المختفي - سلمان رشدي (1-2)

الجمعة, سبتمبر 21, 2012 0 Comments ,

المختفي.. كيف غيرت الفتوى حياة كاتب (1-2)
سلمان رشدي

ت: أمير زكي
سبتمبر 2012

***

1989

بعد ذلك، عندما كان العالم يتفجر من حوله، شعر بالضيق من نفسه لأنه نسى اسم مراسلة البي بي سي التي أخبرته أن حياته السابقة انتهت، ووجود جديد أكثر إظلاما على وشك البدء. اتصلت به في بيته، على تليفونه الخاص، بدون أن تشرح كيف حصلت على الرقم. سألته: "ما الذي تشعر به عندما تعرف أنك حُكِم عليك بالموت من قبل آية الله الخميني؟" كان ثلاثاء مشمسا في لندن، ولكن السؤال أخفى الضوء. هذا هو ما قاله، بدون أن يعرف حقا ما يقوله: "هذا لا يبدو أمرا جيدا"، هذا هو ما فكر فيه: أنا رجل ميت. فكر كم يوما متبقيا له، وخمن أن الإجابة غالبا ستتكون من رقم واحد. وضع التليفون وجرى السلالم من غرفة مكتبه في قمة أحد المنازل المصفوفة بإيزنجلتون الضيقة حيث كان يعيش. نوافذ غرفة المعيشة كان لها مصاريع خشبية، وبشكل عبثي أغلقها بإحكام، ثم أغلق الباب الأمامي.

كان يوم الفالنتاين، ولكنه لم يكن متفاهما مع زوجته، الروائية الأمريكية ماريان ويجينز. قبلها بخمسة أيام، كانت قد أخبرته إنها غير سعيدة في الزواج، وأنها "لم تعد تحس بشعور طيب وهي معه"، وعلى الرغم من أنهما لم يكونا متزوجين سوى من عام واحد، إلا أنه أيضا كان يعرف مسبقا أن هذا الزواج كان خطأ. هي تحدق فيه الآن وهو يتحرك بعصبية في المنزل، يسدل الستائر، يتحقق من ترابيس النافذة، جسده مصعوق من الأخبار، وكأن تيار كهربائي يمر بداخله، وكان عليه أن يشرح لها ما الذي يحدث. تصرفت بشكل جيد وبدأت تناقش ما عليهما أن يفعلاه، استخدمت كلمة "نحن"، هذا كان شجاعا.

سيارة وصلت إلى المنزل، بُعثت بواسطة تلفزيون سي بي إس؛ كان لديه موعد في استوديوهات الشبكة التلفزيونية الأمريكية؛ في مبنى بواتر هاوس، بنايتسبريدج، ليظهر على الهواء في برنامجهم الصباحي عن طريق اتصال بالساتلايت. قال: "عليّ أن أذهب، إنه برنامج على الهواء، لا أستطيع فجأة أن لا أظهر".

في وقت آخر من الصباح، ستجري خدمة تخص ذكرى صديقه بروس شاتوين؛ الذي توفى من الإيدز، وذلك في الكنيسة الأورثوذكسية اليونانية في طريق موسكو، في بايزووتر. سألته زوجته: "ماذا عن الخدمة؟". لم يكن لديه إجابة لها، فتح الباب الأمامي، خرج، ركب السيارة، وتمت قيادته. على الرغم أنه لم يكن ليعرف ذلك وقتها – فلحظة تركه للمنزل لم تبد مشحونة بمعنى ما بشكل غير عادي – إلا أنه لن يعود إلى هذا المنزل - رقم 41 بشارع بيتر، والذي كان منزله لنصف عقد - قبل ثلاثة سنوات، وفي هذا الوقت لن يكون منزله.

في سي بي إس، كان الخبر الرئيسي في اليوم، الناس في غرفة الأخبار على شاشات متعددة كانوا فعليا يستخدمون الكلمة التي ستصبح قريبا معلقة على رقبته كالنير "فتوى":

"أُعلم كل الشعب المسلم الفخور في العالم أن مؤلف كتاب (آيات شيطانية)، المضاد للإسلام، وللنبي وللقرآن، وكل المتورطين في نشره والعارفين بمحتواه، محكوم عليهم بالموت. أطالب كل المسلمين بتنفيذ الحكم عليهم في أي مكان يجدونهم فيه".

أحدهم أعطاه نسخة مطبوعة من النص أثناء مرافقته إلى الأستوديو من أجل اللقاء. ذاته السابقة أرادت أن تناقش كلمتي "محكوم عليه"؛ فهذا ليس حكما تم في أي محكمة يعرفها، أو في دائرة يخضع لها، ولكنه أيضا يعرف أن عادات ذاته القديمة لم تعد مفيدة الآن، لقد أصبح ذاتا جديدة الآن، أصبح شخصا في عين العاصفة، لم يعد "سلمان" الذي عرفه أصدقاءه، ولكن "رشدي" مؤلف "آيات شيطانية"؛ العنوان الذي تم تشويهه بحذق بحذف التعريف "ال". "الآيات الشيطانية" كانت رواية، "آيات شيطانية" كانت آيات شيطانية، وهو كان مؤلفها الشيطاني. كم كان من السهل أن تمحو ماضي شخص لتصنع نسخة جديدة منه، نسخة متطرفة، ويبدو أنه من المستحيل مقاومتها.

نظر إلى الصحفيين وهم يحدقون فيه، وتساءل هل هذه هي الطريقة التي ينظر بها الناس إلى من سيؤخذ إلى المشنقة أو الكرسي الكهربائي. أحد المراسلين الأجانب جاء إليه ليكون ودودا، سأل المراسل ما الذي عليه أن يفعله في مواجهة تصريح الخميني؛ هل هو مجرد زخرفة بلاغية أم أنه أمر خطير حقا؟ قال الصحفي: "أوه، لا تقلق كثيرا، إن الخميني يحكم على رئيس الولايات المتحدة بالموت كل ظهر جمعة".

على الهواء، عندما سؤل عن رده على التهديد، قال: "أتمنى لو كنت كتبت كتابا أكثر انتقادا". كان فخورا، ساعتها ودائما، لأنه قال هذا، لقد كانت الحقيقة، هو لم يشعر بأن كتابه نقديا تجاه الإسلام بشكل خاص، ولكن، كما قال للتلفزيون الأمريكي هذا الصباح، الدين الذي يتصرف قادته بهذه الطريقة يمكنه بشكل محتمل أن يستعين بالقليل من النقد.

عندما انتهت المقابلة، قيل له إن زوجته اتصلت، اتصل بالمنزل، قالت: "لا تعود هنا، فيوجد مائتي صحفي ينتظرونك على جانبي الطريق".

قال: "سأذهب إلى الوكالة، حضّري حقيبة وقابليني هناك".

وكالته الأدبية؛ "وايلي إيكن وستون"، تقع مكاتبها في مبني مُمحر باللأبيض في طريق فيرنشو في تشيلسي. لم يكن هناك صحفيين معسكرين بالخارج – في الحقيقة فالصحافة لم تتوقع أنه سيزور وكيله في مثل هذا اليوم – ولكن عندما دخل كان كل تليفون في المبنى يرن وكل مكالمة كانت عنه. جيلون إيكن، وكيله البريطاني نظر له باندهاش.

وجد أنه غير قادر على التفكير فيما سيفعله، لأنه لم تعد لديه فكرة عما سيكون شكل حياته، هو كان باستطاعته أن يفكر فقط في الحالي والحالي هو الخدمة الكنسية المتعلقة ببروس شاتوين. قال جيلون: "عزيزي، هل تعتقد أنه عليك أن تذهب؟" بروس كان صديقه المقرب. قال: "اللعنة على ذلك، هيا بنا نذهب".

وصلت ماريان ونظرة مضطربة خفيفة على وجهها، منزعجة من كون المصورين قد تجمهروا حولها عندما تركت المنزل. لم تقل الكثير، ولا هم أيضا. ركبوا السيارة؛ ساب سوداء، وقادها على الطريق نحو بايزووتر، مع جيلون، وتعبيراته القلقة وجسده المنهك الطويل يملآن المقعد الخلفي.

أمه وأختى الصغرى تعيشان في كراتشي، في باكستان، ما الذي سيحدث لهما؟ أخته الوسطى، المنفصلة من مدة طويلة عن الأسرة، تعيش في بيركلي، كاليفورنيا. هل ستكون آمنة هناك؟ أخته الكبرى، سامين، "توأمه الأيرلندي" كانت تعيش في ويمبلي مع أسرتها، ليست بعيدة عن الاستاد. ما الذي يمكن فعله لحمايتهم. ابنه، ظفر، فقط يبلغ تسع سنوات وثمانية شهور، كان مع أمه، كلاريسا، في منزلهما بالقرب من كليسولد بارك. في هذه اللحظة، يبدو عيد ميلاد ظفر العاشر بعيدا، بعيدا جدا.

الخدمة كانت بكاتدرائية القديسة صوفيا لأرشدوقية ثياتيرا وبريطانيا العظمى، مبنية ومزخرفة بأبهة من مائة وعشرة عاما مضت لتشبه واحدة من كبرى الكاتدرائيات في بيزنطة القديمة، الخدمة كانت باليونانية الغامضة الطنانة: بلا بلا بلا بروس شاتوين، يرتل القسس: بلا بلا بلا، شاتوين، بلا بلا بلا، يقومون، يجلسون، يركعون، يقفون، ثم يجلسون مرة أخرى، الجو كان ممتليء برائحة الدخان المقدس الكريه.

هو وماريان كانا يجلسان بجانب مارتن أميس وزوجته أنتونيا فيليبس. قال مارتين: نحن قلقون عليك"، وعانقه، أجابه: "أنا قلق على نفسي". بلا شاتوين، بلا بروس بلا. بول ثيرو كان يجلس على دكة خلفه، يقول له: "أعتقد أننا سنكون هنا من أجلك الأسبوع القادم يا سلمان".

كان هناك مجموعة من المصورين على جانبي الطريق بالخارج عندما وصل، الكتاب عادة لا يثيرون اهتمام مصوري الباباراتسي، على أي حال فأثناء الخدمة بدأ المصورون دخول الكنيسة، وعندما انتهت تقدموا نحوه، جيلون، وماريان ومارتين حاولوا أن يمنعوهم، صحفي عنيد رمادي (بدلة رمادية، شعر رمادي، وجه رمادي، صوت رمادي) اخترق الزحام، ودفع جهاز تسجيل تجاهه، وسأله سؤالا واضحا، أجابه: "أنا آسف، أنا هنا من أجل ذكرى صديقي، ليس من الملائم أن أجري حوارات".

قال الصحفي الرمادي وكان يبدو مندهشا: "أنت لا تفهم، أنا من الديلي تليجراف، لقد بعثوني هنا بشكل خاص".

قال: "جيلون، أحتاج إلى مساعدتك".

مال جيلون بطوله الفارع على الصحفي وقال بشدة بصوته الجهوري: "اغرب من هنا".

قال رجل التليجراف: "ليس من المفترض أن تكلمني هكذا، أنا خريج مدرسة عامة[1]".

بعد ذلك كانت هناك كوميديا أكثر؛ عندما خرجنا إلى طريق موسكو، كان الصحفيون يندفعون مثل النحل الذي يتبع ملكته، المصورون كانوا يقفزون على ظهور بعضهم البعض ليصنعوا تلالا متمايلة تقذف أضواء الفلاش. وقف هناك مرتبكا وبلا وجهة، تائها للحظات، لم تكن هناك فرصة لأن يكون قادرا على أن يتجه لسيارته المركونة على بعد مائة ياردة من الطريق، بدون أن تتبعه الكاميرات والميكروفونات والرجال الذين تخرجوا من مختلف أنواع المدارس، والذين تم بعثهم هنا بشكل خاص. أنقذه صديقه آلان يينتوب المخرج والمدير التنفيذي بالبي بي سي؛ سيارة البي بي سي التي تخص آلان كانت تركن في مواجهة الكنيسة، قال: "اركب" ثم قاد السيارة بعيدا عن الصحفيين الصائحين. دارا حول نوتينج هيل لفترة حتى تبدد الزحام بخارج الكنيسة ثم عادا إلى حيث تركن الساب. ركب هو وماريان السيارة وفجأة وجدا نفسيهما وحيدين. سأل: "أين يمكننا أن نذهب"، على الرغم من أن كليهما كان يعرف. ماريان كانت قد أجرت مؤخرا شقة سفلية صغيرة في الركن الجنوب غربي من ميدان لونزديل بإيزلنجتون، ليست بعيدة عن منزل شارع سانت بيتر، استأجرتها ظاهريا كمكان للعمل، ولكن في الحقيقة بسبب التوتر المتنامي بينهما. قليلون جدا من يعرفون بأنها تملك هذه الشقة. ستعطيهما المكان والزمان ليتمالكا نفسيهما ويتخذا القرارات. اتجها إلى إيزلنجتون في صمت، لم يبد أن هناك شيئا ليقولاه.

كان منتصف الظهيرة، وفي هذا اليوم بدت صعوبات زواجهما غير ملائمة للحديث. في هذا اليوم كانت الجموع تسير في شوارع طهران حاملة لافتات عليها وجهه بعينين مفاقأتين، فبدأ وكأنه واحد من جثث فيلم "الطيور"[2] بمحجري عينين مسودتين وملطختين بالدماء ومنقورتين بواسطة الطيور. هذا كان الموضوع اليوم: عيد حبه غير المبهج مع هؤلاء الرجال الملتحين والنسوة الكاسيات وهذا الرجل الكبير المؤذي الذي يحتضر في غرفته، ملقيا أمره الأخير عن نوع من من المجد القاتل.

والآن بعد انتهاء اليوم الدراسي كان عليه أن يرى ظفر. دعا صديقته بولين ملفيل وطلب منها أن تبقى بصحبة ماريان أثناء غيابه. بولين، الممثلة ذات العينين الصافيتين، اللتين تحدقان بوهج، ذات القلب الدافيء والعِرق المختلط، والتي تملك العديد من القصص عن جيانا[3]، كانت جارته في هايبري هيل في بدايات الثمانينيات من القرن الماضي، حضرت فورا وبدون مناقشة، على الرغم من كونه عيد ميلادها.

عندما وصل إلى منزل كلاريسا وظفر، كان البوليس هناك فعليا، "ها أنت ذا" قال الضابط: "كنا نتساءل إلى أين ذهبت".

"ما الذي يحدث يا أبي؟" كان لدى الصبي نظرة على وجهه لم يكن من المفترض أن تكون على وجه طفل في التاسعة من عمره.

قالت كلاريسا بشكل مرح: "كنت أقول له إنه سيتم الاعتناء بك بشكل أفضل حتى تنتهي هذه الضربات، وأن الأمور ستنتهي على خير"، بعدها عانقت زوجها السابق كما لم تعانقه منذ انفصلا من خمس سنوات.

كان الضابط يقول: "نحن نريد أن نعرف ما هي خططك التالية".

فكر قبل الرد. ثم قال في النهاية: "ربما سأذهب إلى البيت"، ولكن الأوضاع المتصلبة للرجل الذي يرتدي زيا رسميا أكدت شكوكه.

"لا يا سيدي، أنا لا أقترح ذلك".

فأخبره - كما عرف دوما أنه سيفعل - عن الشقة السفلية بميدان لونزديل، حيث تنتظره ماريان. "عادة لا أحد يعرف أنه مكان تزوره باستمرار يا سيدي؟"

"لا، أيها الضابط، لا أحد يعرف".

"هذا جيد. عندما تعود يا سيدي لا تخرج مرة أخرى هذه الليلة إن كان هذا يناسبك. هناك لقاءات تحدث، وسوف تُنصح بنتائجها غدا، مبكرا بقدر الإمكان. وحتى هذا الوقت، عليك أن تلزم منزلك".

تحدث إلى ابنه، وقربه منه، مقررا في هذه اللحظة أنه سيخبر الصبي أقصى ما يمكنه إخباره، معطيا حسا إيجابيا لما يحدث بقدر ما يستطيع، فهذه هي الطريقة التي يمكن بها مساعدة ظفر ليتعامل مع الأحداث، بأن يجعله يشعر أنه بداخلها، وأن يقدم له نسخة أبوية يتمسك بها بينما هو يُقصف بالنسخ الأخرى في ساحة المدرسة أو من خلال التلفزيون.

"هل سأراك غدا يا أبي؟"

هز رأسه. "ولكني سأتصل بك" قال له: "سأتصل بك كل مساء في الساعة السابعة، إن لن تكوني هنا"، مخبرا كلاريسا: "من فضلك اتركي لي رسالة على الأنسر ماشين في البيت وأخبريني متى يمكنني الاتصال". هذا كان في بداية عام 1989؛ مصطلحات: "كمبيوتر شخصي"، "لابتوب"، "موبايل"، "إنترنت"، "واي فاي"، "إس إم إس"، "إي ميل" كانت لم تُحدَد أو كانت جديدة تماما. هو لم يكن يملك كمبيوتر أو هاتف محمول، ولكنه كان يملك منزلا، وفي هذا المنزل كان هناك جهاز أنسر ماشين، وكان بإمكانه أن يتصل هناك ويستجوبه، باستخدام جديد لكلمة قديمة، ويحصل على، لا، يسترجع رسائله. كرر: "الساعة السابعة، كل ليلة، حسنا؟"

أومأ ظفر بجدية: "حسنا يا أبي".

قاد السيارة وحده باتجاه البيت، والأخبار في الراديو كلها كانت سيئة، الخميني ليس فقط رجل دين قوي، ولكنه على رأس دولة، ويأمر بقتل مواطن من دولة أخرى، ليس له سلطة عليها، ولكن لديه قتلة تحت خدمته، تم استخدامهم ضد "أعداء" الثورة الإيرانية، بمن فيهم هؤلاء الذين يعيشون خارج إيران. فولتير قال مرة إنها فكرة جيدة للكاتب أن يعيش بالقرب من حدود دولية، فإذا أغضب شخصا نافذا يستطيع أن يعبر الحدود ويبقى آمنا. فولتير نفسه ترك فرنسا متوجها إلى إنجلترا، بعد مهاجمته للأرستقراطي شوفالييه دي رو، وبقى في المنفى لثلاث سنوات تقريبا. ولكن أن تعيش في بلد مختلف عن بلد المضطهِد لم يعد ضامنا للأمان، الآن هناك "أفعال خارجية"، بتعبير آخر هم سيأتون وراءك.

الليل في ميدان لوندزيل كان باردا، مظلما، وصافيا. كان هناك شرطيان في الميدان، عندما نزل من سيارته تظاهرا أنهما لم يلاحظاه، كانا في وضع مراقبة قريب، يراقبان الشارع بالقرب من الشقة لمائة ياردة في كل اتجاه، كان يستطيع أن يسمع وقع أقدامهما حتى وهو بداخل المنزل. أدرك، وسط مساحة وقع الأقدام اللافتة تلك، أنه لم يعد يفهم حياته، أو ما يمكن أن تكون عليه، وفكر، للمرة الثانية يومها، بأنه من الممكن ألا تكون لديه حياة متبقية ليفهم.

ماريان اتجهت إلى السرير مبكرا. اتجه إلى السرير بجانبها، ومالت إليه وتعانقا ببرود، كزوجين غير سعيدين كما كانا، كانا مستلقيين منفصلين كل منهما مع أفكاره، وفشلا في النوم.


1966

كان في السنة الثانية من منهج قراءة التاريخ في كامبريدج عندما عرف عن "الآيات الشيطانية". في الجزء الثاني من ترايبوس[4] التاريخ، كان ينتظر أن يختار ثلاثة "موضوعات متخصصة" من بين اختيارات واسعة معروضة. قرر أن يعمل على التاريخ الهندي أثناء فترة الكفاح ضد البريطانيين، من انتفاضة 1859 حتى يوم الاستقلال في أغسطس 1947؛ القرن المتميز الأول أو ما شابه ذلك في تاريخ الولايات المتحدة، من إعلان الاستقلال حتى نهاية إعادة البناء[5]، والموضوع الثالث وعرض في هذه السنة لأول مرة كان عنوانه "محمد، صعود الإسلام والخلافة المبكرة". كان بإشراف آرثر هيبرت، أستاذ عصر وسيط، عبقري، وكان، وفقا لأساطير الكلية، قد أجاب على أقل أسئلة يعرف عنها في امتحانات التاريخ الخاصة به، بحيث استطاع أن يكمل كل الإجابات في الوقت المخصص.

في بداية العمل معا، هيبرت قدم له نصيحة لن ينساها، قال له: "لا تكتب أبدا تاريخا حتى يكون بإمكانك سماع أصوات الناس". فكر في هذا لسنوات، وأصبحت أشبه بنصيحة إرشادية قيمة أيضا للأدب. إن لم يكن لديك إحساس بالطريقة التي يتكلم بها الناس، فأنت لم تعرفهم بما يكفي، وبالتالي لا تستطيع – ولا عليك – أن تسرد قصتهم. الطريقة التي يتحدث بها الناس، بالجمل القصيرة المختصرة أو الثرثرة الطويلة الممتدة تكشف الكثير عنهم: مكانهم الأصلي، طبقتهم الاجتماعية، طبعهم، إن كانوا هادئين أم غاضبين، حميمين أم باردين، وقحين أم مهذبين، صريحين أم متخابثين، ونعم، بالطبع أخيار أم أشرار. إن كان هذا هو كل ما تعلمه تحت قدمي آرثر فسوف يكون كافيا. ولكنه تعلم أكثر من ذلك، تعلم عالم: وفي هذا العالم ولد واحد من أعظم أديان العالم.

كانوا بدوا بدأوا بالكاد في الاستقرار، مدنهم كانت جديدة، مكة كان عمرها عدة أجيال قليلة. يثرب التي أعيد تسميتها إلى المدينة كانت مجموعة من االخيام حول واحة، بدون حتى سور للمدينة. كانوا لا يزالوا غير مرتاحين في حياتهم المدينية. مجتمع بدوي محافظ، ممتليء بالتقاليد، يقدر رفعة المجموع أكثر بكثير من حرية الفرد، ولكنه كان شاملا أيضا. العالم البدوي كان أموميا، تحت مظلة عائلاته الممتدة حتى الطفل اليتيم كان قادرا على إيجاد الحماية ونوع من الهوية والانتماء. كل هذا كان يتغير. المدينة كانت أبوية، ووحدتها الأسرية المفضلة كانت ذرية. مجموع المحرومين كثر، وأصبح يزداد اضطرابا كل يوم. ولكن مكة كانت ثرية، والكبار الحاكمين فيها كانوا يحبونها بهذه الطريقة. الميراث الآن يسير على الخط الذكوري. وهذا أيضا ما فضلته الأسر الحاكمة.
خارج بوابات المدينة تنتصب معابد لثلاث إلهات؛ اللات، مناة، والعزى، في كل مرة ترحل القوافل التجارية التي تجلب الثراء للمدينة أو تعود بداخلها، تتوقف أمام واحد من المعابد وتقدم قربانا، أو لو استخدمنا اللغة الحديثة، تقدم ضريبة. أغنى الأسر في مكة كانت تسيطر على المعابد، والكثير من ثرائها جاء عن طريق القرابين. الإلهات كُن قلب الاقتصاد في المدينة الجديدة والحضارة المدينية التي تبدأ في التحقق.

بناء يطلق عليه "الكعبة" أو (المكعب) في وسط المدينة، كان مخصص لرب يدعى "الله"، الذي يعني (الإله)، كما أن "اللات" تعني (الإلهة). "الله" كان غير معتاد لأنه غير متخصص؛ هو لم يكن إله المطر أو إله الثراء أو إله الحرب أو إله الحب، هو ببساطة إله كل شيء. هذا الإخفاق في التخصص ربما يشرح عدم شعبيته النسبية. عادة فالناس يقدمون القرابين لأسباب محددة: صحة طفل، مستقبل مشروع تجاري، جفاف، شجار، قصة حب. كانوا يفضلون الألهة الخبراء في مجالاتهم عن هذا الرب غير المتخصص أو المتخصص في كل شيء.

الرجل الذي سينزع "الله" مما يشبه الانغمار هذا سيصبح نبيه – محولا إياه إلى المساوي أو على الأقل المكافيء لإله العهد القديم "أنا هو"[6] وإله العهد الجديد (الثلاثة في واحد) – محمد ابن عبد الله من قبيلة بني هشام. في طفولته مرت عائلته بظروف صعبة، تيتم وعاش في بيت عمه. محمد ابن عبد الله حصل على سمعة كتاجر ماهر ورجل شريف، وفي سن الخامسة والعشرين طلبت منه المرأة الثرية الأكبر منه في السن خديجة الزواج. في الخمسة عشر عاما اللاحقة كان ناجحا في عمله وسعيد في زواجه. على أي حال هو أيضا كان رجل بحاجة إلى العزلة، ولسنوات طويلة قضى أسابيع وهو يعيش كناسك في كهف بغار حراء. عندما وصل سن الأربعين اخترق الملك جبريل عزلته وطلب منه أن يتلو الآيات التي ستشكل في النهاية الكتاب المقدس الجديد "القرآن". بطبيعة الحال محمد اعتقد أنه فقد عقله وهرب، عاد ليسمع ما الذي يريد الملك أن يقوله فقط لأن زوجته وأصدقاءه المقربين أقنعوه أنه ربما الأمر يستحق رحلة عودة إلى الجبل، فقط للتحقق إن كان الله فعلا يحاول أن يتواصل معه.

كان من السهل أن تعجب بالتالي؛ التاجر الذي حول نفسه إلى رسول الله، من السهل أن تتعاطف مع اضطهاده، وأن تحترم تطوره السريع نحو أن يكون مشرع مبجل، وحاكم مقتدر، وقائد عسكري ماهر. روح القرآن، والنظام القيمي الذي يقره كان في جوهره هو التشريع المتلاشي للنظام الأموي، مجتمع أكثر اهتماما، لا يترك الأيتام خارج البيوت في البرد، الأيتام مثل محمد؛ الذي جعله نجاحه كتاجر يعتقد أن عليه أن يحصل على مكان في النظام الحاكم للمدينة، والذي تم رفض ارتقاءه هذا لأنه لم يكن يملك عائلة قوية لتحارب من أجله.

كانت هناك مفارقة مدهشة: العقيدة المحافظة أساسا، والتي تنظر خلفها بإعجاب نحو ثقافة متلاشية، تصبح فكرة ثورية، لأن الناس المنجذبين لها بشكل قوي كانوا هؤلاء المهمشين بسبب التحضير – الفقراء الساخطين، حشود الشوارع، ربما بسبب هذا فالإسلام - هذه الفكرة الجديدة - بدا مهددا جدا للصفوة المكية، وهذا هو السبب في أنه اضطهد بقسوة شديدة، وسبب أن مؤسسه ربما – فقط ربما – عرضت عليه صفقة جذابة صممت لرشوته.

التسجيل التاريخي ليس مكتملا، ولكن معظم التجميعات الرئيسية للأحاديث أو القصص التي تخص حياة النبي – تلك التي جمعت بواسطة ابن اسحق، الواقدي، ابن سعد، والطبري – تستعيد حادثة ستعرف فيما بعد على أنها حادثة "الآيات الشيطانية"[7]. النبي نزل من الجبل في يوم ما وتلا آيات من السورة (أو الفصل) التي ستصبح سورة رقم [8]53،. وكانت تحتوي على هذه الكلمات: "أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى". في لحظة تالية – هل هي أيام أم أسابيع أم شهور – عاد محمد إلى الجبل ونزل، خجلانا، ليعلن أنه خدع في الزيارة السابقة: الشيطان ظهر له متنكرا في صورة رئيس ملائكة، والآيات التي أوحيت له لم تكن بالتالي إلهية بل شيطانية، ولا بد أن تحذف فورا من القرآن. رئيس الملائكة بسبب هذا أوحى بآيات جديدة من الله، حتى تحل محل "الآيات الشيطانية" في الكتاب العظيم: "أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، ألكم الذكر وله الأنثى، تلك إذن قسمة ضيزي، إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان".

وبهذه الطريقة تمت تنقية التلاوة من عمل الشيطان. ولكن يبقى السؤال: لم قبل محمد في البداية هذا الوحي "الزائف" الأول على أنه حقيقة؟ وما الذي حدث لمكة أثناء الفترة ما بين الوحيين، الشيطاني والملائكي؟ هذا الأمر عرف هكذا: محمد أراد أن يُقبل عن طريق أهل مكة: "فكان يتمنى هداهم" هكذا كتب ابن اسحق[9]. وعندما سمع المكيون أنه اعترف بالإلهات الثلاث: "سروا وابتهجوا بشكل عظيم". لم إذن تراجع النبي؟ المؤرخون العربيون (الأكاديمي الأسكتلندي المختص بالإسلام و. مونتجومري وات، والماركسي الفرنسي ماكسيم رودينسون) قدما قراءة محملة سياسيا لهذه القصة؛ معابد الإلهات الثلاث كانت مهمة اقتصاديا بالنسبة للنخبة الحاكمة للمدينة، النخبة التي استبعد منها محمد – بشكل غير عادل في رأيه - لذا فربما يكون هناك اتفاق تم عرضه ليتم شيئا كهذا: إن وافق محمد أو رئيس الملائكة جبريل أو الله، على أن الإلهات يمكن عبادتهن عن طريق أتباع الإسلام – لا كمساوين لله بالطبع ولكن كموجودات ثانوية وأقل منه، مثلا كالملائكة، فهناك بالفعل ملائكة في الإسلام، إذن ما المشكلة في أن نضيف إليهم ثلاثة آخرين، صادف وكانوا رموزا ذوات شعبية ومربحين في مكة؟ - بالتالي فاضطهاد المسلمين سيتوقف، ومحمد نفسه سيتم منحه مكانا في مجلس المدينة الحاكم. وربما رضخ النبي لوقت قصير لهذا الإغراء.

إذن ما الذي حدث؟ هل تملص نبلاء المدينة من الاتفاق، معتقدين أن محمد بمغازلته للشرك قد أنقص من نفسه في عيون أتباعه؟ هل الأتباع رفضوا قبول الوحي المتعلق بالإلهات؟ هل محمد نفسه ندم على الانتقاص من أفكاره عن طريق الاستسلام لنداء التقبل الصارخ؟

من المستحيل التصريح بشيء بشكل أكيد، ولكن القرآن تحدث عن كيف تم اختبار كل الأنبياء عن طريق الإغراء: "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته". هكذا تقول السورة 22[10]. ولو كانت حادثة "الآيات الشيطانية" تلك هي الإغراء بالنسبة لمحمد، فيجب أن نقول إنه خرج منها بشكل جيد؛ هو اعترف بأنه تم إغراءه وتنصل من هذا الإغراء، الطبري يقتبس منه قائلا: "افتريت على الله، وقلت على الله ما لم يقل"[11]. بعد ذلك، توحيد الإسلام أصبح قويا ولا يهتز، خلال الاضطهاد والمنفى والحرب وقبل أن يصل النبي للنصر على أعداءه والعقيدة الجديدة تنتشر كالنار المحرقة حول العالم.

فكر، ستكون قصة جيدة، عندما قرأ عنها في كامبريدج. ففي وقتها كان يحلم بأن يصبح كاتبا، وخزن القصة في خلفية عقله للاستخدام المستقبلي، وبعد ذلك بثلاثة وعشرين عاما، سيجد بالضبط كيف هي قصة جيدة.


1984

كانت هناك رواية تنمو بداخله، ولكن طبيعتها الدقيقة كانت تتهرب منه. ستكون كتابا كبيرا، كان يعرف هذا، تتحرك باتساع بين المكان والزمان. كتاب رحلات، هذا كان يبدو صحيحا، هو تعامل - كما أنه يعرف كيف يتعامل - مع العوالم التي أتى منها. الآن كان يحتاج أن يصل هذه العوالم بالعالم المختلف تماما الذي صنعه بحياته، هو بدأ يعتقد أن هذا - وليس فقط الهند أو باكستان أو السياسة أو الواقعية السحرية - هو ما سيكون موضوعه الحقيقي، هذا الموضوع الذي سيهتم به لبقية حياته المهنية، السؤال العظيم عن "كيف يجتمع العالم؟" – ليس فقط كيف يصب الشرق في الغرب، أو الغرب في الشرق، ولكن كيف يشكل الماضي الحاضر مثلما يغير الحاضر فهمنا عن الماضي، وكيف يتسرب العالم المتخيل، موضع الأحلام والفن والابتكار والإيمان أحيانا ليتجاوز الحد الذي يفصل بينه وبين المكان "الواقعي" الذي يعتقد البشر خطأ أنهم يعيشون فيه.

هذا هو ما لدينا: مجموعة من المهاجرين، أو لنستخدم المصطلح البريطاني "الوافدين"، من الهند وباكستان وبنجلاديش، ومن خلال رحلاتهم الشخصية، يمكنه أن يستكشف الاجتماع وأيضا الانفصال الموجود هنا وهناك، الآن ولاحقا، في الواقع والأحلام. هو لديه بداية شخصية تدعى "صلاح الدين شامشاوالا"، يتم أنجلزته إلى "سالادين شامشا" (Saladin Chamcha)، الذي لديه علاقة متوترة مع والده ويعود إلى الثقافة الإنجليزية. شامشا سيكون بورتريه لرجل مجتث، يهرب من أبيه ومن بلده، من الثقافة الهندية ذاتها نحو الإنجليزية التي لا تسمح له بأن يندمج فيها تماما، ممثل بأصوات مختلفة وهو يؤدي جيدا طالما ظل غير مرئي، يؤدي في الراديو أو في التلفزيون فقط بالصوت، رجل وجهه – رغم ولعه بالثقافة الإنجليزية – يمثل "لونا خاطئا بالنسبة لتلفزيوناتهم الملونة".

وشامشا المضاد... حسنا، ملاك ساقط. في عام 1982، تعرض الممثل آميتاب باتشان - النجم الأكبر في سينما بومباي - لإصابة شبه مميتة في طحاله أثناء تصوير مشاهد الحركة في فيلمه ببانجالور. في الشهور اللاحقة كانت أخبار تمريضه تتصدر الصفحات الأولى من الأخبار اليومية، عندما كان مستلقيا أقرب للموت، حبس البلد أنفاسه، وعندما قام مرة أخرى، التأثير كان أقرب لقيامة المسيح. هناك ممثلون في جنوب الهند حصلوا على وضع أشبه بالآلهة لأنهم يمثلون أدوار الآلهة في أفلام تدعى "أفلام الأساطير"، باتشان أصبح نصف إله حتى بدون مثل هذه المهنة. ولكن ماذا لو نادى هذا الممثل الإله - وهو يعاني من هذه الإصابة البشعة - إلهه في ساعة احتياج ولم يجد ردا؟ ماذا لو - كنتيجة لهذا الصمت الإلهي المروع - بدأ مثل هذا الشخص يتساءل أو حتى يفقد إيمانه الذي حافظ عليه؟ هل من الممكن، في مثل هذه الأزمة الروحية، أن يفقد عقله أيضا؟ وهل من الممكن وسط جنونه أن يهرب بشكل ما حول العالم متناسيا أنه عندما تهرب لا يمكنك أن تترك نفسك خلفك؟ بماذا يمكن أن يسمى هذا النجم الساقط؟ الاسم وصله فورا، وكأنه ينتظره ليصل إليه؛ جبريل. الملاك جبريل، جبريل فاريشتا. جبريل وشامشا: روحان تائهان في المتصل الزماني المكاني الذي بلا سقف المتعلق بالمتشردين. سيكونان بطليه.

الرحلات تضاعفت. هنا كان جزءا من مكان مختلف تماما. في فبراير 1983، 38 مسلما شيعيا، أتباع امرأة شابة تدعى نسيم فاطمة، اقتنعوا عن طريقها بأن الله سيشق مياه بحر العرب وفقا لأمرها، فيكون بإمكانهم أن يحجوا عن طريق المحيط من كراتشي لمدينة كربلاء المقدسة في العراق، تبعوها في الماء، والعديد منهم غرق. الجزء الأعجب في أمر الحادث هو أن بعض الناجين زعموا، على الرغم من كل الدلائل التي تثبت العكس، أنهم شهدوا المعجزة.

هو كان يفكر في هذه القصة لأكثر من عام الآن. هو لم يرد أن يكتب عن باكستان، أو عن الشيعة، لذلك أصبح المؤمنان في مخيلته سنيا وهنديا. وبالنسبة للسنة فهم يريدون أن يذهبوا إلى مكة لا كربلاء، ولكن فكرة شق البحر ظلت في قلب القصة.

أجزاء أخرى تزاحمت، معظمها كانت عن "المدينة المرئية وغير المرئية"، وافدو لندن في عصر تاتشر. مجاورات لندن في ساوثول، في غرب لندن وبريك لين في اتجاه الشرق، حيث يعيش الوافدون الآسيويون، مختلطين ببريكستون، جنوب النهر، ليشكل حي بريكول متخيل بوسط لندن، وفيه عائلة مسلمة من أبوين أرثوذوكسيين وبنات مراهقات متمردات يديرون مقهى شاندار، اسمه متنكر بأُردية خفيفة عن المطعم الرائع الحقيقي بساوثول. في هذا الحي مشاكل عنصرية كانت تختمر، وربما عن قريب فالشوارع سوف تحترق.

تذكر أنه كان يستمع لسياسي هندي على التلفزيون يتحدث عن رئيسة الوزراء البريطانية "السيدة تورتشر[12]" ظل يقول: "السيدة مارجريت تورتشر" هذا كان طريفا بشكل كبير، حتى، أو ربما لأن مارجريت تاتشر لم تكن معذبة. إن حدث وكانت هناك رواية عن لندن السيدة ت، فربما تكون هناك مساحة – مساحة كوميدية – للتنويع على اسمها.

كتب في دفتره: "كيف يدخل التجديد إلى العالم؟".

كتب: "فعل الهجرة، يضع في الأزمة كل شيء عن الفرد أو المجموعة المهاجرة، كل شيء عن الهوية والذات والثقافة والاعتقاد. لذلك فإذا كانت هذه الرواية عن الهجرة فيجب أن تكون عن فعل التساؤل. يجب أن تمارس الأزمة التي تصفها".

وكتب: "الآيات الشيطانية".

الكتاب استغرق أكثر من أربع سنوات ليكتبه، بعد ذلك، عندما حاول الناس أن يختصروه لـ"إهانة"، أراد أن يرد: "أستطيع أن أهين الناس بشكل أسرع من هذا". ولكنه لم يستطع الانتصار على خصومه بغرابة أن كاتب جاد سيستغرق عُشْر حياته يكتب إهانة، وذلك لأنهم رفضوا أن يتعاملوا معه ككاتب جاد، فمن أجل مهاجمته هو وعمله، كان عليهم أن يصفوه كشخص شرير، خائن مرتد، باحث بلا مباديء عن الشهرة والثروة، انتهازي "هاجم الإسلام" من أجل مصلحته الشخصية، هذا ما كانت تعنيه هذه الجملة التي تكررت كثيرا: "هو قام بذلك لغرض". حسنا، بالطبع هو قام بذلك لغرض، كيف يكتب المرء ربع مليون كلمة بالصدفة؟ المشكلة، كما قال بيل كلينتون تقريبا، هي ما يعنيه المرء بـ "ذلك".

الحقيقة الساخرة كانت في أنه بعد روايتين تعاملتا بشكل مباشر مع التاريخ العام لشبه القارة الهندية، هو كان يرى الكتاب الجديد بالأحرى كاستكشاف شخصي؛ المحاولة الأولى لصنع عالم من خلال خبرته الشخصية عن الهجرة والانمساخ، بالنسبة له كان الأقل سياسية في الكتب الثلاثة، والمادة التي استخلصها من القصة الأصلية للإسلام كانت - كما كان يعتقد - تحترم بشكل أساسي نبي الإسلام، حتى أنها تعجب به، إنها عاملته كما كان يقول دوما أنه يريد أن يُعامَل، لا كرمز إلهي (مثلما عند المسيحيين "ابن الله") ولكن كرجل (الرسول)؛ إنها أظهرته كرجل عصره، تَشكّل من عصره، وكقائد كان معرضا للإغراء وقادر على الانتصار عليه. "أي نوع من الأفكار أنت؟" تسأل الرواية الدين الجديد، واقترحت أن أي فكرة ترفض أن تلتوي أو تخضع للتسويات ستتدمر ككل شبيهاتها، ولكنها تقر بذلك، أن في أحوال نادرة جدا، هذه الأفكار تصبح هي التي تغير العالم. نبيّه أغري بالتسويات، ولكنه رفضها، وفكرته غير الملتوية أصبحت أقوى بما يكفي لتلوي التاريخ وفقا لرغبته.

عندما اتهم لأول مرة بأنه مسيء، كان مندهشا بحق، هو اعتقد أنه صنع تعاملا فنيا مع ظاهرة الوحي - تعامل من وجهة نظر غير مؤمن بالفعل، ولكنه تعامل خلاق مع ذلك. كيف يمكن أن نعتقد أن هذا مسيء؟ السنوات الحساسة الموسومة بسياسة الهوية الغاضبة التي تلت علمته - وعلمت كل شخص آخر- الإجابة على هذا السؤال.


1988

النسخة الإنجليزية من "آيات شيطانية" صدرت يوم الإثنين، 26 سبتمبر 1988، ولأوقات قصيرة هذا الخريف، أصبح الإصدار حدثا أدبيا. تمت مناقشته في لغة الكتاب، هل كان جيدا، هل كان مثلما قالت عنه فيكتوريا جليندينينج في لندن تايمز "أفضل من (أطفال منتصف الليل) لأنه متماسك أكثر، ولكن فقط بطريقة تماسك شلالات نياجرا". أو آنجيلا كارتر في الجارديان: "ملحمة تم عمل ثقوب فيها لتسمح للرؤى... رواية معاصرة مزدحمة، ممتلئة، أحيانا عجيبة ورائعة"؟. أو هل كانت مثلما كتبت كلير توملين في الإندبندنت: "عجلة لن تتحرك"، أو رأي هرميون لي الأكثر حدة في الأوبزرفر، إنها رواية "تهبط بجناحين منصهرين نحو عدم المقروئية". كم هي واسعة العضوية في نادي صفحة 15 الملفق الذي يضم القراء الذين لم يستطيعوا تجاوز هذه النقطة من الكتاب؟

في وقت قريب بما يكفي، لغة الأدب ستغرق في نشاز الخطابات الأخرى – السياسية، الدينية، الاجتماعية، ما بعد الاستعمارية – وموضوع الجودة أو الغرض الفني سيبدو غالبا بلا جدوى. الكتاب الذي كتبه سيتلاشى وسيحل محله كتاب موجود بالكاد، فيه يشير رشدي إلى النبي وصحابته على أنهم "حثالة ووسخين". (هو لم يفعل ذلك، رغم أنه سمح للشخصيات التي تضطهد صحابة النبي المتخيل لاستخدام لغة مهينة)، وأطلق على زوجات النبي عاهرات (هو لم يفعل – على الرغم من أن العاهرات في بيت الدعارة في مدينته المتخيلة "جاهلية" يستخدمن أسماء زوجات النبي لإثارة الزبائن، الزوجات أنفسهن موصوفات بوضوح على أنهن يعشن حياة طاهرة في الحريم). الرواية غير الموجودة هي الرواية التي سيتوجه غضب الإسلام ضدها، وبعد ذلك فناس قلائل أرادوا أن يتحدثوا عن الكتاب الحقيقي، غالبا ليتفقوا مع تقييم هرميون لي السلبي.

عندما سأله أصدقاؤه كيف يمكنهم المساعدة، توسل قائلا: "دافعوا عن النص". الهجوم كان محددا جدا، في حين أن الدفاع كان عموميا جدا، يعتمد على المبدأ القوي المتعلق بحرية التعبير. هو تمني، وشعر أنه يحتاج، دفاعا محددا بشكل أكبر، مثل تلك الدفاعات التي قامت في حال الكتب المنتقدة الأخرى، مثل "عشيق ليدي تشاترلي"، "يوليسيس"، أو "لوليتا" – لأن هذا كان هجوما عنيفا، ليس على الرواية بشكل عام أو على حرية التعبير نفسها، ولكن على التجميع المعين للكلمات، على مقاصد ونزاهة وإمكانية الكاتب الذي وضع هذه الكلمات معا. "لقد فعل ذلك من أجل المال. فعل ذلك من أجل الشهرة. اليهود جعلوه يفعل ذلك. لا أحد كان سيشتري هذا الكتاب غير المقروء لو لم يذم الإسلام". هذه هي كانت طبيعة الهجوم، ولمدة سنوات "الآيات الشيطانية" لم يسمح لها بأن تعيش الحياة الطبيعية للرواية، أصبحت شيئا أصغر وأقبح: إساءة وهو أصبح المسيء، ليس فقط في عين المسلمين، ولكن في رأي العامة على المستوى الكبير.

ولكن لأسابيع قليلة في خريف 1988 كان الكتاب لا يزال "مجرد رواية"، وهو كان لا يزال نفسه. "الآيات الشيطانية" دخلت القائمة القصيرة لجائزة البوكر، مع روايات لبيتر كاري، بروس شاتوين، مارينا وارنر، ديفيد لودج، وبينلوب فيتزجيرالد. بعد ذلك، يوم الخميس 6 أكتوبر، صديقه سلمان حيدر، الذي كان نائب المندوب السامي الهندي في لندن، اتصل ليخبره رسميا أن كتابه تم حظره في الهند؛ الكتاب لم يتم فحصه عن طريق أي مؤسسة رسمية ذات صلة، ولا كان هناك أي ملمح لعملية قضائية، الحظر كان سببه - وهذا أمر مشكوك فيه - هو وزارة المالية، وفقا لمادة 11 من قانون الجمارك، التي تمنع الكتاب من أن يستورد. وزارة المالية صرحت بشكل غريب بأن الحظر "لا ينتقص من القيمة الأدبية والفنية" لعمله. فكر قائلا: شكرا جزيلا. في 10 أكتوبر، تم تلقي أول تهديد بالقتل في مكاتب ناشره، فايكنج بنجوين بلندن، في اليوم التالي، ألغيت جلسة قراءة في كامبريدج من قبل المكان المنظم، بسبب أنهم تلقوا تهديدات أيضا.

انتهى العام بشكل سيء. كانت هناك مظاهرة ضد "الآيات الشيطانية" في بولتون، في شمال غرب إنجلترا، حيث حُرق الكتاب في الثاني من ديسمبر. في الثالث من ديسمبر تلقت كلاريسا أول مكالمة تهديد. في الرابع من ديسمبر كانت هناك مكالمة أخرى، صوت قال: "سوف نصل لك الليلة يا سلمان رشدي، في رقم 60 من طريق بورما". هذا كان عنوان بيتها. اتصلت بالبوليس، والضباط ظلوا في المنزل طوال الليل، ولم يحدث شيء. التوتر صعد إلى مستوى آخر، في الثامن والعشرين من ديسمبر، كانت هناك تهديد بزرع قنبلة في فايكينج بنجوين. ثم كان عام 1989، العام الذي تغير فيه العالم.





[1]  المدارس العامة في بريطانيا، هي مدارس غالية المصاريف وتقبل طلاب محددين، غالبا ينضمون بعد ذلك للنخبة والطبقة الحاكمة.
[2]  The Birds فيلم المخرج الأمريكي ألفريد هيتشكوك، أنتج عام 1963
[3]  دولة بأمريكا الجنوبية
[4]  Tripos مناهج درجة علمية بجامعة كامبريدج
[5]  المقصود الفترة التي تلت الحرب الأهلية الأمريكية، والتي امتدت من 1865 حتى 1877.
[6]  معنى كلمة "يهوه" أحد أسماء الله في العهد القديم.
[7]  وهي المعروفة في الثقافة العربية بقصة الغرانيق.
[8]  سورة النجم
[9]  كتب سلمان رشدي: “He longed for a way to attract them”، ولم أجد في نسخ كتاب "السيرة النبوية" لابن اسحق المتاحة على الإنترنت جملة تقترب من تعبير رشدي، ولكني وجدت الجملة المذكورة في سياق تفسير ابن كثير لسورة الحج، وفيه يتحدث عن قصة الغرانيق، رواة القصة عند ابن كثير مذكورون كالتالي: "قال ابن أبي حاتم، حدثنا موسى بن أبي موسى الكوفي، حدثنا محمد بن اسحق الشيبي، حدثنا محمد بن فليح، عن موسى ابن عقبة عن ابن شهاب".
 [10] سورة الحج
[11]  كتب رشدي: "I have fabricated things against God and have imputed to him word whuch He has not spoken” والجملة مأخوذة من كتاب "تاريخ الأمم والملوك" للطبري مثلما هي مكتوبة في الترجمة.
[12]  بدلا من قول الاسم الصحيح Mrs. Thatcher يقول Mrs. Torture وكلمة Toture تعني التعذيب.

0 comments: