لعبة النهاية - رونان مكدونالد

التدوينة عبارة عن ترجمة للجزء الثاني من الفصل الثالث  من كتاب (مقدمة كامبريدج لصمويل بيكيت- The Cambridge Introduction to Samuel Beckett) للكاتب: رونان مكدونالد*
الكتاب صدر عام 2006


***


تدور مسرحية "لعبة النهاية" في عالم أقل ألفة من عالم "في انتظار جودو". إن اقتنعنا بشهادة كلوف ورؤيته من خلاف تلسكوبه فالخارج كله كئيب ومهجور وخال من الحياة. الشخصيات لديها ذكريات عن عالم مشابه لعالمنا، ولكن العالم الذي يعيشون فيه مستهلك وقديم. ذكرياتهم متماسكة أكثر من شخصيات "في انتظار جودو"، وبالتالي فوعيهم بكونهم منبوذين فيه قدر كبير من التمزق. العجز الجسدي هو موتيفة واضحة في المسرحية الأولى ولكن في هذا العالم الممتليء بالمبتورين والمشلولين والعميان، فإحساس العجز والوقوع في الشرك هو إحساس قامع إلى حد كبير. كل شيء في الخارج في شكل جثث. المكان المنعزل يشبه مشهدا ما بعد أبوكاليبسي، هذا الذي يجبر بعض المعلقين على التساؤل إن كان يمكن الشعور بقلق الحرب الباردة مع تهديد الفناء النووي في المسرحية. سبب كون العالم عند هذه النقطة من الانتهاء، وكون العالم الخارجي كله كئيبا ومسطحا وخاليا من الحياة ليس معروضا. ولا يتم شرح سلوك الشخصيات. لِم يطيع كلوف أوامر هام طالما يحتقره بهذا القدر؟ لم يوضع أبوا هام، ناج ونيل منزوعي الأرجل، بسلتي قمامة؟ ما هي طبيعة العلاقة المذكورة في يوميات هام بالمسرحية؟ هل هي متعلقة بوصول كلوف إلى المنزل كما يقترح الكثيرون؟ في إنتاج للمسرحية بستوديو ريفرسايد في هامرسميث عام 1980، الذي أخرجه بيكيت، سأله ريك كلوتشي، الذي كان يقوم بدور هام في ذلك الوقت، إن كان الصبي الصغير في المسرحية هو في الحقيقة كلوف الشاب. فكان رد بيكيت المميز: "لا أعرف إن كانت تلك قصة كلوف الصغير أم لا، لا أعرف ببساطة "[10].

المشاهدون الذين يبحثون عن معنى في المسرحية سيقابلون التوبيخ ما بعد المسرحي التالي: "هام: نحن لسنا في مستهل أن... أن... نعني شيئا؟ كلوف: نعني شيئا! أنت وأنا، نعني شيئا! (ضحكة قصيرة). آه هذه مزحة جيدة!". (27). كل شيء يصل إلى نهاية، وكل شيء يتهافت ويُستهلك، وهذا لا ينطبق فقط على المسكنات والدراجات ولكن أيضا على كل الملامح الممكنة للمعنى والوضوح. اتجاهات الخشبة المسرحية تخبرنا أن هناك صورة تواجه حائط الغرفة حيث يتم الفعل، وربما تكون هذه استعارة للمعلومات المتحفظة خلال المسرحية. على خلاف المسرحيات التقليدية أو المحبوكة جيدا، لا تعرض لنا هذه المسرحية "الصورة الكاملة" – ولا حتى في النهاية. بالأحرى علينا أن نتعامل مع التحفظ الغامض: "شيء يسير في مداره". ما هذا "الشيء"، بعيدا عن المسرحية المكتوبة بالفعل، والتي تتكشف أماما أعيننا كما هو واضح؟ كيف لهذه الجوانب من "لعبة النهاية" التي ربما نعتبرها "غريبة" و"عجيبة" أن تتوظف جماليا أو دراميا في الحقيقة؟ كيف يمكن أن نبدأ في "قراءتها" أو تفسيرها؟

"لعبة النهاية" تقاوم الشرح النقدي أو التفسير الفلسفي بشكل أكبر من "في انتظار جودو". هذه المقاومة تشكل جزءا من تأثيرها الجمالي والمسرحي. "في انتظار جودو" أيضا تحتوي على يقين كما رأينا، وهناك تأملات في الزمن والعادات والرغبات وأمثلة تلك الأشياء التي يمكن أن يصل الكاتب من خلالها إلى ناتج غير مستقر. في المقابل تطرح "لعبة النهاية" تحديا كبيرا. إنها أشبه بـ "مسرحية تكافح طوال الوقت لتتجنب التعريف"، وكأن بيكيت المنزعج من التفسيرات الفلسفية لـ "في انتظار جودو" صنع مسرحية جديدة ممتنعة عن التفسير بـ "المصطلحات الرمزية أو المجازية". ولكن إن تجاوزت "لعبة النهاية" التفسير العقلي الدقيق، فهذا لا يعني أنها لا تتواصل بطريقة قوية ومؤثرة. أثنى الفيلسوف والناقد الألماني تيودور آدورنو على المسرحية، ربما في أشهر مقال عنها، لأنها وضعت "الدراما في مواجهة الأنطولوجيا"، لمسرحة الموقف غير المفهوم وغير المترجم في لغة العقل والمفاهيم: "فهم (لعبة النهاية) يمكن فقط أن يكون فهما لسبب كونها غير مفهومة، تعيد بناء المعنى المتسق بقوة من خلال عدم اتساقها"[11]. المسرحية تظهر نقص المعنى بدلا من التأكيد على المعنى. هذا هو السبب الذي جعل أدورنو يعتبر المسرحية أقوى من الفلسفة الوجودية التي يُنسَب لها بيكيت أحيانا. في الفلسفة المجردة، ما نفهمه يحدث فقط على مستوى التعقيد والأفكار. تتمسك "لعبة النهاية" بمستويات أكثر عمقا وظلامية للتجربة والحدس.

هذا لا يعني ببساطة أن المسرحية يجب أن تُختَبَر، ولا يمكن أن تُفَسَّر أو تًحَلَّل. إنها تشير إلى أنه يجب الحفاظ على التطهر النقدي، والاهتمام  بالمعاني المختبئة التي تشرح المسرحية. بيكيت كما رأينا رفض أن يقدم تأويلا من أي نوع لـ "لعبة النهاية"، وبدلا من ذلك يصر على "البساطة المفرطة للموقف والوضع الدرامي" (D 109). ولكن في بعض الأوقات يمكن لـ "البساطة" أن تكون متهربة لكونها منطوقات معقدة وعليمة. كل منها تعيق توقعات الألفة. ورغم أخطار "الصداع وسط الأصوات العالية"، ربما يساعدنا  أن نوضح السمات المُحَدِّدة التي يمكن أن نصف بها "لعبة النهاية"، ومكان المسرحية وسط مساحات التجربة الإنسانية. من الواضح تماما أن المسرحية مثلها مثل "في انتظار جودو" تستمد الطاقة الدرامية من العلاقات الإنسانية الخاصة. ولكن شعور الرفقة الذي كان واضحا في المسرحية الأبكر، ذلك اللطف بين الشخصيتين الرئيسيتين، يصعب وجوده هنا. وإن كان موجودا، فهو موجود في العلاقة بين ناج ونيل. فعن طريق شهية ناج المفتوحة – "الرفيقان القديمان في البيت! لم يعد هناك تهذيب! سِفّ، سِفّ، هذا كل ما يفكران فيه" (15) – تصل علاقته بنيل إلى حميمية أكبر من كل الآخرين. يتحدثان بلطف مع بعضهما ويحتفظ ناج ببعض البسكويت ليتقاسمه مع نيل، على الرغم من أنها تشرد في أحلام يقظتها التي تدور حول الأوقات التي قضياها على بحيرة كومو. يمكن أن نعتبر ناج هو إستراجون العجوز، مهتم بـ "رَضْعَته" وحلواه مثلما يهتم إستراجون بجزرته وعظام الدجاج، بينما نيل الأكثر تشاؤما وعقلانية، وذاكرتها حاضرة أكثر من زوجها، أشبه بفلاديمير: "لم الهزل، يوما بعد يوم؟" (18). في مقابل ذلك فالعلاقة بين هام وكلوف يمكن أن تقارن بالعلاقة بين بوتسو ولاكي. يشترك هام في الكثير مع بوتسو: حديثه الطنان الذي يسعى لتلقي الاهتمام، قدرته على ممارسة القسوة، حساسيته واحتياجه للطمأنة، شاعريته المدعية. كلوف، صريح أكثر من لاكي في التعبير عن قرفه من دوره في العالم، وإن كان بشكل فظ أحيانا، ولكنه يبدو أيضا أن هناك نوعا من الرابطة بينه وبين هام. إنها علاقة سيد-عبد مبنية على الاحتياج المشترك، ولكنها أيضا شَرَك مشترك: يجيب كلوف على قول هام "لقد ظننت أنني طلبت منك أن تغادر"، قائلا: "أنا أحاول. (يتوجه إلى الباب، ويتوقف).منذ ولدت". (17-18). كلوف غاضب وممزق من هام (كلمة "كلوف" قريبة من كلمة clou، الكلمة الفرنسية التي تعني "مسمار"، و"هام" قريبة من “hammer"  مطرقة")، ولكن في الوقت نفسه هو قادر على خدمته. عندما يدعى كلوف أن الكلب يقف من أجل هام، فالأمر أشبه وكأنه أب يسعى لتهدئة هام الطفل.

رغم كل العداء بين هام وكلوف، ومع الاختلاف في دورهما وشخصيتيهما، فلديهما شيء واحد مشترك؛ الاثنان يعانيان. تعكس الجمل الأولى لهما تمزقهما: "كلوف: لا يمكن أن أعاقَب أكثر من ذلك"؛ "هام: هل يمكن أن يكون هناك بؤس – (يتثاءب) – أسمى من بؤسي؟". التثاؤب هنا، الذي يدل على الضجر والإنهاك، يناقض أغراض جلال كلمة "أسمى". إنها أول إشارة للخلط الحريص بين المتضخم والمتقلص، بين الطنان والتافه. بشكل مشابه يتحرك فعل المسرحية نحو نهاية ذروية منتظرة منذ وقت طويل بينما يتحرك هذا الفعل في الوقت نفسه بداخل الروتين البشع للحياة اليومية. التوقع في هذه المسرحية، والذي يواجه الضجر والفراغ في الفعل المسرحي، ليس متوجها نحو الوصول اليوتوبي المؤجل دوما للمخلص، ولكنه موجه بشكل أكثر سوداوية نحو الارتياح للوصول إلى نهاية أو ختام. مثلها مثل "في انتظار جودو" هناك مزج أو صراع بين "الزمن" كمصدر للتحلل والنضوب و"الزمن" كمصدر للتكرار والوقوع في الشراك. أي الزمن كمصدر للتغيير والفقد والزمن كشيء دائري، الروتين الذي تتحرك الشخصيات من خلاله، الذي يصنع أيضا إيماءة ما وراء مسرحية نحو تكرار العرض المسرحي ليلة بعد ليلة. التقلص والفقد هنا مختلطان بالركود والجمود. لأن مع كل وعود النهاية، وكل دلائل التحلل الجسدي، ينتهي هام بأن يضع منديلا على وجهه بنفس الطريقة التي بدأ بها المسرحية (الكلمة الأخيرة في المسرحية هي "يبقى") ويبدو كلوف غير قادر على ترك خشبة المسرح.

تمثيل التردد في الزمن يمضي إلى جانب الموقف المتردد للفقدان والانتهاء. نعرف أنه لم تعد هناك دراجات، لم تعد هناك مصابيح زيتية، لم يعد هناك "بسكويت" أو حلوى أو ملبن لناج، لا مسكنات أخرى لهام. هناك نوستالجيا أكبر في هذه المسرحية. نوستالجيا مكثفة أكثر من "في انتظار جودو". الشخصيات مهتمة بما فقدته بالفعل، فيتذكر ناج ونيل شبابهما المرح، ويفكر هام في "كل هؤلاء الذين ربما ساعدتهم". بالتالي فالحطام والتحلل يبدوا أنهما يضاعفان معاناتهم، هم يشتاقون للماضي عندما كان العالم يقدم الإمكانيات والتجارب. تقول نيل منتحبة "آه، الأمس!". بالطبع هذا المستوي من النوستالجيا الذي يغطي تلك الذكريات يحمل سمتا مغاليا وهزليا. هذا يشير إلى أن الذاكرة الإرادية مشوهة أصلا مثلما هي دوما عند بيكيت، وتعتمد على احتياجات الحاضر أكثر من تجارب الماضي الحقيقية. ومع ذلك فالاهتمام بالفقدان أو السقوط من نوع ما، سواء كان واقعيا أو متخيلا، يواجه بألم بالحاضر المحطم، هذا الذي يضفي على المسرحية سمة تراجيدية أكثر من في "انتظار جودو". ولكن نوع من التراجيديا المتأخرة والمرهقة، نندمج في الفعل فيها بعد أن يتم الفقدان وينقطع حس الشفقة فيها عن طريق الهزل، بل والأهم عن طريق قلب نسق-القيم الذي تتطلبه التراجيديا. إلى جانب النوستالجيا تجاه العالم الضائع هناك رضا يتحطم، ووضع الحياة المثير للأسف يمضي إلى النهاية. فقدان تلك الأشياء يسبب الألم، مثلما أن التحلل الجسدي الذي يتوقعه هام لكلوف – عندما سيفقد بصره ويصير واهنا مثل هام نفسه -  هو احتمال بشع. ولكن في الوقت نفسه، مثله مثل هام وكلوف يشتاق للنهاية، ويصير الاستنزاف والضمور مرحب بهما. إنهما يشيران إلى النهاية وهذا يحقق ارتياحا محببا. يندب كلوف: "هناك العديد من الأشياء البشعة". ويجيب هام بثقة: "لا، لا، لم يعد هناك الكثير منها الآن" (33). وكأن الألم والتعذيب لم يبق منهما الكثير، يظل دافع النهاية الممتدة مستمرا. هذا العالم سيء جدا لدرجة أن نهايته مرحب بها. بالتالي يكرر هام استخدام كلمة "جيد" في نهاية المسرحية عندما بدا أن كلوف غادر، (لم يكن قد غادر) ويظل هام وحيدا بائسا.

أحد الجوانب الذي يبدو منها أن الحديث عن "الانتهاء" ملائم بشكل مؤكد هو العناصر ما وراء المسرحية في النص، الإشارات التي تدل على حقيقة أنها مسرحية. في نقاط بعينها يصير ذلك واضحا تماما، مثل وصف كلوف الساخر للجمهور. يوجه تلسكوبه نحوهم ويقول: "أرى... حشد... في لحظة التأثر... بالبهجة (صمت) هذا ما أطلق عليه مكبر" (25). تلك العناصر ما وراء المسرحية أكثر هيستيرية من "في انتظار جودو"، خاصة بسبب أنها تجيء من هام المستعرض والأدائي. مثلهما مثل إستراجون وفلاديمير، يطرح هام وكلوف أحكامهما في حوارهما – "هذا عمل بطيء" أو "نحن نواصل" – ولكن هناك إحالات أكثر عمومية في اللغة المسرحية. على سبيل المثال عندما يهدد كلوف بالمغادرة ويسأل هام عن السبب الذي يجبره على البقاء، يجيب هام "الحوار" (39). الأكثر وضوحا هو توبيخ هام الغاضب لكلوف لأنه أجاب على "حواره الجانبي"، وبالتالي عدم احترامه للتقليد المسرحي المتعلق بالحوار الجانبي والمناجاة حيث تتظاهر شخصيات المسرحية الأخرى الواقفة على الخشبة أنها لا تسمعه: "حوار جانبي يا قرد! ألم تسمع حوارا جانبيا من قبل؟ (صمت) أنا أستعد لمناجاتي الأخيرة". (49)

على هذا المستوى، كل الحديث عن "الإنهاء" و"الختام" يشير أيضا إلى الأدوار التي يلعبونها. حقيقة أنهم يريدون الانتهاء بشدة تدعم الثيمة البيكيتة المألوفة إذ يصبح الخطاب والفعل المسرحي نوعا من التعذيب. من جهة هذا يجعل الشخصيات مشغولة، وبالتالي محمية مؤقتا (فكر في الطريقة التي يحب بها هام أن يروي بها قصته)؛ من جهة أخرى تتجلى الأشياء المثيرة للأسف – التظاهر، "الوقوع في الشرك" (بمعنى الاستمرار في الأدوار المعدة مسبقا) والتكرار الأساسي في التمثيل-المسرحي والذي يمتزج مع الضجر والقلق الوجودي بشكل عام: "لم هذا الهزل يوما بعد يوم؟" كما تشير نيل وكلوف. مجددا، مثلها مثل "في انتظار جودو" لا تشير العناصر ما وراء المسرحية البارعة في "لعبة النهاية" إلى المسرح فقط كمسرح، فهي تُظهِر في الوقت نفسه الجوانب الأدائية والمكررة والمسرحية في الحياة اليومية.

تقنية ما وراء مسرحية أخرى في "لعبة النهاية" هي السخرية من اللغة المسرحية المتكلفة. شذرات المناجاة المتشائمة التي ظهرت في مسرحية "في انتظار جودو" لم تتجاوز في "لعبة النهاية" السخرية اللاذعة من كفاح هام نحو التفاصح. لأن كل طموحاته تسعى إلى البؤس السامي، هام بطل تراجيدي منهك من الشاعرية، مثلما أن اسمه هو نسخة مبتورة من هاملت، أشهر بطل تراجيدي على الإطلاق. تتلاشى اللغة المسرحية بسرعة، مثل المسكنات وكل شيء آخر في المسرحية. كل ما يتبقى هو خطابته الفارغة وإلقاءاته غير المحبوكة. هناك الكثير من الكفاح الساعي إلى الحس الرزين، خاصة في محاولة هام لحكي تاريخه للجمهور غير المرحب بذلك، ولكن لا دلالة كبيرة خلف الكلام الطنان. 

"القليل من الشعر (صمت). لقد صليت – (صمت، يصحح نفسه) لقد بكيت طوال الليل؛ إنه يجيء – (صمت، يصحح لنفسه) إنه يسقط: يبكي الآن في الظلام. (يكرر، ينشد) لقد بكيت طويل الليل؛ إنه يسقط: والآن يبكي في الظلام. (صمت) هذا مصاغ جيدا. (صمت)". (52)

هام هنا هو "هام" الممثل، الذي يمد من دوره ويضفي على جمله المتعبة دلالة ثقيلة لا تستحقها. اللغة الطنانة تتقلص على الفور عن بسبب الجسداني والمقرف واليومي: "غضبي يتراجع، أريد أن أبول" (22). الفصاحة أو العظمة الأدبية، كالجمال الطبيعي، لم تعد متاحة في هذا العمل. محاولات هام المتكلفة لاستعادتها تشير ببساطة إلى غيابها. ولكن أدائه يؤكد أيضا على وقتية وهشاشة سيطرته على الآخرين، ومن ضمنهم الشخص الموجود في يومياته الذي جاء ليساعده. عادة عندما يعرض بيكيت علاقات السلطة المستغلة (بوتسو ولاكي مثال آخر) تنتزع طبيعية الشخصيات عن طريق تكثيف العنصر الأدائي فيها. الأدوار الاجتماعية والهيراركيات السياسية تنفك عندما تظهر لتكون موضوع "المسرحية" أو الأداء أكثر من سؤال الهوية المقررة سلفا والتي لا يمكن التهرب منها. ربما يكون بوتسو في مكان لاكي، كما يعرف هو، إن أراد الحظ هذا.

التسامي الذي يطمح له هام يجعل التقليد الأدبي يبدو مستهلكا ومجردا. ربما هذا هو سبب بعض الإحالات المتناصة في المسرحية، مع شكسبير بشكل خاص. "مملكتي مقابل حارس ليلي!" (22) هذا يحيل إلى الطلب الشهير في مسرحية شكسبير "ريتشارد الثالث": "مملكتي مقابل حصان" (V, iv, 7). توبيخ كلوف العنيف لهام: "أنا أستخدم الكلمات التي علمتها لي، إن لم تعد تعني شيئا، علمني كلمات أخرى، أو دعني أصمت". (32)، يردد صدى كلمات كاليبان لبروسبيرو في مسرحية شكسبير "العاصفة": "لقد علمتني اللغة وقد أفادتني في كوني عرفت كيف ألعن: فليصبك الطاعون الأحمر لأنك علمتني اللغة!" (I, ii, 365–7). قول هام "لقد انتهى احتفالنا الآن" (39) مقتبس بالضبط من بروسبيرو في المسرحية نفسها (IV,i, 148). مع معرفتنا بفشل هام في الوصول إلى الفصاحة وإلى الرفض العام لكل من الوضوح الموضوعي والعمق الفلسفي في المسرحية، فالإحالات إلى شكسبير تشير إلى الغياب. عندما تعرى الملك لير وواجه العاصفة في الأرض القفر، في لحظة تطرف أولية ومجردة تعتبر أحيانا شبيهة بأسلوب بيكيت، فهو على الأقل استطاع أن يهجو العناية الإلهية بشكل معبر وذو رؤية. لا توجد مثل هذه الميزة في "لعبة النهاية"، وبالتالي فالاقتباسات الشكسبيرية التي تطفو في هذا النص هي أشبه بحطام وبقايا التقليد الأدبي. إنها تشير إلى فقدان آخر.

بروسبيرو في "العاصفة" قادر على التحكم في الأحداث على جزيرته، إلى أن تضيع قواه السحرية مع نهاية المسرحية. في "لعبة النهاية" قوة الإرادة الإنسانية بعيدة عن أن تكون سحرية، مقيدة بشكل كبير، ويغزوها الحس العام بالوقوع في الشرك. هذا ربما يظهر بأوضح شكل في الإعاقات الجسدية للشخصيات الأربع، ولكنه متضمن بالقدر نفسه في الحس العام للحتمية الذي يسيطر على المسرحية. بكلمات أخرى، الشخصيات ليست مقيدة فقط بشيء دائري – ولا حتى كلوف المتحرك الذي يبدو قادرا على المغادرة – ولكن بشيء مؤقت وزائل. كما أشار بالفعل: "شيء يسير في مداره"، وهو التحفظ الرئيسي. هناك شعور آلي وميكانيكي في الحركات على المسرح، يتجلى في الاهتمام بالدقة والنمطية، على سبيل المثال هوس هام بإيجاده المركز الدقيق للغرفة. هذه واحدة من الطرق التي تعمل فيها الإحالة إلى لعبة الشطرنج. يبدو الفعل مجردا من الإرادة الإنسانية، الشخصيات هنا هي قطع شطرنج تحركها قوى خارج التحكم.

"كلوف: افعل هذا وافعل ذاك، وأفعله. لا أرفض أبدا، لم؟
هام: لست قادرا على ذلك.
كلوف: قريبا لن أفعل ذلك في ما بعد.
هام: لن تكون قادرا على ذلك في ما بعد".

الإرادة الإنسانية تتراجع وتقع تحت وطأة النمط الحتمي. وكون أفعال الشخصيات معدة مسبقا يشير بشكل واضح إلى الحقيقة المسرحية بأن ما يجري هو عرض مسرحي معتمد على نص مكتوب مسبقا. ولكنه ربما متخذ أيضا من مقاربة موضوعية وفلسفية للحتمية. اعترف بيكيت أنه يجد السرديات الحتمية عن الحياة مقنعة أكثر من غير الحتمية. إدراكه بأنه هناك بنى تتحكم في السلوك الإنساني، وتحد من حريته، تضعه في موضع مختلف عن الوجوديين. وافق متحمسا على اعتراضات كاتب سيرته الذاتية جيمس نولسون على التأكيد الوجودي للحرية الإنسانية غير المقيدة، قائلا أنه وجد: "الحدود الحقيقية على حرية الإنسان في الفعل (جيناته، نشأته، ظروفه الاجتماعية) مقنعة أكثر من الحرية النظرية التي يؤكد عليها سارتر"[12]. سواء كنا ناتج للطبيعة (الجينات، الحتمية البيولوجية) أو النشأة (الظرف الاجتماعي، التربية، الأيدولوجيا)، يميل بيكيت أكثر إلى فكرة أن الفعل الإنساني تسيطر عليه الأنساق والبنى الحدية أكثر من ميله لفكرة كوننا نتحكم بشكل كبير على سلوكنا. مثل هذه النظرة تتجلى في السمات الميكانيكية الحتمية الباردة في "لعبة النهاية".

ربما هذا يشرح أيضا الموقف تجاه "الطبيعة" في هذه المسرحية. الارتياح وسط الجمال الطبيعي قليل في "في انتظار جودو" عادة ما يستعاد فحسب في الذكريات المتعلقة بالحياة المبكرة. ولكن على الأقل ظهرت بعض أوراق الشجر في الفصل الثاني. يحب هام أن يحلم بالطبيعة؛ عادة ما يشتاق للبديل الرعوي على حساب الكآبة الصحرواية التي يعيش فيها. في بعض الأحيان تكون استعادته للجمال الطبيعي حيوية وجذابة. فكرته هي الفكرة الرومانسية عن الطبيعة كـ "أم"، الضامن للأصالة والراحة. إن كان بإمكانه النوم سيكون باستطاعته "أن أذهب إلى الغابة. عيناي ستريان... السماء، الأرض، سأجري، أجري، ولن يلحقوني. (صمت) الطبيعة!". (19). الغابة الوحيدة المتبقية الآن موجودة في أحلام هام. في حين أن صندوقي القمامة الخاصين بناج ونيل ممتلئان بنشارة الخشب، فعليهما من الآن أن يعتمدا على الرمال. ولكن هام يأمل أن تستمر الطبيعة في مكان آخر. يسأل كلوف: "هل فكرت أبدا في شيء ما؟ أننا هنا في عمق حفرة. (صمت) ولكن وراء التلال؟ اسمع؟ ربما ما زال هناك لون أخضر. أليس كذلك؟ (صمت) فلورا! بومونا! (بنشوة) سيريس! (صمت) ربما لن تكون بحاجة إلى أن تذهب بعيدا جدا". سخاء الطبيعة يبهج هام، ويمثل غيابها  جزءا من عذابه (وهو يشتاق إليها حتى النهاية).

ولكن إن لم تعد هناك منتجات للطبيعة، فعملياتها ما زالت مستمرة، وهي جزء من العالم الحتمي المتدهور التي تقع الشخصيات في شراكه:

"هام: الطبيعة نستنا.
كلوف: لم تعد هناك طبيعة.
هام: لم تعد هناك طبيعة! أنت تبالغ.
كلوف: في الجوار.
هام: ولكننا نتنفس، نتغير! نفقد شعرنا! أسناننا! نموّنا! مُثُلنا!
كلوف: إذن هي لم تنسنا.
هام: ولكنك تقول إنها لم تعد موجودة.
كلوف: (بحزن) لا يوجد  أحد يفكر مثلنا بهذه الطريقة الملتوية".

العزاء الرعوي انتهى، ولكن الهدم الأعمى للتغيير والتحلل الطبيعي لم ينتهيا. إنهما الأسوأ في كل من العالمين، الطبيعي و"ما بعد" الطبيعي. محاولات كلوف لإلقاء بذور النهاية على الفشل، ربما هي رمز لعدم جدوى التحكم الإنساني في العالم الطبيعي. الطبيعة عشوائية وعمياء، مصدر الكفاح المستمر مع غرض أو غاية غير واضحة، حتمية بدون غائية، مثلما ذكر داروين عن الانتقاء الطبيعي على أنه كفاح بلا هدف. هذا هو سبب أن إمكانية التطور الذي يتكرر مزعجة جدا. في البداية، يظهر برغوث أو قملة في بنطلون كلوف. يقول هام: "ولكن ربما تبدأ الإنسانية مجددا من هنا! اقض عليه، إكراما لله!" (27). يكافح من أجل قتله بمبيد حشري، ولكن يدرك أنه من الممكن أن يكون "متظاهرا بالموت". لاحقا، يظهر فأر في المطبخ، يتهرب من مجهودات كلوف لإبادته. وفي النهاية، بالقرب من الختام، يرى كلوف صبي بتلسكوبه، "ذُرِّية كامنة" (50). رأى كلوف التطور يتحرك من البرغوث إلى الفأر إلى الصبي، هذا تحديدا ما يخاف منه هام.

العالم الذي يفنى فيه أي أثر للحياة الجديدة، ومن ضمنها المتعلقة بطفل صغير، ليس عالما يعتنق الأخلاق المعروفة مسبقا. "في "لعبة النهاية" تتجاوز عمليات السلب القيم التقليدية. فعل الانتهاك الأعلى هو إعادة الإنتاج، يصرخ هام في أبيه: "السلف الملعون" (15). هذه بالتأكيد مسرحية عن "الفقد"، ولكن إن كان للفقد أي دلالة فهي تتعلق بشيء مقدر وذو قيمة. فقدان المتبقي، أو أي شيء ما زال متاحا، لن يؤدي إلى الوصول لدلالة، دعك من الوصول لسمو تراجيدي. في "لعبة النهاية" يظل الأبوين في سلال القمامة وموت الأم يكاد لا يذكر. وكأن "القيمة" نفسها، إلى جانب كل المواد الممكنة مثل المسكنات والملبن، تعاني من عملية الاستهلاك. هناك بالتأكيد مستويات من السخرية والكوميديا السوداء في وصف موقف هام تجاه أبويه (وفي الحقيقة هناك في رعب تصور التطور الذي يتجدد). ولكن هناك أيضا رفض صادم ومخرب بقوة لقيم الحياة والأسرة و"التطور".. إلخ. الدراما البرجوازية الداخلية التقليدية تقدس وتحتفي بالعلاقات الأسرية. حتى لو تلك العلاقات تحطمت أو انتهت بالبؤس، إنها عرف يضفي الفعل الدرامي عليه المعنى. عندما تضيع هذه القيمة نفسها إلى جانب كل شيء آخر، كما هو الحال في "لعبة النهاية"، فالمعنى النهائي للسلب والإبادة يأخذنا إلى مملكة خلف أو وراء التراجيديا. إن كان المصطلح التراجيدي التقليدي الذي تسعى إليه المسرحية ("بؤس أسمى من بؤسي") يفصح عن قيم الفقدان التراجيدي، فهذه المسرحية تنتقل إلى استنفاذ راديكالي أكبر يفصح عن ضياع القيم التراجيدية.




[10] S. E. Gontarski (ed. and notes), The Theatrical Notebooks of Samuel Beckett, vol. II: Endgame (London: Faber and Faber, 1992), p. 61.
[11] Theodor Adorno, ‘Towards an Understanding of Endgame’, trans. Samuel M. Weber, in Bell Gale Chevigny (ed.), Twentieth-Century Interpretations of ‘Endgame’ (Englewood CliVs, NJ: Prentice-Hall, 1969), p. 84.
[12] Knowlson and Haynes, Images of Beckett, p. 18.

0 comments: