ملاحظات على قصة (زعبلاوى) لنجيب محفوظ

الأحد, يونيو 26, 2011 2 Comments ,



***

"اقتنعت أخيرا بأن عليٌ أن أجد الشيخ زعبلاوي ."

نحن نبدأ من وسط حدث، نبدأ من احتياج الراوى لشيخ يدعى زعبلاوى، لا وقت لتضييعه فى مقدمات، هذه سمة عند محفوظ فى قصصه، لدينا فكرة نريد أن (نقصها)، لا فرصة لمقدمات، لا فرصة لنفس طويل فى الوصف، هذا لا يعنى ضعف فى الوصف، سنرى أنه سيستخدمه حينما يحتاجه، ولكن فقط حينما يحتاجه.

ننتقل الآن ونعرف أن الراوى عرف عن زعبلاوى:
-
فى طفولته
-
عن طريق أغنية(1)
-
وتأكد من أبيه

الطفولة عند محفوظ هى مرحلة أسطورية، نتلقى فيها معارف شبحية قد نتمرد عليها ولكننا لا نستطيع أن نتحرر منها بالكامل، نذكر هنا طفولة كمال عبد الجواد فى الثلاثية، ولكن نذكر بشكل أبرز طفولة جعفر الراوى فى قلب الليل. يضيف إلى هذا أنه عرف زعبلاوى، الذى سنكتشف رمزيته سريعا، عن طريق أغنية، هل هذا يضيف بعد غير يقينى لهذه المعرفة؟، أم أنه يحاول إثبات أهمية الفن فى المعرفة؟، هذا الذى سيتأكد مع منتصف القصة؟ ثم الأب، نحن نتلقى معارفنا من آباءنا، وأبرز ما نتلقاه هو معرفة شخص مثل زعبلاوى، الأب هو فى النهاية مصدر يقين الابن/ الراوى بأهمية زعبلاوى، يقول الأب: "إنه ولي صادق من أولياء الله، وشيال الهموم والمتاعب، ولولاه لمت غما"، وبعد سطرين يقول الراوى "وجرت الأيام فصادفتني أدواء كثيرة، وكنت أجد لكل داء دواءه بلا عناء وبنفقات في حدود الامكان، حتي أصابني الداء الذي لا دواء له عند أحد، وسدت في وجهي السبل وطوقني اليأس، فخطر ببالي ما سمعته علي عهد طفولتي، وتساءلت لم لا أبحث عن الشيخ زعبلاوي؟!.." هنا نحن نتأكد ماذا يقصد محفوظ من زعبلاوى، هنا يتكشف لنا الرمز بكل بساطة، هل تزعجنا تلك السهولة؟، ربما، ولكن جمال القصة ينفى عنا هذا، زعبلاوى – وربما هذا هو رأيى – يمثل المطلق، الإله الغائب، هو نفسه جودو عند صمويل بيكيت، وهو أيضا سيد الرحيمى عند محفوظ نفسه فى (الطريق).

وأيضا مثل (الطريق) تكون لدى الشخصية الرئيسية مهمة بحث عن الشخص الذى سيحقق له نوع من السلام، فتبدأ شخصيتنا فى البحث، يبدأ عند "الشيخ قمر بخان جعفر، وهو شيخ من رجال الدين المشتغلين بالمحاماة الشرعية". إذن فأول ما يمكن أن يتوجه إليه الشخص فى بحثه عن المطلق هو رجل الدين، هذا هو ما يفعله أى شخص مقتنع بالدين، ولكن المشاهد الممهدة لمقابلة رجل الدين تجعلنا نتوقع جميعا ما الذى يستطيع أن يقدمه لنا مثل هذا الشخص: فهو يقيم فى جاردن سيتى، فى عمارة بالغرفة التجارية، حجرته تخرج منها للتو سيدة حسناء، والرجل "يرتدي البدلة العصرية ويدخن السيجار".
لذلك نحن نتوقع رده على الراوى حينما يسأله عن زعبلاوى:
"
كان ذلك في الزمان الاول، وما أكاد أذكره اليوم."
فلم يعد الإله من اهتمامات رجل الدين، ولن تجد عنده إجابة على أسئلتك. وعندما أحاله إلى محل سكن زعبلاوى القديم بربع البرجاوى بالأزهر سيتلقى صدمة، فالربع "قد تآكل من القدم حتي لم يبق منه إلا واجهة أثرية وحوش استعمل رغم الحراسة الاسمية مزبلة". هذا غير أن "البعض سخر منه بلا حيطة ونعتوه بالدجل". ووصف زعبلاوى بالدجل سيتكرر عندما يقابل الشيخ جاد الملحن.

يتوجه الراوى لشيخ الحارة، رمزيته تتكشف حينما يسأله: "حتى أنت لا تستطيع أن تجده؟" فيجيب: "حتى أنا، إنه رجل يحيّر (العقل)".، على أية حال فالعقل/ شيخ الحارة يقول له إنه "حي لم يمت، ولكن لا مسكن له وهذا هو الخازوق، ربما صادفته وأنت خارج من هنا علي غير ميعاد، وربما قضيت الأيام والشهور بحثا عنه دون جدوى". وبغض النظر عن مدى اقتناعنا بإمكانية أن يقول لنا العقل مثل هذا الكلام، فشيخ الحارة كلامه يدل على الطبيعة المتهربة لزعبلاوى، يذكرنى هذا بحديث الفيلسوف الألمانى هايدجر عن الوجود/ الحقيقة، كشيء يتهرب منا، والذى نستطيع التقاطه -  وغالبا ما يحدث هذا عن طريق الفن - هو لحظة التهرب تلك.

ربما لا نزال نسير مع هايدجر، فالفنان الشيخ جاد الملحن المعروف والذى يذكرنى مشهده هنا بحلم لمحفوظ عن زكريا أحمد فى (أحلام فترة النقاهة) هو أكثر شخص سيقربه من الشيخ زعبلاوى بأن يخبره عن حانة النجمة التى يسهر فيها صديقه ونس الدمنهورى. حديث الشيخ جاد ثم تردد اسم (ونس) يعطينا أبعادا صوفية  واضحة من البداية لكن تزداد كثافة هنا، فالشيخ يقول إن العذاب فى البحث عن زعبلاوى هو نوع من العلاج، ثم يغنى (أدر ذكر من أهوى ولو بملامى فإن أحاديث الحبيب مدامى). مشهد الحانة قد يوحى باستمرار هذا البعد الصوفى، بتذكر رمزية الخمر فى كل الأدب الصوفى، ومن الممكن أن يكون بالنسبة لنا صدمة أخرى من حيث أننا لن نلتقى زعبلاوى إلا فى حانة.

فى النهاية فالراوى لا يلتقى بزعبلاوى إلا عندما يسكر، وهنا يطول نفس محفوظ قليلا فى الوصف لأنه بحاجة إليه، كل هذه الفقرة :
"
ودار بي كل شيء ونسيت ما جئت من أجله، أقبل عليّ الرجل مصغيا ولكني رأيته محض مساحات لونية لا معنى لها، وهكذا كل شيء بدا. ومر وقت لم أدره حتى مال رأسي إلى مسند الكرسي وغبت في نوم عميق، وفي أثناء نومي حلمت حلما جميلا لم أحلم بمثله من قبل. حلمت بأنني في حديقة لا حدود لها تنتشر في جنباتها الاشجار بوفرة سخية فلا ترى السماء إلا كالكواكب خلل أغصانها المتعانقة ويكتنفها جو كالغروب أو كالغيم.. وكنت في غاية من الارتياح والطرب والهناء وجوقة من التغريد والهديل والزقزقة تعزف في أذني، وثمة توافق عجيب بيني وبين نفسي، وبيننا وبين الدنيا فكل شيء حيث ينبغي أن يكون بلا تنافر أو إساءة أو شذوذ، وليس في الدنيا كلها داع واحد للكلام أو الحركة، ونشوة طرب يضج بها الكون."
هذا له دلالة، فهذه الفقرة هى التى يتحقق فيها لقاء الراوى بزعبلاوى، فلا بد من أن تكون متميزة نسبيا عن كل سياق القصة.

يتأكد الراوى مع نهاية القصة من وجود زعبلاوى، ولكن وجوده لا معنى له لأنه غير قادر على لقاءه بالشكل الذى يرضيه، هل يستمر فى البحث؟، هل يكف عن المحاولة فـ "كم من متعبين في هذه الحياة لا يعرفونه أو يعتبرونه خرافة من الخرافات". لا نعرف إجابة لهذا السؤال، فمحفوظ ينهى القصة وموقف الراوى مساو لموقفه فى بدايتها، وربما كان الشخص الحقيقى الذى يملك الإجابة الآن هو القارئ.

قصة (زعبلاوى)
نجيب محفوظ
مجموعة (دنيا الله)
-----------------------
(1) "الدنيا مالها يا زعبلاوى شقلبوا حالها وخلوها ماوى" هذا ما ذكره محفوظ فى القصة. ولكن أشار إلىّ د. أحمد الخميسى أن المقطع ضمن أغنية قديمة ومعروفة، ووجدت أنها أغنية (القلل القناوى)، تأليف بديع خيرى وألحان سيد درويش، يقال فى الأغنية: "الدنيا مالها يا زعبلاوى.. شقلبوا حالها وين المداوى". أفترض أن مقطع (الدنيا مالها يا زعبلاوى) كان ترتيلة شعبية شائعة واستخدمها بديع وسيد فى الأغنية.

2 comments: