إلى محفوظ وإلىّ

الأحد, ديسمبر 11, 2011 1 Comments




العزيز نجيب محفوظ
بعد التحية

اليوم عيد ميلادك المائة، وعلىّ أن أقول لك كل سنة وأنت طيب، لم أعرف كيف أقولها لك بشكل لائق، ولكننى قررت أن أرسل لك رسالة.

هل تعرف عندما كنت موجودا بيننا لم أكن أشغل بالى كثيرا بضرورة مقابلتك، أو حتى أن أرسل لك رسالة مثلما أفعل الآن، لم أكن أقل احتفاء بك من الآن، بالعكس ربما كنت أكثر انغماسا فى عالمك، ولكنى كنت أشعر أنك حولى فى كل مكان، لست فى حاجة لاختراق بضعة بشر للوصول إليك، لأنك ببساطة كنت قد وصلت إلىّ واخترقتنى. ولكن لماذا أنا مهتم بإرسال هذه الرسالة اليوم؟، ربما للشعور بالذنب، كان من المفترض أن أحتفى بك وبمئويتك بشكل أكبر من هذا، أعرف أن الوطن كله كان بحاجة لأن يحتفى بك بشكل أكبر من هذا، والحجة لدى الجميع هى الثورة، ولكن ما لى أنا بحجج الوطن، أنت ملكى، أنت تخصنى، وهذا شىء أتيقن منه مع كل كتاب أشتريه لك، وكل كتاب أقرأه لك، وكل كتاب لك يؤثر فىّ. هل تعرف أنه رغم كل طنطنتى عن كراهيتى للآباء والمقدسات وغير ذلك إلا أننى لا أخجل من أن اعتبرك أبى الروحى، ولا أنكر أننى أعتبرك مقدسا، ولا يمر أى نقد يوجه لك بدون أن يغضبنى، هل تعرف كم شعرت بالسخط عندما انتقدك هذا الحيوان المتدين مؤخرا، السخط الذى يصل لمرحلة الصمت، كم كرهت الذين سألوا الحيوان عن رأيه فيك، كيف يطرحون الدرر أمام الخنازير، هؤلاء الحمقى، لمجرد الحصول على تصريح إعلامى لأى سبب كان. 

ولكن لا بد أن أكون صريحا معك، ليس الشعور بالذنب وحده هو مبررى لإرسال هذه الرسالة، وليس فقط مناسبة مرور مائة عام على ميلادك وكون هذا رقما مميزا، أنا فى النهاية مثل الجميع شخص أنانى وأفكر فى نفسى أولا وكثيرا، فبعد أسبوع من الاحتفال بمئويتك، سيمر على ميلادى رقم مميز أيضا، سأكمل 25 عاما، ربع قرن، ربع وجودك يا سيدى، كم عاما مر منهم وأنا أعرفك، ربما 10 سنوات أو أكثر، أنا تربيتك يا سيدى، أنا صنيعتك، كل شىء عرفته عن العالم عرفته من خلالك، كل شىء بدأ معك، لا يمكنك أن تتملص من المسئولية، وليس من المفترض أن تعتبرنى مهووسا. ولأنك أبى، ولأنك المسئول عنى وعما صرت إليه، ولأن وجودك أكمل المائة عام، ولأن وجودى سيكمل الخمسة وعشرين عاما، ولأننى فى مرحلة ضغط نفسى وحساب عسير، فأنا لن أجد أفضل من هذه فرصة ولن أجد أفضل منك لأتحدث معه. أنت الشخص الوحيد الذى سيفهمنى حتى لو تعثرت فى التعبير، كما اعتدت أن أتعثر.

منذ بدأت قراءتك تأثرت بعلى طه وأحمد راشد وأحمد شوكت، كنت أريد أن أكون شخصا مثلهم جميعا، ولكن لماذا لم أصر سوى كمال عبد الجواد؟، هل لأنه الأشبه بك فى شبابك، هل لأنه الأشبه بى بين شخصياتك؟، حتى فى ملامحه الشكلية، حتى يوم ميلاده يتبعنى بيومين، لم أعرف هل جاءت المسألة تلقائية، أم أننى بطريقة ما أردت أن أرى العالم من منظاره، أو أننى فى الحقيقة أرى العالم من منظارك أنت، اضطرابى الدينى تماشى مع أفكار كل شخصياتك السابقة، ولكن ارتباك كمال لم يبارحنى قط. ربما الآن أعتقد أننى بلا مشاعر دينية على الإطلاق، قد أرفع صوتى فى الصلاة عندما أكون فى الكنيسة، ولكن الأمر يكون أشبه برفع صوتى أثناء حفلة غنائية، ولكنى لست بلا مقدسات كما أبدى معظم الوقت، فلقد أخبرتك أنك شخصيا مقدس بالنسبة لى.

لم يشتبك اضطرابى الدينى أو نظرتى للوجود بحب امرأة مثل كمال، ولكن نظرتى للمرأة أيضا لم تخل من وجودك، كل فتاة أحببتها من طرف واحد كانت "عايدة" بالنسبة لى، مع نهاية العام السابق وبداية الحالى اختلطت عايدة بسوسن حماد فى فتاة أحببتها، عايدة الحب من طرف واحد، وسوسن حماد لأننى شعرت من أول وهلة أننى أمام نفس الشخصية، حتى بملابسها التى تظهر ذراعيها، شخصياتك تخدعنى يا سيدى. فى منتصف العام وجدت نفسى فى موقف صابر الرحيمى، مع الفارق بالطبع، حائرا بين كريمة وإلهام، انتهى الموقف بالاضطراب الذى يليق به. أحاول الآن تبادل حب هادئ شبيه بى، ولكن لم يعد من الممكن التخلص من طنين هذا السؤال: متى سأُترَك؟ رغم ما يقال عن نظرتك السلبية للمرأة، إلا أن جل شخصياتك يكونون فى حاجة ملحة إليهن، أنا أيضا، أصبحت ضعيفا بما يكفى لأن أكون بحاجة ملحة إليهن، هذا يزعجنى، ويزعجنى أكثر أن يتضاعف هذا الاحتياج. 

لن أستطيع أن أكون مثلك يا سيدى، أقضى صباى مع بنات الليل وأنهى حياتى بحياة زوجية مستقرة، أنا لم أستطع أبدا أن أكون مثلك، رغم أننى حاولت، هل تعرف أننى دخلت قسم الفلسفة من أجلك؟، قد أجلس مع من يعتبروننى مثقفا وأقول أننى أقتفى أثر هذه الأسماء من الشرق ومن الغرب، ولكنى لم أفعل ذلك إلا لكى أكون مثلك، ولكنى أنظر لما أنا عليه الآن، صحفى يحاول ألا يفقد علاقته بالأدب، لا أريد أن أنظر لهذا بكثير من الأسى، هذا العام كان الأنجح عمليا، ولكنى أذكر حديثك مع رجاء النقاش عن كيف أضاعت الصحافة موهبة كاتب مثل المازنى. ولكنك دائما الشخصية الجبارة التى لا نستطيع الوصول إليها، فعلت كل شىء، كتبت للسينما وللصحافة وعملت موظفا فى أكثر من مؤسسة، ولكنك ظللت الأديب الكبير، كنت ماهرا فى تنظيم وقتك هذا الذى أفشل فيه مرارا. يعزينى أنك بدأت تنشر فى وقت متأخر، هل يمكن أن أحتذى خطاك حتى ولو فى هذه التفصيلة الصغيرة؟ كل المؤشرات تقول إننى تأخرت جدا، فى كل شىء، ونحن فى عصر آخر، وأنا لست مقتنعا أنه بكونى ترجمت هذا المقال أو ذاك يمكننى التساوى بفؤاد جميل الحمزاوى وكيل نيابة الدرب الأحمر، كم فؤاد فى حياتى لأغار منه يا سيد محفوظ، أنا لا أستطيع العد.

مثقفو مصر لم يحتفوا بالشكل الملائم بمئويتك، لم يفعل أحدا ما كان مخططا له وكنا نسمعه فى العام الماضى، الكل تراجع، أنا أيضا لم أجتهد بما يكفى، هناك حجة الثورة، ولكنى كنت أعرف أن أحدا لن يفعل شيئا حقيقيا حتى بدون الثورة. هل كنت ستسعد بالثورة يا سيدى؟، أتوقع أنك كنت ستتعاطف ولكنك كنت ستقف صامتا وبعيدا. فى الـ18 يوما الأولى كنت أشعر أننى داخل قصة سارق النغمة من روايتك "الحرافيش"، كنت أشعر ببهجة مبطنة لأننى داخل قصة من قصصك، أنا جلدى كثيف جدا تجاه الوطن، ولكنى استخسرت عدم المشاركة، لِم يكون لديك ثورة 19 لتكتب عنها وتنبهر بها ولا يكون لدىّ ثورة مثلك؟، ولكن الفارق مفزع، لقد شهدت ثورة 19 صغيرا والانطباع الذى تبقى لديك كان مثالية الثورة دون تعثراتها، أما أنا فأرى التعثر بشكل يومى، وعزلتى لا تسمح لى بالتفاؤل.

دائما أنت معى يا سيدى، أفكر فيك وفى شخصياتك فى كل خطوة أخطوها أو لا أخطوها، لذلك أعتبرك مسئولا عن إفساد حياتى أيها المقدس، أيها الرجل الذى أتمثله وأحاول فاشلا السير على خطاه، فى الحقيقة أنت أكبر فؤاد حمزاوى أغار منه، أنت الذى يمكننا جميعا أن نكونه ولا نستطيع. يا سيدى، يا أبى الروحى.
ميلاد سعيد أينما كنت.

قارئك المخلص
أمير ز.

هناك تعليق واحد: