اثنا عشر كتابا لنجيب محفوظ

الأحد, يناير 23, 2011 0 Comments ,


هذه التدوينة هى مساهمة فى الاقتراح المطروح فى هذه الصفحة على الفيس بوك والداعى لقراءة 12 كتابا لنجيب محفوظ احتفالا بمئوية مولده هذا العام. وبالتالى فهذه التدوينة تحمل ترشيحاتى لـ12 كتابا لمحفوظ أعتبرهم أفضل ما قرأت له من جهة، وأفضل ما يمكن أن يعبر عن أدبه من جهة أخرى.

1- القاهرة الجديدة

          يفتتح محفوظ الرواية بأربع شخصيات، يعبرون عن التيارات الفكرية لهذا العصر، مأمون رضوان المسلم المتدين، على طه الاشتراكى الملحد، أحمد بدير الصحفى الوفدى، ومحجوب عبد الدايم، ولا يلبث محفوظ طويلا حتى تدور روايته كلها على شخصية محجوب عبد الدايم الذى يؤمن بفلسفة طظ، أو الذى يحثه فقره وظروفه الاجتماعية المتدنية بالنسبة لزملائه لاعتناق فلسفة ليس جاهزة كفلسفتى مأمون وعلى، أن يلفق فلسفة تفيده هو – بقدر الإمكان – على المستوى الشخصى، ويعلن التخلى عن كل المبادئ التى يمكن أن تعرقله عن تطلعه الطبقى، حتى أنه يضطرب لصدق وصف عابر أطلقه عليه أحد السكارى فى الحانة: "أنت كبش ذو قرنين.". وتمضى فلسفة طظ بنجاح باهر مع محجوب لبعض الوقت، ولكن يخونه ذكاؤه فى النهاية، ويسقط.
تحمل الرواية تساؤلا ظل مطروحا أثناءها حتى ذكر فى نهايتها: "ماذا تخبئ لنا أيها الغد؟"، تلك الفترة المزدحمة بالأفكار، ما الذى يمكن أن تتمخض عنه.

2- الثلاثية

          كيف يمكن أن يقود الطموح أديب ما، أو كيف يكتب الأديب نوعية ما فيصل إلى الذروة من خلال عمل ضخم، ووصفى للثلاثية كعمل ضخم لا يتعلق بحجمها، وإنما بشئ عظيم تم فيها، بمجهود خرافى بذله الكاتب ليعكس ثقافة شخصيات هذا الزمان وهذا المكان، وحتى إن كنا منفصلين عنهما، فستظل الثلاثية تعبر عن المشاعر الإنسانية لشخصياتها، تلك المشاعر الثابتة التى تتماس معنا ومع أى شخص يقرأها. وسواء اعتبرت العمل تعبيرا عن السيد أحمد عبد الجواد التى تسرد الثلاثية تاريخ عائلته، أو عن زوجته أمينة التى تنتهى الرواية بانتظار موتها، أو عن كمال عبد الجواد التى تقتفى الرواية بأجزائها الثلاثة تكوينه الروحى، فسوف تجد دوما ما يجذبك لقراءتها. يتسارع إيقاع الرواية مع تطور الزمن فيها، فتجد كمال الذى يعانى من عذاب روحى ينظر باندهاش لولدى أخته أحمد وعبد المنعم شوكت الشيوعى والإخوانى. وتجد مشهد أفكار شخصيات القاهرة الجديدة تتناثر بشكل أشمل فى شخصيات السكرية.

3- أولاد حارتنا

          مستوى آخر من روايات محفوظ، بعد مرحلة الروايات الفرعونية محدودة المستوى، والروايات الواقعية التى وصلنا لذروتها فى الثلاثية، هنا نجد رواية فلسفية، نستطيع أن نضعها جنبا إلى جنب مع مجموعة الروايات الفلسفية العالمية المعروفة الغريب/ كامو، سيد هارتا/ هرمان هسه، الثلاثية/ بيكيت، وأيضا إلى جانب الروايات الفلسفية الأخرى لمحفوظ نفسه، مثل الطريق وقلب الليل. قد يضايق البعض أن المستوى الأدبى قد يكون أقل نسبيا من الثلاثية أو من الحرافيش بعد ذلك، ولكن علينا أن نعرف أن محفوظ كان يتحرك فى منطقة مختلفة تماما عن أدبه وعن الأدب المصرى عموما، فى منطقة أكثر خطرا وتستلزم الحرص مثلما تستلزم الجرأة، ولكن على أى حال، وبغض النظر عما يتحدث عن المثقفون الرسميون محاولة منهم للتصالح مع الأفكار الدينية، أو ما يمكن أن يكون قد قاله محفوظ نفسه، فإن هذه الرواية عن تاريخ الأديان، وعن الله الذى هو الجبلاوى، وعن الشخصيات الدينية (أدهم/آدم)، (جبل/موسى)، (رفاعة/المسيح)، (قاسم/محمد)، (عرفة/العلم). وهى محاولة لتقفى تاريخ البشرية وفقا للتراتب الدينى.

4- دنيا الله

          أجمل مجموعات محفوظ القصصية، تحتوى على قصة زعبلاوى الشهيرة والرائعة، بما فيها من تصوف ومراوغة من قبل المطلق. كذلك يمكنك متابعة قلق الإمام وحيرته فى اعتناق رأى يساعده على صياغة خطبته فى (الجامع فى الدرب) فى ظل الأوضاع السياسية المرتبكة التى أدت لأن لا يبقى من سعد زغلول سوى صورة باهتة معلقة فى حجرة عاهرة. وقصة (دنيا الله) التى قرر بطلها عم إبراهيم التمتع ببضعة لحظات من العمر على حساب مرتبات موظفى الإدارة التى يعمل بها بدافع من الله كما يقول فى آخر القصة. أو الموت المجهول الذى يحاول ضابط المباحث التقاطه بلا جدوى فى (مجهول). تصوف وأزمات وجودية ونقد سياسى واجتماعى متضمن فى قوالب قد لا يبدو لأول وهلة أنها من الممكن أن تتحمل هذه الأفكار، حيث تدور أكثر من قصة فى المجموعة عن جريمة، أو البحث عن مرتكب الجريمة.

5- الطريق

          محاولة أخرى للبحث عن المطلق، وعن المستقبل، عن الحرية والكرامة والسلام، بعد الاكتشاف المزرى لحقيقة الأم وحقيقة الماضى، لا يوجد أمام صابر الرحيمى سوى هدف غامض واحد، وهو البحث عن أبيه، لينقذه من أزمته، يرتفع التساؤل الذى يسيطر على الرواية كلها: "وهل أضيع عمرى فى البحث عن شئ من قبل التأكد من وجوده؟"
ينتقل صابر من الأسكندرية للقاهرة، يخايله حب إلهام وإغراء كريمة. مع نهاية الرواية تطالع أجواء دوستويفسكية من حيث التخطيط لجريمة وارتكابها ثم ما يتلوها من تحقيقات. الأجواء البوليسية فى النهاية لا تطمس الطابع الفلسفى البين للرواية. وينتهى صابر قائلا: "فليكن ما يكون."

6- المرايا

          أن تفتح الرواية كأنك تفتح قاموسا، شخصيات مرتبة أبجديا حسب أسماءها، هذا الذى يتكرر فى (حديث الصباح والمساء)، قطع بازل ترتبها فى ذهنك كما تريد، تنقل لك واقع مصر بداية من طفولة محفوظ وحتى ما بعد النكسة، سيرة ذاتية ملتوية، دورك أن تخمن أسماء الشخصيات الحقيقية. الخطوط السياسية واضحة حيث تتحرك داخلها الشخصيات، ولا يتجاهل محفوظ الأفكار والفلسفات التى تحركهم أيضا، ينقل محفوظ لك المجتمع المصرى المممتلئ بالفساد والسقطات، محاكمة متضمنة ولاذعة لما فعله بنفسه هذا الجيل، تمر خلال قراءتك بجملة لن تستطيع تجاهلها: "علينا اللعنة جميعا حتى يوم الدين."

7- قلب الليل

          يدهشك أن يلتفت المتدينون لأولاد حارتنا ويتجاهلون رواية تحمل نفس الهموم مثل قلب الليل، لا أبغى الإثارة، ولكن أبغى توضيح أن الرواية تحمل نفس المعانى التى تحملها الأولى ولكن مع ذلك فلأن الرمز هنا مخاتل قليلا فهذا يربك مثل هؤلاء القراء. عمل فلسفى آخر يقدمه نجيب محفوظ؛ رحلة جعفر الراوى التى يحكيها لموظف الأوقاف، بداية من عهد الأساطير حيث كان يعيش على قصص العفاريت والجان، مرورا بعهد الدين فى بيت جده سيد الراوى، قبل أن يتمرد عليه ويشق طريقه بنفسه مدفوعا بغرائزه تارة أو ملتمسا للعلم تارة أخرى، ينتهى جعفر بالجريمة والسجن مثله مثل صابر الرحيمى من قبل، ولكنه لا يزال يعتقد أنه استخلص من تجربته مذهبا يستطيع التبشير به.

8- حضرة المحترم

          عثمان بيومى، الموظف الذى يسير على الصراط المقدس، أشبه روايات محفوظ بقصصه القصيرة الموحية الغامضة، ستمضى مع عثمان إلى نهاية الرواية وأنت تتساءل إلى أين؟ فلن تجيبك سوى: إلى اللا نهاية التى ذكرها عثمان فى بداية رحلته بالرواية، رحلة ترقى صوفى، نحو هدف غير مفهوم، لا يستجيب عثمان بسهولة لمخايلات العالم، حتى مخايلات السعادة،  وكأنه استوعب الدرس من صابر الرحيمى وجعفر الراوى. يصل عثمان للوهن مع وصوله للدرجة الوظيفية الأعز، ولكن فى النهاية ما معنى كل هذا السعى؟

9- الحرافيش

            بعد مئات السنوات ربما تتلاشى كل أعمال محفوظ ومعاصريه وستظل هذه الرواية كأسطورة شعبية راسخة. عشر قصص تستطيع أن تتبين منها ملامح تراث الإنسانية كله، ما بين ملامح من سفر التكوين أو من الأساطير المصرية القديمة أو حتى الأدب العالمى الحديث كحلم دوريان جراى الذى يتكرر عند جلال صاحب الجلالة (بطل أكثر حكايات الملحمة جلالة) بالرغبة فى الشباب الدائم.
تكثيف اللغة يفصلك تماما عن أسلوب محفوظ فى بداية كتاباته، مع تناثر حكمة الحياة فى أرجاء الرواية، مع تجاهل متصوفة التكية الذى يذكرك بتجاهل الله لنا وبقاءه فى سماءه.

10- رحلة ابن فطومة

          رحلة أخرى تخوضها إحدى شخصيات محفوظ، قنديل ابن فطومة يقرر أن يصبح رحالة، ورغم أنه ينصح نفسه أن يرى ويسمع ويسجل ويتحاشى التجارب، إلا أنه يسقط فى التجارب، وتنازعه العلاقات الشخصية عن المعرفة البحتة. رحلة البحث هنا ليست دينية وصوفية فحسب كقلب الليل والطريق وجل أولاد حارتنا، ولكنها رحلة سياسية فى الأساس، يتابع فيها قنديل أنظمة الحكم فى العالم متحسرا – رغم كل المساوئ العالمية – على دار الإسلام التى خانت عهد الدين مثلما خانت عائلة الناجى عهد عاشور فى الحرافيش. النقد اللاذع ينصب بشكل أكبر على المجتمعات الإسلامية، ولكن هذا لا يمنع من إظهار كم هو مريع هذا العالم الذى نعيش فيه.

11- أصداء السيرة الذاتية

          لا طاقة الآن لكتابة قصص طويلة أو قصيرة، لا تبقى من الذكريات التى يصنع منها محفوظ أدبه سوى أصداء. سواء سيرة محفوظ نفسها أو سيرة من حوله كتكرار أكثر تكثيفا لمشروع المرايا. ستجد الكلمات المفتاحية لرجل عجوز كالموت والندم والذكريات والنسيان. النصف الثانى من الأصداء ينفرد بحكم الحياة (والموت) التى يقدمها الشيخ عبد ربه التائه، هذا الشيخ غريب الأطوار الذى يقدم نمطا مختلفا للمتدين أو المتصوف، تتناثر أقواله مثل الأحاديث المقدسة، جلها عن الاحتفاء بالحياة والتفاهم مع الموت.

12- أحلام فترة النقاهة

          لم يعد أمامه الآن سوى التقاط أحلامه، بعدما انفصل عن الواقع الذى استمد منه معظم أعماله الكبرى، عدد من الأحلام يصلح بالفعل كأعمال فنية جيدة، وعدد آخر من الأحلام يستمد قوته من كون محفوظ كتبها. أبرز ما فى المضمون هو التعبير عن مخاوف محفوظ التى راودته طوال حياته، حيث يخشى من حوادث السطو، أو أن تسوء سمعته أو أن ينفض الأصدقاء من حوله. ويستعيد رموز بارزة سياسية كسعد زغلول وفنية كزكريا أحمد، بالإضافة إلى أصدقاء شلة الحرافيش. ويبقى الكتاب اسهاما مصريا بارزا فى الأدب المتعلق بالأحلام، والذى أضاف محفوظ نفسه إليه فى فترة مبكرة بأحلامه المؤلفة (رأيت فيما يرى النائم).

0 comments: