الأمير السعيد

الاثنين, سبتمبر 21, 2009 0 Comments , ,

قصة قصيرة لأوسكار وايلد
ترجمة : أمير زكى


هناك فى أعلى المدينة ، على عمود طويل ، كان ينتصب تمثال للأمير السعيد ، كان التمثال مغطى بطبقات رفيعة من الذهب الخالص ، أما العينان فكانتا من الياقوت اللامع ، وعلى مقبض سيفه كانت تومض جوهرة حمراء كبيرة .

كان التمثال مثير للإعجاب بحق ، " إنه جميل كديك الرياح "(1) هكذا علق أحد مستشارى المدينة وقد كان يرغب فى أن يقال عنه إن لديه ذوقا فنيا ، ولكنه أضاف " ولكنه فقط غير مفيد " فقد كان يخشى أن يقول عنه الناس إنه غير عملى ، وهو ليس كذلك .

" لماذا لا تكون مثل الأمير السعيد؟ " هكذا سألت الأم العاقلة ابنها الصغير الذى كان يبكى لتحضر له القمر ، " لم ير أحدا الأمير السعيد يبكى من أجل شيء ."

" أنا مسرور لأن أحدا فى هذا العالم لا يزال سعيدا ." هكذا تمتم رجل يائس وهو ينظر للتمثال الرائع .

" إنه يبدو كالملاك ." هكذا قال أطفال المبرة أثناء خروجهم من الكاتدرائية بمعاطفهم القرمزية وقمصانهم البيضاء النظيفة . فقال لهم مدرس الرياضيات : " كيف عرفتم ، أنتم لم تروا ملائكة من قبل ." فأجاب الأطفال : " بل رأيناهم ، فى أحلامنا ." ، فعبس مدرس الرياضيات وبدا صارما ، لأنه لم يكن يقبل بأن يحلم الأطفال .

وفى إحدى الليالى حلق فوق المدينة سنونو صغير ، كان أصدقاؤه قد ذهبوا إلى مصر منذ ستة أسابيع ، أما هو فتخلف عنهم ، لأنه كان واقعا فى حب قصبة رائعة الجمال ، كان قد قابلها فى الربيع أثناء تحليقه فوق النهر متتبعا فراشة صفراء كبيرة ، فجذبته القصبة بخصرها الرشيق مما جعله يتوقف ليحادثها .

كان السنونو يحب أن يدخل فى الموضوع مباشرة فقال للقصبة : " هل تسمحين لى بأن أحبك؟" ، فأجابت القصبة بانحناء خفيفة ، فحلق السنونو حولها عدة مرات ولامس بجناحيه المياه ليصنع بها دوائر فضية ، هكذا كان يغازلها ، وظلت الأمور كذلك أثناء الصيف .

كان السنونوات الآخرون يقولون : " هذه ارتباط سخيف ، فالقصبة ليس لديها نقود ، ولديها علاقات أخرى كثيرة " وبصراحة فالنهر به العديد من القصبات . وعندما أتى الخريف رحل كل السنونوات بعيدا .

بعد رحيلهم شعر السنونو بالوحدة ، وبدأ يضجر من حبيبته ، قال : " إنها لا تتكلم ، وأخشى أن تكون مدللة ، فدائما ما تقبل مغازلة الريح ." وفى الحقيقة ، فكلما كانت الرياح تهب كانت القصبة تتمايل بشكل رائع . تابع السنونو : " وأعتقد أنها حرون ، فى حين أنى أحب السفر ، وزوجتى بالتالى عليها أن تحب السفر مثلى ."
فسألها فى نهاية الأمر : " هل ستسافرين معى ؟ " ، ولكنها هزت رأسها ، فهى مرتبطة جدا بالوطن .

فصرخ فيها : " لقد كنت تتلاعبين بى ، سأسافر إلى الأهرام ، وداعا . " وطار بعيدا .

ظل يحلق طوال النهار ، وفى الليل وصل إلى المدينة ، وقال :"أين يا ترى سأتوقف ؟ أرجو أن تكون المدينة قد أجرت استعداداتها ."

ورأى بعد ذلك التمثال على العمود الطويل . فصاح : " سأتوقف هنا ، هذا مكان ممتاز ، وعرضة للهواء النقى ." وحط السنونو بين قدمى الأمير السعيد .

" الآن لدى غرفة نوم ذهبية ." هكذا قال السنونو لنفسه وهو ينظر حوله ، ثم أعد نفسه لينام ، ولكن ما أن وضع رأسه تحت جناحه حتى سقطت قطرة ماء كبيرة عليه ، فصاح : " يا له من شيء غريب . لا توجد سحابة واحدة فى السماء ، والنجوم واضحة ولامعة ، ومع ذلك فهى تمطر، إن المناخ فى شمال أوروبا بشع . إن القصبة تحب الأمطار ، ولكن هذا بالطبع نابع من أنانيتها."

ثم سقطت قطرة أخرى . فقال : " ما فائدة التمثال إذا كان لن يحمينى من الأمطار ، على أن أبحث عن فوهة مدخنة مناسبة ." وهم بالطيران . ولكن قبل أن يفرد جناحيه ، سقطت قطرة ثالثة ، فنظر عاليا ، ورأى .. آه ، ما هذا الذى رآه ؟

كانت عينا الأمير السعيد ممتلئة بالدموع ، وكانت الدموع تنحدر على خديه الذهبيين ، كان وجهه جميلا جدا تحت ضوء القمر بحيث امتلأ السنونو الصغير من الشفقة عليه .

قال السنونو : " من أنت؟ "

" أنا الأمير السعيد ."

فسأله السنونو : " ولماذا تبكى إذن ؟ ، لقد بللتنى تماما ."

فأجاب التمثال : " عندما كنت حيا وكان لدى قلب انسان ، لم أكن أعرف أين هى الدموع ، فقد عشت فى قصر سان سوشى ، وهناك لم يكن مسموحا للحزن بالدخول ، فى النهار كنت ألعب مع رفاقى فى الحديقة ، وفى الليل كنت أدعى للرقص فى البهو العظيم ، وحول الحديقة كان هناك سورا عاليا جدا ، ولم أجرؤ أن أسأل ما الذى يدور وراءه ، فكل شيء حولى كان جميلا جدا ، خدمى أطلقوا علىّ اسم الأمير السعيد ، وقد كنت سعيدا حقا ، إذا كان يمكن أن يطلق على اللذة سعادة ، وهكذا عشت ، ثم مت ، والآن وأنا ميت وضعونى هنا فى مكان عال جدا ، بحيث يمكننى رؤية كل القبح والبؤس فى المدينة ، وبالرغم من أن قلبى مصنوع من الرصاص ، إلا أننى لا أستطيع سوى أن أبكى . "

فقال السنونو لنفسه : " ماذا ، أليس من الذهب الصلب ؟" ، كان السنونو مهذبا بحيث لم يقل ملاحظته بصوت عال .

فأكمل التمثال بصوت حزين وخفيض : " هناك بعيدا ، بعيدا فى الشارع الصغير ، هناك بيت فقير ، إحدى نوافذه مفتوحة ، ومن خلالها يمكننى رؤية امرأة تجلس على منضدة ، وجهها نحيف ومرهق ، ويداها خشنتان وحمراوان من وخزات الإبر ، فهى تعمل بالخياطة ، وهى تطرز الأزهار على الفستان الحريرى لوصيفة الملكة المحبوبة لترتديه فى حفلة القصر القادمة . وعلى السرير فى ركن الحجرة يستلقى طفلها الصغير مريضا بالحمى ، يسألها بعض البرتقال ، وليس لدى أمه شيء لتقدمه له سوى مياه النهر ، لذلك فهو يبكى . أيها السنونو ، أيها السنونو الصغير ، ألا تأخذ الجوهرة من مقبض سيفى ؟ فقدماى مقيدتان بالقاعدة ولا يمكننى أن أتحرك ."

فقال السنونو : " إنهم ينتظروننى فى مصر ، أصدقائى يحلقون فوق النيل ، ويتحدثون مع زهور اللوتس الكبيرة . وبعد قليل سوف ينامون فى مقبرة الملك العظيم ، الملك هناك بنفسه داخل التابوت الملون ، ملفوف بالكتان الأصفر ، ومحنط بالأطياب ، حول عنقه سلسلة من اليشب الأخضر الشاحب ويديه مثل ورق الشجر اليابس . "

فقال الأمير : " أيها السنونو ، أيها السنونو الصغير ، ألن تبقى معى ليلة واحدة ، تكون رسولى فيها ؟ فالصبى عطشان جدا ، وأمه حزينة جدا . "

فأجاب السنونو : " أنا لا أظن أننى أحب الصبية ، فى الصيف الماضى عندما كنت أحط عند النهر ، كان هناك ولدان مشاكسان ، كانا ابنا الطحان ، وكانا يقذفاننى دوما بالأحجار ، هما لم يصيبانى بالطبع ، فنحن السنونوات نستطيع الطيران بعيدا من أجل هذا ، إلى جانب ذلك ، فأن جئت من عائلة شهيرة بسرعتها ، ومع ذلك فتصرفهما كان يعبر عن عدم الاحترام . "

ولكن الأمير السعيد بدا حزينا بحيث شعر السنونو بالأسف ، فقال : " الجو بارد جدا هنا ، ولكنى سأظل معك ليلة واحدة ، وأكون رسولك فيها . "

فقال الأمير : " شكرا لك أيها السنونو الصغير . "

وهكذا التقط السنونو الجوهرة العظيمة من سيف الأمير ، وطار بها وهى فى منقاره فوق أسطح المدينة . ومر ببرج الكاتدرائية ، حيث تماثيل الملائكة الرخامية البيضاء . ومر بالقصر وسمع صوت الرقص بالداخل ، وشاهد فتاة جميلة تخرج إلى الشرفة مع حبيبها ، كان يقول لها : " كم هى رائعة النجوم ، وكم هى رائعة قوة الحب . "

فأجابت : " أتمنى أن يكون فستانى جاهزا فى موعده من أجل الحفل الرسمى ، كنت قد طلبت أن تطرز الأزهار عليه ، ولكن الخياطة كسولة جدا . "

ومر فوق النهر ، ورأى المصابيح معلقة على سوارى السفن ، ومر فوق الجيتو (2) ورأى اليهود الكهول يساومون بعضهم ويزنون الأموال فى موازين نحاسية . وفى النهاية وصل للبيت الفقير ، ونظر بالداخل ، كان الطفل يرتعش على السرير بسبب الحمى ، وكانت الأم نائمة ، كانت متعبة جدا ، فقفز إلى الداخل ، ووضع الجوهرة العظيمة على المنضدة بجانب قمع خياطتها ، ثم طار بهدوء نحو السرير وروّح بجناحيه على جبين الصبى . فقال الصبى : " أنا أشعر ببرودة ، لا بد أننى أتحسن . " ثم استغرق فى غفوة لذيذة .

بعدها طار السنونو عائدا للأمير السعيد ، وأخبره بما فعله ، وعلق : " هذا غريب ولكنى أشعر بالدفء الآن بالرغم من أن الجو شديد البرودة . "

فقال الأمير : " هذا لأنك قمت بعمل طيب . " فبدأ السنونو الصغير يفكر ثم استغرق فى النوم ، فالتفكير دوما كان يجعله ينام . وعندما طلع النهار طار نحو النهر ليستحم . " سنونو فى الشتاء ، يالها من ظاهرة لافتة . " هكذا قال أستاذ فى علم الطيور أثناء مروره على الجسر ، ثم كتب خطابا طويلا عن ذلك وبعثه للجريدة المحلية ، كل الناس رددوا ما فى الخطاب ، فقد كان ممتلئا بالكلمات التى لم يستطيعوا فهمها .

قال السنونو : " الليلة سأذهب إلى مصر . " وقد كانت معنوياته عالية جدا لذلك ، فقد زار كل المعالم العامة ، وجلس لوقت طويل على قمة برج الكنيسة ، وأينما ذهب كانت العصافير تزقزق : " يا له من غريب مميز . " ، وهكذا استمتع كثيرا .

وعندما ظهر القمر ، طار عائدا إلى الأمير السعيد ، وصاح : " هل لديك أى طلبات من مصر، فسأبدأ رحلتى . "

فقال الأمير : " أيها السنونو ، أيها السنونو الصغير ، ألن تبقى معى ليلة واحدة أخرى ؟ "

فأجاب السنونو : " إنهم ينتظروننى فى مصر ، أصدقائى غدا سيطيرون نحو الشلال الثانى ، حصان النهر يربض هناك وسط البردى ، وعلى العرش الجرانيتى العظيم يجلس الإله ممنون ، طوال الليل يشاهد النجوم ، وعندما يشرق نجم الصباح يطلق صيحة الفرح ثم يظل صامتا ، وفى الظهيرة تأتى الأسود الصفراء إلى حافة النهر لتشرب ، لديها عيون كالجواهر ، وزئيرها أعلى من صوت الشلال ."

فقال الأمير : " أيها السنونو ، أيها السنونو الصغير هناك بعيدا فى المدينة ، أرى شابا فى علية، يتكئ على مكتب مغطى بالأوراق ، وفى بجانبه قدح فيه حزمة من البنفسج الذابل ، شعره بنى ومجعد ، وشفتاه حمراوان كالرمان ، ولديه عينان كبيرتان حالمتان ، هو يحاول إنهاء مسرحية لمدير المسرح ، ولكنه يشعر بالبرد فلا يستطيع أن يكتب شيئا ، لا توجد نار بمدفئته ، والجوع جعله يخور ."

" سأبقى معك ليلة واحدة أخرى " هكذا قال السنونو ، لأنه بالفعل كان يملك قلبا طيبا ، " هل آخذ له جوهرة أخرى ؟ "

فقال الأمير : " للأسف ، ليس لدى جوهرة الآن ، كل ما يتبقى لى هو عيناى ، هما من الياقوت النادر ، الذى جاؤوا به من الهند من ألف عام ، اقتلع واحدة منهما وخذها إليه ، سيبيعها عند الجواهرجى ، ليشترى طعاما وخشبا للمدفأة ، ولينهى مسرحيته . "

قال السنونو : " أيها الأمير العزيز ، أنا لا أستطيع أن أفعل ذلك ." ثم هم بالبكاء .

فقال الأمير : " أيها السنونو ، أيها السنونو الصغير ، إفعل ما آمرك به ."

وهكذا اقتلع السنونو واحدة من عينى الأمير وطار بها لعلية الطالب ، كان من السهل عليه أن يدخل إليها ، فقد كان هاك شق فى السطح من خلاله تسلل إلى داخل الحجرة ، كان الشاب يدفن رأسه بين يديه ، فلم يكن بإمكانه سماع رفرفة جناحى الطائر ، وعندما رفع رأسه وجد الياقوتة الجميلة موضوعة فوق البنفسج الذابل . فصاح : " لقد بدأوا يقدروننى ، هذه الياقوتة من معجب كبير ، الآن أستطيع إنهاء مسرحيتى ." وبدا سعيدا جدا .

فى اليوم التالى طار السنونو نحو الميناء ، وحط على سارية سفينة ضخمة وتابع البحارة وهم يرفعون الصناديق الثقيلة بواسطة الأحبال ، كانوا يصيحون " ارفع يا فتى " بينما يرتفع كل صندوق ، فصاح السنونو : " أنا ذاهب إلى مصر ." ، ولكن لم يكن أحد يهتم ، وعندما ظهر القمر طار عائدا إلى الأمير السعيد . وصاح قائلا : " جئت لأقول لك وداعا ."

فقال الأمير : " أيها السنونو ، أيها السنونو الصغير ، ألن تبقى معى ليلة واحدة أخرى ؟ "

فأجاب السنونو : " إنه الشتاء ، والبرد القارس سيصل قريبا ، فى مصر هناك الشمس تشع الدفء على أشجار النخيل الخضراء ، والتماسيح تستلقى متكاسلة وسط الطمى ، رفاقى الآن يبنون عشا داخل معبد بعلبك (3) ، واليمام الأبيض والوردى يراقبهم ويغازلون بعضهم البعض ، أيها الأمير العزيز ، علىّ أن أتركك ، ولكنى لن أنساك أبدا ، وفى الربيع القادم سأحضر لك حجرين كريمين بدلا مما أخذتهما منك ، الجوهرة ستكون أكثر احمرارا من الزهرة الحمراء ، والياقوتة ستكون زرقاء كالبحر العظيم . "

قال الأمير السعيد : " هناك فى الميدان بالأسفل ، تقف بائعة أعواد ثقاب صغيرة ، وقد سقطت منها الأعواد فى المزراب ففسدت جميعها ، سيضربها أبوها إن لم تعد إلى البيت ببعض النقود ، وهى الآن تبكى . الفتاة ليس لديها حذاء ولا جوارب ، وتسير برأس عار ، اقتلع عينى الأخرى وأعطها لها ، حتى لا يضربها أبوها . "

فقال السنونو : " سأبقى ليلة واحدة أخرى ، ولكنى لا أستطيع اقتلاع عينك ، ستصير أعمى تماما بعد ذلك . "

فقال الأمير : " أيها السنونو ، أيها السنونو الصغير ، إفعل ما آمرك به ."

فاقتلع السنونو عين الأمير الآخرى ، وتسلل إلى الأسفل بها ، نزل بالقرب من بائعة الثقاب ، وألقى بالجوهرة فى راحة يدها ، فصاحت الفتاة : " يا لها من قطعة زجاجية جميلة ." ثم جرت إلى البيت وهى تضحك .

وهكذا عاد السنونو للأمير وقال : " أنت الآن أعمى ، لذلك سأبقى معك دائما ."

فقال الأمير الطيب : " لا أيها السنونو ، عليك أن تذهب إلى مصر ."

فقال السنونو : " بل سأظل معك دائما ." ونام بين قدمى الأمير .

وطوال اليوم التالى حط السنونو على كتف الأمير ، وأخبره بالعديد من العجائب التى رآها فى البلاد الغريبة ، أخبره عن طيور أبو منجل الحمراء ، التى تقف فى صفوف طويلة على ضفاف النيل ، لتلتقط الأسماك الذهبية بمناقيرها ، وحدثه عن أبى الهول ، القديم قدم العالم نفسه ، والذى يعيش فى الصحراء ، والذى يعلم كل شيء ، وحدثه عن التجار الذين يسيرون ببطء بجانب جمالهم ، ويحملون بأياديهم حب الكهرمان ، وعن ملك جبال القمر ، الأسود مثل الأبنوس ، والذى يعبد بلورة عظيمة ، وعن الثعبان الأخضر العظيم الذى ينام داخل شجر النخيل ، لديه عشرون كاهنا يطعمونه بكعك العسل ، وعن الأقزام الذين يبحرون على أوراق شجر مسطحة ضخمة فى البحيرات العظمى ، ودائما ما يحاربون الفراشات ."

فقال الأمير : " أيها السنونو العزيز ، لقد أخبرتنى بالأشياء العجيبة ، ولكن ليس هناك ما هو أعجب من معاناة الرجال والنساء ، ولا يوجد شيئ غريب بقدر البؤس ، طر فوق المدينة أيها السنونو الصغير ، وأخبرنى عما تراه . "

هكذا طار السنونو فوق المدينة العظيمة ورأى الأغنياء يصنعون البهجة فى بيوتهم الجميلة ، فى حين أن الشحاذين يجلسون عند الأبواب . وطار نحو الأزقة المظلمة ورأى وجوه الأطفال بيضاء من الجوع ينظرون بوهن نحو الشوارع السوداء ، وتحت قنطرة الجسر كان هناك صبيان يستلقيان على ذراع بعضهما ليبقيا أنفسهما دافئين ، يقولان : " كم نحن جوعى ." ، ويصرخ فيهما الشرطى : " ممنوع أن تستلقيا هنا ." ، فيهربان تحت الأمطار .

ثم عاد السنونو وأخبر الأمير بما رآه ، فقال الأمير : " أنا مغطى بالذهب الخالص ، عليك أن تنتزعه طبقة وراء طبقة ، وتعطيه للفقراء ، فالأحياء دائما ما يعتقدون أن الذهب يمكنه جعلهم سعداء ."

أخذ السنونو ينتزع الذهب طبقة وراء طبقة ، حتى بدا الأمير السعيد رماديا ورثا تماما ، طبقة وراء طبقة من الذهب الخالص كان يحضرها للفقراء ، حتى أصبحت وجوه الأطفال مشرقة ، وضحكوا ولعبوا فى الشوارع ، كان يصيحون : " لدينا الخبز الآن ."

ثم جاء البرد القارس ، وبعد البرد الثلوج ، بدت الشوارع وكأنها مصنوعة من الفضة ، كانت ناصعة ومضيئة ، والبَرَد كأنه مُدى بللورية معلقة على أفاريز البيوت ، كل من يخرج كان يرتدى الفرو ، والصبية الصغار كانوا يرتدون قبعات أرجوانية ويتزلجون على الجليد .

كان السنونو الصغير الطيب يشعر بالبرد شيئا فشيئا ، ولكنه لم يترك الأمير ، لأنه كان يحبه كثيرا ، كان يلتقط كسر الخبز من خارج باب الخباز حينما كان الخباز يولى وجهه ، وكان يحاول ابقاء نفسه دافئا برفرفة جناحيه .

ولكن فى النهاية عرف أنه سيموت ، كان لديه بعض القوة ليطير نحو كتف الأمير مرة أخرى ويتمتم : " وداعا أيها الأمير العزيز ، هل تسمح لى بأن أقبل يدك ."

فقال الأمير : " أنا سعيد لأنك ستذهب إلى مصر أخيرا أيها السنونو الصغير ، فقد بقيت طويلا هنا ، ولكن عليك أن تقبلنى فى شفتىّ ، لأننى أحبك ."

فقال السنونو : " أنا لست ذاهبا إلى مصر ، بل إلى منزل الموت ، الموت شقيق النوم ، أليس كذلك ؟" ثم قبل الأمير السعيد فى شفتيه ، ثم سقط ميتا عند قدميه .

فى هذه اللحظة سُمع صوت شرخ عظيم داخل التمثال ، وكأن شيئا قد كُسر ، والحقيقة أن القلب المصنوع من الرصاص انشق إلى نصفين ، لقد كان الصقيع بشعا بالفعل .

فى باكر اليوم التالى ، كان العمدة يسير فى الميدان بالأسفل ومعه مستشارى المدينة ، أثناء مروروهم على العمود ، نظر العمدة نحو التمثال وقال : " ياللهول ، كم يبدو الأمير السعيد رثا ."

فصاح المستشاران : " كم يبدو رثا فى الحقيقة ." فقد كانا يوافقان العمدة دوما ، ثم صعدا لينظرا إليه .

قال العمدة – وكان يقول الحقيقة - : " لقد سقطت الجوهرة من سيفه ، وكذلك عيناه ، ولم يعد ذهبيا كما كان ، إنه ليس أفضل كثيرا من شحاذ ."

فقال المستشاران : " ليس أفضل من شحاذ ."

تابع العمدة : " وهناك عند قدميه يقبع طائر ميت ، علينا أن نصدر قرارا لا يسمح بأن تموت الطيور هنا ." فسجل كاتب المدينة هذا الاقتراح .

وهكذا أسقطوا تمثال الأمير السعيد ، " طالما لم يعد جميلا فهو غير مفيد ." هكذا قال أستاذ الفن بالجامعة . وصهروا التمثال فى الفرن ، وعقد العمدة اجتماعا لمجلس المدينة ليقرروا ماذا يفعلون بالمعدن ، قال العمدة : " علينا أن نصنع تمثالا آخر ، وسيكون تمثالا لى . "

فقال مستشارا المدينة : " سيكون تمثالا لى . " ، ثم تشاجرا ، آخر مرة سمعتهم فيها كانا لا يزالا يتشاجران .

" ياله من شيء غريب ." هكذا قال ملاحظ العمال فى مسبك المعادن " هذا الرصاص المكسور لا ينصهر فى الفرن ، علينا أن نلقيه إذن ." ، فألقوه على كومة القمامة حيث رُمى السنونو الميت .

قال الله لملائكته : " أحضروا لى أكثر شيئين ثمينين فى هذه المدينة ." ، فأحضروا له القلب المصنوع من الرصاص والطائر الميت . فقال الله : " لقد أحسنتم الاختيار ، فالطائر الصغير سيغنى إلى الأبد فى حديقة الفردوس ، والأمير السعيد سيمدحنى للأبد فى مدينتى الذهبية . "

***

(1)weathercock ديك من المعدن كان يوضع على الأبنية القديمة ليحدد اتجاه الرياح ، يمكنكم رؤيته فى مصر على قمة بعض الكنائس القديمة .

(2) الجيتو فى أوروبا هو مكان تجمع اليهود ، مثل حارة اليهود لدينا

(3)لا أعرف أى معبد يقصد

***

ملحوظة : على حد علمى فقصة الأمير السعيد ترجمت أكثر من مرة إلى اللغة العربية ، وإن كنت لم أطلع على أى ترجمة منها ، ولكن فى حالة الرغبة فى استخدام هذه الترجمة بأى طريقة فرجاء ذكر اسم المترجم ومصدر الترجمة .

للنص الانجليزى اضغط هنا

0 comments: