حين نفكر؟" وكانت إجابتها "ليس في أي مكان". كتبت ذلك بعد صدور أعمال عبقرية في الأنثروبولوجيا والنظرية النقدية (من ضمنها أعمال صديقها الحميم فالتر بنيامين) أظهرت حيوية في التفكير محليًا.

على الرغم من فَصل فعل التفكير وموضوع التفكير عن فكرة المكان، يظل الارتباط بين الفلسفة التقليدية والمدينة عميق، وآرنت هي أول من أقرَّت بذلك في دراساتها عن اليونان القديمة. في محاورة "فيدروس" لأفلاطون تأخذ الشخصية الرمزية على سقراط عدم استكشاف العالم خارج حوائط أثينا. أليس من الجميل أن تأخذ حقيبتك وتذهب للتجول سيرًا على الأقدام؟ بدلًا من الرد المحسوب، يجيب الفيلسوف الأول بسرعة: "ليس لدى المشاهد الطبيعية والأشجار ما تعلمني إياه! يستطيع أهل المدينة فقط أن يفعلوا ذلك".

تلك إحدى طرق لاستيعاب الاشتباك العنيف الذي خاضته جماعة سقراط مع السوفسطائيين. بالنسبة لمواطني اليونان بدا العيش في المدينة اليونانية كدرس ممتد لا ينتهي إلا باكتمال العمر، فإنك لا تتخرج  أبدًا من جامعة الشارع. لقد أغضب السوفسطائيون الفلاسفة، أولئك المدرسون الخصوصيون أو مندوبو المبيعات الجائلين الذين غرتهم حكمتهم لدرجة أنهم تعهدوا بتعليم تعقيد الحياة المدينية المبهم لطلبتهم في سبع خطوات سهلة، مقابل المال.

لم يطُل الوقت قبل أن يبلوِّر أفلاطون مواجهات معلمه في الأسواق الأثينية على صفحات كتاب ويُمأسس إرثه من خلال أكاديمية محترمة. ومنذ ذلك الوقت انسحبت الفلسفة تدريجيًا، على وجه العموم، إلى بلاط الأمراء وصوامع الرهبان والأبراج العاجية.

استمر نفي الفلسفة من المدينة يطارد فكرنا المديني حتى يومنا هذا، ويظهر في أكثر الأماكن مفاجأة، بعيدًا عن الأماكن الأكاديمية الاحترافية. على سبيل المثال كان هنري ميلر قد عبَّر عن ذلك بشكل مختصر في أوائل القرن العشرين، حين تحدث عن طفولته في بروكلن: "في الشارع تتعلم الماهية الحقيقية للكائنات البشرية ؛ بخلاف ذلك، أو بعد ذلك، تخترعهم. كل ما ليس متاح في الشارع زائف، ومستنتَج، هذا ما نسميه أدبًا".

وحتى اليوم، في مدينة مثل نيويورك الحالية، ليست هناك حاجة ملحة لسقراط "المعقم" في نسخته الأفلاطونية، ﻷن المدينة في حد ذاتها آلة سقراطية فعالة؛ إنها قاسية، وساخرة، لكنها أيضا آلة طيبة مجهزة لنزع حس الثقة والاعتداد بالنفس، وادعاء سكانها المعرفة الشاملة.

---

اقرأ المزيد: مدن العقل - هارولد بلوم


2018-11-29

الديموقراطية والأناركية والراديكالية اليوم: حوار مع جاك رانسيير


الديموقراطية، والأناركية، والسياسة الراديكالية اليوم: حوار مع جاك رانسيير
 حوار تود ماي، وبنجامين نويز، وصول نيومان*

عن مجلة أناركيست ستاديز
Anarchist Studies, 16-2. 2008. pp. 173 -185.

ترجمة: أحمد حسان
تُنشَر الترجمة بالتعاون مع صفحة راية التمرد.

يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته دون إذن منه.

* وجَّه المحاورون، وهم من أعلام الأناركية، الأسئلة بالإنجليزية، بينما أجاب رانسيير بالفرنسية.

***

جاك رانسيير - Lyoncapitale.fr


في كتاب "سوء الفهم"  Mésentente تُجادل بأن الديموقراطية لا يمكن مأسستها. هل يمكنك توضيح ما تعنيه بذلك ولماذا تعتقد أنها لا يمكن مأسستها؟ (ت م)

ما أود قوله، هو أنها لا يمكن أبداً مماهاتها مع نسقٍ من الأشكال الدستورية. الفكرة والممارسة الديموقراطية يمكنهما بالتأكيد أن تُلهما وتحفزا أشكالًا دستورية وأنماطَ حياةٍ عامة. لكن هذه الأشكال والأنماط لا يمكنها أبدًا أن تجسدها بالتمام والكمال، لأن الديموسdémos  (الشعب) من فوره مزدوجٌ. فهو، من جهة، المجموع الذي هو مصدر مشروعية السلطة. وبهذا المعنى تشير "الديموقراطية" إلى نسق الأشكال التي تُفَعِّل سلطة الشعب هذه في نصوص، ومؤسسات، وممارسات مؤسسية. يُشير الديموس إلى سيادةٍ معينة، من نفس نوع سيادة العاهل أو "الطبقة الأرقى" (الأرستوقراطية). لكن في نفس الوقت، فإن الديموس هو الذات التي تُدمّر نفسَ فكرةِ السيادة بتدميرها للمبدأ الذي يربطها بميزةٍ نوعية قاصرة على سُكانٍ بعينهم [...] الملك، أو "الطبقة الأرقى"، أو الحكماء أو الكهنة الذين يُفترض أن يحكموا باسم ميزتهم ذاتها. أما الشعب فيحكم باسم هذا الغياب للميزة. هذا هو مبدأ الآرخي[1]: من يحكمون هم من يملكون في ذاتهم المبدأ الذي يمنحهم الحق في ذلك. أما سلطة الشعب، فهي فوضوية في مبدئها، لأنها توكيدُ سلطةِ أي أحدٍ كان، سلطة من لا يملكون لقبًا ليحتلوها. إنها، إذن، توكيدُ اللامشروعية النهائية للسيطرة. ومثل هذه السلطة لا يمكن أبدًا مأسستها. يمكن بالمقابل ممارستها، وضعُها موضعَ التنفيذ من جانب تجمعات سياسية. لكن هذه التجمعات على وجه الدقة تعمل بشكل مُتجاوز [للتخويل القانوني] على المسرح العام الرسمي، الذي هو مسرح سلطة أوليجاركياتٍ صغيرة تجري ممارستها باسم الشعب. الفعل الديموقراطي يتيح تدخُّل ذواتٍ إضافية بالنسبة للشخص البسيط للمواطن الناخب المُمثَّل في النظام المؤسسي، وتتدخل تلك الذوات في مواقع ليست هي مواقع السلطات التنفيذية والتمثيلية (في الشارع، وموقع العمل، والمدرسة، إلى آخره)؛ فتتيح الاستماع إلى أصواتٍ أخرى، وتتيح رؤية أشياءٍ أخرى. ثمة إذن نقشٌ مؤسّسيٌ لـ"سلطة الشعب"،  لكن بدءًا من ذلك ثمة تعارض بين منطقٍ دولتي هو منطقُ تقييدِ تلك السلطة، و خصخصة الشأن العام، وبين منطقٍ سياسي ديموقراطي يستهدف، بالمقابل، توسيع تلك السلطة بواسطة أشكاله الخاصة للفعل.

في كتاب "كراهية الديموقراطية"La Haine de la democratie  تقول إن الديموقراطية فوضوية، بالمعنى المحدد لكونها "لا تقوم على أي أساس سوى غياب كل لقبٍ للحكم". (الترجمة الإنجليزية، صـ 41) فهل ثمة خيوط ضمن التقاليد النظرية الفوضوية في ذهنك هنا، ,إذا كان الأمر كذلك، ما هي؟ (ت م)

ثمة بالتأكيد رابطةٌ بين مفهومي عن الفوضى وبين التقاليد المناهضة للسلطوية التي تحملها النزعة الأناركية التاريخية. الأن ـ آركية، هي بوجهٍ عام فكرُ لامشروعية السيطرة وممارسةُ وضعِ قُدرةِ أكبرِ عددٍ ممكن موضع التنفيذ. وتجدُ النزعةُ الأناركية العمالية للقرن التاسع عشر جذورها في الممارسات التي ربطت أشكالَ النضال باختراع أشكالٍ لتنظيم العمل والتبادل تتطلع إلى المستقبل. هذه الرابطة بين النزعة الأناركية وبين إظهارِ قُدرةِ أكبر عددٍ ممكنٍ هامةٌ جدًا بالنسبة لي وتتعارضُ مع الميول الأستاذية والعلموية التي أثرت فضلًا عن ذلك على التقاليد الأناركية، بالمنظّرين الذين يزعمون جلب الصيغةِ المناسبة للمستقبل الاجتماعي. وبعد أن قلتُ هذا، يظل بين "نزعتي الأناركية" وبين التقاليد الأناركية اختلافٌ هام في المنظور. فقد ظلت التقاليد الأناركية تميلُ إلى تحديدِ موضع الاضطهاد في الدولة بإقامة تماهٍ بين السياسة وبين الدولة، وإلى معارضتها بحريةٍ تتجسد في المجتمع، في الجماعة الاجتماعية المنتجة. ترتكز النزعةُ الأناركية التاريخية بملء إرادتها على التعارض بين واقع الانتاج والتبادل وبين طفيلية الأشكال الدولتية. وهذه الرؤية بالغة القرب من التعارض الماركسي بين الواقع الاقتصادي والاجتماعي وبين التبدّي السياسي. وتتغذى على مفهومٍ عضوي مُعيّن تكون فيه الخليةُ الاجتماعية بوصفها كيانًا عضويًا حيًا في تعارضٍ مع الاصطناع السياسي. وأنا شديد البعد عن هذه الرؤية الطبيعية النزعة. وما حاولتُ تسليطَ الضوء عليه، هو فوضى متضمّنةٌ في ذاتِ تعريف السياسة وتميِّزها بالضبط عن كل نزعةٍ عضوية. حاولتُ إظهارَ أن في فكرة الحكم السياسي ذاتها، ثمة إحالةٌ ضرورية إلى كفاءةٍ لم تعد كفاءةَ فئةٍ بعينها بل كفاءةِ الجميع. ثمة قطيعةٌ في منطق الأرخي الذي بمقتضاه تكون ممارسةُ السلطة هي ممارسةُ الكفاءة الخاصة لفئة بعينها. ومن المؤكد أن هذه "النزعة الأناركية" الأولية في قلب السياسة يُعاد اكتشافُها باستمرار عن طريق ممارسات الحكم ولا توجدُ الديموقراطيةُ إلا من خلال نشاط ذواتٍ يُعيدون تفعيلها، ويخلقون مشهدًا مشتركًا مختلفًا عن المشهد العام الرسمي.

منذ انهيار الأتحاد السوفيتي واحتضان الرأسمالية في الصين، أدارت الحركات التقدمية، خصوصا في الولايات المتحدة، ظهرها للنظرية الماركسية. وبدأ الكثيرون يجدون جذورا في النزعة الأناركية، في كل من الأناركيين الكلاسيكيين للقرن التاسع عشر والتبديات الأحدث، مثلا في فكر جي ديبور والبيئي موراي بوكتشين. هل ترى أن النظرية الأناركية تقدم إطارًا يمكن ضمن نطاقه إدراك الفكر والعمل السياسيين التقدميين في عالم اليوم المعولم؟ (ت م)

 لا توجد حسب علمي نظريةٌ أناركية تقدم إطارًا شاملًا لفهم العالم وطرق تغييره. والمسألة برمتها هي معرفة إن كان يجب علينا امتلاك واحدةٍ. وقد تذبذبت النزعةُ الأناركية التاريخية بين توجهين أساسيين: فمن جهة، وضعت طاقةَ الابتكار لدي البشر المتّحِدين في مواجهة مخططات التطوّر التاريخي التي قدّمها العلم الماركسي. ومن جهة أخرى، قدّمت نفسها، ضمن التقاليد البرودونية[2]، باعتبارها حاملةَ العلم الاجتماعي الحقيقي، حاملةَ الصيغةِ الاجتماعية للمستقبل الجاهزةِ للتطبيق. ولست واثقا من أن المرجعين اللذين تُورِدُهما يحدّدان حقًّا تقدمًّا بالنسبة لهذا التذبذب التاريخي. إذ أن جي ديبور، برغم كل تهكّمه بشأن ماركسية الدولة، لديه رؤية للصيرورة التاريخية ولدور الطليعة متماشيةٌ تماما مع التقاليد الماركسية. أما موراي بوكتشين، فيبدو لي أنه يُديم الرؤية العضوية النزعة التي عادةً ما ارتبطت بها النزعة الأناركية، الرؤية التي بمقتضاها يكون المجتمع العادل مثل نبتةٍ طبيعية، جيدة التجذُّر في تربتها. ويعني ذلك أيضًا أنه يقدم الحلَ الأناركي باعتباره الصيغةَ التي يُفتَرضُ أن يُشفي تطبيقُها الداءَ الدولتي. لكنني، من جانبي، لا أؤمنُ بصيغ المستقبل الجاهزة للتطبيق. بل أؤمن بأن الأشكالَ الراهنة لمعارضةِ النظام القائم هي التي تُطوِّر الأشكالَ المستقبلية للعيش المشترك. النقدُ الأناركي وأشكالُ التجمع المرتبطة بالتقاليد الأناركية تُضفي بالتأكيد أهميةً جديدة على إفلاس ماركسية الدولة والأحزاب الاشتراكية. لكن ذلك يفترضُ التفكيرَ في ذلك الشيء الذي اعتبرته الأناركيةُ التاريخية متناقضًا: في فكرٍ سياسي للأناركية، في فكرٍ للأناركية باعتبارها ممارسةً سياسية.

بديهي أن أحداث مايو 68 كانت بالغة الدلالة لنقدك الضليع وتكوينك الفكري والسياسي. في غداة العيد الأربعين للأحداث وزعم الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أن ميراث مايو 68 يجب تصفيته، ما هو ميراث الأحداث في رأيك؟ وهل من الضروري الحفاظ على الوفاء لمايو 68 وإذا كان الأمر كذلك، لأي شيء يكون الوفاء من بين الأفعال المتنافرة التي شكلته؟

بالنسبة لي، فإن ميراث مايو 68 هو بكل بساطةٍ ميراثُ السياسة الديموقراطية كما أفهمُها. كان مايو 68 في المقام الأول تأكيدًا لقدرة الجميع على أن يأخذوا في أيديهم مصيرَهم المشترك في مقابل الفكرة التي تمُاثّلُ بين الديموقراطية وبين الإدارة الأوليجاركية للدولة. كان ردًّا مُعمَّمًا على كلِّ أشكال السلطة التي تُبنيِنُ الجسدَ الاجتماعي. ويجب إعادةُ توكيد الطابع السياسي والجماعي لهذا النقد، لأن كلَّ فكرِ العودة إلى النظام في أعوام الثمانينيات يستميتُ كي يُماهي بين النقد المناهض للسلطوية وبين توجّهٍ فردي النزعة لدى شبابٍ راغبٍ في التحرّر من أشكال السلطة التي تمنعُه من التمتّع بكل الوعودِ الجديدة للسلعة وللحياة التي تم تحويلها إلى سلعة. وقد استعاد ساركوزي هذا النقد، لكن يجب أن نرى جيدًا أن من طوَّره بشكلٍ أساسي هم أناسٌ من اليسار: مناضلون خائبو الرجاء حوّلوا آمالهم الخائبة إلى ضغينةressentiment ؛ واشتراكيون في الحكومة متلهّفون على أن يرثوا ميراث سنوات الردِّ مع محو حِدَّته القاطعة؛ وماركسيون أرثوذكسيون أو سوسيولوجيون من مدرسة بورديو، أحنقهم، عام 1968، أن يروا عِلمهم تكنِسُه "إيديولوجيا" الطلبة ويسعدهم بعدها أن يبيِّنوا أن هذا التحريضَ الذي لم يُرخِّص به العِلمُ قد فتح الطريقَ أمام تجديد رأسماليةٍ كانت تُواجه صعوبةُ، إلخ. الوفاء لمايو 68 اليوم يعني الوفاءَ لقوةِ التخريب الجماعي للحركة المناهضة ـ للسلطوية.

في حوار نُشِر في مجلة Artforum عام 2007 بدا أنك تمنح امتيازًا لوضع الفنان بطريقتين: أولًا أن تَشتُت دور الفنان يُشير إلى تحوّلٍ جديد في الأدوار والكفاءات. وثانيًا أن الفنانين، في عملهم، يمكنهم عمل "تعديل في نسيج ما هو محسوس". هل تعتقد أن ثمة أية مواقع أو أشكال أخرى للتوسطagency   يمكنها أن تؤدي مهامًا مماثلة؟ (ب ن)

أنا لا أمنح امتيازًا لوضع الفنان بوصفه فنانًا. أنا أحاول إعادة تعريف ما يُمكِّن الممارسات الفنية من أن يكون لها دورٌ سياسي. إذ يكون لها دورٌ سياسي بالضبط حين تحطّم النسق القائم لتقسيم المجالات والكفاءات. إن تعديل نسيج ما هو محسوسٌ يعني بالدرجة الأولي هذا القلب للمواضع والقدرات. وهذا ما يحدث حين يشوّش الفنانون الحدودَ التي من المفترض أنها تفصل الاختلاق fiction عن التسجيلdocument ، مثلًا حين يحوِّل فنانٌ مثل بدرو كوستا Pedro Costa عاملًا مهاجرًا يعاني من البطالة إلى نوع من الملك لير  ،(Colossal Youth)أو حينما يتناول سينمائيون لبنانيون مثل خليل جُريج وجوانا حاجي توما الحربَ الأهلية والاضطهاد الأجنبي، ليس من خلال حكايات العنف والموت، بل من خلال حكايات فيلم مختفٍ أو أشرطة سيلولويد من المستحيل تحميضها، ،(Le Film disparu) إنهم يشهدون على هذا النحوعلى قدرة اللعب لدى مجموعات آدمية يحبسها المنطقُ السائد في فئة الضحايا الجديرين بالشفقة. وهذا أيضا ما يحدث حين يستنفرُ رجلُ مسرحٍ مثل جون مالبيد John Malpede أعضاءَ جماعةٍ محرومة في لوس آنجلوس كممثلين. هذه ثلاثة أمثلة من بين ألف مثال أخرى. الفضيلة السياسية للفن تعملُ حين يشوِّشُ الحدودَ التي تفصله عن اللاـ فن (وهذا يختلف عن إرادة "تحقيق" الفن بإلغائه، التي ميّزت حقبة المشروعات الطليعية الكبرى). ومن الواضح أنه يمكن إنتاجُ تأثيراتٍ مماثلة في مجالات أخرى تتعلق بتوزيع المعارف أو بإنتاج ونشر المعلومات. وهذا مثلًا ما يجري اليوم مع الإنترنت: انفجارٌ للمنظورات التي في قلبها تجد المعلومات مساراتها. وبالنسبة لي فإن الفعل السياسي ذاته هو نشاطٌ "جمالي" بقدر ما يجعلنا نرى كمسائل سياسيةٍ موضوعاتٍ لم يكن مُعترَفًا بأنها كذلك، حين يجعلنا نسمع أشخاصًاً خارج الحساب، إلخ.

العمال والعمل، أو بصورة أدق، رفض العمال أن يُدرِجوا أنفسهم تحت لقب "العامل"، كانا في مركز عملك. أتساءل ما رأيك في المحاولات القريبة لأضفاء الإشكالية على، أو قلب، النموذج "التقليدي" للعامل، من جانب مفكرين إيطاليين في المقام الأول، من خلال مفاهيم من قبيل  "العمل غير المادّي" أو"التقلقل"  ؟precarity

لقد أصررتُ دوما بالفعل على الاختلاف بين اكتساب الذاتية subjectivation العمالي أو البروليتاري وبين كل أشكال المماهاةidentification ، الاقتصادية، أو الاجتماعية، أو الثقافية للعامل التي كانت تسعى لإحداث تطابقٍ لإمكانيةٍ تخريبية مع مكانٍ معين داخل نمطٍ معين لجهاز الإنتاجي. وكان هذا يعني، بالنسبة للماضي، إنكار مماهاة البروليتاري المناضل مع العامل في الصناعة الكبرى. وبنفس الطريقة يعني هذا اليوم رفض الأطروحات التي تسعى إلى تحديد صورةٍ للعامل أنتجتها تحوّلات الرأسمالية وبذلك تتمتع بفضيلة تجاوز النظام. والخطاب حول العمل اللامادي والذات الجديدة "الإدراكية" يسعى إلى الحفاظ على المخطط الماركسي القديم الذي طبقًا له ستنتج الرأسماليةُ حفاري قبرها. وفي أنٍ واحد تروِّج الخرافةَ التي طبقا لها سيكون العملُ المادي اليدوي قد اختفى ببساطة. وفي الوقت ذاته تحجبُ حقيقةَ أن الاستغلال الرأسمالي اليوم يجري عبر تنويعةٍ ضخمة من الأشكال يشبه عددٌ منها العملَ المنزلي في القرن التاسع عشر أكثر مما يشبه التكنولوجيا المستقبلية. اليوم مثل الأمس، يجب تمييز العمل بوصفه تقسيمًا للقوى المنتجة في قلب الاقتصاد الكوكبي، عن العمل في الزمن الذي يشكّلُ اكتسابَ الذاتية الجماعية القادرة على العمل ضد هذا التقسيم. إن قوى العمل اللامادي التي يطوِّرها رأس المال هي قواه المميِّزة وتظل كذلك. وهذه لن تُفجِّر النظام أبدًا بذاتها. فلا تستطيع ذلك سوى القوى المولودة في النضال ضد السيطرة.

في كتاب المعلّم الجاهل، تُطوِّر مقولة المساواة في المعرفة التي يتم فيها تنحية موقع السيادة والسلطة. هل ترى في هذا نموذجًا للسياسة؛ هل تقترح شكلًا ضد ـ سلطوي للسياسة، مثلًا، لايقوده الحزب الطليعي؟ (ص ن)

 بالتأكيد. لقد أقام جوزيف جاكوتوه، مبتكر الانعتاق الذهني، تعارضًا جذريًا بين المساواة الذهنية التي كانت دومًا بالنسبة له علاقةً بين أفراد وبين الأشكالِ السياسية التي تخضع بالنسبة له لمنطقٍ لامساواتي لهيئات إجتماعية. كان يمكن لكل البشر أن يكونوا متساوين في علاقاتهم، لكن النظام الاجتماعي بوصفه كذلك كان بالنسبة له محكومًا عليه باللامساواة. وقد اعتقدتُ أنه يمكن رفض هذه الرؤية المتشائمة. ففي الفعل السياسي يوجد أيضا توكيدٌ على قدرة أشخاصٍ مجهولين على إقامة معارفٍ أخرى، وأشكال أخرى من الخبرة والبحث مختلفة عن تلك التي تخص السلطات، على قدرتهم على ابتكار أشكال أخرى من العلاقات. لكن ما هو جوهريٌ فعلا في نموذج الانعتاق الذهني الذي يقترحه، هو قلبٌ للمنطق التربوي الذي هو أيضًا منطق الطليعة. النموذج التربوي السائد يتطلّب أن يُرشد من هم أكثرُ تقدمًا من هم أقل تقدما، بهدف تقليل التأخر. لكن هذه الطريقة لتصوُّر الأمور هي بالضبط ما يُعيد إلى ما لا نهايةٍ إنتاجَ التأخر الذي تستهدف تقليله. يجب مقاربة الأمور بالمعكوس. إذ لا ينبغي الانطلاق من اللامساواة للمُضيّ صوب المساواة تحت توجيه أولئك المتقدمين على هذا الطريق. بل يجب الانطلاق من المساواة، الانطلاق من الافتراض المسبق لقدرة المتأخرين المزعومين، ثم الالتزام بتنمية القدرات الموجودة فعلًا وليس "تقليل" التفاوتات أو الإعاقات. ما تدفعنا فكرة الانعتاق الذهني إلى رفضه، إذن، ليس مجرد النزعة السلطوية للطلائع، بل المخطط الذي يمنحها الشرعية. إنه مفهوم التاريخ المتجه صوب هدف المساواة أو الحرية الذي يجب بلوغه وفق إستراتيجيةٍ للغايات والوسائل. يجب الانطلاق من الحرية ومن المساواة القابلين للتحقق هنا والآن. هذه الديناميات القائمة لتفعيل المساواة والحرية هي التي تخلق إمكانات جديدة وليس الأهداف الاستراتيجية.

ما هو مكان الدولة في فهمك للسياسة؟ هل يجب على السياسة الراديكالية أن تحاول تجنب أو النأي بنفسها عن الدولة، أم أن بعض الاندماج ضمن البنيات التمثيلية للدولة أمرٌ حتمي؟ (ص ن)

كما ذكرت آنفًا، فإنني أرفض الرؤية التي تقيمُ تعارضًا بين الدولة وبين المجتمع مثلما بين الاصطناع وبين الطبيعة. فما يسري على أشكال المجتمع يسري كذلك على أشكال الدولة: هذه الأشكال وتلك يتخللها التعارض بين المنطق المساواتي وبين ضروب المنطق اللامساواتي؛ والدولة التي نعرفها والمسمّاة ديموقراطية هي هجينٌ: إذ تقومُ بالقانون على أساس الاعترافٍ بقدرة الجميع والبعضُ من أشكالها هي نتيجةُ انتصاراتِ النضالات الديموقراطية. وفي نفس الوقت فإن الدولة آلةٌ أوليجاركية تجعلُ هذه الأشكال تعملُ بمنطقها الخاص وتميلُ إلى خصخصة الفضاء العام. من جهةٍ، إذن، يجب توكيد سياسةٍ مستقلة عن المنطق الدولتي. ومن جهة أخرى، فإن الدولة ساحةُ صراعٍ: وأنا لا أتحدث عن الصراع من أجل "الاستيلاء على السلطة"، بل عن الصراع من أجل توكيد سلطةٍ متزايدة للشعب على كل المجالات. وهذا الصراع يُنتجُ تأثيرات إعادةِ تعريف الحقوق وتحولات المؤسسات، التي أرفض شخصيًا اعتبارها أوهامًا لأنها تُحدّدُ قدراتٍ جديدة للفعل. ونقطة ضعف الرؤيتين الماركسية والأناركية كانت هي دومًا التفكير على أساس الواقع والتبدّي بدل التفكير على أساس التوزيع الدائم التغيُّر للإمكانات والقدرات. ليس الأمر هو الاندماج داخل البنيات الدولتية، بل اعتبار أنها ميدانُ معركةٍ فعلية تتزايدُ أو تتناقصُ فيه قُوى كل معسكر.

ما نوع المستقبل الذي تراه للسياسة الراديكالية اليوم؟ هل تقترح الحركة الكوكبية المناهضة للرأسمالية طريقًا إلى الأمام في رأيك؛ أم أن أنماطا مختلفة من العمل والتنظيم السياسيين ضرورية؟ (ص ن)

أعتقد أن ثمة خطرًا في اتخاذ العولمة ذريعةً للقول بأن الأمم وأشكال التنظيم المرتبطة بها يجب الآن أن تُفسح المجال لحركة كونية مناهضة للرأسمالية. فالأمم لم تختفِ والمؤسسات المسمّاة فوق ـ قومية هي في المقام الأول أدواتٌ تستفيد منها الدول القومية من أجل "نزع محلية" السياسة. من وجهة النظر هذه فإن التأييد الذي منحه جزءٌ من حركة "مناهضة العولمة" للدستور الأوروبي باسم النزعة الأممية يبعثُ على الحيرة. المشكلة ليست في وضع ما هو كوكبي مقابل ما هو محلّي. فالاثنان متمفصلان. والأشكال الكوكبية للسيطرة لا توجد إلّا عبر تنويعة من الأشكال المحلية. إذ أن "المحلّي" ليس هو الجزءُ الذي يجب وضعهُ في تعارضٍ مع الكل، بل هو هذه النقطة المنفردة أو تلك ضمن تنظيم أوجه السيطرة الكوكبية. بهذا المعنى فإن أي نضالٍ سياسي هو دومًا محلّي: أعني بذلك أنه يهاجم دومًا نقطةً بعينها، مرحلةً أو عقدةً منفردة داخل نسق السيطرة وعمله هو إبرازُ الشكل الكلي لما يجري عند تلك النقطة. وهذه النقطة المحددةُ، قد تكون ذاك الاجتماع لإحدى المنظمات الدولية التي تحاولُ إدارة العالم؛ وقد تكون أيضا النزاعَ الذي تثيرهُ عمليةٌ لنزع المحلية، أو تفكيكُ شكلٍ من أشكال الحماية الاجتماعية، أو تشريعٌ يقيِّد حرية انتقال الناس بينما يفتح الأبواب على مصراعيها لرؤوس الأموال، إلى آخره. المهمة الراهنة بالتأكيد هي خلق أمميةٍ جديدة. لكن الأممية ليست منظمة متخصصة فيما هو كوكبي؛ إنها انبعاثٌ لتجمعاتٍ تناضل بصدد نقاطٍ بعينها، يعمل على التنسيق بينها، على جعلها متضامنة، على تعميم دوافعها وأفعالها.
 _ _ _

اقرأ المزيد عن رانسيير: من هو جاك رانسيير بروح أمه؟
واقرأ المزيد من ترجمات أحمد حسان: أغنيات حب من بريشت



 آرخي تعني "القيادة" كما تعني "الأصل". (المترجم) [1]
 نسبة إلى الأناركي الفرنسي بيير جوزيف برودون (1809-1868). (المحرر). [2]