ميشيل فوكو: الفيلسوف المتنكر - جاري جوتينج



الفيلسوف لمتنكر

جاري جوتينج
ترجمة: أمير زكي

النص هو ترجمة الفصل السادس من كتاب "فوكو – مقدمة قصيرة جدا" لجاري جوتينج  Foucault: a Very Short Introduction – Gary Gutting – Oxford University press 2005”

جاري جوتينج: فيلسوف أمريكي، وأستاذ الفلسفة بجامعة نوتردام.

لقراءة ترجمة الفصل الثاني من الكتاب على Boring Books



***

فوكو المتهرب من الهوية بشكل نموذجي، سمح في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى لم يسمح، بأن يقال عنه فيلسوف. عندما قبل بإجراء مقابلة في سلسلة تقدم آراء "الفلاسفة" أصر على تردده، وقَدّم نفسه على أنه "فيلسوف متنكر".

كان البيروقراطيون على ثقة من أن فوكو فيلسوف، فلديه درجات علمية متقدمة في المجال (من ضمنها أعلى درجة؛ الدكتوراه) وكان أستاذا في العديد من أقسام الفلسفة. إذن ما هو السبب في تردده، أو ترددنا؟

حتى نجد إجابة مثيرة للاهتمام على سؤال "هل س فيلسوف؟"، نحن بحاجة إلى سياق مناسب، هذا الذي يتحقق بسهولة عن طريقة الأمثلة النموذجية للنشاط الفلسفي. هل فوكو فيلسوف بحس سقراط الذي شرب من كأس الشوكران، أو بحس ديوجين الذي كان يسعى حاملا مصباحه، أو بحس ديكارت الذي كان يتأمل في غرفته؟ في عصرنا، النموذج هو كانط، الذي أسس الفلسفة باعتبارها مجالا نظريا مستقلا: لم تعد حكمة حياتية إرشادية كما كانت عند القدماء، ولا خادمة للاهوت كما كانت في العصر الوسيط؛ ولا حتى جزء من النظرة العلمية الجديدة للعالم كما كانت عند ديكارت والمحدثين المبكرين. تقدم الفلسفة نفسها عند كانط – على الأقل كانط مؤلف الأعمال النقدية الثلاثة العظيمة – باعتبارها مجالا أكاديميا، إلى جانب المجالات الأكاديمية الأخرى مثل الفيزياء والرياضيات، مجالا له أهدافه ومناهجه النظرية ونطاق بحث خاص به. نتيجة لذلك صارت الفلسفة موضوعا تقنيا تخصصيا، ليست متاحة لغير المتخصصين حتى من ذوي التعليم العالي. على سبيل المثال اشتكى المؤرخ والسياسي البريطاني اللورد ماكولي – الذي لم يصادف مشكلة في قراءة أفلاطون وديكارت وهيوم – من أنه لم يستطع قراءة كتاب "نقد العقل الخالص" لكانط (الكتاب الذي ينبغي على كل فيلسوف أن يقرأه كما قال ريتشارد رورتي).

بالتالي علينا أن نسأل هل فوكو فيلسوف بالمعنى الكانطي الحديث؟ معيار البيروقراطيين يخبرنا أنه على الأقل تدرب ونال شهادة كفيلسوف بهذا المعنى. ولكن هل ساهم عمله بالفعل في المشروع الفلسفي (الكانطي) الحديث؟
هنا يمكننا أن نتحول إلى حديثه عن كانط والفلسفة الحديثة في مقال نَشِر في العام الذي مات فيه (1984)، بعنوان "ما التنوير؟". بشكل نموذجي إلى حد كبير، لم يكن المحك عند فوكو في ما يخص كانط هو أعماله "الكبرى"، كالكتب النقدية الثلاثة، ولكن مقال قصير، "نص ثانوي ربما"، أسماه كانط أيضا "ما التنوير؟". يبدأ فوكو هذا المقال باقتراح أن الفلسفة الحديثة ربما تُعَرَّف على أنها محاولة للإجابة على سؤال كانط: ما التنوير؟

ولكن ما الذي يعنيه هذا السؤال؟ التنوير هو حركة حديثة بامتياز كما هو واضح، تسعى لاستخدام العقل لتحرير البشرية من القيود التي تفرضها عليه السلطات التقليدية – الفكرية، الدينية، السياسية. في هذا المقال قال كانط إن الغرض من التنوير كان تجاوز "عدم النضج" بالتجرؤ على التفكير بأنفسنا، بدلا من قبول سلطة الآخرين. أوجز فوكو أمثلة كانط الثلاثة: "نكون في حالة من (عدم النضج) عندما يحل كتاب محل فهمنا، وعندما يحل زعيم روحي محل وعينا، وعندما يقرر لنا الطبيب النظام الغذائي الذي علينا أن نتبعه".

أن نفكر بأنفسنا يعني أن نتعقل: "في الحقيقة يصف كانط التنوير على أنه اللحظة التي ستستخدم فيها الإنسانية عقلها، بدون أن تُخضِع نفسها لأي سلطة". يفهم كانط مشروعه الفلسفي في نقد العقل كشرط مسبق للتنوير: "في هذه اللحظة بالضبط يصير النقد ضرورة، لأن دوره هو تحديد الشروط التي يصبح استخدام العقل تحتها سليما"؛ أي الشروط التي تحدد الاستخدام المنضبط للعقل. على سبيل المثال جادل كانط في كتابه النقدي الأول أن العقل النظري لا يمكن أن يُطَبَّق بشكل منضبط على "الأسئلة الحدية" مثل أصل العالم أو خلود النفس.

ولكن ما يجده فوكو مميزا وهاما في حديث كانط عن التنوير ليس تفاصيل نقده للعقل ولكن حقيقة أنه يتأمل "الوضع المعاصر لمجاله". ولم يهتم بسؤال كيف توضع الفلسفة المعاصرة في المخطط العام للتاريخ (على سبيل المثال كنذير للمستقبل المشرق الجديد أو السقوط من العصر الذهبي). السؤال ببساطة هو ما الذي يجعل طريقتنا الحالية في ممارسة الفلسفة مختلفة عما كان يحدث من قبل. يصر فوكو على أن هذا تطور جديد وهام: أن تهتم بالفلسفة ليس من خلال تعاملها مع الأسئلة الخالدة، ولكن من خلال تعاملها مع سؤال ما هو مميز في موقفنا الحالي.

إذن ما هو المميز في موقفنا الحالي؟ للإجابة على هذا السؤال يعيد فوكو توجيه نقاشه من كانط الذي يتحدث عن التنوير إلى بودلير الذي يتحدث عن الحداثة. بأحد المعاني، فهذا انتقال إلى مصطلحات جديدة – التنوير الذي يصير ملمحا مميزا للعصر الحديث – ومثالا جديد؛ إستطيقا بودلير بدلا من منظور كانط الأخلاقي والسياسي. ولكن هذه النقلة تعكس في الحقيقة ما يراه فوكو اختلافات حاسمة بين موقفنا وموقف كانط. حداثتنا "البودليرية" هي تطور تاريخي لتنوير كانط، ولكنها حداثة قامت بتحويل التنوير بشكل جوهري. وبالتالي مثلما يتساءل كانط (في "ما التنوير؟") عن طبيعة اختلاف موقفه عن موقف أسلافه، يتساءل فوكو عن طبيعة اختلاف موقفه عن موقف كانط.

ما يمكن أن نبدأ به هو أننا لا يمكننا أن نتبع كانط في الاعتقاد بأن نقد العقل يكشف الحقائق الجوهرية والكلية (الترانسندنتالية) التي توضح حدود الفكر والتجربة الإنسانيين. انطلاقا من قراءة فوكو، فحداثة بودلير هي موقف يجد الشيء قَيِّما (بشكل أبدي) في الحاضر، بينما يكافح في الوقت نفسه على تحويله "ليس عن طريق تدميره ولكن عن طريق إدراكه على ما هو عليه". "الحداثة البودليرية هي نشاط يواجه فيه الاهتمام الحاد بما هو واقعي بممارسة الحرية التي تحترم هذا الواقع وفي الوقت نفسه تنتهكه". هنا علينا أن نفكر في الدقة الرقيقة التي يحوِّل بها الرسام جوستاف كوربيه اللحظة العادية، فهو يحافظ على اللحظة وفي الوقت نفسه يحوّلها. بالإضافة إلى ذلك، فهذا المشروع الحديث للتحويل ينطبق على الذات فوق كل شيء:

"أن تكون حديثا لا يعني أن تقبل الذات كشيء في وسط تدفق اللحظات العابرة؛ إنما أن تتخذ نفسك كموضوع للتعبير المعقد والصعب... الإنسان الحديث عند بودلير ليس الإنسان الذي يمضي ليكتشف نفسه وأسراره وحقيقته الداخلية؛ إنما هو إنسان يحاول أن يبتكر نفسه".

لا يقبل فوكو كل تفاصيل صورة بودلير عن الحداثة كما هو واضح؛ على سبيل المثال لا يقبل فهمه للتحويل الذاتي بطريقة الأناقة الداندية غير الطبيعية، أو زعمه بأن المشروع الحديث لا يمكن أن يتحقق سياسيا أو اجتماعيا ولكن إستيطيقيا فحسب. ولكن فوكو يقبل السمات العامة للحداثة، التي لا تعتمد على مجموعة من المعتقدات – كما يقول - ولكن على موقف أو توجه نقدي نحو عصرنا التاريخي. وأكثر من ذلك فهذا التوجه يماثل توجه بودلير، فهو يستهدف تحويل الذات القائمة.

الآن نعود إلى علاقة فوكو بمشروع كانط الفلسفي. هو يقبل الهدف التنويري العام للنقد ولكنه يعكسه:

"يعتمد النقد في الحقيقة على تحليل الحدود وتأملها. ولكن إن كان السؤال الكانطي المتعلق بمعرفة (Savoir) ما يحد المعرفة (connaissance) ينبغي أن يتخلى عن الإفراط، فيبدو لي أن السؤال النقدي اليوم يجب أن يرجع إلى كونه سؤالا وضعيا: في ما يتعلق بما هو معطى لنا، كالكلي والضروري والإجباري، ما هي الأماكن يشغلها المعزول والمُصادَف ومُنتَج القيود الاعتباطية؟"

هذه الفقرة الدالة تُشَكِّل مفهوم فوكو الأخير عن مشروعه باعتباره مشروعا للنقد الفلسفي. بمصطلحات كانط هو مشروع نقدي (يبحث في الافتراضات مع الأخذ في الاعتبار مجال وحدود معرفتنا)، ولكنه ليس ترانسندنتاليا مثل مشروع كانط. أي أنه لا يزعم اكتشاف الشروط الضرورية للمعرفة التي تحدد المجالات التي وفقا إليها علينا أن نختبر ونفهم أنفسنا إلى جانب العالم. يبحث نقد فوكو بالأحرى في مزاعم الضرورة مع وجهة نظر تسعى لتقويضها عن طريق إظهار أنها مجرد إمكانيات تاريخية. بالعودة إلى نقاشاته المنهجية المبكرة، يقول أن مشروعه "ليس ترانستندنتاليا" بل "جينالوجي في صياغته وآركيولوجي في منهجه". منهج "أركيولوجي – وليس ترانسندنتاليا -  بمعنى أنه لا يسعى لتعريف البنى الكلية للمعرفة بأكملها (connaissance) أو كل الأفعال الأخلاقية الممكنة، ولكن يسعى إلى أن يعالج مراحل الخطاب التي تفصح عما نفكر فيه ونقوله ونفعله بالطريقة التي نتعامل بها مع الحوادث التاريخية العديدة". بشكل مشابه، فمشروع فوكو جينالوجي لأنه ليس مصاغا لاكتشاف ما هو الممكن بالنسبة لنا لنفعله أو لنعرفه"، ولكن لأنه يكشف "إمكانية أنه لم يعد هناك وجود أو فعل أو تفكير يماثل ما نحن عليه أو ما نفعله أو ما نفكر فيه".

إذن وبالمصطلحات الكانطية التي تُعَرِّف الفكرة الحديثة للفلسفة ففوكو فيلسوف بالقدر الذي يشترك فيه بالتوجه النقدي العام للمشروع الفلسفي. ولكنه لا يشارك كانط اهتمامه – وبالتالي لا يشارك معظم الفلاسفة الحديثين الآخرين – في السعي لإيجاد مملكة الحقيقة الفلسفية المميزة التي تضع حدود الشروط الضرورية للفكر والخبرة والفعل. على سبيل المثال هو غير مهتم بالحدوس الفينومينولوجية للماهية، أو بالشروط الكافية والضرورية التي يسعى إليها التحليل اللغوي. اهتمامه بالأحرى هو كشف أن الإمكانات التي يدعيها الحدس والتحليل غير موجودة. لا يوجد سبب يحتاجه فوكو لإنكار أن التحليل الفينومينولوجي أو اللغوي سيكشف الحقائق الضرورية والكلية الأصيلة. ولكن هذا المشروع الفلسفي ليس متوجها نحو هذه الحقائق ولكن تجاه المصادفات التي تتنكر في هيئة الضرورات. بالإضافة إلى ذلك، فالمنهجين الذين يستخدمهما – الآركيولوجيا والجينالوجيا – هما منهجين للبحث التاريخي، وليس للتحليل الفلسفي القبلي. بحس كانط، هو فيلسوف فحسب بالتزامه النوعي بالنقد، وليس بفهمه الخاص ولا بمنهجه لتحقيق مشروعه النقدي.

بالتالي يمكننا أن نميل إلى استنتاج أن فوكو ليس فيلسوفا بأي معني جوهري – باستثناء حقيقة أن الفلسفة نفسها بعد كانط تضمنت نقدا مستمرا لمشروعها. في معظم الحالات – من المثالية الإلمانية وخلال الفلسفة التحليلية – ظل المشروع كانطيا بشكل كبير. ولكن فوكو مثله مثل نيتشه دفع نقده إلى الحد المتطرف، لأنه رفض مثال الفلسفة باعتبارها مجموعة من الحقائق المستقلة. ولكن إن استمر هذا الاتجاه النقدي وانتصر في النهاية، سيتلقى فوكو الثناء باعتباره مؤسسا لنسق جديد للفلسفة. وبالتأكيد لن ينزعج فوكو من أن يعتقد أن الإجابة على سؤال "هل س فيلسوفا؟" ستعتمد على التاريخ المستقبلي للفلسفة.

بغض النظر عن الكيفية التي يمكننا بها تصنيفه، ففوكو ظهر بلا شك من وسط سياق فلسفي وتمس كتاباته المشكلات الفلسفية. صاغ هذا السياق الفلسفي بشكل موجز هنا: "أنا أنتمي إلى جيل رأى في تلمذته وأحاطه أفق يتشكل من الماركسية والفينومينولوجيا والوجودية". نحن نعرف تحرر فوكو المبكر من الوهم الماركسي، أما الفينومينولوجيا فامتدت روابطها معه أكثر، وتعقدت أكثر. درس فوكو مع ميرلوبونتي، الذي كان رمزا رائدا مع سارتر، لاستخدام الوجوديين الفرنسيين لفينومينولوجيا هوسرل. ومع جان هيبوليت، كاتب التفسير الوجودي الرئيسي لهيجل. كان كتاب "الوجود والزمان" لهايدجر هاما جدا لفوكو الشاب، الذي كان مهتما بشكل خاص بالطب النفسي الوجودي الهايدجري (Daseinanalysis) الخاص بلودفيج بينسوانجر.

بغض النظر عن الطبيعة الدقيقة لالتزام فوكو المبكر بالفينومينولوجيا الوجودية، لا يوجد شك من أنه قرر مبكرا عدم كفاية وجهة النظر الذاتية في الوصف الفينومينولوجي. ولكن طريقه إلى خارج الفينومينولوجيا الوجودية لم يكن واضح المعالم. في المجمل، انهارت الفينومينولوجيا في الستينيات من القرن العشرين بعد الصعود الملحوظ لما يطلق عليه "البنيوية"، وهي مجموعة من الركائز النظرية المتنامية، جميعها كانت تشرح الظواهر الإنسانية بمصطلحات بنى اللا وعي الكامن أكثر من الخبرة المعيشة التي تصفها الفينومينولوجيا. على سبيل المثال كانت هناك لغويات سوسير، والتحليل النفسي للاكان، والنقد الأدبي لرولان بارت، والآنثروبولوجيا لكلود ليفي شتراوس، والدراسات المقارنة لبنى الأديان القديمة لجورج دوميزيل. أنكر فوكو باستمرار أنه بنيوي، وسخر من نَسْبه للحركة من قبل إعلام الطبقة الوسطى. (وصف مقاربته على أنها "بنيوية" في العديد من المواضع في "ميلاد العيادة" ولكنه حذف الكلمة تماما في الطبعات اللاحقة). ولأن البنيوية كانت مقاربة لا تاريخية بشكل صريح (تزامنية أكثر منها تعاقبية)، إذن فهناك وجاهة في اعتراض فوكو. ولكن هناك تقارب واضح بين النظريات البنيوية وآركيولوجيا فوكو (هو يؤكد باستمرار على أهمية أعمال دوميزيل بالنسبة له)؛ واستشهد بعدم كفاية سرديات الفينومينولوجيا للغة واللا وعي، بالمقارنة بالسرديات البنيوية، واعتبر ذلك سببا هاما لانهيار الفينومينولوجيا.

ولكن هناك أيضا جوانب أخرى أبعدت فكر فوكو عن الفينومينولوجيا. على سبيل المثال أكد على أهمية عدم مركزية الكاتب والذات السيكولوجية في الأدب الطليعي، وقال إن قراءته لنيتشه (في حوالي عام 1953، التي ألهمه بها بلانشو وباتاي، قبل أن يتحول نيتشه إلى موضة في فرنسا) لعبت دورا هاما في قطيعته مع الفلسفة المتمركزة حول الذات. ولكن العامل الأهم كان ارتباط فوكو بالتاريخ الفرنسي وفلسفة العلم، كما مارسهما جورج كونجيليم بشكل خاص، الذي كان المشرف الرسمي على أطروحة فوكو عن تاريخ الجنون.

وفقا لفوكو نفسه، قدم كونجيليم (إلى جانب سلفه في السوربون جاستون باشلار) بديلا واضحا للفينيومينولوجيا، بديلا أكد على منطق المفاهيم أكثر من الخبرة المعيشة كقوة دافعة في الفكر الإنساني. طلاب كونجيليم – الذين ضم فوكو نفسه إليهم – رفضوا "فلسفة الخبرة" الفينومينولوجية من أجل "فلسفة المفهوم" الخاص بكونجيليم. كانت تواريخ المفاهيم لدى كونجيليم نماذج هامة لآركيولوجيات فوكو في الستينيات من القرن العشرين. وبعد عدة سنوات، وفي مقال عن كونجيليم ("الحياة: الخبرة والعلم") خطط فوكو لمفهوم بيولوجي للخبرة وصاغه ليحل محل "الخبرة المعيشة" (vecu) الفينومينولوجية المتمركزة حول الذات.

ولكن بالنسبة لفوكو على الأقل كان تقليد باشلار وكونجيليم بديلا منهجيا للفينومينولوجيا أكثر من كونه نقدا فلسفيا لها. بسبب هذا النقد علينا أن ننتقل إلى دراسة فوكو للفكر الحديث في "الكلمات والأشياء". الغاية الأساسية لهذا الكتاب كانت فهم الإطار الآركيولوجي (الإبستيم) المتضمن في العلوم الاجتماعية الحديثة، ولكن لأن فوكو كان يعتقد أن المفهوم الفلسفي للـ "الإنسان" يسيطر على هذا الإطار، المرتبط بكانط تحديدا، فنقاشه احتوى على تاريخ نقدي للفلسفة الحديثة.

بداية من ديكارت، كانت الفلسفة الحديثة منشغلة بسؤال إن كانت تمثلاتنا (خبراتنا، أفكارنا) تمثل العالم خارج عقولنا بدقة. ديكارت على سبيل المثال تساءل عن الكيفية التي نعرف بها أن أفكارنا تماثل الأشياء التي توجد خارجنا في الزمان والمكان. وتساءل هيوم عن الكيفية التي نعرف بها أن خبراتنا عن روابط الأفكار المتواترة (الشمس التي تشرق في كل نهار جديد على سبيل المثال) تماثل الروابط الضرورية في الواقع. لم تُطرح إجابات ملموسة على هذه الأسئلة حتى كانط (على الرغم من وجود بعض الافتراضات المُقنِعة التي ترى أنها ليست بحاجة إلى إجابة، كما يذكر هيوم على سبيل المثال).

مع كانط حدثت نقلة حاسمة لأنه فكر أيضا في إمكانية التمثل ذاتها، لم يتساءل فحسب إن كانت تمثلاتنا صادقة بالنسبة للعالم، ولكن كيف يكون بالإمكان تمثل أي شيء على الإطلاق (سواء بدقة أو لا). هذا كان حاسما لأنه أصر على أن الإجابة على السؤال الجديد أفسحت الطريق للإجابة على السؤال القديم. طرح كانط بشكل خاص أن إمكانية تمثل موضوع تتطلب، على سبيل المثال، أن يتم تمثل الموضوع كموجود في الزمان والمكان وكجزء من شبكة القوانين السببية. وفقا لهذا النوع من الحجة (التي أطلق عليها كانط "استنتاجا ترانسندنتاليا")، توجد موضوعات خبرتنا في المكان والزمان وهي محكومة بالقوانين السببية الضرورية، لأنه بخلاف ذلك لن تكون موضوعات لخبرتنا. من جهة، تقتصر معرفة العالم لدينا بما نختبره (العالم الظاهر "الفينومينالي")، وليس العالم كما هو في ذاته (العالم النومينالي). من جهة أخرى، فهذا الحد يتيح لنا إمكانية امتلاك معرفة موضوعية بالعالم.

نظرة كانط للمعرفة تتطلب وضعا ثنائيا خاصا للبشر. من جهة، نحن مصدر الشروط الضرورية لإمكانية وجود أي معرفة في العالم: ننتمي إلى النطاق "الترانسندنتالي" الذي هو مصدر كل المعرفة في النطاق "الإمبريقي". ولكن من جهة أخرى نحن أنفسنا قابلين للمعرفة (ليس فقط عن طريق الخبرة ولكن أيضا عن طريق العلوم الاجتماعية) وكذلك الموضوعات الموجودة في النطاق الإمبريقي. يستخدم فوكو مصطلح "الإنسان" ليشير إلى البشر باعتبارهم يملكون هذا الوضع الثنائي الخاص (يطلق عليه "ثنائية إمبريقية-ترانسندنتالية"). ذكر أنه لم يتحقق مفهوم الإنسان بهذا المعنى قبل نهاية القرن الثامن عشر. بالتالي كان إعلانه الميلودرامي بأنه "لم يوجد الإنسان" حتى نهاية القرن التاسع عشر.

وفقا لتأريخ فوكو للفلسفة الحديثة، فالإنسان مشكلة مركزية. تمثلت الصعوبة في فهم كيف للموجود الفردي الموحد أن يكون مصدرا ترانسندنتاليا لإمكانية المعرفة وموضوعا آخر للمعرفة في الوقت نفسه. ينتقل في الفصل التاسع من "الكلمات والأشياء" إلى التطورات الفلسفية الرئيسية بالقرن العشرين – وبشكل خاص فينومينولوجيات هوسرل وسارتر وميرلوبونتي – مجادلا بأنه لا أحد منهم كان قادرا على تطوير مفهوم متسق للإنسان، في كل الأحوال هناك استنباط غير منضبط: سواء من الإمبريقي إلى الترانسدنتالي (هوسرل) او من الترانسدنتالي إلى الإمبريقي (ميرلوبونتي).

أكثر مرة اقترب فيها فوكو الناضج من الخطاب الفلسفي الاعتيادي ذي النمط الكانطي كانت في هذا الفصل. يمكن أن نقرأه بشكل مقبول على أنه اجتهاد لإظهار أن كل التفسيرات الحديثة للإنسان (كثنائية إمبريقية-ترانسندنتالية) تعاني من عدم الاتساق. ولكن مثل هذا القراءة – وعلى الرغم من أنها تبدو متوافقة مع مقاصد فوكو – تتعارض مع مشروعه النقدي الآركيولوجي في "الكلمات والأشياء"، لأنها تجعل نقاشه على مستوى تاريخ الأفكار وسلسلة المفكرين الفرديين الذين يحاولون حل مشكلة، ولا تجعله بحثا آركيولوجيا للبنى اللا واعية المحيطة بهذا التاريخ. وأكثر من ذلك فهو مثْل تاريخ الأفكار، يمكنه أن يخبرنا فحسب أن هؤلاء المفكرين المحددين فشلوا في حل مشكلاتهم، ولا تخبرنا بالأسباب المبدئية لهذا الفشل (على المستوى الآركيولوجي كما هو مفترض). ولكن إن أعدنا تفسير معالجة فوكو على أنها سرد آركيولوجي أصيل، فعدم الاتساق الواضح لمفهوم الإنسان لا يُظهِر شيئا أكثر من الإبستيم الحديث الذي لم يعد يحكم فكرنا، ونتيجة ذلك أننا نصير أشبه بقراء "الموسوعة الصينية" عند بورخيس، تواجهنا "الاستحالة التامة للتفكير في هذا". لم يقدم فوكو حجة كافية تقف إلى جانب أو ضد الموقف الفلسفي الاعتيادي. وهذا لا يفاجئنا، فوفقا لروايته، سيتطلب تبني الحجة أن يعمل بداخل الإبستيم الحديث نفسه (إطار الفلسفة بالمعنى الكانطي)، وبالتالي التخلي عن المسافة التاريخية التي يتطلبها المنهج الآركيولوجي. أستنتج من ذلك أنه حتى في أبرز لحظاته الفلسفية، لا يشارك في جدالات الفلسفة ما بعد الكانطية الحديثة.

ولكن تظل هناك إمكانية جديدة، إمكانية جذبت بعض القراء لـ "الكلمات والأشياء". وهي أن فوكو – متبعا هايدجر – يحاول أن يفسح الطريق لنمط جديد من التفكير الفلسفي سيأخذنا إلى ما وراء الإبستيم الحديث. هناك بالتأكيد عناصر هايدجرية في "الكلمات والأشياء". أبرزها نقد التمثل وفلسفة الخبرة، التي تستدعي بوضوح الموضوع الرئيسي لكتاب هايدجر "الوجود والزمان"؛ وإن أشار فوكو إلى أن هايدجر نفسه لم يهرب من الصورة التمثلية، فهذه الحركة متوقعة في نقده لأستاذه. هناك أيضا تأملات عن علاقة اللغة بالوجود، وهي تستدعي كتابات هايدجر المتأخرة: "ما هي العلاقة بين اللغة والوجود، وهل الوجود بالفعل هو ما تخاطبه اللغة على الدوام؟" والهجمات الافتتاحية والختامية على فكرة "الإنسان"، مع التصاقها بفكرة أننا ننتقل إلى عصر جديد ستختفي فيه "الإنسانية"، تبدو هجمات محسوبة تضع فوكو إلى جانب هايدجر في هجومه الشهير على سارتر في "رسالة عن الإنسانية".


ولكن هذه الملامح الهايدجرية هي ما تفصل "الكلمات والأشياء" عن بقية أعمال فوكو. الموضوعات الفلسفية ليست بارزة في مكان آخر، وروابط النقاش الصغيرة مع المسائل الأخلاقية والسياسية المميزة لـ "تاريخ الحاضر" ليست موجودة في مكان آخر. وعلى الرغم من أنه مكتوب على أنه آركيولوجيا للعلوم الاجتماعية، فمن الصعب جدا أن تربطه بتحليله لنسق الهيمنة التي تتضمن بداخلها تلك المباديء التي أظهرها فوكو في أعماله اللاحقة. فكرة "الإنسان" من الممكن أن تكون قيدا اعتباطيا على فكرنا، ولكن ليس لدينا ما يضمن أن المُضيّ إلى ما وراءه سيعني شيء أكثر من ممارسة الحرية العقلية. من الجدير بالذكر أيضا أن أجزاء كبيرة من "الكلمات والأشياء" ليست هايدجرية إلى حد كبير، على وجه الخصوص الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة للأنماط العملية للتفكير. ولكن بقدر ما يبدو هذا الكتاب هايدجريا، بقدر ما يُظهِر أن كتبه الأخرى ليست كذلك. 

قراءات أوسكار وايلد في السجن – توماس رايت

قراءات أوسكار وايلد في السجن

ترجمة: أمير زكي
2016

***


في بدايات التسعينيات من القرن التاسع عشر بدا أن الكاتب الأيرلندي أوسكار وايلد يملك كل شيء؛ كاتب مسرحي متحقق، مسرحياته تعرض بنجاح على مسارح لندن، حياة اجتماعية صاخبة، زوجة وطفلين، علاقات ممتعة لا نهاية لها، حتى منظر وايلد الداندي كان يعبر عن نزعته الفنية والجمالية، ولكن الكاتب المسرحي وقع في خطأه الدرامي ليتلاشى كل هذا ويصبح مدانا ثم سجينا في سجون إنجلترا، الخطأ الدرامي لا يعود إلى مثلية وايلد الجنسية، وإنما في اندفاعه وراء تهور صديقه الشاب ألفريد دوجلاس في صراعه مع أبيه، هذا الذي دفع الأب إلى أن يعادي وايلد ويقاضيه بتهمة الأفعال الفاضحة، لتنكشف حياة وايلد أمام الجميع، ويسجن عامين.

في كتابه "كتب أوسكار" يرصد توماس رايت حياة وايلد من خلال الكتب التي قرأها والمكتبات التي مر بها وكوّنها، وبينما يرى قراء حياة وايلد أن لحظة سجنه كانت لحظة انهيار للأديب العظيم، إلا أن رايت يشير في الفصول الخاصة بقراءاته في السجن إلى أن إرادة وايلد وحسه الإبداعي قد انتصرتا في السجن وذلك عن طريق الكتب. سيرة ذاتية خاصة جدا يكتبها رايت عن فترة سجن وايلد وقراءاته، معتمدة على مجموعة كثيفة من المصادر المتعلقة بالأديب الأيرلندي، والجزء الخاص بالسجن لا يقدم معلومات ثرية عن وايلد فحسب بل عن طبيعة السجن ونظامه بإنجلترا في العصر الفيكتوري.

أ.ز

***


الآلة الإنسانية

بعد الحكم عليه، أُخِذ وايلد في عربة شرطة خالية من النوافذ من محكمة أولد بيلي عائدا إلى سجن هولواي. عند وصوله، لم يعد هناك شك من تغير وضعيته: هو الآن مجرم مدان ولم تعد الامتيازات التي تمتع بها وهو بانتظار المحاكمة مسموحة له.

سَلَّم وايلد كل متعلقاته الشخصية، ثم تعرى من أجل الفحص الطبي المفصل، والذي قرر الطبيب بعده أنه سليم بما يكفي ليمارس الأشغال الشاقة. بعد ذلك، استحم بماء قذر، وقُص شعره وصار قصيرا. ثم ارتدى ملابس السجن – طاقية وبدلة رمادية ليست على مقاسه مرسوم عليها أسهم في كل مكان. في النهاية، ألقيت عليه قواعد السجن: "يحافظ السجناء على الصمت نهارا وليلا... لا يتكاسلون، ولا يدّعون المرض لتجنب العمل...". كانت هناك العديد من القواعد التي يصل وقت تلاوتها إلى 45 دقيقة. وبعد ذلك اُقتيد وايلد إلى زنزانته.

بعد حوالي أسبوعين، قام وايلد برحلة قصيرة من سجن هولواي إلى سجن بينتونفيل، السجن المخصص للمجرمين المدانين. كان طول زنزانته هناك 13 قدما، وعرضها 7 أقدام، وارتفاعها 9 أقدام، كانت جدرانها مطلية بالأبيض، وكانت نظيفة تماما، وكأنها أرض أسفلتية لامعة. كانت هناك نسخة من قواعد السجن معلقة أمامه، وعلى رف صغير كان هناك الكتاب المقدس وكتاب صلوات وكتاب ترانيم، ولوح خشب موضوع على حاملين سيكون هو سرير وايلد.

عرف وايلد في سجن بينتونفيل الروتين اليومي المضجر والمرهق للسجين الفكتوري. يستيقظ في الصباح في الخامسة والنصف عند دق جرس السجن، ذو الوقع الحاد والصارخ. وعندما يستمع للجرس، يقوم وايلد، ويغسل وجهه سريعا بالماء البارد، ثم ينظف زنزانته ومحتوياتها. كل شيء يجب أن يكون مرتبا أمام فحص الحراس. بعد هذا الفحص الشامل، يتم السماح لوايلد بتفريغ فضلاته من الدلو الذي يستخدمه أثناء الليل كحمام. يتناول الإفطار المكون من الكاكاو الرفيع والخبز الجاف في السابعة والنصف، ويترك زنزانته لحوالي 45 دقيقة للتريض مع السجناء الآخرين. يتحركون حول "الفناء الأسفلتي الأزرق" في طابور واحد وفي صمت. ولكن بسبب كون وايلد مفرط الطول، فخطاه تجعله يصطدم بأعقاب السجين الذي أمامه؛ وعندما يحدث هذا يقوم الحارس على الفور بفصلهما حتى لا يحدث أي تواصل.

في حوالي الساعة التاسعة والنصف، يسير السجناء إلى الكنيسة حيث توضع الحواجز الحديدية بين المقاعد لمنع السجناء من رؤية بعضهم. على السجناء تحمل عظات القس الطويلة وأحيانا القاسية التي ينتقد فيها "خلوهم من الشرف وخطاياهم وشرورهم". مؤلف مقال "روح الإنسان في ظل الاشتراكية" كان يجد هذه الانتقادات مزعجة. كان وايلد يأمل في "أن أقوم من مكاني.. وأخبر البائسين المساكين المحرومين من حولي... أنهم ضحايا المجتمع، هذا المجتمع الذي لم يقدم لهم شيئا سوى الجوع في الشوارع، أو الجوع والقسوة في السجن".

كان وايلد يأكل غداءه في الظهيرة في زنزانته، كان الغداء يتكون من لحم الخنزير والحبوب أو بودينج اللحم. يُقدم له شاي خفيف في حوالي الخامسة والنصف. أثناء النهار كان يمارس ست ساعات من الأشغال الشاقة، غالبا بداخل زنزانته. حيث كان يستخرج الألياف من الحبال، أو يدير مقبض مضخة المياه أو مطحنة القمح. تُغلَق أنابيب الغاز التي توصل الضوء إلى زنزانته في الثامنة، ويكون على المسجون أن ينام على سريره الخشن.

النظام الذي عانى وايلد للعيش بداخله كان يتم تنفيذه وفقا لقانون السجون لسنة 1865. القانون الذي قرر "النظام الفاصل" في إنجلترا كلها، والذي صُمم ليعزل السجناء عن العالم الخارجي وعن بعضهم. كان الحوار بين السجناء ممنوعا تماما طوال الوقت، حتى تبادل النظرات كان يُعاقَب عليه بقسوة. يُحبَس السجناء في زنازينهم الانفرادية لحوالي ستة عشر ساعة في اليوم. كان المدافعون عن هذا النظام يزعمون أنه "يحفظ السجين من التأثير الضار لزملائه"، وكانوا يطرحون فكرة أنه في "عزلة الزنزانة، مع وعيه المجروح" والكتاب المقدس، سيتحول السجين حتما إلى الله. العزلة وسيلة قوية للتحكم: إنها تشجع السجناء على التركيز فقط في داخلهم، تجعلهم مذعنين وضعفاء، وتحطم رغبتهم في مقاومة السلطة.

كره وايلد هذه السمة التطهرية للنظام، بتركيزها على قراءة الكتاب المقدس فحسب، وإصرارها على أن يتعلم السجين احترام "الفضائل" الفيكتورية السبع المميتة المتعلقة بالإنتاج، والتوفير، والطاعة، والاعتدال، والواجب، والتقوى، والطهارة. هو كان متقزز أيضا من العقلية العلمية التي أتت بهذا النظام. بالتحكم في المكان والزمان بدقة قصوى. كانت أبعاد كل الزنازين متطابقة؛ كل فعل في كل يوم مُقاس بالثانية، وكل يوم منسوخ من سابقه. وصف وايلد هذا النظام الفاصل بجملة رائعة وهي أنه "الآلة الإنسانية".

لم يكن النظام الغذائي ملائما حتى أن وايلد فقد الكثير من وزنه – ربما حوالي 20 رطلا في الشهر الأول. ذكرت إحدى الصحف أن السجين مريض جدا وأنه على المأمور نقله إلى المستشفى. شعرت الليدي بروك – صديقة وايلد المقربة والأرستقراطية واسعة المعارف – بالذعر وأقنعت ريتشارد هولدين - عضو البرلمان الليبرالي وأحد معارفها – بأن يزور السجن. كان هولدين – الرجل الطيب والمثقف – عضوا في لجنة وزارة الداخلية التي تفحص نظام السجن، وكان من حقه دخول السجون في إنجلترا كلها. زار عضو البرلمان وايلد في 12 يونيو سنة 1895. رفض السجين الحديث إليه في البداية. ولكن هولدين استطاع أن يجعل وايلد يتكلم، بأن وضع يده بود على كتفه، والتحدث معه عن خططه الأدبية المستقبلية. حث وايلد على أن يكتب عملا عظيما معتمدا على التجارب القاسية التي مر بها، ووعده، وكانت هذه هي غايته، أن يزوده بالكتب وبأدوات الكتابة. كانت هذه أول كلمات متعاطفة يسمعها وايلد منذ الحكم عليه، وهذا دفعه للبكاء.

عَرْض هولدين أدى لتخفيف كبير في قواعد السجن. في الشهور الثلاثة الأولى من مدته لم يكن يُسمح للسجين في العصر الفيكتوري سوى بقراءة الكتاب المقدس وكتاب الصلوات وكتاب الترانيم الموجودين دوما في زنزانته. الأدبيات الدينية الأخرى كانت تُتاح فقط بناء على تقديرات القس. قُدِمت لوايلد نسخة من القصة البروتستانتية الشهيرة التي تعود للقرن السابع عشر "رحلة الحاج" لجون بونيان، ولكنها لم تقدم له السلوى أو العزاء. بعد مرور الأشهر الثلاثة الأولى كان يُسمَح للسجين أن يستعير كتابا واحدا في الأسبوع من مكتبة السجن.

سأل هولدين وايلد عن الكتب التي يريدها، فرشح وايلد "أعمال فلوبير". شرح هولدين له أن فلوبير اُتهم بالسلوك الفاضح بسبب روايته "مدام بوفاري"، ومن غير المرجح قبول طلبه. ضحك وايلد على هذا التعليق، الذي اعتبره بالتأكيد حمق من جانب سلطات السجن. حواراتهما الأدبية والوعد بتزويده بالكتب رفعا من معنوياته، كتب متحمسا قائمة بطلباته بمساعدة هولدين؛ وتضمنت القائمة كتاب "النهضة" لوالتر باتير، وعددا من الكتب للكاردينال نيومان.

اشترى هولدين كل الكتب المختارة، وربما فعل ذلك بالمساعدة المالية لليدي بروك، وأرسلهم إلى سجن بينتوفيل. على الرغم من أن وايلد لم يكن قد أكمل الأشهر الثلاثة الأولى من مدته، إلا أن الكتب كانت تُقَدَّم له بمعدل كتاب في الأسبوع. في هذه الأثناء أخبر المأمور اللجنة أن هناك "العديد من الكتب" التي أرسلت إلى السجن عن طريق أصدقاء وايلد. ولكن لأن السجناء كانوا ممنوعين من استقبال أي شيء من خارج السجن، فقد كانت هذه الكتب تعود على الفور إلى المتبرعين بها. واحدة من المتبرعين كانت مجهولة، وبالتالي لم تعد إليها الهدية: وبدلا من ذلك سيتم تسليم الكتاب للسجين عند إطلاق سراحه.

من المؤسف أنه لم يُسمَح لوايلد برؤية الكتاب (الذي لم يتم تحديده) أو أن يقرأ الرسالة المصاحبة له. كانت الرسالة تقول: "لو سمحتم اعطوا الكتاب للسيد وايلد، أنا لم أقابله قط، ولكن القلب الذي لا يدمي من أجل هذه الحياة المحطمة لا بد أن يكون قلبا قاسيا تماما ولم يعرف أبدا محبة الله... أشعر أنه بإمكان هذا الكتاب الذي أرسلته أن يساعده. المخلصة. امرأة أيرلندية".

الصمت

حالة وايلد أقلقت هولدين. وفي أقل من شهر على زيارة عضو البرلمان انتقل السجين من سجن بنتونفيل إلى سجن واندسوورث بجنوب لندن. ربما اعتقد أن وايلد سينتفع من البيئة الأكثر صحة خارج المدينة؛ هو أيضا كان يعرف ويليام موريسون، قس سجن واندسوورث، وكان بإمكانه معرفة حالة السجين عن طريقه.

طلب هولدين من مأمور سجن بنتونفيل أن يرسل إلى سجن واندسوورث العشرة كتب التي اشتراها لوايلد. وصلت الكتب بعد شهر ونصف من انتقال السجين. في الوقت الذي انتظر فيه وايلد قدوم مكتبته الصغيرة، بنفاد صبر كبير بلا شك، انغمس في نسخة الملك جيمس من الكتاب المقدس. مثله مثل العديد من السجناء الفيكتوريين، لا بد أنه قرأه من الغلاف للغلاف، وربما فعل ذلك أكثر من مرة. كان وايلد مفتونا دوما بالقصص "الجميلة فنيا" في العهد القديم، إلى جانب شخصية يسوع. بالعودة إلى الستينيات من القرن الثامن عشر، وفي مدرسة بورتورا البروتستانتية، حفظ العديد من آياته عن ظهر قلب. السهولة والكثرة التي اقتبس بها وايلد من نسخة الملك جيمس في رسائله بالسجن تشير إلى أنه حفظ منه الكثير مجددا. ولكن الأغلب أنه تم السماح لوايلد في أيامه الأولى بسجن واندسوورث أن يقرأ كتبا من مكتبة السجن، وكان يشرف على ذلك القس صديق هولدين.

مكتبات السجون الفيكتورية كانت تحتوي بشكل عام على ثلاثة أنماط من الكتاب: الكتب التعليمية، والكتب الدينية، والروايات الرائجة. في واحد من السجون التي سجن فيها وايلد (سجن ريدينج)، كان عدد الكتب في المجالات الثلاثة متساويا، فتقريبا كان هناك ثلاثمائة كتاب في كل مجال.

كانت الكتب التعليمية بدائية جدا. ككتاب "مباديء القراءة"؛ هذه النوعية من الكتب كانت تستهدف أنصاف المتعلمين من الطبقة العاملة الذين يشكلون الغالبية العظمى من السجناء. كانت هناك كتيبات عملية عن حرف مختلفة. كان من الواضح أن لا يوجد واحد من ضمن هذه الكتب يثير اهتمام وايلد. وبلا شك كان الأمر نفسه ينطبق على الكتب الدينية المتاحة. ومن نماذجها كان كتاب جوزيف كينجسميل "مرشد السجين إلى الصلاة"، الذي يحتوي على صلاة: "خذني أيها الرب المجيد، تحت جناح رحمتك هذه الليلة، أنا الشرير والخاطيء غير المستحق..."

كان الأدب الرائج ممنوعا تماما بأمر القس. الروايات التي تتضمن الجنس أو السجون أو السياسة لم يكن لها مكان على رفوف مكتبة السجن، وسيكون من المفاجيء أن تجد أحد هذه الكتب يمر من الرقيب، ولكن كانت هناك العديد من الروايات الفيكتورية "البريئة" المتاحة للاختيار من بينها؛ في تلك الروايات تحصل الشخصيات الطيبة على السعادة وتكون نهاية الأشرار تعيسة، بالضبط كما تشير ميس بريزم في مسرحية وايلد "أهمية أن تكون جادا" إلى أن "هذا ما تعنيه الروايات".

أضافت سلطات السجن رعبا جديدا أثناء عقاب وايلد بإجباره على قراءة الروايات الواقعية والتعليمية والشاعرية التي كان يكرهها. وبسبب الضجر الرهيب، كان وايلد مجبرا على قراءة "كل شيء" متاح أمامه في السجون المختلفة للعديد من المرات. بعض المسؤولين في السجن كانوا مقتنعين حقا بأن وايلد سيستفيد من هذا الانتظام في القراءة "النافعة". وفي وسط حوار مع أحد المسئولين، سأل المسئول وايلد عن أكثر كتاب يتمناه. وعندما ذكر وايلد رواية فلوبير الثرية والحسية "سالامبو"، اعترض المسئول قائلا: "إنها من نوع الهراء الذي جلبك إلى هنا".

واحدة من الروايات البريئة المتاحة لوايلد كانت عمل السير والتر بيسانت المكون من ثلاثة أجزاء "البوابة العاجية". بطل الرواية، السيد إدوارد ديرينج، محامي عام، يتعرف فجأة، بعد حياة مخصصة للعمل الشاق ومراكمة الثروة، على "الشخص الحالم" بداخل نفسه، والروحانية اللا نهائية والإمكانات الاجتماعية المتاحة للإنسانية في العموم. وبعد يقظته يبشر بإنجيل الإيثار: يقول: إن قام الإنسان بـ "خلع رداء الأنانية، ووضع الزي الأبيض للخيرية"، فسيكون من الممكن لليوتوبيا أن تتحقق على الأرض. تنتهي الرواية برؤية سعيدة يرى فيها البطل فجأة "موكبا طويلا لهؤلاء الذين يعملون ويغنون أثناء عملهم. وهم سعداء، على الرغم من عملهم الشاق، لأنهم يعملون للجميع، والجميع يعمل لبعضه البعض". بالطبع هذا هو بالضبط نوع الرواية الأخلاقية المكتوبة سيئا التي كان وايلد ينتقدها في كتابته بتعبيراته اللاذعة. كان بيسانت بالتأكيد واحدا من "المسوخ السود" لدى وايلد – وهم المعادلين الروائيين للناقد هاري كويلتر، الذي مَثَّل بالنسبة له كل الأشياء السنتمنتالية ومنعدمة الذكاء وغير الفنية في رواية الطبقة المتوسطة الإنجليزية. كان "الإحسان العام" لبيسانت مثيرا للغثيان، وكان وايلد مرتعبا بالقدر نفسه من تعليمية الكاتب، وكره ما وصفه على أنه "مجرد أسلوب" – هذه الجملة التي أرضت وايلد كثيرا. والشيء الأسوأ يتمثل في كون بيسانت واقعيا كبيرا، شكلت أعماله محاولة مملة لـ "استنطاق الواضح" من وجهة نظر وايلد.

الروايات الشبيهة لرواية بيسانت تتبنى بعضا من المباديء المرشدة للنظام الفاصل، كالعمل الدؤوب والواجب. ولكونها أعمالا واقعية، فهي تشبه أيضا عالم السجن وموضوعيته الباردة. في العالمين، الواقعي والروائي، تنكر هذه النوعية على الآخرين حرية التفسير أو النقاش، ولا تقدم لهم مخرجا لعالم مشاعرهم الداخلي، أحلامهم وخيالاتهم. مثل هذه التشابهات ربما تشرح سبب أن نقد وايلد لنظام السجن يذكرنا بموقفه من الرواية الواقعية: كان يشكو قائلا إنها "غبية"، لأنها ينقصها "الخيال".

مكتبات السجن كانت تحتوي أيضا على روايات إثارة وجرائم قتل مثل رواية فيرجوس هيوم "الحانة المنعزلة". هذه القصص الشعبية لكاتب الجريمة النيوزيلاندي كانت تعتبر بريئة لأنها تُرجِع سبب الجريمة بشكل عام إلى "الشر" الشخصي أو غياب المنطق النفسي للمجرم، وليس للظروف الاجتماعية. كان وايلد على الأرجح يجد في هذا "الرخص" الشعبي شيئا ممتعا أكثر من بيسانت: على الأقل فالقصة فيها بنية محدد وواضحة، ولا يقوم الكاتب بالتبشير.

الأمر لا يتعلق بأنه ليس لدى وايلد أي شيء طيب ليقوله عن المختارات المتاحة له. قال في رسالة للصحافة كتبها بعد خروجه من السجن: "الكتب التي تشكل المكتبة المعتادة للسجن عديمة النفع تماما. معظمها يتكون من كتب دينية من الدرجة الثالثة ومكتوبة بشكل سيء، هي مكتوبة للأطفال كما هو واضح، وهي غير مناسبة حتى للأطفال أو لأي شخص". واحدة من مطالبات وايلد لإصلاح السجون كانت أن تتاح للسجناء حرية الوصول لمختارات مناسبة من الأدب الجيد.

مثلها مثل العناوين المتاحة، لم تكن ظروف السجن تؤدي إلى تجربة قراءة ممتعة أو مفيدة. حالة الإنهاك والجوع والمرض والكآبة المستمرة "تشل ملكات القراءة" بحسب قول أحد السجناء. زنازين السجن الفكتوري لم تكن ملائمة للقراءة. الضوء الباهت الذي تعيقه النوافذ ذات القضبان الرفيعة والقذرة، والضوء الخافت الذي تصدره أنابيب الغاز بالكاد ما تسمح للسجين بأن يتبين الكلمات.

القراءة تحت هذه الظروف تسبب إجهادا للعين وضعفا للبصر، وكان بصر وايلد يضعف، خاصة في الشهور الشتوية من سجنه، عندما كان يقرأ على ضوء الغاز بعد غروب الشمس. كان يقف في زنزانته بجانب الضوء الصناعي، يمسك بكتابه إلى جانب اللهب ويحدق في الصفحات، التي يقلبها ببطء. هذه الصورة المتعلقة بقراءة منعزلة وبطيئة وغير مريحة تُقارَن على الفور بصورنا السابقة عن وايلد كقاريء.

حل الارتياح من السجن الأدبي التقليدي في السابع عشر من أغسطس عن طريق العشرة كتب التي اشتراها هولدين لوايلد. في نهاية هذا الشهر، أرسل عضو البرلمان الليبرالي إلى مكتبة واندسوورث، عن طريق بائع الكتب الخاص به، كتب باتير التي كان أوسكار وايلد مشتاقا للحصول عليها. الإضافات الجديدة التي وصلت لوايلد كانت كتاب "الدراسات اليونانية" التي يناقش فيه باتير جوانب متنوعة من الأدب والثقافة اليونانية، و"التقديرات" وهي مجموعة مقالاته عن الأدب الإنجليزي، و"لوحات متخيلة"، وهي مجموعة تتكون من أربع قصص تاريخية.

بقيت نسخة وايلد من الكتاب الأخير. في غلافه الداخلي جدول صغير مكون من الصفوف والأعمدة، كُتِب عليه تاريخ 1-10-95. من المحتمل أن يكون هذا هو تاريخ إعادة وايلد الكتاب إلى المكتبة. في هامش صفحة 141، يظهر التاريخ مجددا، إلى جانب تمزق طفيف. لا بد وأن القس هو من كتب هذا التاريخ، أو مساعده؛ معلم السجن الذي يفحص حالة الكتاب قبل إن يعيد وضعه في المكتبة. وإلى جانب صفحة العنوان الداخلية للكتاب هناك رقمان، "541" و"1189"، وبلا شك فالرقمين يشيران إلى مكان الكتاب في رفوف المكتبة.

الكتاب في حالة سيئة جدا. حوافه وأركانه مطوية؛ غلافه وأوراقه ممتلئة بالبقع وعلامات الغبار. هذه التشوهات تشير إلى بعض الظروف التي قرئت فيها الكتاب، وقذارة الأيدي التي أمسكت الكتاب بعد القيام بالأشغال الشاقة. يحتوى الكتاب على علامات من الأرجح أنها من وضع وايلد. ربما طلب سجناء آخرون قلائل كتاب باتيرـ ولم يكن من المسموح لأحد آخر أن يضع علامات على الكتاب. من ضمن قصص الكتاب، يبدو أن وايلد كان مهتما بشكل خاص بقصة "كارل دوق روزينمولد"، وهي قصة خيالية عن رائد مبكر للتنوير الألماني في القرن الثامن عشر. وصف وايلد القصة، في قراءته الأولى لكتاب "لوحات متخيلة" منذ عقد مضى، على أنها تعبير عن  "الشغف لعالم الفن المتخيل". الخطوط الأفقية تُعَلِّم على فقرات تشير إلى باخ وجوته. فضول وايلد كان مستثارا أيضا ببعض التأملات عن مفهوم التنوير عن المخيلة وبعدد من الفقرات الغامضة في الميتافيزيقا.

هذه العلامات تشير إلى أن عقل وايلد المتطلب كان لا يزال حيا. استعاد كما هو واضح القوة العقلية المطلوبة للاشتباك مع كتاب في حوار؛ هو أيضا كان قويا بما يكفي ليتساءل عن بعض مزاعم الكتاب. في صفحة 104 كانت هناك علامة استفهام إلى جانب عبارة باتير الغامضة عن حيوات الفنانين الهولنديين التي كان بشكل عام "نموذجية في مسائل العلاقة الأسرية".

إلا أن علامات وايلد كانت تشير أيضا إلى اليأس. صفحة 111 تحتوي على ما يبدو أنه أكثر الأمثلة إثارة للحزن بين هوامش وايلد – علامة تعجب وحيدة إلى جانب كلمة "الصمت". هل اهتم بالكلمة لأنها كانت محملة بالرعب بالنسبة له؟ تحت النظام الفاصل كان الصمت التام يسود السجن؛ علق وايلد على ذلك قائلا أنه "مُعاقَب" بالصمت، "الإنسان البائس المحبوس في السجن الإنجليزي، بالكاد يستطيع أن يهرب من الجنون".

شعر وايلد بالارتياح بسبب الكتب التي أرسلها له هولدين. عندما زاره صديقه روبرت شيرارد في نهاية أغسطس، كانت القراءة هي الموضوع الوحيد التي أمكنه أن يناقشه فيه بهدوء؛ كل الموضوعات الأخرى أدت إلى أن ينهار. بشكل مشابه، في أكتوبر، عندما حصل على إذن خاص ليرى صديقه المحامي العام آرثر كليفتون، ذكر وايلد سعادته بنسخ كتب باتير ونيومان.

كل من الزائرين ارتعبا من منظر وايلد وحكيه عن الحياة بالداخل. وسط كلامه مع كليفتون، تحدث وايلد عن المعاملة "الوحشية" التي يتعرض لها. يقول كليفتون "بكى وايلد كثيرا" وقال أكثر من مرة "إنه لا يعتقد أن سيستطيع تحمل العقوبة".

أظهر وايلد علامات على الصمم الجزئي – نتيجة سقوطه في كنيسة السجن هذا الذي أضر أذنه كثيرا. بسبب هذا السقوط، إلى جانب الإسهال، تم السماح لوايلد بأن يقضي بعض الوقت في المستشفى. ولكنه لم يسترح هناك، فالأطباء كانوا يعاملونه بقسوة. صارت حالة وايلد خطيرة جدا، حتى أن وزير الداخلية أرسل خبيرين طبيين ليفحصوه عقليا وجسديا. كان واضحا أن صحة وايلد أقلقتهما فقد فضلا بقوة أن ينتقل من لندن إلى الريف، حيث يمكن أن يستفيد من الجو الصحو، وتم الاستقرار على سجن ريدينج. ومجددا كان هولدين، ملاك وايلد الحارس، هو الذي يتصرف من وراء الكواليس.

الكتب في يديه

في الساعة الثانية من ظهيرة يوم ممطر موافق للحادي والعشرين من نوفمبر عام 1895، وقف وايلد على رصيف محطة كلافام جانكشن منتظرا القطار المتجه لريدينج "في زي السجن ويديه مكبلتين، والعالم ينظر إليه". مواطنو لندن المهمين الذاهبين والراجعين من المدينة رأوا السجين وضحكوا. قال وايلد: "كان هذا قبل أن يعرفوني، وما أن عرفوني حتى ضحكوا أكثر". واحد منهم بصق على وجه وايلد. كان عليه أن يتحمل إهاناتهم حتى وصول القطار في الثانية والنصف. كتب: "لمدة عام بعد حدوث هذا لي، ظللت أبكي كل يوم في نفس الساعة ونفس الوقت".

بعد نزوله في محطة ريدينج أنهى وايلد رحلته القصيرة إلى السجن الذي كان مثله مثل سجون هولواي وبينتونفيل وواندسوورث، ذا مظهر قوطي حديث يشبه قلعة من العصر الوسيط. بعد الفحص الطبي التقليدي، صعد وايلد سلمين حديديين لامعين وسار في ممر ضيق حتى وصل للزنزانة ج.3.3 – الزنزانة الثالثة في الطابق الثالث من المبنى ج. لم تكن أكبر من زنزانته السابقه، ولكن كان بها نافذتين جنوبيتين تسمحان بقدر كبير من الضوء. ستكون هي بيته للثمانية عشر شهرا القادمين.

التقرير القادم من واندسوورث عن حالة وايلد اقترح "تنويع في الأشغال" مثل "تجليد الكتب" أو "العمل بالحديقة". وبدلا من الأشغال الشاقة، سيعمل وايلد الآن "مع معلم السجن في ترتيب وإصلاح وتوزيع الكتب"، إلى جانب العمل ثلاث ساعات بالحديقة يوميا.

كمساعد للمعلم، كانت مهمة وايلد الرئيسية هي أن يوزع ويجمع كتب المكتبة. هذا أتاح له فرصة نادرة ومبهجة للتحدث مع السجناء الآخرين، وذلك عن موضوع عزيز على قلبه. في كل أسبوع يحضر وايلد فهرس مكتبة السجن إلى زنازين كل السجناء. لا بد أنه كان يقدم للسجناء نصائح ممتازة عن الكتب التي عليهم اختيارها، صانعا وسط هذه العملية العديد من الصداقات التي ستستمر حتى بعد خروجه. بعدما يختار السجناء العناوين التي يريدونها، يعود وايلد إلى المكتبة، حيث يحضر الكتب المختارة من الرفوف ويضعها في التروللي. ثم يدور على الزنازين ليوصل الكتب. عندما يقدم لكل سجين كتابا، يكتب رقمه الفهرسي في بطاقة المكتبة الزرقاء الموجودة في زنزانة السجين. وبعد أسبوع، يمكن للسجين استبدال كتابه بكتاب آخر، بشرط أن يعيده سليما. واحدة من واجبات وايلد الأخرى كانت تجليد كتب المكتبة بورق بني. أخبر واحدة من أوائل زواره في ريدينج أنه يستمتع كثيرا بهذا العمل. إن لم يستطع قراءة كل الكتب التي أرادها، فهو استطاع على الأقل أن "يمسك الكتب بيديه".

الزائرة المذكورة كان زوجته كونساتنس، على الرغم من أنها كانت مريضة جدا ومحطمة نفسيا تماما، إلا أنها سافرت كل هذه المسافة من جنوة في إيطاليا، حيث كانت تعيش مع ابنيهما سيريل وفيفيان،  لترى وايلد في فبراير عام 1896. قامت بهذه الرحلة لتخبر وايلد بالأخبار السيئة المتعلقة بوفاة أمه، فهي لم تتحمل فكرة أن يستمع للخبر من شفتي غريب.

شعر وايلد بالألم والندم الشديدين. كان يعتقد أن أمه ماتت "مكسورة القلب لأن ابنها، الذي كانت فخورة بفنه وعبقريته، حُكِم عليه بالأشغال الشاقة لعامين". ولم تخفف من حزنه حقيقة أن الخبر لم يفاجئه. زعم وايلد أنه في عشية زيارة كونستانس، ظهرت له روح أمه إسبيرانزا في زنزانته، ترتدي معطف خروج. وطلب منها أن تخلعه وتجلس، ولكنه هزت رأسها بحزن واختفت.

إنها نهاية أدبية ومسرحية مناسبة للعلاقة بين أم وابنها، محملة بالعديد من الإحالات الأدبية. روح إسبيرانزا لعبت دور البانشي – المرأة الشبح في الفولكلور الأيرلندي - الذي يدل ظهورها على موت واحد من أفراد الأسرة. كانت أيضا تقوم بدور أم أوديسيوس، كما ظهرت في الكتاب 11 من "الأوديسا" لهوميروس. هبط أوديسيوس إلى هاديس، العالم السفلي عند اليونان، وهناك، وسط ظلال الموتى، قابل شبح أمه. تبادلا الحوار، وفي النهاية يحاول أوديسيوس معانقة أمه، ولكنه لا يستطيع معانقة شبحها. بشكل مثير للفضول، كان لهذا الجزء تأثير كبير على وايلد في أوكسفورد، حين استعاد هذا المشهد "المؤثر" و"الرائع" في مقال له.

شبحية إسبيرانزا بدا أنها تحاكي أيضا إيفرالين، أم أوسكار في الأشعار الأوسيانية (الأسكتلندية) التي ترجمها جيمس مكفرسون. في أحد الأجزاء، يظهر شبح إيفرالين إلى أوسيان أبو أوسكار، "في ضوء جمالها، كانت عيناه الزرقاوان تدمعان". حثته على أن ينهض: "انقذ ابني، انقذ أوسكار أمير الناس"؛ الذي هو في خطر محدق. من الممكن أن تكون إسبيرانزا قد تلت هذا المشهد الجميل على وايلد وهو صبي، وربما استعاده وهو سجين. عاودت روح إسبيرانزا الظهور إليه في العديد من الأوقات اللاحقة من حياته وظلت تظهر إليه حتى النهاية.

على فراش الموت تساءلت إسبيرانزا إن كان من الممكن أن يؤذًن لـ "أوسكار العزيز" أن يزورها، ولكن لا بد أنها عرفت أن هذا لن يُسمَح به. وبعدما ماتت، لم يؤذَن لوايلد حتى أن يحضر جنازتها. بعد شهر من موتها طلب من صديق له أن يأخذ، من شارع أوكلي، كل "الكتب التي ألفتها والتي أعطيتها لأمي العزيزة".

تقرير سجن واندسوورث الطبي أشار إلى أن وايلد مستمر في التمتع بامتياز القراءة. كانت لديه القدرة على الوصول إلى مجموعة من الكلاسيكيات، التي انتقلت من واندسوورث إلى ريدينج. عند وصولها، تغيرت أرقام الفهرسة بأرقام جديدة، وكتبت كلمتي "سجن ريدينج" في صفحة العناوين الداخلية. وكامتياز إضافي تم السماح له بأن يقرأ كتابين كل أسبوع وليس كتابا واحدا.

في فبراير عام 1896، أضيفت سبعة عناوين إلى مخزونه: "الكوميديا الإلهية" لدانتي، إلى جانب كتاب في النحو الإيطالي وقاموس ليساعد وايلد على قراءة إيطالية العصر الوسيط المكتوبة بها القصيدة، ومجلدين ضخمين يحتويان على المجموعة الكاملة المتبقية من الشعر والمسرح اليوناني واللاتيني، وفي نفس الحجم جاء المعجم اليوناني لليدلي وسكوت، والقاموس اللاتيني للويس وشورت. مور آدي، مترجم هنريك إبسن وصديق داعم "شهم" آخر لوايلد، حصل على الكتب وأرسلها إلى ريدينج. كان واحدا من بين العديد من الناس الذي أرسلوا للسجين الكتب أثناء احتجازه.

رحب وايلد كثيرا بالمجلدات السبعة. ولكن الأعمال الأدبية الكلاسيكية لم تكن نافعة كثيرا، لأن قراءتها كانت تصيبه بالصداع الشديد. وإلى جانب الصداع كان وايلد يشكو من ضعف الانتباه، بسبب صحته الضعيفة واكتئابه، ولم يعد قادرا على بذل الجهد في قراءة مثل هذا الأدب. كان يشكو أيضا من حقيقة أن مأمور سجن ريدينج – السكير المتسلط ه. ب. إيزاكسون –يعيق قراءاته. قال وايلد لصديق له: "هو يحب أن يعاقِب، بأن يأخذ مني كتبي".

لحسن حظ السجين فقد كانت أيام إيزاكسون في ريدينج معدودة. وفي يوليو عام 1896 حل محله الميجور جيمس نيلسون، الذي وصفه وايلد بأنه أكثر شخص قابله "شبها بالمسيح". قبل وصول نيلسون بوقت طويل، كتب وايلد عريضة متوسلة إلى وزير الداخلية عبر فيها عن خوفه من كونه يتحول تدريجيا إلى الجنون. كان يبدو في لقاءاته مع أصدقائه أيضا فزعا من طيف الجنون: سأل صديقه روبي روس إن كان عقله "يبدو في حال سليمة؟" وتنبأ من أن الاحتجاز "سيفقده عقله". في عريضته لوزير الداخلية، أحال وايلد وضعه العقلي السيء إلى "النظام المخيف للاحتجاز بالزنزانة" وغياب "أدوات الكتابة التي يمكن أن تساعد على تشتيت الذهن". تذمر أيضا من نقص "الكتب المناسبة أو الكافية" التي هي "أساسية جدا لأي رجل أدب" و"مهمة جدا للحفاظ على التوازن العقلي".

تقدم وايلد بعريضة حارة من أجل الحصول على قدر أكبر من الأدب. كتبها بضمير الغائب، وفقا لبرتوكول السجن: "عن طريق إذن خاص تم السماح لكاتب العريضة بقراءة كتابين في الأسبوع: ولكن مكتبة السجن صغيرة جدا: بالكاد ما تحتوي على عدد كاف من الكتب للرجل المتعلم". وبالنسبة للكتب التي طلبها بنفسه "فقد قرأها وأعاد قراءتها حتى صارت بلا معنى". في النهاية "عالم الأفكار مثله مثل العالم الواقعي، مغلق أمامه: هو مجرد من كل شي يمكنه أن يخفف عنه ويلهي ويعالج عقله المصاب والمضطرب". انتهى وايلد بأفضل مديح كتبه عن الكتب، قائلا: "الحرمان من الكتب فظيع مثله مثل الحرمان الجسدي في حياة السجن الحديثة، هذا الحرمان الجسدي لا يُقارَن بالحرمان التام من الأدب بالنسبة لشخص كان الأدب له أهم شيء في الحياة، الشيء الذي يمكن من خلاله إدراك الكمال، ومن خلاله وحده يمكن للعقل أن يشعر بأنه حي".

ردت لجنة السجن بأن أشارت على المأمور الجديد بأن يزود وايلد بـ "ورقة فولسكاب وحبر وقلم، ليستخدمهم في أوقات فراغه بالزنزانة" (حصل على دفتر وقتها). طالبت اللجنة نيلسون بأن يتأكد إن كان وايلد قد قرأ حقا كل الكتب المتاحة له؛ لو كان قرأها، فبإمكانه أن يعرف من السجين طلباته عن الكتب الأخرى. بالإضافة إلى ذلك، أشارت اللجنة على المأمور أن "يُقَدِّر عدد الكتب التي ستدخل إلى وايلد". قال نيلسون في رده أنه على الرغم من أن وايلد لم يقرأ بالفعل "كل الكتب الموجودة بمكتبة السجن"، إلا أنه قرأ كل الكتب "التي تستحق القراءة". السجين أيضا أعدّ قائمة من الكتب "سيمتن جدا للحصول عليها".

احتوت القائمة على أكثر من عشرين عنوانا، كُتِبَت بخط يد وايلد الأنيق. علّم نيلسون على بعض طلباته مثل رواية االكاتب الفرنسي المتهتك ويسمانس، ربما بسبب طبيعتها المثيرة للجدل. تم السماح بدخول كتاب إرنست رينان المهرطق "حياة المسيح وتلاميذه"، ولكن فقط إن تم شراء نسخته الأصلية المكتوبة بالفرنسية، غالبا للتأكد من أن أحدا من السجناء الآخرين لن يقرأه. رَفْض نيلسون ربما يعود إلى حقيقة أن ميزانيته كانت محدودة بعشرة جنيهات، وهو القدر السنوي المخصص لشراء الكتب للسجن. ولكن على الأرجح فأصدقاء وايلد دفعوا مقابل بعض هذه الكتب.

عندما بدأت الكتب في الوصول، أخذ نيلسون واحدا منها إلى الزنزانة ج.3.3. دخل إلى الغرفة وقال مبتهجا "وزير الداخلية قال إنه من المسموح أن تحصل على الكتب". وأضاف: "هذا كتاب ستحبه على الأرجح، لقد قرأته بنفسي". تأثر وايلد جدا بطيبة المامور وانهار وبكى، وقال له: "هذه أول كلمات طيبة تقال لي منذ جئت إلى سجن ريدينج".

هذه واحدة من المرات العديدة التي استخدم فيها نيلسون تقديره في تطبيق القواعد على وايلد. كان من المسموح للسجين أن يحتفظ ببعض الكتب باستمرار في زنزانته، هذا الذي شَكّل مكتبة صغيرة. وقدم له أيضا امتياز غير عادي بأن يُبقى المصابيح الغازية مضاءة طوال الليل ليقرأ في الوقت الذي يريده.

إلا أنه على الرغم من هذه الامتيازات، ظل اكتئاب وايلد المميت محسوسا في طلبه المثير للشفقة لإخلاء سبيل مبكر كتبه لوزير الداخلية في 10 نوفمبر سنة 1896. شَكَر لجنة السجن على إضافة الكتب التي طلبها إلى مكتبة السجن، ولكنه قال إنه حتى بعد "هذه التيسيرات، التي يمتن لها السجين جدا، إلا أنها لم تؤثر إلا قليلا في تخفيف الضغط والألم الذهني البشع عليه، الذي يكثفه الصمت والعزلة يوميا في حياة السجن".

لم تُقبَل عريضة وايلد المطالبة بإخلاء سبيل مبكر، ولكن تم السماح له بطلب كتب أكثر، بشرط أن يدفع أصدقاؤه ثمنها. ربما كان نيلسون هو من حث اللجنة على هذا القرار، فقد أخبرهم أن وايلد "قرأ وأعاد قراءة كل الكتب التي تم تزويده بها بشكل خاص". وكتب وايلد مجددا قائمة بالعناوين التي اشتراها مور آدي وأرسلها إلى ريدينج.

أُرسِل الطرد الأخير من الكتب إلى وايلد قبل إطلاق سراحه. الأغلب أن فكرة كتابة قائمة جديدة جاءته بعد لقاءه مع آدي في يناير 1897. بعد مرور بعض الوقت كتب آدي قائمة قدمها إلى هولدين في نهاية الشهر ليحصل على موافقته عليها. هذا كان يتم مجددا برضا الميجور ويلسون بشرط أن يدفع أصدقاء وايلد ثمنها. راجع وايلد على الأرجح قائمة آدي، لأنها أُرسلت مرة أخرى إلى وزارة الداخلية وإلى نيلسون من أجل التصديق عليها. الشيء الوحيد الذي اعترض عليه نيلسون كان عددا من دورية "القرن التاسع عشر"، كان يحتوي على مقال عن نظم السجون، قال عنها نيلسون "ليس من المستحب أن يقرأها السجين".

العزاء الأعظم

عادة ما يعود السجناء بمخيلتهم إلى الماضي: علق وايلد على ذلك قائلا: "ليس لدينا شيء آخر لنفكر فيه". البعض يسعى بذلك للتخفف من طغيان الحاضر الساكن، الذي شبهه وايلد بـ "لحظة العذاب الوحيدة الطويلة"، ملتمسين الراحة في مخزونهم من الذكريات. البعض الآخر يتجه إليه في محاولة لفهم ما الذي أدخلهم بوابات السجن.

من الأرجح أنه لهذه الأسباب – وربما لأنه بدا من الصعب جدا الدخول في قراءات جديدة – عاد وايلد بالزمن في قراءاته بالسجن. العديد من العناوين في القوائم التي طلبها كانت مألوفة له في شبابه، صفحاتها مفعمة بالذكريات. عندما حصل على "المعجم اليوناني" لليدل وسكوت وعلى الإنجيل اليوناني، ربما ذكراه بنسختي الكتابين اللتين كانتا متواجدتين في مكتبة أبيه. كتب تينيسون وكيتس وشوسر وسبينسر ووردسوورث وآرنولد وجون درايدرن ومالوري وروبرت برنز التي قرأها وايلد في السجن كانت تحيله أيضا إلى ميدان ميريون، حيث مجموعة أمه الشعرية التي كانت تضم هذه الكتب بالتأكيد.

ربما عاد وايلد إلى الماضي أيضا بمعاونة المكتبة الضخمة التي كان يحملها في ذهنه. أثناء التريض في فناء السجن كان يخطو "منحني الرأس.. وعادة ما يردد أجزاء من نثر أو شعر كتابه المفضلين". وفي "زنزانته الانفرادية" أيضا كان يقضى ساعات اليقظة وهو يتحدث إلى نفسه كل ليلة وكأنه "يضحك مع الزوار المتخيلين". ربما كان يمثل مشاهد من المسرحيات، أو يردد فقرات من الشعر الدرامي.

ربما ذكرته الأعمال الأدبية الكلاسيكية والتعليقات على الأدب القديم الذي كان يقرأه في السجن بكلية ترينيتي وجامعة أوكسفورد اللذين درس فيهما، كانت تلك فترته المزدهرة كطالب أوكسفوردي وربما رغب في استرجاعها (طلب أعمال عدد من الكتاب الذين قرأهم هناك، مثل نيومان وباتير)، من الممكن أنه عاد إلى أوكسفورد من أجل أن يعود إلى نقطة انطلاقه الفكرية. وبالوصول إليها تمنى أن ينطلق مجددا في مغامرة جديدة.

إلى جانب استثارة ذكريات الماضي، فالكتب التي طلبها وايلد ساعدته على أن يضفي معنى على حياته. عندما فتح كتاب "المسرح التراجيدي اليوناني"؛ المجلد الضخم الذي يحتوي على كل المتبقى من الشعر والمسرح اليوناني، أعادة قراءة فقرة في الفصل الخاص بأجاميمنون واكتشف فيه مدخلا لتاريخه الشخصي. وذلك في خطاب للكورس متعلق بهيلين الطروادية. هيلين الجميلة كانت سبب الحرب الموصوفة في إلياذة هوميروس، التي خاضها اليونان من أجل استعادتها من الطرواديين.

في هذه الفقرة يشبّه إسخيلوس هيلين بأنها شبل جميلة استقبلها سيد كريم في بيته، حيث تربت في سخاء شديد، ولكن عندما تحولت للبؤة كشفت عن طبيعة جنسها القاسية، وانقلبت على سيدها وأكلت أولاده. هكذا كانت هيلين، المدللة الآن في طروادة، التي يخفيها الأمير باريس بعدما سرقها من النبيل اليوناني منيلوس، والتي ستصير علة هدم المدينة. كان وايلد مشدودا كطالب لهذه الكلمات. اقتبسها في مقال بأكسفورد ومدحها باعتبارها "أكبر انتصار للعبقرية اليونانية". الآن، وهو يجلس في زنزانة سجنه في ريدينج، أدرك أن لها صدى كبير على تاريخ حياته.

في بداية التسعينيات من القرن التاسع عشر، دعا وايلد آلفريد دوجلاس المدلل إلى بيته. آلفريد "بوزي" كان إله الوثنية الرومانتيكية لدى وايلد؛ وكان أيضا واحدا من أدوات سقوطه، كما صار وايلد مقتنعا الآن. كتب وايلد إلى دوجلاس من السجن: "في أروع مسرحيات إسخيلوس، يخبرنا عن السيد العظيم الذي يحضر إلى منزله لبؤة صغيرة... وتكبر هذه اللبؤة... وتدمر السيد وبيته... أشعر أنني مثل هذا الشخص".

مثل تلك التأملات دفعت وايلد أثناء عامه الأول بالسجن من أن يتحول بعنف ضد "أعز الصبيان" لديه. هو لم يندم أبدا على الطبيعة المثلية جنسيا في علاقته مع دوجلاس، ولكن أثناء سجنه، استنتج أن حياة "المادية المقصودة"، و"الإفراط الحسي" التي اشترك فيها مع بوزي لم تكن تستحق أن ينغمس فيها كرجل وكفنان. هو أيضا لام دوجلاس كثيرا على انتهاء مصيره إلى السجن، فهو الذي حثه على أن يتخذ إجراء قانونيا ضد أبيه.

تحول وايلد أيضا إلى الأدب ليضفي معنى على الحاضر. "الكوميديا الإلهية" لدانتي فوق كل الكتب ساعدته على فهم العالم البشع للسجن. قرأ وايلد السرد المتخيل الشهير للشاعر عن رحلته في الجحيم والمطهر والفردوس بإيطالية العصر الوسيط، بمساعدة ترجمة نثرية وحواشي متنوعة، وكتاب نحو وقاموس.

في رحلته، يلف الشاعر الفلورنسي، الذي يرشده أولا الكاتب اللاتيني فيرجيل ثم بياتريتشي التي يحبها حب أفلاطوني، في دوائر تمثل الأبعاد المختلفة لما بعد الموت، وفي طريقه يلتقي بالأرواح التي تسكن هناك. في "الجحيم"، تعاني الأرواح التي يقابلها من عذابات بشعة: الشهوانيون الذين يدورون في دوامات لا تتوقف، النهمون الذين يسوطهم المطر، والمهرطقون الذين يمزقون أجسادهم. والأرواح التي تعيش في الفردوس وتسعد بمجد الله إلى الأبد.

معاناة وايلد في السجن ازدادت بسبب البساطة المضجرة لما يحيطه. كان هذا، إلى جانب الوحدة العقلانية جدا، ما جعل الحياة في السجن غير إنسانية ومستحيلة الوصف. قال وايلد إن وصف السجن كان "صعبا كوصف المرحاض... يمكن للمرء أن يقول فحسب إنه سليم أو معطوب: نظيف أو العكس: رعب السجن يتمثل في أن كل شيء بسيط جدا". لا ثمن للكلمات في العالم الإسبرطي للسجن؛ ولا للمشاعر ولا للأفكار. هذا سبّب فجوة هائلة بين مشاعر السجناء المأساوية والسمة العقابية لمحيطهم. قال وايلد: "كل شيء شائع جدا، إلا أنه مذل جدا وبشع. وتأثيره مثير للتمرد. في النهاية فالأوصاف الواقعية ليست ملائمة على الإطلاق في مهمة استحضار حياة السجن – كيف يمكن للسرد الموضوعي أن ينقل الرعب والآلام التي تأكل روح المدان؟"

ولكن حيث تفشل الواقعية، ينجح الأدب الخيالي والرؤيوي كما اكتشف وايلد في الكوميديا الإلهي لدانتي، فقد ذكر بعد خروجه: "لقد قرأت دانتي يوميا بالإيطالية، كل صفحة فيه؛ لا المطهر ولا الفردوس كانا يعنياني... ولكن الجحيم! ما الذي يمكنني فعله سوى أن أعجب به؟ الجحيم – ألم نكن ساكنين فيه؟ الجحيم: كان هو السجن".

كان وايلد يعرف الكاتب الذي مدحه باعتباره "أعظم شاعر حديث" قبل وقت طويل من حبسه. وفي الحقيقة فقد كانت أمه تزعم نسبها لدانتي متجاهلة الحقائق التاريخية بوضوح. وقد كان وايلد يحيل كثيرا للشاعر الفلورنسي في أشعار شبابه.

أثناء رحلته ليحاضر في أمريكا عام 1882، زار وايلد أحد السجون بنبراسكا. ووجد هناك سجينا منغمسا في قراءة صفحات من عمل دانتي البارز. وعلق على ذلك قائلا: "كان هذا غريبا وجميلا، أن يضيء حزن أحد الفلورنسيين حزن سجين عادي في سجن حديث بعد مئات السنين". الآن وهو نفسه يذبل في السجن، استعاد هذا الموقف العجيب. أخبر مور آدي أنه فهم أخيرا كيف جذب دانتي السجين الأمريكي لأن الشاعر الإيطالي كان "أعظم عزاء تلقاه".

عَّبر "الجحيم" عن الرعب الكامل لتجربة وايلد، يحيل الشكل الدال للجحيم إلى حياة السجن. كان واحدا من تلك الأعمال العظيمة التي استخدمت "الأكاذيب الخيالية والشعرية، والفانتازيا الرؤيوية، لقول الحقيقة. هذا الذي لا يمكن للأدب الواقعي أن يعبر عنه. كرجل يرتاد الحياة دوما عن طريق الكتب، كان على وايلد أن يضع معاناته في سياق أدبي – أن يشكلها ويثبتها في كلمات شعرية ملتهبة. قدمت "الكوميديا الإلهية" لوايلد النص الذي يحتاجه ليفهم ويتحمل الحكم عليه.

عندما كان وايلد يصف حياة السجن، وتجربته الذاتية، كان يحيل كثيرا إلى قصيدة دانتي. كان يقارن اليأس المميت الذي كان يشعر به في سجن واندسوورث، باليأس الموجود عند شخصيات بعينها في "الجحيم"؛ هؤلاء  الذين استلسموا لخطيئة الحزن العنيد. إلا أنه من بعض الجهات، كان عالم السجن بشعا جدا حتى أن كلمات دانتي لم تستطيع وصفه بشكل مناسب. بالمقارنة بالسجن الفيكتوري، فبعض الجوانب في الجحيم الفلورنسي كانت إيجابية. أشار وايلد إلى أنه في الجحيم "يمكن للناس (على الأقل) أن يتحركوا، أن يروا بعضهم، أن يسمعوا بعضهم وهم يئنون. هناك نوع من الرفقة".

اعترف وايلد بعد إطلاق سراحه بكونه مدين كثيرا لدانتي. أخبر أحد معارفه بأن الفلورنسي "أنقذ عقله"؛ وقال لآخر أنه كثيرا ما كان يستعيد اللذة المحروم منها عن طريق "الكوميديا الإلهية". قال: "يمكنك أن تتخيل كم تذوقت كل كلمة". من بين كل المقارنات الرمزية التي قام بها وايلد بين الطعام والأدب تعتبر هذه المقارنة الأكثر تأثيرا، فما الذي يمكن تذوقه في السجن بخلاف الكلمات.

كلمات النعمة

بعدما قضى العام الأول من مدته، تحولت أفكار وايلد بشكل متزايد من الماضي إلى الحاضر، وإلى العالم القابع خلف بوابات السجن. بينما كانت قائمة طلباته في يونيو سنة 1895 مقتصرة على تفضيلاته القديمة والكلاسيكيات الأدبية، فالقوائم التي كتبها بعد يوليو 1896 كانت تحتوي على عناوين نشرت حديثا مثل خطابات سيفنسون وروزيتي والروايات الجديدة ليوسمانس وميرديث وتوماس هاردي. منذ صيف عام 1896، رغب وايلد بوضوح في أن يتابع كل النميمة الأدبية الحديثة ليعرف التطورات الفنية الجديدة.

عودة فضول وايلد المتعلقة بمعاصريه تشير على الأرجح إلى ارتفاع معنوياته. وتشير إلى أنه بدأ تدريجيا في اعتبار نفسه جزءا من العالم الخارجي مجددا وبدأ يتأهب ببطء للعودة إليه. جعل نفسه مستعدا بقراءة عدد من الصحف والدوريات التي كان أصدقاؤه من الحراس يهربونها إلى زنزانته. سابقا كان وايلد ينظر للصحف، ثم يلقيها جانبا بعد عدة دقائق مع تنهيدة عدم رضا وبعض القرف. الآن يستغرق في قراءتها في زنزانته، ويلتهم كل المعلومات الموجودة فيها.

بالقرب من نهاية مدته بدأ وايلد بالتفكير في المستقبل، في ديسمبر سنة 1896، كان من الواضح أنه بدأ يعتقد أن هناك مستقبلا ينتظره في أوروبا القارية. لأنه عكف على دراسة عدد من اللغات الأوروبية. كان هذا تغييرا دالا في مزاجه. فقبل ذلك كان يشك في كونه سيعيش حتى يوم خروجه.

تضمنت قائمة طلباته في ديسمبر 1896 عددا من كتب دراسة اللغتين الألمانية والإيطالية. كان وايلد يسخر دوما من اللغة الألمانية: في "أهمية أن تكون جادا" تصفها الليدي باركنيل بأنها "لغة جديرة تماما بالاحترام"، بينما تدعوها سيسيلي كارديو باللغة "البشعة". كان وايلد قد زار ألمانية سنة 1889 وكان سبب ذلك جزئيا "أنها فرصة رائعة لنسيان اللغة"، كما كان يقول مازحا. حتى أثناء سجنه كان وايلد يسخر من الألمانية مشيرا إلى أن السجن هو "المكان المناسب" لتعلمها.

يبدو أن وايلد كان معجبا بالإيطالية. تعلم الكثير منها على الأرجح عن طريق دانتي إلى جانب كتب النحو التي كان يستعين بها، ووصف لاحقا حديثه الإيطالي على أنه "خليط مذهل من دانتي والعامية الحديثة السيئة". واحد من الكتب التعليمية التي درسها كان كتاب بيادجي "الدليل العملي للغة الإيطالية" الذي كان يحتوي على تدريبات على الترجمة ربما كانت مسلية بالنسبة له. طلب وايلد أيضا كتاب محادثة فرنسي – إيطالي وفي قائمة الطلبات التي وضعها في نهاية مدته، طلب كتابا في النحو الإسباني. على الأرجح هو توقع حياة الارتحال في أوروبا القارية بعد أن ينال حريته. أدرك أنه لا مكان لمنبوذ مثله في جزيرة إنجلترا "التي "تخلى عنها الله" والتي "يضربها البحر" كما أشار لاحقأ.

بدأ وايلد أيضا في تصور مستقبله ككاتب. في عشية خروجه طلب عددا ممن الكتب الدينية، من أسباب ذلك أنه كان يفكر في كتابة مقال عن المسيح. أوجز وايلد رؤيته عن يسوع في الفقرات الدينية والفلسفية في الخطاب السيري الذي كتبه إلى ألفريد دوجلاس في سجن ريدينج والذي صار معروفا باسم "من الأعماق". (1905)

ألف وايلد الرسالة في عشرين كراسة زرقاء من أوراق السجن، بين ديسمبر سنة 1896 ومارس سنة 1897، بجانب المصباح الغازي في زنزانته. استخدم لوح السرير الخشبي كطاولة، وأشار إلى أنه "كان طاولة جيدة جدا أيضا". كان وايلد ممتنا جدا لحصوله على فرصة أن يكتب، ذلك الامتياز الممنوع على السجناء الفيكتوريين. تحت نظام نيلسون اللطيف سُمِح له أن يحتفظ بأدوات الكتابة دوما في زنزانته.

كتابة "من الإعماق" خرجت بشكل مباشر من قراءات وايلد بالسجن. إن كان يمكن الانطلاق من نسخته من كتاب باتير "لوحات متخيلة"، فأصل "من الأعماق" يعود إلى الهوامش التي بدأت مع هذه النسخة، والتي سمح بها نيلسون. من الفقرات التي علم عليها فقد اختار بلا شك الأجزاء الدالة لينقلها في الدفتر الذي حصل عليه في صيف سنة 1896. قال وايلد: "العقل يفقد حياته... يصير مكبلا بملل المعاناة، بالتالي أنقل الملاحظات من الكتب التي أقرأها، وأنسخ عبارات وجمل الشعراء... أنا أتشبث بدفتري: إنه يساعدني: قبل أن أحصل عليه كان عقلي يدور في دوائر خبيثة جدا".

إلى جانب كونه نشاطا علاجيا، فتدوين الملاحظات ألهم وايلد بتلك التأثيرات الأدبية التي تم التعبير عنها في النهاية في "من الأعماق". مجرد الإمساك بالقلم والحبر، والانغماس في الأفكار، والفرصة للتمتع مجددا باللغة، أيقظ قواه المبدعة. من المرجح أنه استخدم عددا من الاقتباسات التي جمعها في دفتره في رسالته الطويلة، المحملة بالأصداء والإحالات والاقتباسات من قراءات سجنه. عادات الكتابة القديمة لا تتلاشى بسهولة، وكاتب الرسالة السيرية العميقة كان لا يزال وحشا يتغذى على الكتب.

كتب وايلد في "من الأعماق" "كل صباح، بعدما أنظف زنزانتي وأغسل أطباقي، أقرأ القليل من الأناجيل، عدد من الآيات أقرأها بالصدفة من أي موضع. إنها طريقة مبهجة لبداية اليوم". قراءة وايلد لـ "القصائد النثرية الأربع عن المسيح" في الإنجيل اليوناني، أثرت على تأملاته عن شخصية يسوع التي تظهر في رسالة السجين الطويلة.
ترجمة وايلد للمسيح كانت مهرطقة كما هو متوقع: يتجول يسوع في صفحات من "الأعماق" وينطق بالمفارقات والأمثولات المتعالية، مثله مثل سقراط، ويبشر بالإنسان ورسالته المتعلقة التسامح والتعاطف والإدراك الذاتي، إلا أنه مثله مثل الكثير من المسيحيين الأرثوذوكس، توجه أيضا إلى حياة يسوع عندما حاول أن يحمل معاناته البشعة بالدلالة.

قدمت الكتب لوايلد الإرشاد الروحي. كانت أيضا ممتلئة بـ "كلمات النعمة"، وفقا لجملته المؤثرة. كان السجين مقيدا في الزمن الحاضر، والذي يفقد فيه الإنسان عقله. وبحسب وايلد فـ"الفكر بالنسبة لهؤلاء الذين يجلسون وحيدين في الأغلال" ليس "شيئا حيا ذو جناحين" كما زعم أفلاطون، "ولكنه شيء ميت". إلا أنه مع قضاء مدة السجن، فكت الكتب الأغلال التي قيدت عقل وايلد.

قبل وقت قصير من إطلاق سراحه، أعلن منتصرا أن "المكان والزمان مجرد حوادث عارضة للفكر. ويمكن للمخيلة أن تتعالى عليهما، وتتحرك نحو مجال حر من الموجودات المثالية". هذا يمثل انتصارا يعقب معركة قاسية خاضتها الروح والطبع الفني، وقد كانا صلبان في المعركة حتى أن النظام الفاصل لم يستطع تحطيمهما. إنها معركة خاضها السجين وانتصر فيها من خلال هوامش كتبه. العلامات التي وضعها وايلد على نسخة "لوحات متخيلة" لباتير تشير إلى مزاج متأرجح بين اليأس والأمل اختبره أثناء كفاحه. وعلى الرغم من أنه وضع علامة في صفحة 111 على كلمة "الصمت" المؤلمة – الكلمة المعبرة عن عالم السجن الكريه - في نهاية الكتاب، كان يحلق بعيدا عن السجن على أجنحة كلمات باتير، واضعا علامة على هذه الجملة الرائعة في الصفحة 170: "بالتأكيد، مع مرور العصور، يمكن للمرء أن يصل للروح التاريخية الخاصة بهم، غير الميتة، ولكن الحية، الثرية، بصحبة المتعة، وامتداد الحاضر". كم هي ملائمة جملة "امتداد الحاضر" – إنها تعبر بالضبط عن تأثير كتاب باتير على وايلد.

أشار وايلد إلى أحد الكتب التي أرسلت إليه قائلا: "عندما أقرأ والتر باتير، يحضرني صديقين أفكر فيهما – الكاتب، والشخص الذي تبرع به". في تلك الحالة، كان آرثر همفريز هو المحسن الكريم، الذي كتب وايلد إليه بعد إطلاق سراحه: "المعرفة الآتية من العديد من الكتب التي كانت هدية من رفيق طيب مثلك، جعلتني ألمس وأمسك الكتب بسعادة وكأن كل كتاب منهم يد صديق: في الحقيقة كل كتاب منهم كان يد صديق، رفعني من مستنقع اليأس والألم حيث كنت ساقطا هناك لعام كامل".

وايلد الذي كان على الدوام قارئا اجتماعيا استطاع أن يستمتع بالجانب الاجتماعي للكتب حتى أثناء حبسه. في الرسائل الموجهة لمعارفه كتب بذكاء عن الأدب؛ كان يتحدث عن الكتب قدر ما يستطيع مع الحراس الودودين. عندما سأله أحدهم عن ماري كوريلي، ملكة الأدب السنتمنتالي الرخيص في نهاية القرن التاسع عشر، و"إن كانت تعتبر كاتبة عظيمة؟" كان هذا يفوق قدرة وايلد على الاحتمال، قال: "لا أريدك أن تعتقد أن لدي اعتراضات على أخلاقها، ولكن بالطريقة التي تكتب بها فمن المفترض أن تكون في السجن هنا". كان رد الحارس المندهش: "هذا رأيك يا سيدي، هذا رأيك".

ناقش وايلد الأدب بقدر ما استطاع مع رفاقه من السجناء. كمساعد لمعلم السجن، كان يقترح عليهم العناوين من مكتبة السجن، وكان يرسل لهم أيضا الملاحظات المتعلقة بالشئون الأدبية سرا. كتب في واحدة منها: "أتمنى لك قضاء يوم أحد سعيد بقراءة فاوست لجوته، إنه عمل فني عظيم". اعتقد وايلد كما هو واضح أن الكتابة العظيمة يمكن أن تصل إلى السجناء غير المتعلمين من الطبقة العاملة الذين صاروا الآن أقرانه، وهذا لأن مجتمع الكتب هو مجتمع لا طبقي، أو ينبغي أن يكون كذلك بحسب رأي راسكين.

عندما كان وايلد يكتب قوائم طلباته للكتب، كان يضع في ذهنه السجناء الآخرين. كل العناوين التي أرسلت إليه (على الأقل قبل وصول نيلسون لريدينج) كان تذهب إلى مكتبة السجن وتصير متاحة على الفور للسجناء الآخرين. كان وايلد واعيا بهذا. كتب في إحدى القوائم: "ليس في المكتبة هنا أي شيء من روايات ديكنز. أنا واثق من أن أعماله االكاملة ستكون ذات نفع عظيم للعديد من السجناء، كما أنها ستكون نافعة لي بالتأكيد".

دافع آخر حث وايلد لأن يسأل عن رواية ستيفنسون "جزيرة الكنز". بعد ستة أسابيع بعدما أرسلها له أصدقاءه، شعر بالامتنان لأنه عرف أن السجناء الآخرين "يطلبونها ويحبونها كثيرا". شجعه حماس السجناء، فطلب وايلد أعمالا أكثر لستيفنسون، إلى جانب كتب لوالتر سكوت وه. ج ويلز. وكان ينوي بعدما يستعيد حريته أن يهدي للسجن "عددا من الروايات الجيدة" الأخرى لأمثال جين أوستين وثاكيري. وبينما أرسل وايلد المال بعد إطلاق سراحه لكل "أصدقائي في ريدينج" (دعاهم "رفاقي؛ قلوب الذهب") فمن الممكن أن يكون قد نفذ خطته.


مُنِع وايلد من يأخذ كتبه معه بعد إطلاق سراحه: لقد "حُكِم عليها بالسجن المؤبد" في المكتبة كما أوضح. ولكنه لم يشك من ذلك، بل على العكس أسعده أن يفكر في أن هذه الكتب يمكنها أن "تخفف وتعالج عقول مضطربة وقلوب مكسورة أخرى". كان وايلد يعرف عن تجربة شخصية كيف يمكن أن تصير الكتب "مسكنا للألم". كتب بعد ذلك: "بينما كنت أحب الأدب منذ صباي، لم تكن لديّ فكرة أن هذا الفن الراقي سينقذ كل من حياتي العقلية والجسدية في أحد الأيام".