سلافوي جيجيك: بعد 200 عام.. ما زال ماركس على حق

بعد 200 عام، يمكن أن نقول إن ماركس كثيرًا ما كان على حق، ولكن بشكل أكثر حَرْفية مما كان يقصد
مقال لسلافوي جيجيك 
عن الإندبندنت، 4 مايو 2018

ترجمة: أمير زكي
مايو 2018
خاص بـ Boring books*

*يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بترجمته بدون إذن منه.

***
عن الإندبندنت


هناك نكتة سوفييتية لطيفة عن راديو يريفان[1]، يسأل أحد المستمعين: "هل صحيح أن رابينوفيتش فاز بسيارة جديدة في اليانصيب؟" يجيب مذيع الراديو: "من حيث المبدأ نعم، هذا صحيح، بخلاف أنها لم تكن سيارة جديدة ولكن دراجة قديمة، وهو لم يفز بها ولكنها سُرقت منه".

ألا ينطبق الأمر نفسه على ميراث ماركس اليوم؟ دعنا نسأل راديو يريفان: "هل ما زالت نظرية ماركس مناسبة اليوم؟" يمكن أن نخمن الإجابة: من حيث المبدأ نعم، هو يصف بشكل رائع رقصة ديناميكيات الرأسمالية المجنونة التي وصلت إلى ذروتها اليوم، بعد أكثر من قرن ونصف، ولكن يحدد جيرالد أ. كوهين السمات الأربع للمفهوم الماركسي الكلاسيكي عن الطبقة العاملة: (1) يشكل أغلبية المجتمع، (2) ينتج الثروة في المجتمع، (3) يتكون من الأعضاء المُستَغَّلين في المجتمع، (4) أعضاؤه هم المعدمين في المجتمع. عندما تجتمع تلك السمات الأربع، تولد سمتان أخريان: (5) ليس لدى الطبقة العاملة ما تخسره من الثورة، و(6) يمكن أن تنغمس وسوف تنغمس في عملية تغيير للمجتمع.

لا تنطبق السمات الأربع الأولى على الطبقة العاملة اليوم، وهذا سبب أنه لا يمكن توليد (5) و(6). إذا استمرت بعض هذه السمات في التطابق على قطاعات من مجتمعنا اليوم، فهي لم تعد متحدة في فاعل واحد: المعدمون في المجتمع لم يعودوا العمال، إلخ.

ولكن دعونا نفحص بشكل أكبر سؤال المناسبة والملائمة. الأمر لا يقتصر على أن نقد ماركس للاقتصاد السياسي ما زال مناسبًا، ولكن يمكن للمرء أن يأخذ خطوة للأمام ويزعم أنه اليوم تحديدًا، بوجود الرأسمالية العالمية، فهو مناسب تمامًا.

ولكن في لحظة الانتصار هناك لحظة هزيمة. بعد تجاوز العقبات الخارجية يأتي التهديد الجديد من الداخل. بمعنى آخر، ماركس لم يكن على خطأ، في الأغلب كان محقًا، ولكن بشكل أكثر حَرْفية مما كان يتوقع.

على سبيل المثال، لم يكن ماركس يتخيل أن الديناميكيات الرأسمالية الساعية لتذويب كل الهويات الخاصة سوف تنطبق على الهويات العرقية  أيضًا. الاحتفاء الحالي بـ "الأقليات" و"الهوامش" هو الموقف الغالب المهيمن، يستغل ذلك اليمين البديل الذي يشكو من إرهاب "الصوابية السياسية"، ويقدم نفسه بصفته الحامي لأقلية معرضة للخطر، ويحاول أنصاره محاكاة نفس الحملات ولكن من الجانب الآخر.

ثم هناك قضية "تقديس السلعة". لنستعد النكتة الكلاسيكية عن الرجل الذي يعتقد أنه حبة قمح، فاصطحبوه إلى مصحة حيث سعى الأطباء جاهدين حتى أقنعوه أنه ليس حبة قمح بل رجل. وعندما عولج (واقتنع أنه ليس حبة قمح بل رجل)، وسمحوا له بمغادرة المستشفى، عاد سريعًا وهو يرتجف، هناك دجاجة خارج الباب ويخشى أن تأكله.

قال طبيبه: "يا صديقي العزيز، أنت تعلم تمام العلم أنك لست حبة قمح  بل رجل".

فأجاب المريض: "بالطبع أعرف ذلك، ولكن هل هذا هو ما تعرفه الدجاجة؟"

كيف إذن تنطبق النكتة على مفهوم تقديس السلعة؟ لنرجع إلى بداية القسم المتعلق بتقديس السلعة في كتاب "رأس المال" لماركس: "تبدو السلعة للوهلة الأولى شيئًا تافهًا بشكل بالغ الوضوح. ولكن تحليلها يكشف أنها شيء شديد الغرابة، ممتلئ بالسمات الميتافيزيقية والتفاصيل اللاهوتية".

تقديس السلعة (اعتقادنا بأن السلع أشياء سحرية، حازت على قوة ميتافيزيقية متأصلة) لا يوجد في عقلنا، بطريقة أننا ندرك الواقع (أو نسيء إدراكه) ولكن في واقعنا الاجتماعي نفسه. ربما نعرف الحقيقة، ولكننا نتصرف وكأننا لا نعرفها – في حياتنا الواقعية نتصرف كالدجاجة المذكورة في النكتة.

نيلز بور[2]، الذي قدم الإجابة الصحيحة على جملة إينشتاين "الله لا يلعب النرد" بقوله (لا تخبر الله ما الذي عليه أن يفعله)، قدم أيضًا مثالًا مناسبًا لكيف يعمل الإنكار المقدس لمعتقد ما. فوجئ أحد زائريه بوجود حدوة حصان على بابه، قال له إنه لم يكن يعتقد أن بور يؤمن بالفكرة الخرافية التي تقول إن حدوة الحصان تجلب الحظ السعيد للناس. فرد عليه سريعًا: "أنا أيضًا لا أؤمن بها؛ إنما أعلقها لأنه قيل لي إنها تجلب الحظ السعيد سواء آمن بها الشخص أم لا!"

هذه الكيفية التي تعمل بها الأيدولوجيا في عصرنا المتسم بالتشكك: لسنا بحاجة للإيمان. لا أحد يأخذ الديمقراطية أو العدل بجدية، نحن جميعًا واعون بفسادهما، ولكننا نمارسهما، بمعنى آخر، نعبر عن اعتقادنا بهما – لأننا نفترض أنهما ناجعين حتى لو لم نؤمن بهما.

من جهة الدين، لم نعد "نؤمن حقًا"، فقط نتبع (بعض) الطقوس والأعراف الدينية كجزء من الاحترام لـ "أسلوب حياة" المجتمع الذي ننتمي إليه (على سبيل المثال يطيع اليهود قواعد الكوشر من منطلق احترام التقاليد).

"لا أؤمن حقًا بهذا، هو فقط جزء من ثقافتي"، يبدو هذا الوضع المهيمن على الإيمان المهتز الذي يتسم به عصرنا. "الثقافة" هي مسمى كل تلك الأشياء التي نمارسها بدون أن نؤمن بها حقًا، وبدون أن نأخذها بجدية تامة. وهذا هو سبب أننا نعتبر المؤمنين الأصوليين "بربريين" أو "بدائيين"، نعتبرهم مناهضين للثقافة، أو تهديد على الثقافة، إنهما يجرؤون على أخذ معتقداتهم بجدية. هذا العصر المتسم بالتشكك الذي نعيش فيها لم يكن ليفاجئ ماركس.

بالتالي نظريات ماركس ليست حية فقط: ماركس هو الشبح الذي يظل يطاردنا، والطريقة الوحيدة لإبقائه حيًا هو التركيز على تلك الرؤى التي تصير الآن أكثر واقعية من زمنه نفسه.



 [1]  إذاعة مخصصة للنكات انتشرت في الاتحاد السوفييتي في النصف الثاني من القرن العشرين، كانت نكاتها تقال فيها بطريقة السؤال والجواب.
 [2]  Niels Bohr (1885-1962) فيزيائي دنماركي ذو إسهام بارز في نظرية الكوانتم.

فعل الاختفاء لدى فرناندو بيسوا

فعل الاختفاء لدى فرناندو بيسوا 
*مقال لآدم كيرش

ترجمة: أمير زكي
أبريل 2018
Boring Books**خاص بـ

آدم كيرش، شاعر وناقد أمريكي *
يحتفظ المترجم بحقه في المساءلة الأخلاقية والقانونية إذا تمت الاستعانة بالترجمة بدون إذن منه**

***


maravilhosa بيسوا، من موقع



إذا كان هناك كاتب في حالة هروب من اسمه، فهو بلا شك فرناندو بيسوا. كلمة Pessoa تعني بالبرتغالية "شخص"، ولا يوجد شيء لم يرغب عنه بقدر أن يكون كذلك. مرارًا وتكرارًا في الشعر وفي النثر، أنكر بيسوا أنه موجود بأي شكل مشابه للفرد المميز. يكتب في إحدى قصائده: "بدأت أعرف نفسي، أنا غير موجود".. "أنا الهوة بين ما أريد أن أكونه وما صنعه مني الآخرون... هذا هو أنا. انتهى".

في عمله الأبرز، "كتاب اللا طمأنينة"، وهو مجموعة من الأقوال والتأملات التي صيغت في شكل يوميات سردية، عمل عليها لعدة سنوات، ولكنه لم يكملها، ونشر أقل القليل منها – يعود بيسوا إلى الفكرة نفسها: "خلال تلك الانطباعات غير المتصلة عن قصد، أنا السارد اللا مبالي لسيرتي الخالية من الأحداث، لتاريخي الخالي من الحياة. تلك اعترافاتي وإذا لم أقل شيئًا فيها، فهذا لأن ليس لديّ شيء لأقوله".

لا يبدو هذا أساسًا مبشرًا لعمل إبداعي يُعتبر الآن من أعظم الأعمال في القرن العشرين. إذا لم يكن الكاتب شيئًا، ولم يفعل شيئًا، وليس لديه شيء ليقوله، ما الذي سيكتب عنه؟ ولكن كالانفجار الأعظم، الذي بدأ بما يشبه اللا شيء وحوّله إلى "الكون"، قوة مخيلة بيسوا الواسعة لم تكن تحتاج سوى مادة خام محدودة جدًا ليعمل بها. في الحقيقة هو ينتمي إلى سلالة مميزة من الكتاب الأوروبيين، من جياكومو ليوباردي، في بداية القرن التاسع عشر إلى صمويل بيكيت في بداية القرن العشرين، اللذين كان اللا شيء بالنسبة لهما مصدرًا للإلهام. اللا جدوى المطلقة في كل الإنجازات، الافتتان بالوحدة، الطريقة التي يلون بها الحزن إدراكنا للعالم: ابتاع بيسوا رؤيته لموضوعاته المفضلة بثمن باهظ، ولكن لم يكن بإمكانه أن يحصل عليها بأي طريقة أخرى، كتب: "أن يجد المرء شخصيته بفقدانها – الإيمان نفسه يرضى بذلك الحس القدري".

***

بإيجاز شديد نعرف الحقائق المتعلقة بقدر بيسوا. وُلد في لشبونة عام 1888، وانتقل إلى جنوب أفريقيا وهو في السابعة من عمره، وذلك حين عُين زوج أمه في القنصلية البرتغالية في دربان. تفوق في اللغة الإنجليزية، وحصل على عدة جوائز عن مقالاته بالمدرسة، وكتب أشعارًا بالإنجليزية طوال حياته. في عام 1905، عاد إلى لشبونه ليدرس في جامعتها. ولكن بعد عامين، أدى إضراب للطلاب إلى إغلاق الجامعة، وترك بيسوا الجامعة.
لبقية حياته، أخلص للقراءة والكتابة، بينما كان يعتاش من الترجمة الحرة لمراسلات الأعمال. لم يتزوج أبدًا، وبينما بحث كتاب سيرته في مسألة جنسانيته – "لم أكن أبدًا الشخص الذي يخوض علاقة حب أو صداقة، أو الذي يفضل جنسًا عن آخر"، هكذا كتب في إحدى قصائده – فمن المحتمل أنه مات بدون أن يخوض علاقة جنسية. انضم إلى مشروعات أدبية متعددة، ومنها المجلة الشهيرة "أورفيوس"، والتي على الرغم من صدورها لعددين فقط، تعتبر السبب في تقديم الحداثة إلى البرتغال. لم ينشر سوى كتاب واحد أثناء حياته، "الرسالة"، وهو مجموعة قصائد مستلهمة من التاريخ البرتغالي، صدر الكتاب عام 1934. كان بيسوا وجهًا مالوفًا في الوسط الأدبي للشبونة، ولكنه حين توفى في عمر السابعة والأربعين عام 1935، لم يُنسب لاسمه أي إنجاز بارز. ربما بدا بالفعل أنه خاض "تاريخًا خاليًا من الحياة".

ولكن بعد وفاته سيحظى بيسوا بسمعة مميزة، كما تنبأ في قصيدته "إذا مت شابًا": "ربما يختفي أثر الجذور من على الأرض، ولكن زهورها تنمو في الهواء الطلق ليراها الجميع. لا بد أنك مثلها، لا شيء يمكن أن يمنع ذلك". من ضمن ممتلكاته التي تركها بعد وفاته كانت هناك حقيبة ضخمة، تحتوي على أكثر من 25 ألف ورقة – وهي نتاج حياة سادها ما يشبه الهوس بالكتابة. وكما يقول ريتشارد زينيث، وهو أحد مترجميه البارزين إلى الإنجليزية، كتب بيسوا على "الأوراق المهترئة، والدفاتر، وعلى الاستمارات المكتبية للشركات التي عمل بها، وعلى ظهر الرسائل، وعلى الأظرف، وعلى أي قصاصة كانت في متناوله".

هذا الكم من الوثائق، الذي يوجد الآن في المكتبة القومية بالبرتغال، يضم ما يكفي من الأعمال البارزة التي تجعل بيسوا أعظم شاعر برتغالي في القرن العشرين – في الحقيقة ربما يكون الأعظم منذ لويش دي كامويش، كاتب الملحمة القومية للبرتغال في القرن الساس عشر "اللوسياد". من بين هذه الأوراق أيضًا، هناك مئات القطع التي تشكل "كتاب اللا طمأنينة"، ولكنها بدون ترتيب محدد، تاركًا للمحررين المتتالين مهمة فرض رؤيتهم الخاصة على العمل. نُشر الكتاب لأول مرة عام 1982، بعد حوالي خمسين عامًا من وفاة بيسوا. ونُشرت ترجمة إنجليزية جديدة، لمارجريت جول كوستا بعنوان "كتاب اللا طمأنينة: النسخة الكاملة"، مُعتَمِدة على النسخة البرتغالية لجيرونيمو بيتسارو، التي صدرت عام 2013. وهذه أول نسخة حاولت أن تضع النصوص بترتيبها التاريخي بقدر الإمكان، اعتمادًا على تأريخ بيسوا والمصادر الأخرى.

بالإضافة إلى حجم أرشيف بيسوا والفوضى التي يتسم بها، هناك مستوى مربك آخر من التعقيد، وهو بمعنى ما كون الأعمال الموجودة بالأرشيف منسوبة للعديد من الكتاب. في مسوداته، وحتى في مراسلاته الشخصية، نَسَب بيسوا جل كتاباته الأفضل إلى ذوات بديلة متخيلة عديدة، دعاها بـ "الشخصيات المستعارة" Heteronyms، رصد الدارسون 72 منها. بدأ شغفه بالأسماء المبتكرة مبكرًا، في عمر السادسة، كتب رسائل بالاسم الفرنسي شوفالييه دو با، ثم انتقل إلى شخصيتين إنجليزيتين هما آلكسندر سيرش وتشارلز روبرت آنون. ولكن الشخصيات المستعارة الرئيسية التي استخدمها في أعماله الناجحة، كانت أقرب للأسماء الكودية الطريفة. كانوا شخصيات كاملة، وهبها سيرًا ذاتية وفلسفات وأساليب أدبية. وصل الأمر ببيسوا إلى أنه تخيل لقاءات بينهم، وسمح لهم بالتعليق على أعمال بعضهم. إذا كان بيسوا فارغًا كما يزعم، فهو ليس الفراغ النابع عن الخواء، ولكنه الفراغ الأشبه بخشبة المسرح، الذي تلتقي فيه هذه الذوات وتتفاعل.

***

في شعر بيسوا، كانت هناك ثلاثة شخصيات مستعارة أساسية. بالإضافة إلى القصائد التي وقعها باسمه، كتب باسم ألبرتو كاييرو، وهو طفل الطبيعة الساذج، وريكاردو ريس، الطبيب المكتئب المنغمس في الأشكال والموضوعات الكلاسيكية، وآلفارو دي كامبوس، المهندس البحري والرحالة الذي لف العالم والمخلص لوالت ويتمان. كل من تلك الشخصيات الثلاث حدد له تاريخ ميلاد قريب من تاريخ ميلاد بيسوا، واشتبكت أساطيرهم معًا. كتب بيسوا في إحدى المرات قطعة يشرح فيها كامبوس كيف تغير ريس كلية بعد الاستماع إلى شعر ألقاه كاييرو.

من المعتاد أننا نتوقع من الشعراء المهمين أن يكون لديهم أسلوب مميز، طريقة في الكتابة تميزهم بالطريقة نفسها التي نميز بها الرسام من خلال لمسات الفرشاة. ولكن قسمة الذوات أتاحت لبيسوا على الأقل أربعة أساليب في وقت واحد. عندما كان يكتب باسمه كان يتسم شعره بالتكثيف والميتافيزيقية والحساسية:

"أتأمل البِركة الصامتة
التي يحرك ماءها النسيم.
هل أفكر في كل شيء،
أم أن كل شيء قد نسيني؟"

في الوقت نفسه يبدو ريس أشبه بهوراس أو كاتولوس، يهتم بالحياة العابرة والحب في ستانزات منضبطة:

"إذا كانت كل قبلة
هي قبلة وداع،
فدعينا نقبل بعضنا بشغف
يا كلوي".

على الطرف المقابل هناك كامبوس، المستقبلي المتحمس، الذي يمجد سطوة الحداثة وسرعتها:

"الغضب الرائع متحدّ الوجود
وكل حواسي ترغي، وكل مسامي تزبد
لأن كل شيء يملك سرعة واحدة وطاقة واحدة وخط إلهي واحد،
منه وإليه، مأخوذ وأتمتم باهتياج على إيقاع السرعة المجنونة".

ثم هناك كاييرو، الذي قيل إنه توفى من السل في منتصف العشرينيات من عمره. والذي توقره الشخصيات المستعارة الأخرى بصفته "أستاذهم". كتب قصائد واضحة تتجنب الأفكار المجردة وتنغمس في العالم الواقعي، بروح من الحكمة قريبة من الزِن:

"أشكر الله لأنني لست بخير
ولكن هل الأنانية الطبيعية للأزهار
والأنهار التي تتبع مسارها
لا تنشغل سوى بإزهارها وفيضانها
هكذا بدون تفكير؟"

بالنسبة للعديد من القراء، تمثل الشخصيات المستعارة، بأساطيرها المعقدة، جزءًا كبيرًا من جاذبية بيسوا، بعض القراء الآخرين يعتبرونها أسلوبًا غير ضروري ويثقل على عمله. ولكنها بلا شك واحدة من العناصر التي تجعله حداثيًا كبيرًا. كان هذا الجيل من الشعراء يؤمن بما يدعوه أوسكار وايلد "حقيقة الأقنعة". ت. س. إليوت الذي لم يكن أكثر "إليوتية" مما كان عليه عندما كتب ج. آلفرد بروفروك، لديه نسب خاص ببيسوا. هما اللذان ولدا في وقت متقارب، كان لديهما ولع بالداندية، وازدراء للعادي، والتزام باللا شخصانية، وميل للاعتزاز بالتعاسة.

ولكن بيسوا مضى فيما وراء التقنع إلى التفكك المقصود. في قسم بـ "كتاب اللا طمأنينة" بعنوان "كيف تحلم بالميتافيزيقا"، يصف منهجًا يسعى إلى تذويب الوعي، يشبه في صرامته الدليل المكتوب عن التنويم الذاتي، أو مجموعة من الممارسات الدينية: البداية تكون بقراءة الروايات، التي تدربك على أن تهتم بالعالم الخيالي أكثر من الواقعي، ثم القدرة على أن تشعر ماديًا بما تتخيله – على سبيل المثال "الشهواني" لا بد أن "يختبر القذف عندما تحدث هذه اللحظة في روايته". في النهاية، وبعد عدة مراحل، تأتي المرحلة التي يطلق عليها بيسوا "أسمى مراحل الحلم": "بعد خلق مجموعة من الشخصيات، نعيشها جميعًا، في الوقت نفسه – "نتشارك جميع هذه الأرواح معًا". بالطبع هذا هو ما وصل إليه، وإن كان يبدو من جهة على أنه إنكار للذات، فهو من جهة أخرى يشبه عبودية للذات، يختتم النص بقوله "أنا إله". في النهاية، إذا كانت مخيلتك قوية جدًا، لدرجة أنها يمكنها تعمير العالم بالبشر، فأنت لست بحاجة إلى الناس الحقيقيين.

***

ذلك النوع من الذاتوية solipsism كان مصدر افتتان عظيم لبيسوا، كما يكشف "كتاب اللا طمأنينة". المادة التي أشار لتضمينها في الكتاب كُتبت في فترتين، كل فترة منهما لها شخصيتها المستعارة، والشخصيتين مختلفين عن الشخصيات الأربع التي سيطرت على شعره. في الفترة الأولى، من عام 1913 إلى عام 1920، نَسَب أعماله إلى فيسنتي جويديس، الذي وصفه في مقدمة قصيرة بأنه "رجل في الثلاثينيات من العمر، نحيف، طويل إلى حد ما، يظهر تقوس ظهره أثناء جلوسه أقل مما يظهر أثناء وقوفه، ولا يهمل تمامًا عنايته بثيابه". تستمر القطعة في وصف تقشف جويديس وكآبته وذكائه، وتفاهته البينة – كل تلك السمات التي تشبه خالقه. بالتالي، عندما يصف بيسوا "كتاب اللا طمأنينة" على أنه "سيرة ذاتية لشخص لم يوجد أبدًا"، هو في الوقت نفسه يذكر حقيقة واقعية (شخصية جويديس غير موجودة) ويقوم باعتراف شعري: هو نفسه لم يعش ما يعتبره العالم حياة كاملة.

في العشرينيات من القرن العشرين، وضع بيسوا الكتاب جانبًا، وأولى اهتمامه للشعر وانغمس في افتتان استمر طوال حياته بعلوم السحر والفلك. عندما عاد إلى عام 1929، أعاد تخيل كاتبه. في ذلك الوقت صار عملًا خاصًا ببرناردو سواريس، مساعد كاتب الحسابات في شركة لشبونه للنسيج. سواريس أيضًا كانت لديه قرابة روحية مع بيسوا: في الحقيقة، كتب بيسوا أنه الوحيد الذي يعتبر "شبه شخصية مستعارة" لأن "شخصيته، على الرغم من أنها ليست شخصيتي، فهي لا تختلف كثيرًا عنها، ولكنها مجرد تشويه لها". شخصية سواريس أكثر اكتمالًا من جهة الخيال من سابقه جويديس. يبدي ملاحظاته عن حيه بايشا، ومحل عمله في شارع دوس دورادوريس، ومديره، فاشكيش، بطريقة تضفي على الجزء الثاني من الكتاب حسًا روائيًا. وفي الحقيقة وضع ريتشارد زينيث محرر نسخة بنجوين الكلاسيكية من "كتاب اللا طمأنينة" عددًا من هذه الفقرات في البداية، لتمهيد الكتاب للقارئ بالاستعانة بقدر من السرد.

المنهج التأريخي للنسخة الجديدة لا يتسم بأي نوع من التنظيم الموضوعي، ونتيجة ذلك صار الكتاب أكثر صعوبة في القراءة من سابقه. يعود هذا جزئيًا لأنه يبدأ بأضعف مادة فيه، التي ترجع إلى حين كان بيسوا في الخامسة والعشرين من عمره متأثرًا بالرمزية الفرنسية وحركة الانحطاط في التسعينيات من القرن التاسع عشر (تبدو البرتغال متخلفة لجيل كامل عن العصر الأدبي في لندن وباريس). تقول أول فقرة: "روحي أوركسترا مختبئة، ولا أعرف أي آلات، أي كمنجات، أي وتريات، أي طبول، أي دفوف هي التي تدق وتضج بداخلي. لا أعرف نفسي سوى بكوني سيمفونية".

تضع هذه الفقرة النغمة الضابطة لشعر النثر الممتلئ بالحليات الذي يهيمن على الجزء الأول من العمل. بعض القطع كان لها عناوين ثقيلة، كـ "تلاوة اليأس" أو "استطيقا التنازل". أخرى تتكون من تصورات انطباعية عن السماوات والمناظر الطبيعية كما في "يوم ممطر: "الهواء لونه أصفر متواري، كالأصفر الشاحب الذي تراه في البياض المغبر". هناك أحلام يقظة منحرفة عن نساء بلا اسم نصفهن العذراء مريم ونصفهن بل دام سان مرسي  (المرأة الجميلة الخالية من الرحمة): "أنت الشكل الوحيد الذي لا يشع الضجر، لأنك تتغيرين مع مشاعرنا، لأنك بتقبيلك بهجتنا، تهزين حزننا وضجرنا، أنت الأفيون الذي يهدئ، والنوم الذي يجلب معه الراحة، والموت الذي يضع أيادينا بلطف على صدورنا".

إذا كان هذا هو كل ما يحتويه "كتاب اللا طمأنينة"، لن يكون عملًا بارزًا حديثًا ولكن آلة زمن. ومع ذلك، فطائفة الانحطاط في نهاية القرن التاسع عشر هي التي وضعت أولى بذور الحداثة؛ ولدى بيسوا يتضح بشكل رائع الانتقال من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين. تأسس الانحطاط على القلب الوقح للقيم في هذا الزمن: إذ حل محل العمل الكادح والجدية الأخلاقية الكسل المتخيل السامي والتناقض المستفز في أعمال كُتّاب مثل وايلد وجوريس-كارل هيوسمان. تردد لدى بيسوا الشاب  صدى هذه الرسالة، لأنها حولت ميله من التردد والانسحاب إلى الفضيلة الفنية. كتب في قطعة تعود إلى عام 1915: "أنا لا أسعى بجهد. إذا أراد القدر سيأتي ليجدني. أعلم تمام العلم أن أعظم جهودي لن تقارن بالنجاح الذي يستمتع به الآخرون".

ولكن مع تقدمه في العمر، وخاصة في الوقت الذي عاد فيه إلى "كتاب اللا طمأنينة" في الأربعينيات من عمره، أضفى بيسوا على هذا الموقف الأدبي شيئًا أكثر جدية وحدّة. تحول إلى نوع من العدمية الميتافيزيقية، لتصبح الحقيقة العظمى التي على الفنان نقلها هي أن لا شيء يهم. كان من الهام في هذه النقلة هو القرار بالتخلي عن جويديس، ببلاغته المنمقة، وأن يتحدث من خلال سواريس، الذي يفتقد أي نوع من الألق. في الحقيقة كان سواريس الذي يعيش في هذه الغرفة الرثة المستأجرة ويعمل بهذه الوظيفة المكررة المملة عاديًا إلى أقصى درجة، من نوع الأشخاص الذين يتجنبهم الاستطيقي بل حتى إنه لا يلاحظهم. في "الأرض الخراب" رأى إليوت حشود الناس ينطلقون على جسر لندن، ومثل سواريس، اعتبرهم موتى بالفعل: "لم أكن أعتقد أن الموت أصاب هذا العدد من الناس".

***

ولكن لدى بيسوا فالتناقض النهائي هو تحديدًا هذا الموت الحي الذي يقدم أفضل منظور للوجود الإنساني. إذا كان عليك وصف سواريس بتعبير مختصر سيكون "غير المخدوع": لأنه لا يريد شيئًا ويستطيع إدراك كل شيء. يكتب بيسوا: "نعم، هذا هو ما يعنيه الضجر، فقدان الروح لقدرتها على خداع نفسها". من بين الأشياء التي تخفق في التأثير عليه في "كتاب اللا طمأنينة" فكرة السفر: "فكرة السفر تصيبني بالمرض الجسدي"، والسياسة: "جميع الثوريين أغبياء وكذلك المصلحين"، والحب: "ليس لدي عقل يتمتع بالصبر أو التركيز ليحثني على بذل هذا الجهد". من الملحوظ أن التاريخ يغيب عن عمل بيسوا، على الرغم من أنه عاش أثناء الحرب العالمية الأولى، وحلت سلسلة من الأزمات السياسية في البرتغال أدت لإقامة نظام فاشي، أقصى بيسوا بصرامة هذه الأمور من اعتباره. بدا أن أقصى لحظات سعادته كانت عندما يراقب الطقس، والعديد من القطع تتضمن أوصافًا للشمس والسماء والمطر والسحب.

من الصعب التوفيق بين هذه اللا مبالاة وبين الجهد والحرفية اللتين استعان بهما بيسوا وهو منكب على عمله. إذا لم يكن هناك ما يستحق الفعل، لم كتب خمسة وعشرين ألف صفحة؟ في بعض الأوقات، يشير إلى أن التفكير والكتابة كانا فقط لتزجية الوقت – انشغال للعقل كما يشغل البعض أيديهم بالتطريز، كما يقول في قصيدته "ساكنًا":

"أنا أيضًا أقوم بالتطريز
يعود هذا منذ بدأت التفكير
غرزة بعد غرزة تشكّل كلًا بدون كل
نسيجًا ولكني لا أعرف إذا كان ثوبًا أم لا شيء".

إذا اعتُبر التفكير غيابًا تامًا للنشاط، إذن ربما يبدو أشبه بإنكار الحياة، و"كتاب اللا طمأنينة" كُتب للتعبير عن الضجر والندم واليأس. ولكن في الوقت نفسه، بيسوا مقتنع أن التفكير هو أعظم المغامرات، يفوق أي فعل ممكن. هذا صحيح، لأننا لا ندخل العالم أبدًا بدون أن يكون هذا من خلال إدراكاتنا وأفكارنا الخاصة، وللحديث بدقة فالعقل في العالم غير ضروري. لِم نفعل الأشياء طالما يمكننا أن نتخيلها؟ بهذه الطريقة يتحول الموظف سواريس، إلى أرستقراطي محض، لا حاجة له بمفاهيم مثل الإنجاز أو المكانة، لأنه يعتبر نفسه متفوقًا على هذه المفاهيم. يقول سواريس، ويبدو هنا أشبه بزرادشت نيتشه: "كلما صعد الإنسان لأعلى، كان عليه أن يتخلى عن المزيد من الأشياء. على ذروة الجبل، لا توجد مساحة سوى لهذا الإنسان وحده". الكتابة هي سبب تفوقه والدليل عليها: "الأدب... يبدو لي الهدف الذي ينبغي أن تتجه نحوه كل الجهود الإنسانية".


في تبدلاته بين كراهية الذات وإحساسه بتفوق الذات، يمكن لـ "كتاب اللا طمأنينة" أن يبدو ملحمة هوسية-اكتئابية نموذجية. إنجاز بيسوا، سواء قصد ذلك أو لم يقصده، هو إظهار كيف أن جذور نوع معين من البؤس يعتمد على الذاتوية – الاعتقاد بأن لا شيء خارج الذات يهم حقًا - بالتالي لا يمكن للعقل أن يتأثر حقًا بما يختبره. يكتب في القطعة الأخيرة: "الحرية هي القدرة على العزلة، إذا كنت لا تستطيع العيش وحدك، فقد ولدت عبدًا". ولكن في النهاية فحتى بيسوا لم يستطع العيش وحده، إنما حظي بالصحبة عن طريق ابتكار شخصيات مستعارة، ولكنهم على خلاف الناس الحقيقيين، سيظلون دومًا تحت السيطرة. الموت وحده قادر على أن يحررهم – ويحرره –  من قبضة مخيلته شديدة القوة.

حوار نوبل.. كازو إيشيجورو: انضممت إلى قائمة تحوي الكثير من الأبطال العظام

بعد إعلان فوز كازو إيشيجورو بجائزة نوبل في الأدب لعام 2017، أجرى آدم سميث، المسؤول الإعلامي للجائزة، حوارًا مع الكاتب الإنجليزي عن الجائزة التي لم يتوقعها، وعن صحبة الأدباء الذين سينضم إليهم. 

حوار آدم سميث 
ترجمة عن موقع جائزة نوبل

ترجمة: أمير زكي
أكتوبر 2017
نُشرت بموقع المنصة



***

كازو إيشيجورو: مرحبًا يا سيد سميث، كيف حالك؟

آدم سميث: في حال طيبة. شكرًا جزيلًا لك على تلقي الاتصال، هذا لطف منك. مبروك على جائزة نوبل.

إيشيجورو:  نعم. شكرًا لك، آسف على فترة الانتظار، هناك فوضى شديد للأسف. فجأة ظهر العديد من الصحفيين وهم يقفون في طابور بالشارع.

سميث: يمكنني تخيل ذلك. بالطبع لا بد أن يومك تغير تمامًا بطريقة غير متوقعة. كيف تلقيت الخبر؟

إيشيجورو: كنت أجلس في المطبخ أكتب بريدًا إلكترونيًا لصديق حين رن جرس التليفون. في البداية لم أكن متأكدًا تمامًا، وكلائي الأدبيون كانوا يشاهدون البث الحي وشهدوا الإعلان. لا أعتقد أنهم كانوا يتوقعون ذلك، كانوا ينتظرون فقط معرفة الفائز بالجائزة هذا العام. وبدأت أستقبل الاتصالات، وفي كل مرة كنا نحاول أن نتأكد إذا كان الأمر شائعة أو إذا كانت الأخبار مزيفة، أو ما هي حقيقة الأمر. ثم بدأ الأمر يتأكد شيئًا فشيئًا. في هذا الوقت اتصلت بي شبكة بي بي سي، فأخذت المسألة بجدية. كان الأمر أشبه بكون سفينة ماري سيليست(1) هنا، كل شيء كان في مكانه حتى الساعة الحادية عشر، ثم بدأ كل شيء، ومن ساعتها بدأ الصخب، الآن يشكل الناس طابورًا في الشارع بانتظار إجراء حوارات صحفية.

سميث: بالتالي هل بدأت استيعاب الأمر؟

إيشيجورو: لا، لا، لا أظن أنني سأستوعب الأمر لوقت طويل. أعني، هذا شرف كبير إلى حد مضحك، كبير بأعلى قدر ممكن. لا أعتقد أنك ستحصل على جائزة أكبر من نوبل. أعنى أن أحد التعليقات التي سأقولها إن الكثير من هذا الفخر يرجع إلى أن الأكاديمية السويدية، على ما أعتقد، تظل بعيدة عن الجدالات السياسية وهكذا. وأظن أنها واحدة من الأشياء القليلة التي ما زالت تلقى احترام العديد من الناس في أنحاء العالم، بالتالي أظن أن حس الشرف النابع من استقبال الجائزة يرجع إلى القامة الحقيقية للأكاديمية السويدية. وأظن أن هذا إنجاز كبير في ذاته، إذ استطاعت الأكاديمية السويدية طوال هذه السنين أن تحافظ على قيمتها الكبيرة، في كل مسارات الحياة التي تكرمها. وهناك سبب آخر في أنه شرف عظيم لي بسبب... كما تعرف، انضممت إلى قائمة تحوي الكثير من الأبطال العظام، كُتَّاب عظام بحق. أعظم كُتَّاب في التاريخ حصلوا على الجائزة. وكما تعرف، ينبغي أن أقول إنه أمر رائع أن أحصل عليها بعد عام من فوز بوب ديلان بها، لقد كان بطلي منذ كنت في الثالثة عشر من عمري. ربما كان بطلي الأكبر على الإطلاق.

سميث: من اللطيف أن تنضم إلى هذه الصحبة.

إيشيجورو: نعم، وأنا بارع في تقليد بوب ديلان، ولكني لن أقوم بذلك الآن.

سميث: خسارة، كنت أحب أن أشاهد ذلك. ولكن على الأقل يمكنك أن تؤدي ذلك في ستوكهولم في ديسمبر، من فضلك.

إيشيجورو: بالطبع، سأحاول ذلك.

سميث: ينبغي عليك ذلك، هذا توقيت غريب في بريطانيا في هذه اللحظة. هل يضيف هذا أهمية خاصة في تلقيك للجائزة؟

إيشيجورو: أعتقد أن له أهمية، في الحقيقة قبل أن أرفع سماعة التليفون لأرد عليك، كتبت ما يشبه البيان المخصص للصحافة، وكنت أحاول أن أفكر فيما يمكن أن أقول في ثلاث جمل، وأظن أن التوقيت مناسب لي، لأنني أشعر... أنا في حوالي الثالثة والستين من عمري، ولا أذكر الوقت الذي لم نكن واثقين فيه من قيمنا في العالم الغربي. كما تعرف، أظن أننا نمر بزمن ينتابه عدم ثقة شديد في قيمنا وقياداتنا. لا يشعر الناس بالأمان، بالتالي آمل أن تسهم أشياء مثل جائزة نوبل بشكل ما في تأدية أدوار إيجابية في العالم، وللقيم الراقية في العالم، وهذا سيسهم في نوع من من الاستمرارية والرقي.

سميث: أعتقد أنك بطريقة ما كتبت طوال الوقت عن قضية موضعنا في العالم، وعلاقتنا ببعضنا، علاقتنا بالعالم. ربما كان هذا أكثر موضوع بحثته، هل هذا صحيح؟

إيشيجورو: نعم، سأقول نعم، أظن أنني أعني.. إذا ضيقت هذه الفكرة قليلًا، أعني أن هذا من المرجح... أحد الأشياء التي تعنيني دومًا هي كيف نعيش في عوالم صغيرة وعوالم كبيرة في الوقت نفسه، أن لدينا مساحة شخصية نحاول فيها أن نجد التحقق والحب، ولكنها تتقاطع حتمًا مع عالم أكبر، يمكن أن تهيمن عليه السياسة أو حتى العوالم الديستوبية. بالتالي أظن أنني كنت دومًا مهتمًا بذلك. نحن نعيش في عوالم صغيرة وعوالم كبيرة، وكما تعرف، نحن لا نستطيع أن ننسى أيًا منها.

سميث: شكرًا لك، وأعتقد أننا سنتحدث عن هذه الأشياء في وقت لاحق.

إيشيجورو: نعم.

سميث: في هذه اللحظة، عليك أن تفكر كيف ستتصرف مع هذا الكم من الصحفيين. هناك فكرة أخيرة، هل تشعر بطوفان الاهتمام الذي توشك على تلقيه؟

إيشيجورو: أعتقد أنني أتعامل مع الأمر بإيجابية. أعني أنه بينما سيؤدي ذلك إلى القليل من عدم الاستقرار، لأني لم أكن أعلم حين استيقظت هذا الصباح أن اليوم سيختلف عن أي يوم عادي. أعتقد أنه شيء عظيم أن الصحافة والإعلام يتعاملان مع جائزة نوبل في الأدب بهذه الجدية. سأشعر بالقلق الشديد إذا حل يوم يفوز فيه شخصًا ما بجائزة نوبل في الأدب ولا يأبه أحد بذلك. هذا سيدل على أن هناك أشياء فظيعة حدثت للعالم.

سميث: اليوم الذي يُحتفى فيه بالأدب هو يوم رائع.

إيشيجورو: نعم، وأعتقد أنه يمكن للأدب أن يكون شيئًا عظيمًا، وفي بعض الأحيان يكون دافعًا للأشياء السيئة أيضًا. كما تعلم، أظن أن جائزة نوبل في الأدب موجودة لتحاول تأكيد هذا الدافع الخيِّر فيه.

سميث: عظيم، شكرًا جزيلًا لك، ونحن ننتظر بنفاد صبر الترحيب بك في ستوكهولم في ديسمبر.

إيشيجورو: نعم، أترقب ذلك. من اللطيف التحدث إليك يا سيد سميث.

سميث: شكرًا جزيلًا لك.


إيشيجورو: لتصحبك السلامة.

------
(1) Mary Celeste سفينة تجارية أمريكية، اكتُشفت عند جبال الآزور على المحيط الأطلنطي، بحال جيدة، ولكن بدون طاقمها الذي اختفى ولم يعرف أحد سر اختفائه. 

كازو إيشيجورو: هناك جانب بارد قليلًا في كتابة الأدب

في عام 2015، وقبل عامين من حصوله على جائزة نوبل في الأدب، حاورت جابي وود الكاتب الإنجليزي كازو إيشيجورو، بمناسبة روايته الأخيرة "العملاق المدفون" التي نشرها بعد فترة انقطاع استمرت عشر سنوات. يتحدث إيشيجورو في الحوار عن سبب كتابته للرواية الأخيرة في مكان غريب وزمان سحيق، وعن الأشياء الكبيرة التي تفضل الشعوب أن تخفيها من تاريخها، وعن ضيقه ممن يقرأون أعماله بحثًا عن الدقة التاريخية.

حوار جابي وود

ترجمة: أمير زكي
أكتوبر 2017
نُشرت في موقع المنصة



***

"سألني شخص ما عما كنت أفعله في فترة الانقطاع"، يقول كازو إيشيجورو بضحكة طفولية: "فكرت في أنه صحيح أنها كانت فترة انقطاع امتدت عشر سنوات منذ روايتي الأخيرة، ولكن بشكل شخصي أنا نفسي لم أقض عشر سنوات منقطعًا".

أعتقد أن هذا يشرح الأمر بعض الشيء، إيشيجورو واحد من أفضل الروائيين الأحياء في بريطانيا، وهكذا يجعلنا نترقَّب. يشرح لي عندما أزوره في منزله بجولدرز جرين: "أقضي وقتًا طويلًا حتى أجد مشروعًا أعتقد أنه سيكون جيدًا بما يكفي. أظن أنني تجاهلت الكثير من الأفكار. كثيرًا ما تكون لديّ أفكار أو قصة – وحتى الانفعالات التي تخرج منها – ولكن لا تكون لديّ القطعة الأخيرة من البازل".

"العملاق المدفون" أول رواية له منذ رواية "لا تدعني أرحل" قوبلت بتوقُّع لاهث وبعض الارتباك، لأنها بحسب قوله تجري "عند نهاية إنجلترا" قبل أن يمحو الأنجلوساكسون البريتونيين، فيما اعتبره بعض المؤرخين إبادة جماعية. كانت الأرض كئيبة وموحشة، يسكنها الغيلان والتنانين، والمتبقين المنهكين من بلاط الملك أرثر. إذا كان المكان الذي تدور فيه أحداث الرواية غير متوقع، فأكثر شخص لم يتوقعه هو الكاتب نفسه. يقول: "ليس هذا ما تعودت عليه". في الكتاب، يتعرض غرب البلاد، وربما ما يجاوزها، لوباء النسيان، هناك ضباب نعرف أنه يتشكل من أنفاس تنين أنثى تدعى كويريج، التي لا بد أن تُذبَح إذا أراد الناس أن يتذكروا أي شيء. ولكن من يجرؤ على تذكر كل شيء، وما هي مخاطر ذلك؟

كانت الفكرة تدور في عقل إيشيجورو منذ 15 عامًا. يقول: "كتبت كل هذه الكتب عن أفراد يكافحون مع ذكرياتهم الشخصية، ولايعرفون متى يخبئون ماضيهم ومتي يواجهون هذا الماضي بنوع من الإصرار. ولكن ما أردت أن أفعله حقًا هو أن أكتب عن هذا النوع من الكفاح على المستوى الاجتماعي. عندما تنظر لمعظم البلاد تجد أن لديها أشياء كبيرة مدفونة".


في أحد أجزاء كتابه الأخير، يصل إلى مساءلة الفكرة اليهودية المسيحية عن الذنب. يقول: "على الرغم من أنني لست مسيحيًا، تعجبت في بعض الأحيان من هذا الأمر. فكرة أن يكون لديك إله رحمته غير متناهية أذهلتني كفكرة مناسبة، وذلك في نظام أخلاقي بمركز إمبراطورية مضطربة". ولكنه وجد إنه إذا جرت أحداث الكتاب في فرنسا ما بعد الحرب أو جنوب أفريقيا أو يوغوسلافيا أو اليابان، سينحرف المعنى ويقتصر فقط على هذا المكان، ولكنه أراد شيئًا أكثر كلية.

ثم في أحد الأيام كان يقرأ نسخة قديمة من قصة "جوين والملك الأخضر" (1)، وبينما كان جوين يمتطي حصانه وينتقل من قلعة إلى أخرى – هذا الذي كان يستغرق حوالي ثلاث ستانزات – كان هناك وصف لبريطانيا الموحشة في ذلك الوقت، كان يسافر عبر المستنقعات والأراضي الضحلة، وأثناء نومه كان معرضًا لعناصر الطبيعة، وفي طريقه كان يقاتل التنانين والذئاب والغيلان والثيران والدببة. يقول إيشيجورو إن هذه الفقرة القصيرة "فتحت لي عالمًا كاملًا، وفكرت إن هذا أمر طيب، وتساءلت إن كان هذا هو المكان الذي كنت أبحث عنه طيلة الوقت".

ولكنه تبنى الفكرة مع بعض التحفظ: "لم أفكر كثيرًا، أنا أحب التحدي. ثم قلت يا إلهي، ينبغي أن يرتدوا أخفافًا، وأي نوع من السيوف ينبغي أن تكون معهم؟ وكيف سيتحدثون إلى بعضهم؟ أثبتت التفاصيل أنها ستمثل مشكلة كبيرة". وبعد أن كتب ثلثها بدأت تراوده الشكوك. وعلى الرغم من أنه لم يكن يميل لفعل ذلك في كتبه السابقة، جعل زوجته الذكية والنشيطة لورنا تقرأ ما كتب. يقول وهو يضحك: "لا أعتقد أنني سأفعل ذلك مجددًا، ولكنها أكدت مخاوفي. قالت لي: لا يمكن أن تجعلهم يتحدثون بهذه الطريقة، هذا غير طبيعي". بالتالي نحّى الرواية جانبًا لعدة سنوات، حتى شعر إنه بإمكانه العودة إليها "بدون أن يرغم نفسه كثيرًا".

إيقاع "العملاق المدفون" يتسم بالتمهل، وبلا شك سيجد بعض القراء صعوبة في التعود على عالمها الحر البطيء. ولكن الكتاب يتجه إلى شيء عظيم ويكسر القلب، ليس ذروة محددة، ولكن حركة شطرنج تترك شقوقًا في الرقعة نفسها. كل المساعي التي تتحرك إليها الشخصيات – أن تذبح التنين، أن تجد ابنًا، أن تصل لأم، أن تنتقم، أن تستعيد ذاكرتها – ليست سوى مشتتات عن الحقيقة الضمنية، وهي أن المشكلة ليست في التنين، إنما في البشر الذين فرضوا سحرها، وأن خطة هؤلاء الذي فرضوا السحر تختلف عما تتوقع، لأن نتائج التخلص من السحر ستكون وحشية. ما يبدو كأنه سرد لرحلة؛ يقترب أكثر من كونه حبكة لفيلم وسترن أو فيلم عصابات: أي جانب ينتمي إليه أي شخص؟ وما الذي يحمونه؟ ومتى بدأت تلك الصراعات القديمة؟ وفي النهاية مَن هو البطل؟

في البداية، تبدو قصة رمزية أو على نمط القصص الشعبية المباشرة، ولكن الشخصيات المبنية بعمق على مادة أسطورية، غير ملائمة لذلك. على سبيل المثال، كلا من المحارب الساكسوني وستان، وجوين فارس الملك آرثر ذي الثياب الرثة، يبدوان وكأنهما يعرفان آكسل، البريتوني العجوز الذي يبدأ به الكتاب. في كل مرة يستعيدان شيئًا عنه في ذاكرتهما، ويبدو أن القارئ وصل إلى دليل ما. ولكن هل تحاول هذه الشخصيات أن تتذكره حقًا، أو هل يعرفان تمامًا من هو. نحن لا نعرف إذا كان الضباب قد أثر على كل الناس بقدر متساو. حتى قبل أي فعل مباشر، فالأرض هي ميدان معركة للعقل، مكان يتلاشى فيه رشد الناس على مستويات متعددة، حيث الأبطال مرضى، لأنهم لا يعرفون من هم، أو ما الذي كانوا يتشاركونه مع من حولهم.

في النهاية، نعرف أكثر عن طبيعة أكسل في حياته المبكرة. في الروايات الأقل مهارة كنا سنجد الكثير من المعلومات عن ذلك. أما هنا، فالمكانة التي ارتقى إليها في المجتمع ليست بذات أهمية بقدر حوادث الفقد التي مر بها مع زوجته بياتريس. تكاد حرب أن تندلع في البلد كله، سببها الكراهية واسعة المدى، ولكن مآسي آكسل وبياتريس ربما كانت أكثر مما يمكن تجاوزه.

موضوع الرواية ليس فقط النسيان، ولكنه التذكر الزائف أيضًا. نعرف هذا من وقت مبكر، لأنه عندما ينطلق الزوجان في رحلة للعثور على ابنهما، لا تكون لديهما فكرة أين يعيش، ولا يذكران لماذا لم يعد يعيش بينهما. ومع تقدم الرحلة، تحظى قصتهما بالإلحاح والتفصيل – لا يعيش ابنهما بعيدًا للغاية، وهو ينتظر قدومهما بنفاد صبر، لا بد أنه يتساءل عما يبقيهما بعيدًا، على الرغم من عدم وجود أي مصدر لتلك التأكيدات. ولأن هذه هي القصة التي يعيشان عليها، فلا بد أن تحظى بالزخم.

على الرغم من أن المعجبين برواية "الهوبيت" أو "لعبة العروش" لن يجدا التفاصيل الكثيفة التي ربما يرغبون فيها، سيدرك المعجبون بإيشيجورو الكثير هنا؛ قد يكون هذا منطق حلم، أو ذكرى مدفونة، فرغبة المرء في مد الزمن الذي يقضيه مع من يحبه، والحس الملح بالواجب أو هاجس الذنب المبرر، فرواياته محكومة بما لا يمكن الوصول إليه. تدعو بياتريس النسيان بـ "الضباب"، وهذه كلمة مناسبة لما ابتكره إيشيجورو في أعماله، الظل الذي يلقيه في خلفية عقل المرء. بهذا المعنى، تمثل أنفاس كويريج استدعاء مختصر لما أظهره لنا إيشيجورو على مر السنوات، وهذا تراكم من نوع ما.

في أحد أركان غرفة جلوس إيشيجورو يوجد عدد من الجيتارات على الحوامل. يمسك بواحد منها، ويبدأ بعزف مقطوعة بلوز خفيضة. يقول لي إنه عندما كان مراهقًا كان يعزف الموسيقى، ويشاهد العديد من الأفلام، ونادرًا ما كان يقرأ، وعلى الرغم من ذلك يشير لي أن هذا ليس أمرًا غير معتاد على صبي. لم يبدأ الأمر سوى في بداية العشرينيات، عندما اكتشف فجأة دستويفسكي وشارلوت برونتي، لينغمس في الكتب. الكثير مما تعلمه عن الكتاب جاء من كتابة الأغاني. مر بـ "مرحلة القلق المراهقة" و"تيار الوعي"، وفي النهاية عندما سجل "مقطوعة سيئة" جدًا في غرفة نومه، كان عدم الاكتمال هو أسلوبه. في هذا الوقت بدأ كتابة الأدب. روايتاه الأوليان "منظر شاحب للتلال" و"فنان من العالم الطليق" تبدوان كأنهما مكتوبتان لصوت، يشير إلى أنه تخيلهما كمونولوجين مطولين.

على الأقل، هذه هي القصة هي التي قالها لنفسه على الدوام، ولكن مؤخرًا حين كان يرتب أوراقه لوضعها في أرشيف، صادف أن عثر على ما أطلق عليه "الراويتين المفقودتين". يقول: "هذه هي مسألة قمع الذاكرة الفردية"، يضحك، ويشير إلى "العملاق المدفون"، في الحقيقة يشير إلى أعماله كلها: "لقد ظننت أن هذه الأمور عادية – ابتكرت سردًا يخصني أدى إلى عدم اكتمال الروايات السابقة لـ (منظر شاحب للتلال). في الحقيقة هناك ثلاث مسودات من كل رواية. كانت هذه صدمة خفيفة بالنسبة لي، أنها وجدت بهذا الشكل المكتمل. الرواية الأولى كانت بشعة، كئيبة للغاية. لملايين السنين لا يمكن أن أظن أن كاتبها سيكون كاتبًا في المستقبل. ثم كانت الرواية الثانية، وهذه كتبت بحرص، ما جعل الأمر مربكًا بشكل أكبر".

إيشيجورو، الذي يذهلك بأنه غير منكفئ على ذاته، يضم الآخرين إلى تجربته؛ يقول إنه لهذا السبب، فإنه إذا قرأ كتابة لشخص لا يعتقد أنه جيد جدًا، يكره أن ينصحه بالتوقُّف. "أظن أنه من الصعب للغاية أن تعرف ما الذي سيحدث للناس ككُتَّاب. لا يتحسن الكتُّاب تدريجيًا حتى يتجاوزوا نقطة محددة. مع الموسيقيين يمكنك عادة أن تعرف إذا كان هذا الشخص لا يتمتع بالموهبة الموسيقية. ولكن مع الكتاب هناك علاقة صعبة بين مادة الموضوع وأين يقف الشخص في حياته".

بعد تخرجه من الجامعة بوقت قصير، عمل في ملجأ للمشردين والتقى بزوجته المستقبلية، والتحق بفصل دراسي للكتابة الإبداعية بجامعة إيست آنجليا (لم يلتحق به عدد كاف من الطلبة) فدرس على يدي معلمته آنجيلا كارتر (التي كانت طبعات كتبها نافدة في ذلك الوقت). من الصعب أن تتخيل روائيين مختلفين إلى هذا الحد، كارتر بإفراطها الحر، وإيشيجورو بتهربه المستمر – ولكنها صارت أكثر من أثَّر في حياته المهنية.

يقول: "لقد مررنا بكل تلك الجدالات الكبيرة، كانت تقول لي دومًا إنني لا أضيف تفاصيل كفاية". ولكنها من البداية كانت تعامله باحترام الكاتبة المهنية: "أذكر أنني كنت أدخل عليها وأقول: هل تعتقدي أنه يمكن للقطط الميتة أن تطفو؟ لأنني بحاجة لمعرفة ذلك بسبب مشهد محدد. وكانت تتعامل مع الأمر بجدية شديدة".

الشخص الذي كان إيشيجيرو وأصدقائه يطمحون في الوصول إلى قامته هو إيوان مكيوان، الذي بدا أنه يكتب للجيل الأصغر، وبدا أنه يقدم نموذجًا جديدًا، يقول بطريقة جافة: "كنا واعين أن مارتن آميس كاتب شاب محتفى به، ولكننا لم نكن نقرأه للعديد أسباب". كان ممثلو المؤسسة الثقافية هم آيريس مردوك ووليام جولدينج ودوريس ليسينج.

"أما من هم أشبه بف. س. نايبول وج.ج بالارد، بديا خارج ذلك تمامًا، كانا أشبه بشخصيات مستقلة. ربما كان نايبول مهتمًا بالخارج أكثر، يركز على المكان الذي تنطلق منه الطلقات، هناك في العالم النامي، وليس عن الفارق بين فتاة من الطبقة الدنيا وصبي من الطبقة الوسطى لا تمضي علاقتهما بشكل طيب. الآن أنظر إلى كل هذا ولا أشعر أن الأمور كانت مباشرة إلى هذا الحد. ولكن علينا أن نتجنب الطريقة الواقعية الاجتماعية الصريحة في الكتابة".

بالطبع تكمن الصعوبة في أن القراء يميلون لأن يكون لهم عادات واقعية اجتماعية صريحة، وكافح إيشيجورو حتى يقرأه الناس حرفيًا. على سبيل المثال سيكون من الواضح بالنسبة للعديد من الناس أن المكان القديم لرواية "العملاق المدفون" أو الافتراض المستقبلي في "لا تدعني أرحل" هي أشياء خيالية، ولكن يرجع ذلك إلى أن إيشيجورو يدفع الأحداث إلى حدود متطرفة. يقول: "لديَ دومًا مشكلة مع المكان، طوال عملي. لأنه في البداية أردت أن أكتب روايات تدور في اليابان، كانت هناك حاجة عاطفية كبيرة لأصنع يابان تخصني وهكذا". (غادر إيشيجورو اليابان عندما كان في الخامسة من عمره، لكنه نشأ في بريطانيا مع قصص الساموراي والحكايات الأخرى التي كانت ترويها أمه. في إحدى المرات قرأت له قصة إيفانهو(2) كلها بالترجمة اليابانية). "ولكن الناس في الغرب يعتبرونها تمثيلًا وثائقيًا. أنت تعرفين إنهم يقولون إذا ذهبت إلى اليابان في رحلة عمل، اقرأ رواية (فنان من العالم الطليق)، ستساعدك في فهم العقل الياباني، كنت أقول في نفسي: (انظروا هذا مجرد أنا أثناء لهوي بالطبيعة البشرية، أو أي شيء آخر). لم يكن يريحني أن يعتقد الناس أني صحفي أو مؤرخ. وفكرت أنه بالانتقال إلى مكان غربي لكتابة عمل مثل (بقايا اليوم)، يمكن للناس أن تقيس المسافة بين الدقة التاريخية وعالمي المتخيل". ولكنه يضحك من هذه الفكرة: "ولكن لا، يقولون: هذا رائع، هكذا كان يتحدث الخدم عن واجباتهم".

كان الإصرار على ابتكار كل الأشياء خاليًا من الجدوى. يقول "منذ رواية 'من لا عزاء لهم' (روايته الرابعة التي نشرت عام 1995) صرت أكثر وعيًا بمسألة أن الناس تقرأني حرفيًا، حتى أنني توجهت إلى عالم أغرب، عالم خيالي بشكل واضح، لأعلن الكيفية التي أود أن تُقرأ رواياتي بها، لا تحاولوا أن تنظروا للحقيقة التاريخية بشكل جدي، حاولوا البحث عن شيء آخر". 

أتساءل عن هذا الشيء الآخر؟ فيجيب إيشيجورو ببساطة شديدة: "أحاول أن أعمل بشكل كبير بواسطة الانفعالات. أحوال فقط أن أقول للقراء: هل تعتقدون أن هذا هو ما تشعرون به؟ إذن عليكم أن تشعروا بهذه الكيفية، أن تكون شخصًا في هذا النوع من المواقف، هل تدركون ذلك؟ وعلى الرغم من أن هذا طموح متواضع. أظن أنه من المهم للغاية أن يتواصل الناس مع بعضهم على هذا المستوى. أن يقولون: أظن أن هذا هو ما تبدو عليه الحياة، هل تشتركون في هذه المشاعر؟ إذا شرحت الأمر بهذه الطريقة، هل تشعرون بهذه الانفعالات أيضًا؟"

لأن الزوجين في قلب رواية "العملاق المدفون" وُضعا تحت ضغط اختبار مفترض – هل يحبان بعضهما بما يكفي؟ هل ما زالا يحبان بعضهما لو..؟ تذكرت تجربة الاستنساخ في "لا تدعني أرحل"، وكانت لدي هذه الفكرة غير المريحة والغامضة أن روايات إيشيجورو نفسها هي تجارب إنسانية، وكل قراءه يتجمعون حول ميكروسكوب غير مرئي. في غرفة جلوسه، يتفكر في هذا الأمر: "أفترض أنه يمكنك القول إن هناك عنصرًا معمليًا في كل الأعمال الأدبية"، يشير إلى أنه: "إلى حد ما هي تجارب فكرية، وصحيح، يمكنك اختبار تجارب بعينها بدون أن تمر بها. هناك جانب بارد قليلًا في كتابة الأدب – عليك أن تكون منفصلًا قليلًا لتقول: كيف سيتصرف البشر في هذا الموقف؟"

من المهم أن نقدّر حقيقة أننا نراقب إيشيجورو وهو يستكشف الأفكار في لحظتها. نحن نحتفي بهذه الكتب بشكل فردي، وهي تصدر للعالم، ومن السهل أن ننسى الامتياز في هذا. أخمن أن تُقرأ "العملاق المدفون" بشكل مختلف خلال 10 أو عشرين سنة من الآن. نحن غير متأكدين تمامًا من هذا، حتى نقرأ أعماله في ذلك الوقت وندرك أهميتها. ولكني مستعدة للمراهنة على أنه من بينه جميع كتاب القرن الحادي والعشرين، سيكون هو الكتاب المتبقي، هو الذي طرح الأسئلة عما يربط الناس ببعضهم، الذي قال شيئًا عميقًا عن التاريخ، وشيئًا غير انفعالي عن الحب.
-------
(1) Sir Gawain and the Green Knight، قصة شعبية فروسية إنجليزية تعود إلى القرن الرابع عشر، وهي عن الفارس جوين، أحد فرسان المائدة المستديرة. 
(2) Ivanhoe رواية تاريخية لوالتر سكوت نشرت عام 1820.