حوار نوبل.. كازو إيشيجورو: انضممت إلى قائمة تحوي الكثير من الأبطال العظام

بعد إعلان فوز كازو إيشيجورو بجائزة نوبل في الأدب لعام 2017، أجرى آدم سميث، المسؤول الإعلامي للجائزة، حوارًا مع الكاتب الإنجليزي عن الجائزة التي لم يتوقعها، وعن صحبة الأدباء الذين سينضم إليهم. 

حوار آدم سميث 
ترجمة عن موقع جائزة نوبل

ترجمة: أمير زكي
أكتوبر 2017
نُشرت بموقع المنصة



***

كازو إيشيجورو: مرحبًا يا سيد سميث، كيف حالك؟

آدم سميث: في حال طيبة. شكرًا جزيلًا لك على تلقي الاتصال، هذا لطف منك. مبروك على جائزة نوبل.

إيشيجورو:  نعم. شكرًا لك، آسف على فترة الانتظار، هناك فوضى شديد للأسف. فجأة ظهر العديد من الصحفيين وهم يقفون في طابور بالشارع.

سميث: يمكنني تخيل ذلك. بالطبع لا بد أن يومك تغير تمامًا بطريقة غير متوقعة. كيف تلقيت الخبر؟

إيشيجورو: كنت أجلس في المطبخ أكتب بريدًا إلكترونيًا لصديق حين رن جرس التليفون. في البداية لم أكن متأكدًا تمامًا، وكلائي الأدبيون كانوا يشاهدون البث الحي وشهدوا الإعلان. لا أعتقد أنهم كانوا يتوقعون ذلك، كانوا ينتظرون فقط معرفة الفائز بالجائزة هذا العام. وبدأت أستقبل الاتصالات، وفي كل مرة كنا نحاول أن نتأكد إذا كان الأمر شائعة أو إذا كانت الأخبار مزيفة، أو ما هي حقيقة الأمر. ثم بدأ الأمر يتأكد شيئًا فشيئًا. في هذا الوقت اتصلت بي شبكة بي بي سي، فأخذت المسألة بجدية. كان الأمر أشبه بكون سفينة ماري سيليست(1) هنا، كل شيء كان في مكانه حتى الساعة الحادية عشر، ثم بدأ كل شيء، ومن ساعتها بدأ الصخب، الآن يشكل الناس طابورًا في الشارع بانتظار إجراء حوارات صحفية.

سميث: بالتالي هل بدأت استيعاب الأمر؟

إيشيجورو: لا، لا، لا أظن أنني سأستوعب الأمر لوقت طويل. أعني، هذا شرف كبير إلى حد مضحك، كبير بأعلى قدر ممكن. لا أعتقد أنك ستحصل على جائزة أكبر من نوبل. أعنى أن أحد التعليقات التي سأقولها إن الكثير من هذا الفخر يرجع إلى أن الأكاديمية السويدية، على ما أعتقد، تظل بعيدة عن الجدالات السياسية وهكذا. وأظن أنها واحدة من الأشياء القليلة التي ما زالت تلقى احترام العديد من الناس في أنحاء العالم، بالتالي أظن أن حس الشرف النابع من استقبال الجائزة يرجع إلى القامة الحقيقية للأكاديمية السويدية. وأظن أن هذا إنجاز كبير في ذاته، إذ استطاعت الأكاديمية السويدية طوال هذه السنين أن تحافظ على قيمتها الكبيرة، في كل مسارات الحياة التي تكرمها. وهناك سبب آخر في أنه شرف عظيم لي بسبب... كما تعرف، انضممت إلى قائمة تحوي الكثير من الأبطال العظام، كُتَّاب عظام بحق. أعظم كُتَّاب في التاريخ حصلوا على الجائزة. وكما تعرف، ينبغي أن أقول إنه أمر رائع أن أحصل عليها بعد عام من فوز بوب ديلان بها، لقد كان بطلي منذ كنت في الثالثة عشر من عمري. ربما كان بطلي الأكبر على الإطلاق.

سميث: من اللطيف أن تنضم إلى هذه الصحبة.

إيشيجورو: نعم، وأنا بارع في تقليد بوب ديلان، ولكني لن أقوم بذلك الآن.

سميث: خسارة، كنت أحب أن أشاهد ذلك. ولكن على الأقل يمكنك أن تؤدي ذلك في ستوكهولم في ديسمبر، من فضلك.

إيشيجورو: بالطبع، سأحاول ذلك.

سميث: ينبغي عليك ذلك، هذا توقيت غريب في بريطانيا في هذه اللحظة. هل يضيف هذا أهمية خاصة في تلقيك للجائزة؟

إيشيجورو: أعتقد أن له أهمية، في الحقيقة قبل أن أرفع سماعة التليفون لأرد عليك، كتبت ما يشبه البيان المخصص للصحافة، وكنت أحاول أن أفكر فيما يمكن أن أقول في ثلاث جمل، وأظن أن التوقيت مناسب لي، لأنني أشعر... أنا في حوالي الثالثة والستين من عمري، ولا أذكر الوقت الذي لم نكن واثقين فيه من قيمنا في العالم الغربي. كما تعرف، أظن أننا نمر بزمن ينتابه عدم ثقة شديد في قيمنا وقياداتنا. لا يشعر الناس بالأمان، بالتالي آمل أن تسهم أشياء مثل جائزة نوبل بشكل ما في تأدية أدوار إيجابية في العالم، وللقيم الراقية في العالم، وهذا سيسهم في نوع من من الاستمرارية والرقي.

سميث: أعتقد أنك بطريقة ما كتبت طوال الوقت عن قضية موضعنا في العالم، وعلاقتنا ببعضنا، علاقتنا بالعالم. ربما كان هذا أكثر موضوع بحثته، هل هذا صحيح؟

إيشيجورو: نعم، سأقول نعم، أظن أنني أعني.. إذا ضيقت هذه الفكرة قليلًا، أعني أن هذا من المرجح... أحد الأشياء التي تعنيني دومًا هي كيف نعيش في عوالم صغيرة وعوالم كبيرة في الوقت نفسه، أن لدينا مساحة شخصية نحاول فيها أن نجد التحقق والحب، ولكنها تتقاطع حتمًا مع عالم أكبر، يمكن أن تهيمن عليه السياسة أو حتى العوالم الديستوبية. بالتالي أظن أنني كنت دومًا مهتمًا بذلك. نحن نعيش في عوالم صغيرة وعوالم كبيرة، وكما تعرف، نحن لا نستطيع أن ننسى أيًا منها.

سميث: شكرًا لك، وأعتقد أننا سنتحدث عن هذه الأشياء في وقت لاحق.

إيشيجورو: نعم.

سميث: في هذه اللحظة، عليك أن تفكر كيف ستتصرف مع هذا الكم من الصحفيين. هناك فكرة أخيرة، هل تشعر بطوفان الاهتمام الذي توشك على تلقيه؟

إيشيجورو: أعتقد أنني أتعامل مع الأمر بإيجابية. أعني أنه بينما سيؤدي ذلك إلى القليل من عدم الاستقرار، لأني لم أكن أعلم حين استيقظت هذا الصباح أن اليوم سيختلف عن أي يوم عادي. أعتقد أنه شيء عظيم أن الصحافة والإعلام يتعاملان مع جائزة نوبل في الأدب بهذه الجدية. سأشعر بالقلق الشديد إذا حل يوم يفوز فيه شخصًا ما بجائزة نوبل في الأدب ولا يأبه أحد بذلك. هذا سيدل على أن هناك أشياء فظيعة حدثت للعالم.

سميث: اليوم الذي يُحتفى فيه بالأدب هو يوم رائع.

إيشيجورو: نعم، وأعتقد أنه يمكن للأدب أن يكون شيئًا عظيمًا، وفي بعض الأحيان يكون دافعًا للأشياء السيئة أيضًا. كما تعلم، أظن أن جائزة نوبل في الأدب موجودة لتحاول تأكيد هذا الدافع الخيِّر فيه.

سميث: عظيم، شكرًا جزيلًا لك، ونحن ننتظر بنفاد صبر الترحيب بك في ستوكهولم في ديسمبر.

إيشيجورو: نعم، أترقب ذلك. من اللطيف التحدث إليك يا سيد سميث.

سميث: شكرًا جزيلًا لك.


إيشيجورو: لتصحبك السلامة.

------
(1) Mary Celeste سفينة تجارية أمريكية، اكتُشفت عند جبال الآزور على المحيط الأطلنطي، بحال جيدة، ولكن بدون طاقمها الذي اختفى ولم يعرف أحد سر اختفائه. 

كازو إيشيجورو: هناك جانب بارد قليلًا في كتابة الأدب

في عام 2015، وقبل عامين من حصوله على جائزة نوبل في الأدب، حاورت جابي وود الكاتب الإنجليزي كازو إيشيجورو، بمناسبة روايته الأخيرة "العملاق المدفون" التي نشرها بعد فترة انقطاع استمرت عشر سنوات. يتحدث إيشيجورو في الحوار عن سبب كتابته للرواية الأخيرة في مكان غريب وزمان سحيق، وعن الأشياء الكبيرة التي تفضل الشعوب أن تخفيها من تاريخها، وعن ضيقه ممن يقرأون أعماله بحثًا عن الدقة التاريخية.

حوار جابي وود

ترجمة: أمير زكي
أكتوبر 2017
نُشرت في موقع المنصة



***

"سألني شخص ما عما كنت أفعله في فترة الانقطاع"، يقول كازو إيشيجورو بضحكة طفولية: "فكرت في أنه صحيح أنها كانت فترة انقطاع امتدت عشر سنوات منذ روايتي الأخيرة، ولكن بشكل شخصي أنا نفسي لم أقض عشر سنوات منقطعًا".

أعتقد أن هذا يشرح الأمر بعض الشيء، إيشيجورو واحد من أفضل الروائيين الأحياء في بريطانيا، وهكذا يجعلنا نترقَّب. يشرح لي عندما أزوره في منزله بجولدرز جرين: "أقضي وقتًا طويلًا حتى أجد مشروعًا أعتقد أنه سيكون جيدًا بما يكفي. أظن أنني تجاهلت الكثير من الأفكار. كثيرًا ما تكون لديّ أفكار أو قصة – وحتى الانفعالات التي تخرج منها – ولكن لا تكون لديّ القطعة الأخيرة من البازل".

"العملاق المدفون" أول رواية له منذ رواية "لا تدعني أرحل" قوبلت بتوقُّع لاهث وبعض الارتباك، لأنها بحسب قوله تجري "عند نهاية إنجلترا" قبل أن يمحو الأنجلوساكسون البريتونيين، فيما اعتبره بعض المؤرخين إبادة جماعية. كانت الأرض كئيبة وموحشة، يسكنها الغيلان والتنانين، والمتبقين المنهكين من بلاط الملك أرثر. إذا كان المكان الذي تدور فيه أحداث الرواية غير متوقع، فأكثر شخص لم يتوقعه هو الكاتب نفسه. يقول: "ليس هذا ما تعودت عليه". في الكتاب، يتعرض غرب البلاد، وربما ما يجاوزها، لوباء النسيان، هناك ضباب نعرف أنه يتشكل من أنفاس تنين أنثى تدعى كويريج، التي لا بد أن تُذبَح إذا أراد الناس أن يتذكروا أي شيء. ولكن من يجرؤ على تذكر كل شيء، وما هي مخاطر ذلك؟

كانت الفكرة تدور في عقل إيشيجورو منذ 15 عامًا. يقول: "كتبت كل هذه الكتب عن أفراد يكافحون مع ذكرياتهم الشخصية، ولايعرفون متى يخبئون ماضيهم ومتي يواجهون هذا الماضي بنوع من الإصرار. ولكن ما أردت أن أفعله حقًا هو أن أكتب عن هذا النوع من الكفاح على المستوى الاجتماعي. عندما تنظر لمعظم البلاد تجد أن لديها أشياء كبيرة مدفونة".


في أحد أجزاء كتابه الأخير، يصل إلى مساءلة الفكرة اليهودية المسيحية عن الذنب. يقول: "على الرغم من أنني لست مسيحيًا، تعجبت في بعض الأحيان من هذا الأمر. فكرة أن يكون لديك إله رحمته غير متناهية أذهلتني كفكرة مناسبة، وذلك في نظام أخلاقي بمركز إمبراطورية مضطربة". ولكنه وجد إنه إذا جرت أحداث الكتاب في فرنسا ما بعد الحرب أو جنوب أفريقيا أو يوغوسلافيا أو اليابان، سينحرف المعنى ويقتصر فقط على هذا المكان، ولكنه أراد شيئًا أكثر كلية.

ثم في أحد الأيام كان يقرأ نسخة قديمة من قصة "جوين والملك الأخضر" (1)، وبينما كان جوين يمتطي حصانه وينتقل من قلعة إلى أخرى – هذا الذي كان يستغرق حوالي ثلاث ستانزات – كان هناك وصف لبريطانيا الموحشة في ذلك الوقت، كان يسافر عبر المستنقعات والأراضي الضحلة، وأثناء نومه كان معرضًا لعناصر الطبيعة، وفي طريقه كان يقاتل التنانين والذئاب والغيلان والثيران والدببة. يقول إيشيجورو إن هذه الفقرة القصيرة "فتحت لي عالمًا كاملًا، وفكرت إن هذا أمر طيب، وتساءلت إن كان هذا هو المكان الذي كنت أبحث عنه طيلة الوقت".

ولكنه تبنى الفكرة مع بعض التحفظ: "لم أفكر كثيرًا، أنا أحب التحدي. ثم قلت يا إلهي، ينبغي أن يرتدوا أخفافًا، وأي نوع من السيوف ينبغي أن تكون معهم؟ وكيف سيتحدثون إلى بعضهم؟ أثبتت التفاصيل أنها ستمثل مشكلة كبيرة". وبعد أن كتب ثلثها بدأت تراوده الشكوك. وعلى الرغم من أنه لم يكن يميل لفعل ذلك في كتبه السابقة، جعل زوجته الذكية والنشيطة لورنا تقرأ ما كتب. يقول وهو يضحك: "لا أعتقد أنني سأفعل ذلك مجددًا، ولكنها أكدت مخاوفي. قالت لي: لا يمكن أن تجعلهم يتحدثون بهذه الطريقة، هذا غير طبيعي". بالتالي نحّى الرواية جانبًا لعدة سنوات، حتى شعر إنه بإمكانه العودة إليها "بدون أن يرغم نفسه كثيرًا".

إيقاع "العملاق المدفون" يتسم بالتمهل، وبلا شك سيجد بعض القراء صعوبة في التعود على عالمها الحر البطيء. ولكن الكتاب يتجه إلى شيء عظيم ويكسر القلب، ليس ذروة محددة، ولكن حركة شطرنج تترك شقوقًا في الرقعة نفسها. كل المساعي التي تتحرك إليها الشخصيات – أن تذبح التنين، أن تجد ابنًا، أن تصل لأم، أن تنتقم، أن تستعيد ذاكرتها – ليست سوى مشتتات عن الحقيقة الضمنية، وهي أن المشكلة ليست في التنين، إنما في البشر الذين فرضوا سحرها، وأن خطة هؤلاء الذي فرضوا السحر تختلف عما تتوقع، لأن نتائج التخلص من السحر ستكون وحشية. ما يبدو كأنه سرد لرحلة؛ يقترب أكثر من كونه حبكة لفيلم وسترن أو فيلم عصابات: أي جانب ينتمي إليه أي شخص؟ وما الذي يحمونه؟ ومتى بدأت تلك الصراعات القديمة؟ وفي النهاية مَن هو البطل؟

في البداية، تبدو قصة رمزية أو على نمط القصص الشعبية المباشرة، ولكن الشخصيات المبنية بعمق على مادة أسطورية، غير ملائمة لذلك. على سبيل المثال، كلا من المحارب الساكسوني وستان، وجوين فارس الملك آرثر ذي الثياب الرثة، يبدوان وكأنهما يعرفان آكسل، البريتوني العجوز الذي يبدأ به الكتاب. في كل مرة يستعيدان شيئًا عنه في ذاكرتهما، ويبدو أن القارئ وصل إلى دليل ما. ولكن هل تحاول هذه الشخصيات أن تتذكره حقًا، أو هل يعرفان تمامًا من هو. نحن لا نعرف إذا كان الضباب قد أثر على كل الناس بقدر متساو. حتى قبل أي فعل مباشر، فالأرض هي ميدان معركة للعقل، مكان يتلاشى فيه رشد الناس على مستويات متعددة، حيث الأبطال مرضى، لأنهم لا يعرفون من هم، أو ما الذي كانوا يتشاركونه مع من حولهم.

في النهاية، نعرف أكثر عن طبيعة أكسل في حياته المبكرة. في الروايات الأقل مهارة كنا سنجد الكثير من المعلومات عن ذلك. أما هنا، فالمكانة التي ارتقى إليها في المجتمع ليست بذات أهمية بقدر حوادث الفقد التي مر بها مع زوجته بياتريس. تكاد حرب أن تندلع في البلد كله، سببها الكراهية واسعة المدى، ولكن مآسي آكسل وبياتريس ربما كانت أكثر مما يمكن تجاوزه.

موضوع الرواية ليس فقط النسيان، ولكنه التذكر الزائف أيضًا. نعرف هذا من وقت مبكر، لأنه عندما ينطلق الزوجان في رحلة للعثور على ابنهما، لا تكون لديهما فكرة أين يعيش، ولا يذكران لماذا لم يعد يعيش بينهما. ومع تقدم الرحلة، تحظى قصتهما بالإلحاح والتفصيل – لا يعيش ابنهما بعيدًا للغاية، وهو ينتظر قدومهما بنفاد صبر، لا بد أنه يتساءل عما يبقيهما بعيدًا، على الرغم من عدم وجود أي مصدر لتلك التأكيدات. ولأن هذه هي القصة التي يعيشان عليها، فلا بد أن تحظى بالزخم.

على الرغم من أن المعجبين برواية "الهوبيت" أو "لعبة العروش" لن يجدا التفاصيل الكثيفة التي ربما يرغبون فيها، سيدرك المعجبون بإيشيجورو الكثير هنا؛ قد يكون هذا منطق حلم، أو ذكرى مدفونة، فرغبة المرء في مد الزمن الذي يقضيه مع من يحبه، والحس الملح بالواجب أو هاجس الذنب المبرر، فرواياته محكومة بما لا يمكن الوصول إليه. تدعو بياتريس النسيان بـ "الضباب"، وهذه كلمة مناسبة لما ابتكره إيشيجورو في أعماله، الظل الذي يلقيه في خلفية عقل المرء. بهذا المعنى، تمثل أنفاس كويريج استدعاء مختصر لما أظهره لنا إيشيجورو على مر السنوات، وهذا تراكم من نوع ما.

في أحد أركان غرفة جلوس إيشيجورو يوجد عدد من الجيتارات على الحوامل. يمسك بواحد منها، ويبدأ بعزف مقطوعة بلوز خفيضة. يقول لي إنه عندما كان مراهقًا كان يعزف الموسيقى، ويشاهد العديد من الأفلام، ونادرًا ما كان يقرأ، وعلى الرغم من ذلك يشير لي أن هذا ليس أمرًا غير معتاد على صبي. لم يبدأ الأمر سوى في بداية العشرينيات، عندما اكتشف فجأة دستويفسكي وشارلوت برونتي، لينغمس في الكتب. الكثير مما تعلمه عن الكتاب جاء من كتابة الأغاني. مر بـ "مرحلة القلق المراهقة" و"تيار الوعي"، وفي النهاية عندما سجل "مقطوعة سيئة" جدًا في غرفة نومه، كان عدم الاكتمال هو أسلوبه. في هذا الوقت بدأ كتابة الأدب. روايتاه الأوليان "منظر شاحب للتلال" و"فنان من العالم الطليق" تبدوان كأنهما مكتوبتان لصوت، يشير إلى أنه تخيلهما كمونولوجين مطولين.

على الأقل، هذه هي القصة هي التي قالها لنفسه على الدوام، ولكن مؤخرًا حين كان يرتب أوراقه لوضعها في أرشيف، صادف أن عثر على ما أطلق عليه "الراويتين المفقودتين". يقول: "هذه هي مسألة قمع الذاكرة الفردية"، يضحك، ويشير إلى "العملاق المدفون"، في الحقيقة يشير إلى أعماله كلها: "لقد ظننت أن هذه الأمور عادية – ابتكرت سردًا يخصني أدى إلى عدم اكتمال الروايات السابقة لـ (منظر شاحب للتلال). في الحقيقة هناك ثلاث مسودات من كل رواية. كانت هذه صدمة خفيفة بالنسبة لي، أنها وجدت بهذا الشكل المكتمل. الرواية الأولى كانت بشعة، كئيبة للغاية. لملايين السنين لا يمكن أن أظن أن كاتبها سيكون كاتبًا في المستقبل. ثم كانت الرواية الثانية، وهذه كتبت بحرص، ما جعل الأمر مربكًا بشكل أكبر".

إيشيجورو، الذي يذهلك بأنه غير منكفئ على ذاته، يضم الآخرين إلى تجربته؛ يقول إنه لهذا السبب، فإنه إذا قرأ كتابة لشخص لا يعتقد أنه جيد جدًا، يكره أن ينصحه بالتوقُّف. "أظن أنه من الصعب للغاية أن تعرف ما الذي سيحدث للناس ككُتَّاب. لا يتحسن الكتُّاب تدريجيًا حتى يتجاوزوا نقطة محددة. مع الموسيقيين يمكنك عادة أن تعرف إذا كان هذا الشخص لا يتمتع بالموهبة الموسيقية. ولكن مع الكتاب هناك علاقة صعبة بين مادة الموضوع وأين يقف الشخص في حياته".

بعد تخرجه من الجامعة بوقت قصير، عمل في ملجأ للمشردين والتقى بزوجته المستقبلية، والتحق بفصل دراسي للكتابة الإبداعية بجامعة إيست آنجليا (لم يلتحق به عدد كاف من الطلبة) فدرس على يدي معلمته آنجيلا كارتر (التي كانت طبعات كتبها نافدة في ذلك الوقت). من الصعب أن تتخيل روائيين مختلفين إلى هذا الحد، كارتر بإفراطها الحر، وإيشيجورو بتهربه المستمر – ولكنها صارت أكثر من أثَّر في حياته المهنية.

يقول: "لقد مررنا بكل تلك الجدالات الكبيرة، كانت تقول لي دومًا إنني لا أضيف تفاصيل كفاية". ولكنها من البداية كانت تعامله باحترام الكاتبة المهنية: "أذكر أنني كنت أدخل عليها وأقول: هل تعتقدي أنه يمكن للقطط الميتة أن تطفو؟ لأنني بحاجة لمعرفة ذلك بسبب مشهد محدد. وكانت تتعامل مع الأمر بجدية شديدة".

الشخص الذي كان إيشيجيرو وأصدقائه يطمحون في الوصول إلى قامته هو إيوان مكيوان، الذي بدا أنه يكتب للجيل الأصغر، وبدا أنه يقدم نموذجًا جديدًا، يقول بطريقة جافة: "كنا واعين أن مارتن آميس كاتب شاب محتفى به، ولكننا لم نكن نقرأه للعديد أسباب". كان ممثلو المؤسسة الثقافية هم آيريس مردوك ووليام جولدينج ودوريس ليسينج.

"أما من هم أشبه بف. س. نايبول وج.ج بالارد، بديا خارج ذلك تمامًا، كانا أشبه بشخصيات مستقلة. ربما كان نايبول مهتمًا بالخارج أكثر، يركز على المكان الذي تنطلق منه الطلقات، هناك في العالم النامي، وليس عن الفارق بين فتاة من الطبقة الدنيا وصبي من الطبقة الوسطى لا تمضي علاقتهما بشكل طيب. الآن أنظر إلى كل هذا ولا أشعر أن الأمور كانت مباشرة إلى هذا الحد. ولكن علينا أن نتجنب الطريقة الواقعية الاجتماعية الصريحة في الكتابة".

بالطبع تكمن الصعوبة في أن القراء يميلون لأن يكون لهم عادات واقعية اجتماعية صريحة، وكافح إيشيجورو حتى يقرأه الناس حرفيًا. على سبيل المثال سيكون من الواضح بالنسبة للعديد من الناس أن المكان القديم لرواية "العملاق المدفون" أو الافتراض المستقبلي في "لا تدعني أرحل" هي أشياء خيالية، ولكن يرجع ذلك إلى أن إيشيجورو يدفع الأحداث إلى حدود متطرفة. يقول: "لديَ دومًا مشكلة مع المكان، طوال عملي. لأنه في البداية أردت أن أكتب روايات تدور في اليابان، كانت هناك حاجة عاطفية كبيرة لأصنع يابان تخصني وهكذا". (غادر إيشيجورو اليابان عندما كان في الخامسة من عمره، لكنه نشأ في بريطانيا مع قصص الساموراي والحكايات الأخرى التي كانت ترويها أمه. في إحدى المرات قرأت له قصة إيفانهو(2) كلها بالترجمة اليابانية). "ولكن الناس في الغرب يعتبرونها تمثيلًا وثائقيًا. أنت تعرفين إنهم يقولون إذا ذهبت إلى اليابان في رحلة عمل، اقرأ رواية (فنان من العالم الطليق)، ستساعدك في فهم العقل الياباني، كنت أقول في نفسي: (انظروا هذا مجرد أنا أثناء لهوي بالطبيعة البشرية، أو أي شيء آخر). لم يكن يريحني أن يعتقد الناس أني صحفي أو مؤرخ. وفكرت أنه بالانتقال إلى مكان غربي لكتابة عمل مثل (بقايا اليوم)، يمكن للناس أن تقيس المسافة بين الدقة التاريخية وعالمي المتخيل". ولكنه يضحك من هذه الفكرة: "ولكن لا، يقولون: هذا رائع، هكذا كان يتحدث الخدم عن واجباتهم".

كان الإصرار على ابتكار كل الأشياء خاليًا من الجدوى. يقول "منذ رواية 'من لا عزاء لهم' (روايته الرابعة التي نشرت عام 1995) صرت أكثر وعيًا بمسألة أن الناس تقرأني حرفيًا، حتى أنني توجهت إلى عالم أغرب، عالم خيالي بشكل واضح، لأعلن الكيفية التي أود أن تُقرأ رواياتي بها، لا تحاولوا أن تنظروا للحقيقة التاريخية بشكل جدي، حاولوا البحث عن شيء آخر". 

أتساءل عن هذا الشيء الآخر؟ فيجيب إيشيجورو ببساطة شديدة: "أحاول أن أعمل بشكل كبير بواسطة الانفعالات. أحوال فقط أن أقول للقراء: هل تعتقدون أن هذا هو ما تشعرون به؟ إذن عليكم أن تشعروا بهذه الكيفية، أن تكون شخصًا في هذا النوع من المواقف، هل تدركون ذلك؟ وعلى الرغم من أن هذا طموح متواضع. أظن أنه من المهم للغاية أن يتواصل الناس مع بعضهم على هذا المستوى. أن يقولون: أظن أن هذا هو ما تبدو عليه الحياة، هل تشتركون في هذه المشاعر؟ إذا شرحت الأمر بهذه الطريقة، هل تشعرون بهذه الانفعالات أيضًا؟"

لأن الزوجين في قلب رواية "العملاق المدفون" وُضعا تحت ضغط اختبار مفترض – هل يحبان بعضهما بما يكفي؟ هل ما زالا يحبان بعضهما لو..؟ تذكرت تجربة الاستنساخ في "لا تدعني أرحل"، وكانت لدي هذه الفكرة غير المريحة والغامضة أن روايات إيشيجورو نفسها هي تجارب إنسانية، وكل قراءه يتجمعون حول ميكروسكوب غير مرئي. في غرفة جلوسه، يتفكر في هذا الأمر: "أفترض أنه يمكنك القول إن هناك عنصرًا معمليًا في كل الأعمال الأدبية"، يشير إلى أنه: "إلى حد ما هي تجارب فكرية، وصحيح، يمكنك اختبار تجارب بعينها بدون أن تمر بها. هناك جانب بارد قليلًا في كتابة الأدب – عليك أن تكون منفصلًا قليلًا لتقول: كيف سيتصرف البشر في هذا الموقف؟"

من المهم أن نقدّر حقيقة أننا نراقب إيشيجورو وهو يستكشف الأفكار في لحظتها. نحن نحتفي بهذه الكتب بشكل فردي، وهي تصدر للعالم، ومن السهل أن ننسى الامتياز في هذا. أخمن أن تُقرأ "العملاق المدفون" بشكل مختلف خلال 10 أو عشرين سنة من الآن. نحن غير متأكدين تمامًا من هذا، حتى نقرأ أعماله في ذلك الوقت وندرك أهميتها. ولكني مستعدة للمراهنة على أنه من بينه جميع كتاب القرن الحادي والعشرين، سيكون هو الكتاب المتبقي، هو الذي طرح الأسئلة عما يربط الناس ببعضهم، الذي قال شيئًا عميقًا عن التاريخ، وشيئًا غير انفعالي عن الحب.
-------
(1) Sir Gawain and the Green Knight، قصة شعبية فروسية إنجليزية تعود إلى القرن الرابع عشر، وهي عن الفارس جوين، أحد فرسان المائدة المستديرة. 
(2) Ivanhoe رواية تاريخية لوالتر سكوت نشرت عام 1820. 

ميشيل فوكو: الفيلسوف المتنكر - جاري جوتينج



الفيلسوف لمتنكر

جاري جوتينج
ترجمة: أمير زكي

النص هو ترجمة الفصل السادس من كتاب "فوكو – مقدمة قصيرة جدا" لجاري جوتينج  Foucault: a Very Short Introduction – Gary Gutting – Oxford University press 2005”

جاري جوتينج: فيلسوف أمريكي، وأستاذ الفلسفة بجامعة نوتردام.

لقراءة ترجمة الفصل الثاني من الكتاب على Boring Books



***

فوكو المتهرب من الهوية بشكل نموذجي، سمح في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى لم يسمح، بأن يقال عنه فيلسوف. عندما قبل بإجراء مقابلة في سلسلة تقدم آراء "الفلاسفة" أصر على تردده، وقَدّم نفسه على أنه "فيلسوف متنكر".

كان البيروقراطيون على ثقة من أن فوكو فيلسوف، فلديه درجات علمية متقدمة في المجال (من ضمنها أعلى درجة؛ الدكتوراه) وكان أستاذا في العديد من أقسام الفلسفة. إذن ما هو السبب في تردده، أو ترددنا؟

حتى نجد إجابة مثيرة للاهتمام على سؤال "هل س فيلسوف؟"، نحن بحاجة إلى سياق مناسب، هذا الذي يتحقق بسهولة عن طريقة الأمثلة النموذجية للنشاط الفلسفي. هل فوكو فيلسوف بحس سقراط الذي شرب من كأس الشوكران، أو بحس ديوجين الذي كان يسعى حاملا مصباحه، أو بحس ديكارت الذي كان يتأمل في غرفته؟ في عصرنا، النموذج هو كانط، الذي أسس الفلسفة باعتبارها مجالا نظريا مستقلا: لم تعد حكمة حياتية إرشادية كما كانت عند القدماء، ولا خادمة للاهوت كما كانت في العصر الوسيط؛ ولا حتى جزء من النظرة العلمية الجديدة للعالم كما كانت عند ديكارت والمحدثين المبكرين. تقدم الفلسفة نفسها عند كانط – على الأقل كانط مؤلف الأعمال النقدية الثلاثة العظيمة – باعتبارها مجالا أكاديميا، إلى جانب المجالات الأكاديمية الأخرى مثل الفيزياء والرياضيات، مجالا له أهدافه ومناهجه النظرية ونطاق بحث خاص به. نتيجة لذلك صارت الفلسفة موضوعا تقنيا تخصصيا، ليست متاحة لغير المتخصصين حتى من ذوي التعليم العالي. على سبيل المثال اشتكى المؤرخ والسياسي البريطاني اللورد ماكولي – الذي لم يصادف مشكلة في قراءة أفلاطون وديكارت وهيوم – من أنه لم يستطع قراءة كتاب "نقد العقل الخالص" لكانط (الكتاب الذي ينبغي على كل فيلسوف أن يقرأه كما قال ريتشارد رورتي).

بالتالي علينا أن نسأل هل فوكو فيلسوف بالمعنى الكانطي الحديث؟ معيار البيروقراطيين يخبرنا أنه على الأقل تدرب ونال شهادة كفيلسوف بهذا المعنى. ولكن هل ساهم عمله بالفعل في المشروع الفلسفي (الكانطي) الحديث؟
هنا يمكننا أن نتحول إلى حديثه عن كانط والفلسفة الحديثة في مقال نَشِر في العام الذي مات فيه (1984)، بعنوان "ما التنوير؟". بشكل نموذجي إلى حد كبير، لم يكن المحك عند فوكو في ما يخص كانط هو أعماله "الكبرى"، كالكتب النقدية الثلاثة، ولكن مقال قصير، "نص ثانوي ربما"، أسماه كانط أيضا "ما التنوير؟". يبدأ فوكو هذا المقال باقتراح أن الفلسفة الحديثة ربما تُعَرَّف على أنها محاولة للإجابة على سؤال كانط: ما التنوير؟

ولكن ما الذي يعنيه هذا السؤال؟ التنوير هو حركة حديثة بامتياز كما هو واضح، تسعى لاستخدام العقل لتحرير البشرية من القيود التي تفرضها عليه السلطات التقليدية – الفكرية، الدينية، السياسية. في هذا المقال قال كانط إن الغرض من التنوير كان تجاوز "عدم النضج" بالتجرؤ على التفكير بأنفسنا، بدلا من قبول سلطة الآخرين. أوجز فوكو أمثلة كانط الثلاثة: "نكون في حالة من (عدم النضج) عندما يحل كتاب محل فهمنا، وعندما يحل زعيم روحي محل وعينا، وعندما يقرر لنا الطبيب النظام الغذائي الذي علينا أن نتبعه".

أن نفكر بأنفسنا يعني أن نتعقل: "في الحقيقة يصف كانط التنوير على أنه اللحظة التي ستستخدم فيها الإنسانية عقلها، بدون أن تُخضِع نفسها لأي سلطة". يفهم كانط مشروعه الفلسفي في نقد العقل كشرط مسبق للتنوير: "في هذه اللحظة بالضبط يصير النقد ضرورة، لأن دوره هو تحديد الشروط التي يصبح استخدام العقل تحتها سليما"؛ أي الشروط التي تحدد الاستخدام المنضبط للعقل. على سبيل المثال جادل كانط في كتابه النقدي الأول أن العقل النظري لا يمكن أن يُطَبَّق بشكل منضبط على "الأسئلة الحدية" مثل أصل العالم أو خلود النفس.

ولكن ما يجده فوكو مميزا وهاما في حديث كانط عن التنوير ليس تفاصيل نقده للعقل ولكن حقيقة أنه يتأمل "الوضع المعاصر لمجاله". ولم يهتم بسؤال كيف توضع الفلسفة المعاصرة في المخطط العام للتاريخ (على سبيل المثال كنذير للمستقبل المشرق الجديد أو السقوط من العصر الذهبي). السؤال ببساطة هو ما الذي يجعل طريقتنا الحالية في ممارسة الفلسفة مختلفة عما كان يحدث من قبل. يصر فوكو على أن هذا تطور جديد وهام: أن تهتم بالفلسفة ليس من خلال تعاملها مع الأسئلة الخالدة، ولكن من خلال تعاملها مع سؤال ما هو مميز في موقفنا الحالي.

إذن ما هو المميز في موقفنا الحالي؟ للإجابة على هذا السؤال يعيد فوكو توجيه نقاشه من كانط الذي يتحدث عن التنوير إلى بودلير الذي يتحدث عن الحداثة. بأحد المعاني، فهذا انتقال إلى مصطلحات جديدة – التنوير الذي يصير ملمحا مميزا للعصر الحديث – ومثالا جديد؛ إستطيقا بودلير بدلا من منظور كانط الأخلاقي والسياسي. ولكن هذه النقلة تعكس في الحقيقة ما يراه فوكو اختلافات حاسمة بين موقفنا وموقف كانط. حداثتنا "البودليرية" هي تطور تاريخي لتنوير كانط، ولكنها حداثة قامت بتحويل التنوير بشكل جوهري. وبالتالي مثلما يتساءل كانط (في "ما التنوير؟") عن طبيعة اختلاف موقفه عن موقف أسلافه، يتساءل فوكو عن طبيعة اختلاف موقفه عن موقف كانط.

ما يمكن أن نبدأ به هو أننا لا يمكننا أن نتبع كانط في الاعتقاد بأن نقد العقل يكشف الحقائق الجوهرية والكلية (الترانسندنتالية) التي توضح حدود الفكر والتجربة الإنسانيين. انطلاقا من قراءة فوكو، فحداثة بودلير هي موقف يجد الشيء قَيِّما (بشكل أبدي) في الحاضر، بينما يكافح في الوقت نفسه على تحويله "ليس عن طريق تدميره ولكن عن طريق إدراكه على ما هو عليه". "الحداثة البودليرية هي نشاط يواجه فيه الاهتمام الحاد بما هو واقعي بممارسة الحرية التي تحترم هذا الواقع وفي الوقت نفسه تنتهكه". هنا علينا أن نفكر في الدقة الرقيقة التي يحوِّل بها الرسام جوستاف كوربيه اللحظة العادية، فهو يحافظ على اللحظة وفي الوقت نفسه يحوّلها. بالإضافة إلى ذلك، فهذا المشروع الحديث للتحويل ينطبق على الذات فوق كل شيء:

"أن تكون حديثا لا يعني أن تقبل الذات كشيء في وسط تدفق اللحظات العابرة؛ إنما أن تتخذ نفسك كموضوع للتعبير المعقد والصعب... الإنسان الحديث عند بودلير ليس الإنسان الذي يمضي ليكتشف نفسه وأسراره وحقيقته الداخلية؛ إنما هو إنسان يحاول أن يبتكر نفسه".

لا يقبل فوكو كل تفاصيل صورة بودلير عن الحداثة كما هو واضح؛ على سبيل المثال لا يقبل فهمه للتحويل الذاتي بطريقة الأناقة الداندية غير الطبيعية، أو زعمه بأن المشروع الحديث لا يمكن أن يتحقق سياسيا أو اجتماعيا ولكن إستيطيقيا فحسب. ولكن فوكو يقبل السمات العامة للحداثة، التي لا تعتمد على مجموعة من المعتقدات – كما يقول - ولكن على موقف أو توجه نقدي نحو عصرنا التاريخي. وأكثر من ذلك فهذا التوجه يماثل توجه بودلير، فهو يستهدف تحويل الذات القائمة.

الآن نعود إلى علاقة فوكو بمشروع كانط الفلسفي. هو يقبل الهدف التنويري العام للنقد ولكنه يعكسه:

"يعتمد النقد في الحقيقة على تحليل الحدود وتأملها. ولكن إن كان السؤال الكانطي المتعلق بمعرفة (Savoir) ما يحد المعرفة (connaissance) ينبغي أن يتخلى عن الإفراط، فيبدو لي أن السؤال النقدي اليوم يجب أن يرجع إلى كونه سؤالا وضعيا: في ما يتعلق بما هو معطى لنا، كالكلي والضروري والإجباري، ما هي الأماكن يشغلها المعزول والمُصادَف ومُنتَج القيود الاعتباطية؟"

هذه الفقرة الدالة تُشَكِّل مفهوم فوكو الأخير عن مشروعه باعتباره مشروعا للنقد الفلسفي. بمصطلحات كانط هو مشروع نقدي (يبحث في الافتراضات مع الأخذ في الاعتبار مجال وحدود معرفتنا)، ولكنه ليس ترانسندنتاليا مثل مشروع كانط. أي أنه لا يزعم اكتشاف الشروط الضرورية للمعرفة التي تحدد المجالات التي وفقا إليها علينا أن نختبر ونفهم أنفسنا إلى جانب العالم. يبحث نقد فوكو بالأحرى في مزاعم الضرورة مع وجهة نظر تسعى لتقويضها عن طريق إظهار أنها مجرد إمكانيات تاريخية. بالعودة إلى نقاشاته المنهجية المبكرة، يقول أن مشروعه "ليس ترانستندنتاليا" بل "جينالوجي في صياغته وآركيولوجي في منهجه". منهج "أركيولوجي – وليس ترانسندنتاليا -  بمعنى أنه لا يسعى لتعريف البنى الكلية للمعرفة بأكملها (connaissance) أو كل الأفعال الأخلاقية الممكنة، ولكن يسعى إلى أن يعالج مراحل الخطاب التي تفصح عما نفكر فيه ونقوله ونفعله بالطريقة التي نتعامل بها مع الحوادث التاريخية العديدة". بشكل مشابه، فمشروع فوكو جينالوجي لأنه ليس مصاغا لاكتشاف ما هو الممكن بالنسبة لنا لنفعله أو لنعرفه"، ولكن لأنه يكشف "إمكانية أنه لم يعد هناك وجود أو فعل أو تفكير يماثل ما نحن عليه أو ما نفعله أو ما نفكر فيه".

إذن وبالمصطلحات الكانطية التي تُعَرِّف الفكرة الحديثة للفلسفة ففوكو فيلسوف بالقدر الذي يشترك فيه بالتوجه النقدي العام للمشروع الفلسفي. ولكنه لا يشارك كانط اهتمامه – وبالتالي لا يشارك معظم الفلاسفة الحديثين الآخرين – في السعي لإيجاد مملكة الحقيقة الفلسفية المميزة التي تضع حدود الشروط الضرورية للفكر والخبرة والفعل. على سبيل المثال هو غير مهتم بالحدوس الفينومينولوجية للماهية، أو بالشروط الكافية والضرورية التي يسعى إليها التحليل اللغوي. اهتمامه بالأحرى هو كشف أن الإمكانات التي يدعيها الحدس والتحليل غير موجودة. لا يوجد سبب يحتاجه فوكو لإنكار أن التحليل الفينومينولوجي أو اللغوي سيكشف الحقائق الضرورية والكلية الأصيلة. ولكن هذا المشروع الفلسفي ليس متوجها نحو هذه الحقائق ولكن تجاه المصادفات التي تتنكر في هيئة الضرورات. بالإضافة إلى ذلك، فالمنهجين الذين يستخدمهما – الآركيولوجيا والجينالوجيا – هما منهجين للبحث التاريخي، وليس للتحليل الفلسفي القبلي. بحس كانط، هو فيلسوف فحسب بالتزامه النوعي بالنقد، وليس بفهمه الخاص ولا بمنهجه لتحقيق مشروعه النقدي.

بالتالي يمكننا أن نميل إلى استنتاج أن فوكو ليس فيلسوفا بأي معني جوهري – باستثناء حقيقة أن الفلسفة نفسها بعد كانط تضمنت نقدا مستمرا لمشروعها. في معظم الحالات – من المثالية الإلمانية وخلال الفلسفة التحليلية – ظل المشروع كانطيا بشكل كبير. ولكن فوكو مثله مثل نيتشه دفع نقده إلى الحد المتطرف، لأنه رفض مثال الفلسفة باعتبارها مجموعة من الحقائق المستقلة. ولكن إن استمر هذا الاتجاه النقدي وانتصر في النهاية، سيتلقى فوكو الثناء باعتباره مؤسسا لنسق جديد للفلسفة. وبالتأكيد لن ينزعج فوكو من أن يعتقد أن الإجابة على سؤال "هل س فيلسوفا؟" ستعتمد على التاريخ المستقبلي للفلسفة.

بغض النظر عن الكيفية التي يمكننا بها تصنيفه، ففوكو ظهر بلا شك من وسط سياق فلسفي وتمس كتاباته المشكلات الفلسفية. صاغ هذا السياق الفلسفي بشكل موجز هنا: "أنا أنتمي إلى جيل رأى في تلمذته وأحاطه أفق يتشكل من الماركسية والفينومينولوجيا والوجودية". نحن نعرف تحرر فوكو المبكر من الوهم الماركسي، أما الفينومينولوجيا فامتدت روابطها معه أكثر، وتعقدت أكثر. درس فوكو مع ميرلوبونتي، الذي كان رمزا رائدا مع سارتر، لاستخدام الوجوديين الفرنسيين لفينومينولوجيا هوسرل. ومع جان هيبوليت، كاتب التفسير الوجودي الرئيسي لهيجل. كان كتاب "الوجود والزمان" لهايدجر هاما جدا لفوكو الشاب، الذي كان مهتما بشكل خاص بالطب النفسي الوجودي الهايدجري (Daseinanalysis) الخاص بلودفيج بينسوانجر.

بغض النظر عن الطبيعة الدقيقة لالتزام فوكو المبكر بالفينومينولوجيا الوجودية، لا يوجد شك من أنه قرر مبكرا عدم كفاية وجهة النظر الذاتية في الوصف الفينومينولوجي. ولكن طريقه إلى خارج الفينومينولوجيا الوجودية لم يكن واضح المعالم. في المجمل، انهارت الفينومينولوجيا في الستينيات من القرن العشرين بعد الصعود الملحوظ لما يطلق عليه "البنيوية"، وهي مجموعة من الركائز النظرية المتنامية، جميعها كانت تشرح الظواهر الإنسانية بمصطلحات بنى اللا وعي الكامن أكثر من الخبرة المعيشة التي تصفها الفينومينولوجيا. على سبيل المثال كانت هناك لغويات سوسير، والتحليل النفسي للاكان، والنقد الأدبي لرولان بارت، والآنثروبولوجيا لكلود ليفي شتراوس، والدراسات المقارنة لبنى الأديان القديمة لجورج دوميزيل. أنكر فوكو باستمرار أنه بنيوي، وسخر من نَسْبه للحركة من قبل إعلام الطبقة الوسطى. (وصف مقاربته على أنها "بنيوية" في العديد من المواضع في "ميلاد العيادة" ولكنه حذف الكلمة تماما في الطبعات اللاحقة). ولأن البنيوية كانت مقاربة لا تاريخية بشكل صريح (تزامنية أكثر منها تعاقبية)، إذن فهناك وجاهة في اعتراض فوكو. ولكن هناك تقارب واضح بين النظريات البنيوية وآركيولوجيا فوكو (هو يؤكد باستمرار على أهمية أعمال دوميزيل بالنسبة له)؛ واستشهد بعدم كفاية سرديات الفينومينولوجيا للغة واللا وعي، بالمقارنة بالسرديات البنيوية، واعتبر ذلك سببا هاما لانهيار الفينومينولوجيا.

ولكن هناك أيضا جوانب أخرى أبعدت فكر فوكو عن الفينومينولوجيا. على سبيل المثال أكد على أهمية عدم مركزية الكاتب والذات السيكولوجية في الأدب الطليعي، وقال إن قراءته لنيتشه (في حوالي عام 1953، التي ألهمه بها بلانشو وباتاي، قبل أن يتحول نيتشه إلى موضة في فرنسا) لعبت دورا هاما في قطيعته مع الفلسفة المتمركزة حول الذات. ولكن العامل الأهم كان ارتباط فوكو بالتاريخ الفرنسي وفلسفة العلم، كما مارسهما جورج كونجيليم بشكل خاص، الذي كان المشرف الرسمي على أطروحة فوكو عن تاريخ الجنون.

وفقا لفوكو نفسه، قدم كونجيليم (إلى جانب سلفه في السوربون جاستون باشلار) بديلا واضحا للفينيومينولوجيا، بديلا أكد على منطق المفاهيم أكثر من الخبرة المعيشة كقوة دافعة في الفكر الإنساني. طلاب كونجيليم – الذين ضم فوكو نفسه إليهم – رفضوا "فلسفة الخبرة" الفينومينولوجية من أجل "فلسفة المفهوم" الخاص بكونجيليم. كانت تواريخ المفاهيم لدى كونجيليم نماذج هامة لآركيولوجيات فوكو في الستينيات من القرن العشرين. وبعد عدة سنوات، وفي مقال عن كونجيليم ("الحياة: الخبرة والعلم") خطط فوكو لمفهوم بيولوجي للخبرة وصاغه ليحل محل "الخبرة المعيشة" (vecu) الفينومينولوجية المتمركزة حول الذات.

ولكن بالنسبة لفوكو على الأقل كان تقليد باشلار وكونجيليم بديلا منهجيا للفينومينولوجيا أكثر من كونه نقدا فلسفيا لها. بسبب هذا النقد علينا أن ننتقل إلى دراسة فوكو للفكر الحديث في "الكلمات والأشياء". الغاية الأساسية لهذا الكتاب كانت فهم الإطار الآركيولوجي (الإبستيم) المتضمن في العلوم الاجتماعية الحديثة، ولكن لأن فوكو كان يعتقد أن المفهوم الفلسفي للـ "الإنسان" يسيطر على هذا الإطار، المرتبط بكانط تحديدا، فنقاشه احتوى على تاريخ نقدي للفلسفة الحديثة.

بداية من ديكارت، كانت الفلسفة الحديثة منشغلة بسؤال إن كانت تمثلاتنا (خبراتنا، أفكارنا) تمثل العالم خارج عقولنا بدقة. ديكارت على سبيل المثال تساءل عن الكيفية التي نعرف بها أن أفكارنا تماثل الأشياء التي توجد خارجنا في الزمان والمكان. وتساءل هيوم عن الكيفية التي نعرف بها أن خبراتنا عن روابط الأفكار المتواترة (الشمس التي تشرق في كل نهار جديد على سبيل المثال) تماثل الروابط الضرورية في الواقع. لم تُطرح إجابات ملموسة على هذه الأسئلة حتى كانط (على الرغم من وجود بعض الافتراضات المُقنِعة التي ترى أنها ليست بحاجة إلى إجابة، كما يذكر هيوم على سبيل المثال).

مع كانط حدثت نقلة حاسمة لأنه فكر أيضا في إمكانية التمثل ذاتها، لم يتساءل فحسب إن كانت تمثلاتنا صادقة بالنسبة للعالم، ولكن كيف يكون بالإمكان تمثل أي شيء على الإطلاق (سواء بدقة أو لا). هذا كان حاسما لأنه أصر على أن الإجابة على السؤال الجديد أفسحت الطريق للإجابة على السؤال القديم. طرح كانط بشكل خاص أن إمكانية تمثل موضوع تتطلب، على سبيل المثال، أن يتم تمثل الموضوع كموجود في الزمان والمكان وكجزء من شبكة القوانين السببية. وفقا لهذا النوع من الحجة (التي أطلق عليها كانط "استنتاجا ترانسندنتاليا")، توجد موضوعات خبرتنا في المكان والزمان وهي محكومة بالقوانين السببية الضرورية، لأنه بخلاف ذلك لن تكون موضوعات لخبرتنا. من جهة، تقتصر معرفة العالم لدينا بما نختبره (العالم الظاهر "الفينومينالي")، وليس العالم كما هو في ذاته (العالم النومينالي). من جهة أخرى، فهذا الحد يتيح لنا إمكانية امتلاك معرفة موضوعية بالعالم.

نظرة كانط للمعرفة تتطلب وضعا ثنائيا خاصا للبشر. من جهة، نحن مصدر الشروط الضرورية لإمكانية وجود أي معرفة في العالم: ننتمي إلى النطاق "الترانسندنتالي" الذي هو مصدر كل المعرفة في النطاق "الإمبريقي". ولكن من جهة أخرى نحن أنفسنا قابلين للمعرفة (ليس فقط عن طريق الخبرة ولكن أيضا عن طريق العلوم الاجتماعية) وكذلك الموضوعات الموجودة في النطاق الإمبريقي. يستخدم فوكو مصطلح "الإنسان" ليشير إلى البشر باعتبارهم يملكون هذا الوضع الثنائي الخاص (يطلق عليه "ثنائية إمبريقية-ترانسندنتالية"). ذكر أنه لم يتحقق مفهوم الإنسان بهذا المعنى قبل نهاية القرن الثامن عشر. بالتالي كان إعلانه الميلودرامي بأنه "لم يوجد الإنسان" حتى نهاية القرن التاسع عشر.

وفقا لتأريخ فوكو للفلسفة الحديثة، فالإنسان مشكلة مركزية. تمثلت الصعوبة في فهم كيف للموجود الفردي الموحد أن يكون مصدرا ترانسندنتاليا لإمكانية المعرفة وموضوعا آخر للمعرفة في الوقت نفسه. ينتقل في الفصل التاسع من "الكلمات والأشياء" إلى التطورات الفلسفية الرئيسية بالقرن العشرين – وبشكل خاص فينومينولوجيات هوسرل وسارتر وميرلوبونتي – مجادلا بأنه لا أحد منهم كان قادرا على تطوير مفهوم متسق للإنسان، في كل الأحوال هناك استنباط غير منضبط: سواء من الإمبريقي إلى الترانسدنتالي (هوسرل) او من الترانسدنتالي إلى الإمبريقي (ميرلوبونتي).

أكثر مرة اقترب فيها فوكو الناضج من الخطاب الفلسفي الاعتيادي ذي النمط الكانطي كانت في هذا الفصل. يمكن أن نقرأه بشكل مقبول على أنه اجتهاد لإظهار أن كل التفسيرات الحديثة للإنسان (كثنائية إمبريقية-ترانسندنتالية) تعاني من عدم الاتساق. ولكن مثل هذا القراءة – وعلى الرغم من أنها تبدو متوافقة مع مقاصد فوكو – تتعارض مع مشروعه النقدي الآركيولوجي في "الكلمات والأشياء"، لأنها تجعل نقاشه على مستوى تاريخ الأفكار وسلسلة المفكرين الفرديين الذين يحاولون حل مشكلة، ولا تجعله بحثا آركيولوجيا للبنى اللا واعية المحيطة بهذا التاريخ. وأكثر من ذلك فهو مثْل تاريخ الأفكار، يمكنه أن يخبرنا فحسب أن هؤلاء المفكرين المحددين فشلوا في حل مشكلاتهم، ولا تخبرنا بالأسباب المبدئية لهذا الفشل (على المستوى الآركيولوجي كما هو مفترض). ولكن إن أعدنا تفسير معالجة فوكو على أنها سرد آركيولوجي أصيل، فعدم الاتساق الواضح لمفهوم الإنسان لا يُظهِر شيئا أكثر من الإبستيم الحديث الذي لم يعد يحكم فكرنا، ونتيجة ذلك أننا نصير أشبه بقراء "الموسوعة الصينية" عند بورخيس، تواجهنا "الاستحالة التامة للتفكير في هذا". لم يقدم فوكو حجة كافية تقف إلى جانب أو ضد الموقف الفلسفي الاعتيادي. وهذا لا يفاجئنا، فوفقا لروايته، سيتطلب تبني الحجة أن يعمل بداخل الإبستيم الحديث نفسه (إطار الفلسفة بالمعنى الكانطي)، وبالتالي التخلي عن المسافة التاريخية التي يتطلبها المنهج الآركيولوجي. أستنتج من ذلك أنه حتى في أبرز لحظاته الفلسفية، لا يشارك في جدالات الفلسفة ما بعد الكانطية الحديثة.

ولكن تظل هناك إمكانية جديدة، إمكانية جذبت بعض القراء لـ "الكلمات والأشياء". وهي أن فوكو – متبعا هايدجر – يحاول أن يفسح الطريق لنمط جديد من التفكير الفلسفي سيأخذنا إلى ما وراء الإبستيم الحديث. هناك بالتأكيد عناصر هايدجرية في "الكلمات والأشياء". أبرزها نقد التمثل وفلسفة الخبرة، التي تستدعي بوضوح الموضوع الرئيسي لكتاب هايدجر "الوجود والزمان"؛ وإن أشار فوكو إلى أن هايدجر نفسه لم يهرب من الصورة التمثلية، فهذه الحركة متوقعة في نقده لأستاذه. هناك أيضا تأملات عن علاقة اللغة بالوجود، وهي تستدعي كتابات هايدجر المتأخرة: "ما هي العلاقة بين اللغة والوجود، وهل الوجود بالفعل هو ما تخاطبه اللغة على الدوام؟" والهجمات الافتتاحية والختامية على فكرة "الإنسان"، مع التصاقها بفكرة أننا ننتقل إلى عصر جديد ستختفي فيه "الإنسانية"، تبدو هجمات محسوبة تضع فوكو إلى جانب هايدجر في هجومه الشهير على سارتر في "رسالة عن الإنسانية".


ولكن هذه الملامح الهايدجرية هي ما تفصل "الكلمات والأشياء" عن بقية أعمال فوكو. الموضوعات الفلسفية ليست بارزة في مكان آخر، وروابط النقاش الصغيرة مع المسائل الأخلاقية والسياسية المميزة لـ "تاريخ الحاضر" ليست موجودة في مكان آخر. وعلى الرغم من أنه مكتوب على أنه آركيولوجيا للعلوم الاجتماعية، فمن الصعب جدا أن تربطه بتحليله لنسق الهيمنة التي تتضمن بداخلها تلك المباديء التي أظهرها فوكو في أعماله اللاحقة. فكرة "الإنسان" من الممكن أن تكون قيدا اعتباطيا على فكرنا، ولكن ليس لدينا ما يضمن أن المُضيّ إلى ما وراءه سيعني شيء أكثر من ممارسة الحرية العقلية. من الجدير بالذكر أيضا أن أجزاء كبيرة من "الكلمات والأشياء" ليست هايدجرية إلى حد كبير، على وجه الخصوص الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة للأنماط العملية للتفكير. ولكن بقدر ما يبدو هذا الكتاب هايدجريا، بقدر ما يُظهِر أن كتبه الأخرى ليست كذلك.