جون جراي يكتب عن فرناندو بيسوا

الأربعاء, يونيو 13, 2012 0 Comments ,


جون جراي*

ت: أمير زكي
يونيو 2012

* جون جراي كاتب وفيلسوف سياسي بريطاني وأستاذ سابق للفكر الأوربي بمدرسة لندن للاقتصاد

***

"فرناندو بيسوا، إن تكلمنا بدقة، ليس موجودا". هذه الكلمات كتبت بواسطة ألفارو دي كامبوس، المهندس البحري، متعاطي الأفيون، والأفستنتين، الداندي والمستقبلي – وواحد من (على الأقل) 72 اسما مستعارا وهوية متخيلة أنتج بيسوا من خلالها بعضا من أكثر الأشعار والنثريات لفتا للنظر في القرن العشرين: س آ آنون، الفيلسوف الإنجليزي الذي كتب بشكل لا ديني حاد أسئلة عن حرية الإرادة والحتمية؛ ريكاردو ريس، الملكي البرتغالي، ما بعد الهوراسي، وأحيانا المدرس اللاتيني؛ ألبرتو كاييرو، الكاتب الوثني لـ "راعي القطيع"، الذي يقدم نقدا شعريا للغة والميتافيزيقا بشكل حاذق وقوي كأي شيء تجده عند فتجنشتاين – هذه بعض الشخصيات التي تبناها بيسوا على مر حياته تلك التي استبقت وجسدت الحالة ما بعد الحداثية، فلا تكون لدي المرء هوية واحدة أو مستقرة. ومن بين ذوات بيسوا المختلفة، فالأقرب لشخصية الرجل نفسه – إن كان هذا الرجل موجودا أصلا – هو برناردو سواريس؛ الكاتب المتخيل لكتاب "اللا طمأنينة".

سيرة سواريس الذاتية[1]"الخالية من الحقائق" يجب أن تعتبر أكبر هجوم على فكرة "المؤلف" في الأدب الأوروبي الحديث، حتى من جهة تاريخ نشرها، إنها تعبر عن التهرب الكامل الذي يحيط بكل شيء متعلق ببيسوا. وُلد في لشبونة في عام 1888، قضى أيامه في الكتابة والشرب والتدخين المفرط، ويعيش بشكل محدود على الترجمات وابتكار الكلمات المتقاطعة الإنجليزية، شخصية منطوية لديها أصدقاء قلائل وغالبا بلا حياة عاطفية. بالنسبة له، فالغموض كان نوعا من الحياة المناسبة. عندما مات عام 1935، غالبا بسبب فشل كبدي، كان محبوبا في البرتغال ككاتب مقالات متحقق وشاعر تجريبي، ولكن مع ذلك كان غير معروف بشكل كبير في أوروبا. الجزء الأعظم من أعماله يتكون من أكثر من 25000 قطعة، بعضها غير مكتمل كما يبدو، الأخرى مجرد قصاصات، وُجدت في حقيبة بعد موته. بيسوا لم يترك مرشدا لكيفية جمع هذه الأوراق. قبل وفاته بوقت قليل وضع بعضها في مظروف وكتب عليه عنوان الكتاب، ولكن ليست كل مختاراته تبدو منتمية هنا، ويظل من غير الواضح أي من بقاياه الأدبية قصد أن يضمها بالكتاب.

نتيجة ذلك أنه لن تكون هناك نسخة مؤكدة من كتاب اللا طمأنينة. كًتًبه وتوقف عن كتابته في مدة زادت عن عشرين عاما، يبدو أنه بدأ ككتاب لشخصية أخرى لبيسوا، فيسينت جيديس، وتطور الأمر ببطء إلى تجربة سواريس المتخيلة، إنه عرض مبعثر للأفكار والمشاعر والذكريات المتخيلة لا يمكن فك شفرتها تماما. كل نسخة مجبرة على أن تكون بناء. في تعليقاته على النص، ريتشارد زينيث يؤكد ذلك ويقترح على القراء أن "يخترعوا ترتيبهم الخاص، أو الأفضل أن يقرأوا أجزاء الكتاب المختلفة بطريقة عشوائية". على الرغم من هذا التنصل فقراء نسخة زينيث سيجدونها تفوق النسخ الأخرى في سلاسة الأسلوب والدراسة النقدية والتعاطف مع حس بيسوا المجزّأ. 

بيسوا يمكنها أن تعني "شخص" و- بامتداد كلاسكي معروف: "قناع"، ولكن هوية بيسوا المتخيلة ليست تنكرا. كان من المعروف على نطاق واسع أنه خالق كل هذه الشخصيات المستعارة. على العكس فهذه الأسماء المتزاحمة تعبر عن الإيمان المطلق بأن الفاعل الفردي، قلب الفلسفة والدين والأخلاق الأوروبية هو وهم. كما تقول إحدى الشخصيات المستعارة: "كل واحد منا هو مجموعة من الأرواح التابعة، مركب مصنوع سيئا من الأنفس الخلوية". فكون الذات متعددة، وليست فردية كانت أكثر خبرات بيسوا حميمية. ولكن بالكتابة – مستخدما وسائط، كقناة لعدد من الشخصيات بتواريخ وقيم مختلفة كلية – فعل بيسوا أكثر من مجرد تسجيل خبرته عن التفكك. هو شخَّص حالة أصبحت منتشرة في أوروبا القرن العشرين – الوعي الذاتي المتنامي بشكل كبير والممتزج بعدم وجود أي رؤية ثابتة للعالم. بلا ديانة ولا عقيدة إنسانية مبتذلة من عهد التنوير لتحفظه، بيسوا عاد إلى نفسه، فقط ليجد الشك والاضطراب. هذه هي الحالة التي قال عنها برناردو سواريس، بالضبط في بداية نسخة زينيث من كتاب اللا طمأنينة، انحطاطا: "فكرت أن الله، رغم كونه غير ممكن، ربما يكون موجودا، في هذا الحالة عليه أن يُعبَد. في حين أن الإنسانية، بكونها مجرد فكرة بيولوجية ولا تدل على شيء أكثر من الكائنات الحيوانية التي ننتمي إليها، لا تستحق العبادة أكثر من أي كائن حيواني آخر... وهكذا، بعدم معرفة كيف أؤمن بالله وعدم القدرة على الإيمان بمجموع الحيوانات، أنا، وناس آخرين على الحافة، أبقينا على مسافة بيننا وبين الأشياء، مسافة تدعى عادة الانحطاط". 

بيسوا ليس الكاتب الوحيد من بداية القرن العشرين الذي جعل حالة الشخص الذي بلا هوية مستقرة ولا معتقدات هو موضوعه الأساسي والرئيسي. فهكذا فعل روبرت موسيل[2]في عمله الأبرز المتبصر والفطن والذي تم تجاهله بشكل غير مفسر "رجل بلا مميزات". ولكن لا أحد عاش حياة غير مجدية بشجاعة بيسوا، أو كتب عنها بهذه الرؤية وهذا السحر. تقرأه في أحيان ما مثل دفاتر مالت لوريد بريج[3]لراينر ماريا ريلكه، وكذلك في أحيان أخرى مثل كتب المساعدة الذاتية الأقرب للخداع الموجهة للفاشلين والحالمين دوما، كتاب اللا طمأنينة هو خليط من الأمثلة والصور والأحلام والخيالات، والرؤيا الذاتية للروح هذا الذي يجذبك لأن الكاتب نفسه هو اختراع. ليس اختراعا كاملا، طالما أن كل شخصيات بيسوا ولدت من الضرورة الشخصية المؤلمة: هو اعترف بأن سواريس ليس حتى شخصية مستعارة حية، بل نصف شخصية مستعارة، نسخة مشوهة من نفسه، مُراجَع ومُختصَر ليخلق شخصية أكثر جوهرية من عدة أشكال من نفسه. بهذه الطريقة، بيسوا كان قادرا على أن يفعل بالتفكير ما لا يستطيع أن يفعله في الواقع – أن يهرب من قيود الخجل، حوّل نفسه إلى سرد، انفصل عن الواقع البشع الذي يتضح في رواية جوزيه ساراماجو الجميلة "سنة موت ريكاردو ريس"، التي فيها يظهر بيسوا الراحل حديثا كشبح يطارد مخلوقاته.

إنه مثير للاهتمام، وفي نفس الوقت مناسب إلى حد ما أن يظل بيسوا معروفا بشكل محدود. فقبل وقت طويل من أن تصبح ما بعد الحداثة صناعة أكاديمية، عاش بيسوا التفكيك. إلا أن قليلين ممن يكتبون بكثافة عن سخرية ما بعد الحداثة قد سمعوا عن ممارسها الأعظم. حقيقي أن بيسوا لم يسقط تماما من الملاحظة الأكاديمية. عميد النقد الأمريكي هارولد بلوم وصل لحد أن ضمه ضمن 26 كاتبا يرى أنهم أساسيين بالنسبة لـ"المجمع الغربي" – هذا التكريم لبيسوا من المؤكد أنه كان سيستقبله بابتسامة. ولكن على الأغلب يبقى بيسوا كما كان أثناء حياته: غامض، شخص غالبا غير موجود، ضمن العديد من أسمائه المستعارة التي ستجد فيها بعضا من أكثر الأصوات أصالة في الأدب الأوروبي.



[1]  المقصود كتاب اللا طمأنينة
[2]  Robert Musil (1880-1940) روائي ألماني يشتهر بروايته غير المكتملة المذكورة.
[3]  الرواية الوحيدة للشاعر الألماني

0 comments: